كتاب المغازي والسير
1 -
باب دعاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الناسَ إِلى الإِسلامِ وما لقيه
1401 - 1683 - عن طارق بن عبد الله المحاربي، قال:
رأيتُ رسولَ الله في سوق (ذي المجاز) 1 وعليه حلّة حمراء، وهو يقول:
"يا أَيّها النّاس! قولوا: (لا إِله إلّا اللهُ)؛ تُفلحوا".
ورجل يتبعه يرميه بالحجارة، وقد أَدمى عُرْقُوبيه وكعبيه، وهو يقول: يا أَيّها النّاس! لا تطيعوه فإنّه كذاب، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا غلام من بني عبد المطلب، قلت: فمن هذا الذي يتبعُه يرميه بالحجارة؟ قيل: هذا [عمّه] 2 عبد العُزَّى أَبو لهب.
فلمّا أَظهر اللهُ 3 الإسلامَ؛ خرجنا في ذلك حتّى نزلنا قريبًا من المدينة ومعنا ظَعِينة لنا، فبينما نحن قعود؛ إِذ أَتانا رجل عليه ثوبان 4 أَبيضان
فسلّم، فقال:
"من أَين أقبل القوم؟ ".
قلنا: من (الرَّبَذَة)، قال: ومعنا جل، قال:
"أَتبيعون هذا الجمل؟ ".
قلنا: نعم، قال:
"بكم؟ "، قلنا: بكذا وكذا صاعًا من تمر، قال: فأَخذه ولم يستنقصنا، قال: "قد أَخذته".
ثمَّ توارى بحيطان المدينة، فتلاومنا فيما بيننا فقلنا: أَعطيتم جملكم رجلًا لا تعرفونه! قال: فقالت الظعينة: لا تَلاوموا؛ فإِنّي رأيتُ وجهَ رجل لم يكن ليُخفِركم 1، ما رأيت شيئًا أَشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه.
قال: فلمّا كانَ من العشي؛ أَتانا رجل فسلّم علينا فقال: أَنا رسولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِليكم؛ يقول: إنَّ لكم أَن تأكلوا حتّى تشبعوا، وتكتالوا حتّى تستوفوا، قال: فأكلنا حتّى شبعنا، واكْتلنا.
قال: ثمَّ قدمنا المدينة من الغد؛ فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطبُ على المنبر وهو يقول:
"يد المعطي [يد] العليا، وابدأ بمن تعول، أُمَّك وأَباك، وأُختَك وأَخاك، ثمَّ أَدناك أَدناك".
فقام رجل فقال: يا رسولَ اللهِ! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع، قتلوا قتلانا في الجاهليّة، فخذ لنا ثأرنا منه، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه؛ حتّى رأيت بياض إِبطيه، وقال: "أَلا لا تجني أُمّ على ولد، أَلا لا تجنّي أُم على ولد 1 ". صحيح - "الإرواء" (3/ 319 و 7/ 335)، "تخريج مشكلة الفقر" (44).
1402 - 1684 - عن جُبَيْر بن نُفَيْر، قال: جلسنا إِلى المقداد بن الأَسود يومًا، فمرَّ به رجل، فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، لوددنا أنّا رأينا ما رأيتَ، وشهدنا ما شهدت، فاستُغضِبَ، فجعلتُ أَعجبُ! ما قالَ إِلّا خيرًا، ثمَّ أَقبلَ إِليه فقال: ما يحمل الرجلَ على أَن يتمنّى محضرًا غيّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيفَ كانَ يكون فيه؟! والله لقد حضر رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أَقوامٌ كبّهم الله على مناخرِهم في جهنّمَ، لم يجيبوه ولم يصدّقوه، أَوَلا تحمدون اللهَ إِذ [قد] أَخرجكم تعرفون ربَّكم، مصدقين لما جاءَ به نبيّكم - صلى الله عليه وسلم -، [قد] كُفيتم البلاء بغيرِكم؟! والله لقد بُعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على أَشدّ حالٍ بُعِثَ عليها نبيّ من الأَنبياء، وفترة وجاهليّة، ما يرون أنَّ دينًا أَفضل من عبادة الأَوثان، فجاء بفرقان فرّقَ به بين الحقِّ والباطل، وفرّق بين الوالد وولده، حتّى إِن كانَ الرَّجل ليرى ولدَه أو والدَه أَو أَخاه كافرًا؛ وقد فتحَ اللهُ قُفل قلبِه للإيمان،
يعلمُ أنّه إِن هَلَكَ دخل النّار، فلا تقرّ عينهُ وهو يعلمُ أنَّ حبيبَه في النار 1، وأنّها التي قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ...﴾ الآية.
صحيح - "الصحيحة" (2883).
1403 - 1685 - عن عمرو بن العاص، قال 2: ما رأيت قريشًا أَرادوا قتلَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إِلّا يومَ ائتمروا به 3 وهم جلوس في ظلِّ الكعبة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي عند المقام، فقام إِليه عقبةُ بن أَبي مُعَيط، فجعل رداءَه في عنقه، ثمَّ جذبه حتّى وجبَ 4 لركبتيه - صلى الله عليه وسلم -، وتصايح الناس، فظنّوا أنّه مقتول، قال: وأَقبلَ أَبو بكر رضي الله عنه يشتدّ حتّى أَخذَ بضبْعَيْ 5 رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من ورائه [وهو يقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾؟! ثمَّ انصرفوا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -]، فقامَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما قضى صلاته؛ مرَّ بهم وهم جلوس في ظلِّ الكعبة، فقال: "يا معشرَ قريش! أَما والذي نفسي بيده ما أُرسلت إِليكم (3) إِلّا
بالذَّبح"، - واَشارَ بيده إِلى حلقه - فقال له أَبو جهل: يا محمد! ما كنتَ جهولًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"أنت منهم".
(قلت): ويأتي حديث ابن عباس بنحو هذا في غزوة بدر.
حسن - التعليق على "الإحسان" (6535).
1404 - [6533 - عن عروة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قلت: ما أَكثرُ ما رأيت قريشًا أَصابت من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كانت تُظهرُ من عداوتِه؟ قال: قد حضرتُهُمْ وقدِ اجتمعَ أَشرافُهُم في الحِجْر، فذكروا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه مِن هذا الرّجل قطُّ؛ سَفَّهَ أَحلامنا؛ وشتَمَ آباءنا، وعابَ ديننا، وفرّقَ جماعتنا، وسبَّ آلهتنا، لقد صبرنا منه [على] أَمر عظيم - أَو كما قالوا -، فبينا هُم في ذلك؛ إِذ طلعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأَقبلَ يمشي حتّى استلمَ الركنَ، فمرَّ بهم طائفًا بالبيت، فلمّا أن مرَّ بهم [غمزوه ببعض القول، قال: وعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى - صلى الله عليه وسلم -، فلما مرَّ بهم] 1 الثانية غمزوه بمثلِها، فعرفتُ ذلك في وجهه، ثمَّ مضى [- صلى الله عليه وسلم -]، فمرَّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، ثمَّ قال: "أَتسمعون يا معشرَ قريش! أما والذي نفسُ محمد بيدِه؛ لقد جئتكُم بالذبح".
قالَ: فأَخذتِ [القومَ] كلمتهُ، حتّى ما منهم رجل إِلّا لكأنّما على رأسِه طائر واقع، حتّى إنَّ أَشدَّهُم فيه وطأة قبلَ ذلكَ يترفؤهُ (1) بأحسن ما يجيبُ من [القول]؛ حتّى إِنّه ليقول: انصرف يا أَبا القاسم! انصرف راشدًا؛ فواللهِ ما كنتَ جهولًا!
فانصرفَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، حتّى إِذا كانَ من الغَد، اجتمعوا في الحِجْر؛ وأَنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغَ منكُم، وما بلغَكم عنه، حتّى إِذا بادأكُم بما تكرهونَ تركتموه! وبينا هُم في ذلك؛ إِذ طلعَ عليهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فوثبوا إِليه وثبةَ رجلٍ واحد، وأَحاطوا به يقولون لَهُ: أَنتَ الذي تقولُ كذا وكذا؟ لِما كانَ يبلغهم منهُ مِنْ عيب آلهتهم ودينهم، قال:
"نعم أَنا الذي أَقولُ ذلك"، قال: فلقد رأيتُ رجلًا منهم أَخذَ بمجمَع ردائه، وقامَ أَبو بكر الصديق رضي الله عنه دونه يقول - وهو يبكي -: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ثمَّ انصرفوا عنه.
فإنَّ ذلك لأشدّ ما رأيتُ قريشًا بلغتْ منه قطُّ.].
حسن - "التعليقات الحسان" (8/ 186/ 6533).
2 -
باب البيعة على الحرب
1405 - 1686 - عن جابر، قال: مكثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة سبع 2 سنين يَتَبَبَّع الناس بمنازلِهم، بِـ (عُكاظ) و (مَجَنّة) والموسم بـ (مِنًى) يقول:1
"مَن يُؤْويني وينصرني، حتّى أَبلّغَ رسالاتِ ربّي؟! " 1.
حتّى إنَّ الرجلَ ليخرج من (اليمن) أَو من (مصر)، فيأتيه قومُهُ فيقولون: احْذَرْ غلامَ قريش لا يفتنك! ويمشي بين رحالِهم وهم يشيرون إِليه بالأَصابعِ، حتّى بعثنا الله له من (يَثْرب)، فآويناه وصدقناه، فيخرج الرّجل منّا فيؤمن به، ويقرئه القرآن، وينقلبُ إِلى أَهلِه، فيسلمون بإسلامِه، حتّى لم يبقَ دارٌ من دورِ الأَنصارِ؛ إِلّا وفيها رهط من المسلمين يظهرونَ الإسلام.
ثمَ إِنّا اجتمعنا فقلنا: حتّى متى نتركُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يُطْرَدُ في جبالِ مكّة ويُخاف؟! فرحل اليه منّا سبعون رجلًا، حتّى قدموا عليه مكة في الموسم، فواعدناه بيعة العقبة، [فقال عمّه العباس: يا ابن أَخي! إِنّي لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك؟! إِنّي ذو معرفة بأهل يثرب] 2، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين، حتّى توافَيْنا، [فلما نظرَ العباس في وجوهنا؛ قال: هؤلاء قومٌ لا أَعرفهم، أَحداث!] (3) فقلنا: يا رسولَ الله! على ما نبايعُك؟ قال:
"تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسلِ، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأَمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، وأَن تقولَها لا تبالي 3 في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني وتمنعوني - إِذا قدمت عليكم - ممّا تمنعون منه أَنفسكم وأَزواجكم وأَبناءكم، ولكم الجنّة".
فقمنا إِليه فبايعناه، وأَخذ بيده أَسعدُ بنُ زُرارة - وهو من أَصغرِهم -، فقال: رويدًا يا أَهلَ يثرب! فإنّا لم نضرب أَكبادَ الإبل إلّا ونحن نعلمُ أنّه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّ إِخراجَه اليوم منازعةُ العرب كافةً، وقتلُ خيارِكم، وأن تعَضَّكُم السيوف، فإِمّا أَن تصبروا على ذلك وأَجرُكُم على الله، وإِمّا أَنّكم تخافون من أَنفسكم جُبْنًا فبيِّنوا ذلك، فهو أَعذَرُ لكم! فقالوا: أَمِط عنّا (1)، فوالله لا ندع هذه البيعة أَبدًا، فقمنا إِليه فبايعناه، فأَخذ علينا، وَشَرَطَ أَن يعطينا على ذلك الجنّة.
صحيح لغيره - "فقه السيرة" (148 - 149)، "الصحيحة" (63).
3 -
باب الهجرة ونزول آية القتال
1406 - 1687 - عن ابن عباس، قال:
لمّا أُخرج (2) النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من مكّة، قال أَبو بكر: أَخرجوا نبيّهم، إِنّا للهِ وإِنّا إِليه راجعون، لَيَهْلِكُنَّ! ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
قال: فعرفت أنّها ستكون، [قال ابن عباس: فهي أَوّلُ آية نزلت في القتال].
صحيح - "التعليقات الحسان" (4690).
4 -
باب في غزوة بدر
1407 - 1688 - عن عبد الله [هو ابن مسعود]:12
أنّهم كانوا يوم بدر بين كلِّ ثلاثة بعير، وكانَ زميلَيْ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عليٌّ وأَبو لُبابة، فإِذا حانتْ عُقبةُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -؛ قالا: اركب ونحن نمشي، فيقول [النبي]- صلى الله عليه وسلم -:
"ما أَنتما بأَقوى منّي، وما أَنا بأَغنى عن الأَجر منكما".
حسن - "الصحيحة" (2257)، تخريج "فقه السيرة" (219)، "المشكاة" (3915/ التحقيق الثاني).
1408 - 1690 - عن علي - رضوان الله عليه -، قال:
"ما كانَ فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتُنا وما فينا قائم؛ إِلّا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة؛ يصلي ويبكي حتّى أَصبح".
صحيح - "صفة الصلاة/ السترة"، التعليق على "الإحسان" (4/ 11).
1409 - 1691 - عن ابن عباس:
أنَّ الملأَ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا - باللات والعزّى ومناة الثالثة الأُخرى ونائلة وأساف 1 -: لو قد رأينا محمدًا؛ لقمنا إِليه قيامَ رجلٍ واحد، فلم نفارقه حتّى نقتله.
فأَقبلت ابنتهُ فاطمةُ تبكي، حتّى دخلت على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقالت: هؤلاء 2 الملأ من قومِك قد تعاقدوا عليك: لو قد رأوك قاموا إِليك فقتلوك، فليس منهم رجل إِلّا عرف نصيبه من دمك! قال:
"يا بنيّة! ائتيني بوَضوء".
فتوضأ، ثمَّ دخلَ المسجد، فلمّا رأوه قالوا:
ها هو ذا؛ [ها هو ذا]، فخفضوا أَبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورِهم، فلم يرفعوا إِليه بصرًا، ولم يقم إِليه منهم رجل، فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتّى قامَ على رءوسهم، فأخذ قبضة من تراب، وقال:
"شاهت الوجوه" (1).
ثمَّ حصبهم، فما أَصاب رجلًا منهم من ذلك الحصا حصاةٌ؛ إِلّا قُتل يوم بدر.
صحيح لغيره - "الصحيحة" (2824)، "فقه السيرة" (228).
5 -
باب في غنيمة بدر وغيرها
1410 - 1692 و 1693 - عن عبادة بن الصامت، قال: خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى بدر؛ فلقي العدوَّ، فلمّا هزمهم اللهُ اتبعَتْهُم طائفةٌ من المسلمين 2 يقتلونهم، وأَحدقت طائفة برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، واستولت طائفة على العسكر والنُّهبة، فلما كفى اللهُ العدوَّ، ورجعَ الذين طلبوهم؛ قالوا: لنا النفل، نحن طلبنا العدو، وبنا نفاهم الله وهزمهم! وقال الذين أَحدقوا برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: والله ما أَنتم أَحقَّ به منّا، هو لنا، ونحن أَحدقنا1
برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لئلّا ينال العدو منه غِرَّة! قال الذين استولوا على العسكر والنَّهْب: والله ما أَنتم بأَحق به منّا؛ هو لنا! فأَنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ...﴾ الآية، فقسمه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بينهم، وكانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُنَفِّلُهُمْ إِذا خرجوا بادئين: الربعَ، وينفلهم إِذا قَفَلُوا: الثلث.
وقال: أَخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين وَبْرة من جنب بعير، ثمّ قال:
"يا أَيّها الناسُ! إنّه لا يحلُّ لي ممّا أَفاء الله عليكم [قدر هذه] (1) إلّا الخمس، والخمسُ مردودٌ عليكم، فأدّوا الخَيْطَ والمِخْيَطَ، وإِيّاكم والغُلُول؛ فإنّه عار على أَهلِه يوم القيامة، وعليكم بالجهادِ في سبيل الله؛ فإنّه باب من أَبواب الجنّة، يُذهبُ الله به الهمَّ والغمَّ".
قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكره الأَنفال ويقول:
"ليردَّ قويُّ المؤمنين على ضعيفهم".
صحيح لغيره - "تخريج فقه السيرة" (234).
6 -
باب في أَسرى بدر
1411 - 1694 - عن علي بن أَبي طالب رضي الله عنه:
أنَّ جبريل عليه السلام هبطَ على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال له: خَيِّرهم - يعني: أصحابه - في الأَسارى: إن شاءوا القتل، وإِن شاءوا الفداء، على أَن يقتل العام المقبل منهم عدتهم، قالوا: الفداء، ويقتل منّا عدتهم.
صحيح - "الإرواء" (5/ 48 - 49)، "المشكاة" (1973 - التحقيق الثاني).1
7 -
باب في غزوة أُحد
1412 - 1695 - عن أُبيّ بن كعب، قال:
لمّا كانَ يوم أُحد أُصيب من الأَنصارِ أَربعة وسبعون، ومنهم ستة فيهم حمزة، فَمَثَّلوا بهم، فقالت الأَنصار: لئن أَصبنا منهم يومًا لَنُرْبِيَنَّ 1 عليهم، فلمّا كانَ يوم فتح مكة؛ أَنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"كفّوا عن القوم غير أَربعة".
صحيح - "الضعيفة" تحت الحديث (550).
1413 - [6989 - عن عائشة، قالت: خرجت يومَ الخندق أَقفو أَثر الناس، فسمعت وئيد الأرض 2 من ورائي، فالتفتُّ؛ فإذا أَنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أَخيه الحارث بن أَوس يحمل مجنّةً 3، فجلستُ إِلى الأَرض، فمرّ سعد وعليه درع قَد خرجت منها أَطرافه، [فأَنا] أَتخوّف على أَطراف سعد، وكان من أَعظمِ الناس وأَطولهم، قالت: فمرَّ وهو يرتجزُ، ويقول: لَبِّثْ قليلًا يُدركِ الهَيْجَا 4 حَمَلْ ... ما أَحْسَنَ الموتَ إِذا حانَ الأَجلْ
قالت: فقمتُ فاقتحمتُ حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين فيهم عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر: ويحكِ ما جاءَ بك؟! لعَمْري والله إِنّك لجريئة، ما يؤمنك أَن يكونَ تحوُّز 1 أَو بلاء؟! قالت: فما زالَ يلومني حتّى تمنيتُ أنَّ الأَرضَ قد انشقت فدخلتُ فيها، وفيهم رجل عليه تَسْبِغَةٌ له، فرفع الرجلُ النصيف عن وجهه؛ فإذا طلحة بن عبيد الله، فقال: ويحك يا عمر إِنّك قد أَكثرت منذ اليوم، وأَين [التحوُّز أو] 2 الفرارُ إِلّا إِلى الله؟!
قالت: ورمى سعدًا رجلٌ من المشركين - يقال له ابن العَرِفة - بسهمٍ، قال: خُذها وأنا ابن العَرِفَة فأَصابَ أكحله، فقطعها، فقال: اللهمَّ! لا تمتني حتّى تُقرَّ عيني من قريظة، وكانوا حلفاءه ومواليَه في الجاهليّة، فبرأ كَلْمُهُ.
وبعثَ الله الريحَ على المشركين؛ فـ ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، فلحقَ أَبو سفيان بتهامة، ولحق عُيَيْنه [بن بدر بن حِصن] ومَن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا بصياصيهم 3.
فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى المدينة، وأَمر بقبّة من أَدم؛ فضربت على سعد في المسجد، ووضعَ السلاحَ، قالت: فأَتاه جبريل فقال: أَوقد وضعتَ السلاحَ؟! فوالله ما وضعتِ الملائكةُ السلاحَ، اخرج إِلى بني قريظة فقاتلهم، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرحيل، ولبس لَأْمَته، فخرج فمرَّ على بني غَنْمٍ - وكانوا جيران المسجد -، فقال: "من مرّ بكم؟ "، قالوا: مرَّ بنا دحيةُ
الكلبي [وكان دحيةُ تشبه لحيته وسنه ووجهه بجبريل]، فأَتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحاصرهم خمسًا وعشرين يومًا، فلمّا اشتدَّ حصرهم، واشتدَّ البلاء عليهم، قيلَ لهم: انزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فاستشاروا أَبا لبابة، فأشارَ [بيده] إِليهم أنّه الذبحُ، فقالوا: ننزلُ على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا على حكم سعد، وبعثَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلى سعد، فحُملَ على حمارٍ وعليه إِكاف من ليف، وحَفَّ به قومه، فجعلوا يقولون: يا أَبا عمرو! حلفاؤك ومواليك وأَهل النكاية ومَنْ قد علمتَ، فلا يرجع إليهم قولًا؛ حتّى إذا دنا من دارهم 1 التفتَ إِلى قومِه، فقال: قد آنَ لسعد أَن لا يبالي في الله لومة لائم، فلمّا طلع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"قوموا إِلى سيدكم فأنزلوه"
قال عمر: سيدنا الله، قال:
"أنزلوه"، فأنزلوه 2، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"احكم فيهم"، قال: فإنّي أَحكم فيهم أَن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتُقْسم أَموالهم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لقد حكمتَ فيهم بحكم الله ورسولِه".
ثمَّ دعا اللهَ سعدٌ، فقال: اللهمَّ! إِن كنت أَبقيتَ على نبيّك - صلى الله عليه وسلم - من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإِن كنتَ قطعتَ بينه وبينهم، فاقبضني إِليك، فانفجر
كَلْمُه، وكانَ قد برأَ منه؛ حتّى ما بقيَ منه إِلا مثل الخُرْص (1)، قالت:
فرجعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ورجعَ سعدٌ إِلى قُبَّتِهِ (2) الذي ضربَ عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.
قالت: فحضره رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأَبو بكر وعمر؛ قالت: فوالذي نفسي بيده إِنّي لأَعرفُ بكاءَ أَبي بكر من بكاءِ عمرَ، وأَنّا في حجرتي، وكانوا كما قال الله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
قال علقمةُ: فقلتُ: أَي أُمَّهْ! فكيفَ كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع؟ قالت:
كانَ عيناهُ لا تدمعُ على أحدٍ، ولكنّه إِذا وجد، فإِنّما (3) هو آخذ بلحيته].
حسن - "الصحيحة" (67).
8 -
باب في غزوة الحديبية
1414 - 1696 - عن المغيرة بن شعبة: أنَّه كانَ قائمًا على رأس رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف وهو مُلَثَّم، وعنده عروة 4؛ فجعل عروة يتناولُ لحيةَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ويجذبه، فقال المغيرة لعروة: لتكفّن يدك عن لحيته أو لا ترجع إِليك! قال: فقال عروة: من هذا؟ قال:123
هذا ابن أَخيك المغيرة بن شعبة، فقال عروة: يا غُدَر (1)! ما غسلتَ رأسَك من غدرتِك بعدُ (2). صحيح - "صحيح أَبي داود" (2470)، وهو طرف من حدث المِسْور بن مخرمة في قصة الحديبية عند البخاري نحوه.
9 -
باب ما جاء في خيبر
1415 - 1697 - عن ابن عمر: أنَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قاتلَ أَهل خيبر حتّى أَلجأهم إِلى قصرِهم، فغلب على الأَرض والنخل والزرع، فصالحوه على أَن يُجْلُوا منها؛ ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفراء والبيضاء، ويخرجون منها، فاشترط عليهم أَن لا يكتموا شيئًا، ولا يغيّبوا شيئًا، فإنْ فعلوا ذلك فلا ذمّة لهم ولا عصمة، فغيبوا مَسكًا 3 فيه مال وحليّ لِحُيَيِّ بن أَخطب، كانَ احتمله معه إِلى خيبر حين أُجْليت النضير، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمّ حيي: "ما فعلَ مَسك حُيَي الذي جاء به من النضير؟ ". فقال: أَذهبته النفقات والحروب! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "العهد قريب، والمال أَكثر من ذلك".12
فدفعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى الزبير [بن العوام]؛ فمسّه بعذاب، و [قد] كان حُيَي قبل ذلك قد دخل خَرِبَةً، فقال: قد رأيتُ حُييًّا يطوف في خربة ها هنا، فذهبوا فطافوا؛ فوجدوا المَسك في الخَرِبة، فقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابني [أبي] حُقَيق - وأَحدهما زوج صفية بنت حيي بن أَخطب -، وسبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءهم وذراريهم، وقسم أَموالهم؛ للنكث الذي نكثوا، وأَراد أن يجليهم منها، فقالوا: يا محمد! دعنا نكون في هذه الأَرض نصلحها ونقوم عليها، [ولم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا لأَصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يتفرغون أن يقوموا عليها، فأَعطاهم (خيبر)؛ على أنَّ لهم الشطر من كلِّ نخل وزرع وشجر 1، وما بدا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وكانَ عبد الله بن رواحة يأتيهم كلَّ عام يَخْرُصُها عليهم، [ثمَّ] يُضَمِّنُهم الشطر، قال: فَشَكَوْا إِلى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شدّة خَرصه، وأَرادوا أن يَرشوه فقال:
يا أَعداء الله! أَتطعموني السُّحت؟! والله لقد جئتكم من عند أَحبِّ الناسِ إِليّ، ولأَنتم أَبغض إِلي من عدَّتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إِيّاكم، وحبي إِيّاه على أَن لا أَعدل عليكم! فقالوا: بهذا قامت السماوات والأَرض.
قال: ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيني صفية بنت حُيَي خُضرة، فقال:
"يا صفيّة! ما هذه الخضرة؟ ".
فقالت: كانَ رأسي في حِجْرِ [ابن] أَبي حُقَيق وأَنا نائمة، فرأيت كأنَّ قمرًا وقع في حجري، فأَخبرته بذلك، فلطمني وقال: تَمَنيَّن مَلِكَ يَثرب؟!
قالت: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أَبغض الناس إِلي، قتلَ زوجي وأَبي وأَخي، فما زالَ يعتذرُ إِليّ، ويقول:
"إنَّ أَباكِ ألَّبّ عليَّ العرب وفعل وفعل"، حتّى ذهب ذلك من نفسي.
وكانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطي كلَّ امرأة من نسائه ثمانين وَسقًا من تمر كلَّ عام، وعشرين وسقًا من شعير، فلمّا كانَ زمن عمر بن الخطاب غَشُّوا المسلمين، وأَلقوا ابن عمر من فوق بيت، فقال عمر بن الخطاب: من كانَ له سهم من خيبر؛ فليحضر حتّى نقسمها بينهم، فقسمها عمر بينهم، فقال رئيسهم: لا تخرجنا، دعنا نكون فيها كما أَقرّنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأَبو بكر، فقال عمر لرئيسهم: أَتراني سقط عنّي قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[لك]:
"كيفَ بك إِذا أَفْضَت بك راحلتك نحو الشام يومًا ثمَّ يومًا"؟!
وقسمها عمرُ بين من كانَ شهد خيبر من أَهل الحديبية.
صحيح - "صحيح أَبي داود" (2658).
1416 - 1698 - عن أَنس بن مالك، قال:
لمّا افْتَتَحَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر؛ قال الحجاج بن عِلاط: يا رسولَ الله! إنَّ لي بمكة مالًا، وإنَّ لي بها أَهلًا، وإِنّي أُريدُ أَن آتيهم، فأَنا في حل إن [أَنا] نِلتُ منك، أو قلتُ شيئًا؟ فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول ما شاء.
[قال:] فأتى امرأته حين قدمَ، فقال: اجمعي لي ما كانَ عندَك؛ فإنّي
أريدُ أَن أَشتري من غنائم محمد وأَصحابِه؛ فإنّهم قد استبيحوا وأُصيبت أَموالهم.
قال: وفشا ذلك بمكة؛ فأَوجع المسلمين، وأَظهر المشركون فرحًا وسرورًا، وبلغَ العباس بن عبد المطلب، فَعُقِرَ في مجلسه، وجعل لا يستطيع أَن يقوم.
قال معمر: فأَخبرني الجزريّ عن مِقْسَم، قال:
فأَخذ العباس ابنًا له - يقال له: قُثَم - وكان يشبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستلقى فوضعه على صدرِه وهو يقول:
حِبِّي قُثَم! [حبي قثم] 1! ... شبيه ذي الأنف الأَشم
[نبي ربّ ذي النعم] ... برغم [أَنف] من رَغِم
قال معمر: قال ثابت: عن أَنس:
ثمَّ أَرسل غلامًا له إلى الحجاج بن عِلاط: ويلك ما جئتَ به، وماذا تقول؟! فما وعد الله خيرٌ ممّا جئتَ به، قال الحجاج لغلامِه: أقرِئ أَبا الفضل السلام، وقل له: فلْيُخْلِ لي بعض بيوته لآتيه؛ فإنَّ الخبر على ما يسره، فجاء غلامه، فلمّا بلغ الباب قال: أَبشر يا أَبا الفضل 2! فوثبَ العباس فرحًا حتّى قبّل بين عينيه؛ [فأَخبره ما قال الحجاج، فأَعتقه] 3، ثمَّ
جاء الحجاج، فأَخبره أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد افتتح خيبر، وغنم أَموالهم، وجرت سهام الله في أَموالِهم، واصطفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفيّة بنت حيي، واتخذها 1 لنفسه، وخيرها بين أن يعتقها فتكون زوجته، أَو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته.
ولكنّي جئت لمال [كان] لي ها هنا؛ أَردت أَن أَجمعه وأَذهب [به]، فاستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأَذن لي أن أقول ما شئت، فأخْفِ عني ثلاثًا، ثمَّ اذكر ما بدا لك.
قال: فجمعت امرأته ما كانَ عندها من حلي ومتاع جمعته، فدفعته إِليه، ثمَّ استمر 2 [به].
فلمّا كانَ بعد ثلاث؛ أَتى العباس امرأةَ الحجاج، فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنّه قد ذهب، وقالت: لا يُحزِنك الله أَبا الفضل! لقد شقَّ علينا الذي بلغَك، قال: أَجل لا يحزنني الله، ولم يكن بحمد الله إِلّا ما أَحببناهُ، وقد أَخبرني الحجاج أنَّ اللهَ قد فتحَ (خيبر) على رسولِه - صلى الله عليه وسلم -، وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفيّة لنفسِه، فإن كانت لكِ حاجة في زوجك فالحقي به، قالت: أَظنّك - والله - صادقًا، قال: فإِنّي صادق، والأَمر على ما أَخبرتك.
قال: ثمَّ ذهبَ حتّى أَتى مجالسَ قريش، وهم يقولون: لا يصيبك إِلّا خير أَبا الفضل! قال: لم يصبني إِلّا خير بحمد الله، قد أَخبرني الحجاج
أنَّ (خيبر) فتحها الله على رسولِه [- صلى الله عليه وسلم -]، وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفية لنفسه، وقد سألني أَن أُخفي عنه ثلاثًا، وإِنّما جاء ليأخذَ مالًا كانَ له، ثمَّ يذهب.
قال: فردَّ الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون من كانَ دخل بيته مكتئبًا؛ حتّى أَتوا العباس فأَخبرهم الخبر، فسُرَّ المسلمون، وردّ الله ما كانَ من كآبة أَو غيظ أَو خزي على المشركين.
صحيح - "الصحيحة" تحت الحديث (545).
1417 - [4826 - عن أَبي ثعلبة الخُشني:
أنَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نهى عام خيبر أَن توطأ الحبالى من السبي حتى يضعن].
حسن صحيح - "الإِرواء" (1/ 200 و 201 و 5/ 139 - 142).
1418 - [4830 - عن رُويفع بن ثابت الأَنصاري، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أَنه قال عام خيبر:
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يُسْقين ماءه ولدَ غيره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يأخذن دابة من المغانم فيركبها؛ حتى إِذا أعجفها (1) ردها في المغانم، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يلبس ثوبًا من المغانم؛ حتى إِذا أَخْلَقَهُ رده في المغانم"].
صحيح - "الإرواء" (5/ 141)، "صحيح أَبي داود" (2426).
10 -
باب ما جاء في غزوة الفتح
1419 - 1699 - عن ابن عمر، قال:1
كانت خزاعةُ حُلفاءَ لِرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت بنو بكر - رهط من بني كِنانة - حُلَفاء لأَبي سفيان، قال: وكانت بينهم موادعة أَيّام الحديبية، فأَغارت بنو بكر على خزاعة في تلك المدّة، فبعثوا إِلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يستمدّونه، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُمِدًّا لهم في شهر رمضان، فصامَ حتّى بلغَ (قُدَيْدًا) 1، ثمَّ أَفطرَ، وقال:
"ليصم الناس في السفر ويفطروا، فمن صامَ أَجزأ عنه صومه، ومن أَفطر وجب عليه القضاء".
ففتح الله مكة، فلما دخلها؛ أَسند ظهره إِلى الكعبة، فقال:
"كفّوا السلاح، إِلّا خزاعة عن بكر".
حتّى جاءه رجل فقال: يا رسولَ اللهِ! إنّه قُتل رجلٌ بـ (المزدلفة)، فقال:
"إنَّ هذا الحرم حرام عن أمر الله، لم يَحِلَّ لمن كان قبلي، ولا يَحلُّ لمن بعدي، وإنّه لم يحلّ لي إلّا ساعة واحدة، وإنّه لا يحلّ لمسلم أن يَشهَرَ فيه سلاحًا، وإنّه لا يُختلى خَلاه 2، ولا يعْضد شجره، ولا يُنَفَّر صيدُهُ".
فقال رجل: يا رسولَ الله! إلّا الإذخر؛ فإنّه لبيوتنا وقبورنا؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إلّا الإِذخر، وإنَّ أَعتى النّاسِ على الله ثلاثة: من قَتَلَ في حرم الله،
أَو قتلَ غيَر قاتِله، أَو قتل بِذَحْل 1 الجاهليّة".
فقام رجل فقال: يا رسول الله! إني وقعت على جارية بني فلان، وإنها ولدت لي، فأْمُرْ بولدي فليُرَدَّ إليَّ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"ليس بولدك، لا يجوز هذا في الإسلام، والمدعى عليه أَولى باليمين؛ إلّا أن تقوم بينة، الولد لصاحب الفراش، وبِفِي العاهِر الأَثْلَبُ 2 ".
فقال رجل: يا رسولَ الله! وما "الأَثلب"؟ قال:
"الحجر؛ فمن عَهَرَ بامرأة لا يملكها، أو بأمرأةِ قومٍ آخرين، فولدت له؛ فليس بولدِه، لا يرث ولا يُورث، والمؤمنون يدٌ على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، يجير 3 عليهم أَولهم، وَيردُّ عليهم أَقصاهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهدِ في عهده، ولا يتوارث أَهلُ ملتين، ولا تُنكح المرأة على عمّتها ولا على خاللها، ولا تسافر ثلاثًا مع غير ذي محرم، ولا تصلوا بعد الفجر حتّى تطلع الشمس، ولا تصلّوا بعد العصر حتّى تغرب الشمس".
حسن صحيح 1 - "تيسير الانتفاع/ سنان بن الحارث بن مصرف".
1420 - 1700 - عن أَسماء بنت أَبي بكر، قالت:
لمّا وقفَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بـ (ذي طوى)، قال أَبو قحافة لابنةٍ له من أَصغر ولده: أي بُنيّة! أَظهريني على أَبي قُبيس، قالت: وقد كفّ بصره، فأشرفت به عليه، فقال: أَي بنية! ماذا تَرَينَ؟ قالت: أَرى سوادًا مجتمعًا، قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلًا يسعى بين [يدي] ذلك السواد مقبلًا ومدبرًا، قال: ذلك يا بنية! الوازع - يعني: الذي يأمر الخيل ويتقدّم إليها -، ثمَّ قالت: قد - والله - انتشر السواد، فقال: قد - والله - دفعت الخيل، فأسرعي بي إِلي بيتي، فانحَطَّت به، فتلقاه الخيل قبل أَن يصل بيته، وفي عنق الجارية طوق لها من وَرِق، فتلقاها رجل، فاقتلعه من عنقها.
قالت: فلمّا دخل رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -[مكة] 2، ودخلَ المسجدَ؛ أَتاه أَبو بكر رضي الله عنه بأبيه يقوده، فلمّا رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"هلّا تركتَ الشيخَ في بيتِه حتّى أَكون أَنا آتيه؟! ".
قال أَبو بكر: يا رسولَ اللهِ! وهو أَحقُّ أن يمشي إِليكَ من أَن تمشي إِليه، فأجلسه بين يديه، ثمَّ مسح صدره، ثمَّ قال له:
"أَسلم"، فأَسلمَ.
قالت: ودخلَ به أَبو بكر رضي الله عنه على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وكأنّ رأسه ثَغامة 1؛ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:
"غيرّوا هذا من شعره".
ثمَّ قام أَبو بكر وأَخدَ بيد أُخته، فقال: أَنشد الله والإسلام طوق أُختي، فلم يجبه أحد، فقال: يا أُخيَّةَ! احتسبي طوقك، فـ[ـوالله] 2 إنَّ الأَمانةَ اليوم في الناسِ لقليل.
حسن - "الصحيحة" (491).
1421 - 1701 - عن جابر:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عام الفتح مكةَ، ولواؤه أبيض.
حسن لغيره - "الصحيحة" (2100)، و"صحيح أبي داود" (2334).
1422 - 1702 - عن ابن عمر:
أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا دخلَ مكّة؛ وجد بها ثلاثمائة وستين صنمًا، فأَشارَ بعصاه إِلى كلِّ صنم منها، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، فسقط الصنم ولم يمسّه.
صحيح لغيره دون قولِه: فسقط الصنم ... - "الضعيفة" (6397).
1423 - 1703 - عن ابن عمر، قال:
طافَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته القصواء يوم الفتح، واستلم الركن بمِحْجَنه، وما وجد لها مُنَاخًا (1) في المسجد، حتّى أُخرجت إِلى بطن الوادي فأُنيخت، ثمَّ حمدَ الله وأَثنى عليه، ثمَّ قال:
"أَمّا بعد؛ أَيّها الناس! فإنَّ اللهَ قد أذهبَ عنكم عُبِّيَّة الجاهليّة (2)، يا أَيّها الناس! إِنّما الناس رجلان: بَرٌّ تقيٌّ كريم على ربِّه، وفاجر شقي هيّن على ربِّه"، ثمَّ تلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ حتّى قرأَ الآية، ثمَّ قال:
أَقول قولي هذا، وأَستغفر الله لي ولكم".
صحيح - "الصحيحة" (2803).
11 -
باب في غزوة حنين
1424 - 1704 - عن جابر بن عبد الله، قال: أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعلم بِخَبْءِ القوم الذين خَبأوا لنا 3، فاستقبلنا وادي (حنين) في عَماية 4 الصبح، وهو واد أَجوف من أَودية (تهامة)، إِنّما ينحدرون فيه انحدارًا، قال: فوالله إنَّ الناسَ ليتتابعون لا يعلمون بشيء: إذ فجأتهم الكتائب من كلِّ ناحية، فلم ينتظر الناس أن انهزموا راجعين.12
قال: وانحاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات اليمن وقال:
" [أين] أَيّها الناس! أَنا رسول اللهِ، أَنا محمد بن عبد الله".
وكانَ أَمام (هوازن) رجل ضخم، على جمل أَحمر، في يده راية سوداء، إِذا أدركَ طعنَ بها، وإِذا فاته شيءٌ بين يديه رفعها لمن خلفه [فاتبعوه]، فرصد له علي بن أَبي طالب رضوان الله عليه، ورجل من الأَنصار كلاهما يريده، قال: فضرب عليّ عرقوبي الجمل، فوقع على عَجُزه، وضرب الأَنصاري ساقَه فطرح قدمه بنصف ساقه فوقع، واقتتل الناس حتّى كانت الهزيمة.
وكانَ [كَلَدَة] أَخو صفوان بن أُمية لأُمّه قال: أَلا بَطل السحر اليوم، وكان صفوان بن أُمية يومئذ مشركًا في المدّة التي ضرب له رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال له صفوان: اسكت فضّ الله فاك! فواللهِ لأن يَرُبّني 1 رجل من قريش أحبّ إِليّ من أن يَرُبّني رجل من هوازن.
حسن - "تخريج فقه السيرة" (389).
1425 - 1705 - عن أَنس بن مالك، أنّه قال: إنَّ هوازن جاءت يوم (حنين) بالشاء والإبل والغنم، فجعلوها صفين ليكثروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالتقى المسلمون والمشركون، فولّى المسلمون مدبرين، كما قال الله جلّ وعلا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"أَنا عبدُ الله ورسولُه"، فهزم الله المشركين، ولم يُضرب بسيف، ولم يُطعن برُمح، فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يومئذ:
"من قتل كافرًا فله سلبه".
فقتل أَبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا، وأَخذ أَسلابَهم.
(قلت): فذكر الحديث، وذكر قصة أَبي قتاده، فكتبته في "باب في الغنيمة في الجهاد في أنَّ السلب للقاتل" [26 - الجهاد/ 40 - باب]
صحيح - "صحيح أَبي داود" (2431): م - بعضه أُم سليم.
12 -
باب غزوة تبوك
1426 - 1706 - عن فَضَالة بن عبيد، قال:
غزونا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة (تبوك)، فجُهِدَ الظَّهْر 1 جهدًا شديدًا، فشكوا إِلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ما بظهرِهم من الجهد، فتحيَّنَ [بهم] 2 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَضِيقًا سارَ الناس فيه؛ وهو يقول:
"مُرّوا بسم الله"، فجعل ينفخ بِظَهْرِهم 3، وهو يقول:
"اللهمَّ! احْمِلْ عليها في سبيلِك؛ فإنّك تحمِلُ على القوي والضعيف، والرطب واليابس، في البّر والبحر".
قال فضالة: فلمّا بلغنا المدينة؛ جَعلتْ تُنَازعنا أَزِمَّتَها 4، فقلت: هذه
دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القوي والضعيف، فما بال الرطب واليابس؟! فلما قدمنا الشامَ؛ غزونا غزوةَ (قُبْرُس)، ورأيت السفن وما تدخل [فيها] (1)؛ عرفت دعوة النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -. صحيح لغيره - التعليق على "الإحسان" (4662).
13 -
باب فتح الحيرة والشام
1427 - 1709 - عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"مُثِّلَتْ لي (الحيرة) كأَنياب الكلاب، وأنّكم ستفتحونها".
فقام رجل فقال: هب لي رسولَ الله! ابنة (بُقَيلة)، فقال:
"هي لك".
فأعطَوْهُ إياها 2، فجاء أَبوها فقال: أَتبيعنيها؟ فقال: نعم، قال: بكم؟ قال: احتكم ما شئتَ، قال: بألف درهم، قال: قد أَخذتُها، فقيل [له]: لو قلتَ: ثلاثين ألفًا، قال: وهل عدد أكثر من أَلف 3؟.
(قلت): هكذا وقع في هذه الرواية: أنَّ الذي اشتراها أَبوها؛ وإن المشهور أنَّ الذي اشتراها عبد المسيح أَخوها، والله أَعلم.
صحيح - "الصحيحة" (2825).1
1428 - 1710 - عن عياض الأَشعري، قال:
شهدت (اليرموك) وعليها خمسة أُمراء: أَبو عبيدة بن الجراح، ويزيد ابن أَبي سفيان، وشرحبيل ابن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض - وليس عياض صاحبَ الحديث الذي يحدّث سماك عنه -، قال: قال عمر رضي الله عنه:
إِذا كانَ قتالٌ؛ فعليكم أَبو عبيدة.
قال: فكتبنا إِليه: أن قد جاشَ إِلينا الموت، واستمددناه، فكتب إِلينا:
إِنّه قد جاءني كتابكم تستمدوني، وإِنّي أَدلّكم على ما هو أَعزُّ نصرًا وأَحضر جندًا: الله، فاستنصروه؛ فإنَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد نُصِر [يوم بدر] 1 بأَقل من عددكم، فإذا أَتاكم كتابي فقاتلوهم، ولا تراجعوني.
قال: فقاتلناهم وهزمناهم، وقتلناهم أَربع فراسخ، وأَصبنا أَموالًا، فتشاوروا، فأشارَ عليهم عياض [أَن نعطي] (1) عن كلِّ رأس عشرة، فقال أَبو عبيدة: من يراهنني 2؟ فقال شاب: أَنا إن لم تغضب! [قال: فسبقه] (3)، قال: فرأيت عَقِيصَتَي أَبي عبيدة تَنْقُرْان (2)، وهو 3 خلفه على فرس عربي.
صحيح الإسناد.
14 -
باب فتح الإسكندرية
1429 - 1711 - عن عمرو بن العاص، قال:
خرجَ جيشٌ من المسلمين أَنا أَميرهم، حتّى نزلنا الإسكندرية، فقال عظيم من عظمائِهم: أَخرجوا إِلينا رجلًا يكلمني وأُكلمُه، فقلت: لا يخرج إِليه غيري، فخرجت ومعي تُرْجماني، ومعه تُرْجمانه، حتّى وُضع لنا منبران 1 فقال: ما أَنتم؟ فقلت: نحن العربُ، ونحن أَهلُ الشوك والقَرَظ 2، ونحن أهل بيت الله، كنّا أَضيقَ الناسِ أَرضًا، وأَشدَّهم عيشًا، نأكلُ الميتةَ والدّمَ، ويُغيرُ بعضُنا على بعض، بأشدِّ عيش عاشَ به الناس، حتّى خرجَ فينا رجل ليس بأَعظمنا يومئذٍ شَرَفًا، ولا أَكثرنا مالًا، فقال:
"أَنا رسولُ اللهِ إِليكم".
يأمرنا بما لا نعرف، وينهانا عمّا كنّا عليه وكانت عليه آباؤنا، فكذّبناه فرددنا عليه مقالته، حتّى خرج إليه قومٌ من غيرِنا، فقالوا: نحن نصدقك، ونؤمنُ بك، ونتبعُك، ونقاتلُ من قاتلَك، فخرج إِليهم، وخرجنا إِليه فقاتلناه، فَقَتَلَنَا وظهرَ علينا [وغلبنا]، وتناول من يليه من العرب، فقاتلهم حتّى ظهرَ عليهم، فلو يعلم مَنْ ورائي من العرب ما أَنتم فيه من العيش، لم يبق أحد إلّا جاءَكم، حتّى يَشْرَكَكُم فيما أَنتم فيه من العيش!
فضحك، ثم قال: إنَّ رسولَكم [قد] صدقَ، قد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاء به رسولُكم؛ فكنّا عليه، حتّى ظهرَ فينا ملوك، فجعلوا يعملون بأَهوائهم، ويتركون أَمر الأَنبياء؛ فإن أَنتم أَخذتم بأمر نبيّكم؛ لم يقاتلكم أحد إِلّا غلبتموه، ولم يشارِرْكم (1) أَحد إِلّا ظهرتم عليه، فإذا فعلتم مثل الذي فعلنا، وتركتم أَمر نبيّكم، وعملتم مثل الذي عملوا بأَهوائِهم، يُخَلَّى بيننا وبينكم، فلم تكونوا أَكثر عددًا منّا، ولا أَشدّ منّا قوة.
قال عمرو بن العاص: فما كلمتُ أحدًا قطُّ أَذكى (2) منه.
حسن - "تيسير الانتفاع/ عمرُ بن علقمة".
15 -
باب فتح نَهَاوَنْد
1430 - 1712 - عن زياد بن جبير بن حَيَّة، قال: أَخبرني أَبي 3: أنَّ عمر بن الخطاب رضوان الله عليه قال للهُرْمُزان 4:12
أَمّا إِذ فتَّني 1 بنفسِك؛ فانْصَحْ لي؛ وذلك أنّه قال له: تكلّم لا بأس، فأمَّنه، فقال الهرمزان: نعم، إنَّ فارس اليوم رأس وجناحان.
قال: فأَين الرأس؟ قال: (نهاوند) مع (بُندار) 2، قال: فإنَّ معه أَساوِرَةَ 3 كسرى وأَهل (أَصفهان).
قال: فأَين الجناحان؟ فذكر الهرمزان مكانًا نسيتُه، فقال الهرمزان: اقطع الجناحين توهن الرأس.
فقال له عمر رضوان الله عليه:
كذبت يا عدوَّ اللهِ! بل أَعمِدُ إِلى الرأس فيقطعه الله، فإِذا قطعه الله عني انقطع 1 عني الجناحان.
فأَرادَ عمر أَن يسيرَ إِليه بنفسِه، فقالوا: نُذَكِّرُكَ اللهَ يا أَمير المؤمنين! أَن تسيرَ بنفسِك إِلى العجم، فإن أُصبتَ بها؛ لم يكن للمسلمين نظام، ولكن ابعث الجنود.
قال: فبعثَ أَهل المدينة، وبعثَ فيهم عبد الله بن عمر [بن] الخطاب، وبعث المهاجرين والأَنصار، وكتبَ إِلى أَبي موسى الأَشعري: أَن سِرْ بأهل البصرة، وكتبَ إِلى حذيفة بن اليمان: أَن سِرْ بأَهل الكوفة؛ حتّى تجتمعوا جميعًا (بِنُهاوند)، فإِذا اجتمعتم فأَميركم النعمان بن مُقَرَّن المُزَنيّ.
فلمّا اجتمعوا بـ (نهاوند)؛ أَرسل إِليهم (بندار) [العلج] 2: أَن أَرسلوا إِلينا يا معشرَ العربِ! رجلًا منكم نكلمه، فاختار الناسُ المغيرةَ بن شعبة، قال أَبي: فكأنّي أَنظرُ إليه - رجل طويل أَشعر أَعور -، فأَتاه، فلمّا رجع إِلينا سألناه فقال لنا:
إِنّي وجدتُ العِلْجَ قد استشارَ أَصحابَه في أَيِّ شيءٍ تأذنون لهذا العربي؟ أَبشارتنا وبهجتنا وملكنا؟ أو نَتَقَشَّفُ له فنزهده عمّا في أَيدينا؟ فقالوا: بل نأذنُ له بأَفضلَ ما يكون من الشارة والعُدّة.
فلمّا أَتيتهم رأَيتُ الحرابَ والدَّرَق 1 يُلْتَمَعُ منها البصر، ورأيتهم قيامًا على رأسه؛ فإذا هو على سرير من ذهب، وعلى رأسِه التاج، فمضيتُ كما أَنا، ونَكَسْت رأسي لأَقعد معه على السرير، قال: فدُفعتُ ونُهِرتُ؛ فقلت:
إنَّ الرَّسلَ لا يُفعلُ بهم هذا! فقالوا لي: إِنّما أَنت كلب، أَتقعدُ مع الملك؟! فقلت: لأَنا أشرف في قومي من هذا فيكم! قال: فانتهرني وقال: اجلس، فجلست، فَتُرجِمَ لي قوله، فقال: يا معشرَ العربِ! إِنّكم كنتم أَطولَ الناسِ جوعًا، وأَعظمَ الناسِ شقاءً، وأَقذرَ الناسِ قذرًا، وأَبعدَ الناسِ دارًا، وأَبعده من كلِّ خير، وما كان منعني أَن آمر هذه الأَساوِرَةَ حولي أن ينتظموكم بالنُّشَّابِ إِلّا تنجّسًا لجيفتكم؛ لأنّكم أَرجاس، فإِن تذهبوا يخلى عنكم، وإِن تأبوا نبوِّئكم مصارَعكم.
قال المغيرة: فحمدتُ الله وأَثنيتُ عليه، وقلت:
والله ما أَخطأتَ من صفتنا ونعتنا شيئًا، إِن كنّا لأَبعدَ الناسِ دارًا، وأَشد الناسِ جوعًا، وأَعظم الناسِ شقاءً، وأَبعد الناسِ من كلِّ خير، حتّى بعثَ الله إِلينا رسولًا، فوعدنا بالنصر في الدنيا، والجنةِ في الآخرة، فلم نزل نتعرف من ربّنا - مذ جاءنا رسوله - صلى الله عليه وسلم - الفَلاحَ 2 والنصر، حتّى أَتيناكم، وإِنّا - والله - نرى لكم ملكًا وعيشًا، لا نرجع إِلى ذلك الشقاء أَبدًا؛ حتّى نغلبكم على ما في أَيديكم، أَو نُقْتل في أَرضكم.
فقال: أَمّا الأَعور؛ فقد صَدَقَكُمْ الذي في نفسِه.
فقمت من عنده؛ وقد - والله - أَرعبتُ العِلجَ جهدي، فأَرسل إِلينا العلج: إِمّا أَن تعبروا إلينا بـ (نهاوند)، وإِمّا أن نعبَر إِليكم، فقال النعمان: اعبروا، فعبرنا، فقال أَبي 1: فلم أَر كاليوم قط، إنَّ العلوج يجيئونَ كأنّهم جبال الحديد، وقد تواثقوا أَن لا يفرّوا من العرب، وقد قُرِنَ بعضُهم إِلى بعض، حتّى كانَ سبعة في قِران، وأَلقوا حَسَكَ 2 الحديد خلفهم، وقالوا: من فرَّ منّا عقره حَسَكُ الحديد، فقال المغيرة بن شعبة حين رأى كثرتَهم: لم أَرَ كاليومِ فشلًا، إن عدوّنا يُتركون أن يتتاموا، فلا يُعْجَلوا 3! أَمّا والله لو أنَّ الأَمرَ إِليَّ؛ لقد أَعجلتهم به.
قال: وكانَ النعمان رجلًا بكّاءً، فقال: قد كانَ الله جلّ وعزَّ يشهدُك أَمثالها؛ فلا يحزنك ولا يعيبك موقفك، وإِنّي - والله - ما يمنعني أن أُناجزهم 4 إِلّا لشيءٍ شهدته من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -:
إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ إِذا غزا فلم يقاتل أَول النّهار؛ لم يعجل حتّى تحضر الصلوات، وتَهُبَّ الأَرواح، ويطيبَ القتال.
[فما منعني إلا ذلك].
ثمَّ قال النعمان:
اللهمَّ! إِنّي أَسألك أن تُقِرَّ عيني اليوم [بفتح] يكون فيه عزّ الإسلامِ وأَهله، وذل الكفر وأَهله، ثمَّ اختم لي على إِثْرِ ذلك بالشهادة، ثمَّ قال:
أَمِّنُوا - رحمكم الله -، فَأَمَّنّا، وبكى فبكينا.
فقال النعمان: إِنّي هازٌّ لوائي فتيسروا للسلاح، ثمَّ هازُّها الثانية، فكونوا متيسرين لقتال عدوكم بإزائكم، فإِذا هززتها الثالثة؛ فليحمل كلُّ قومٍ على من يليهم من عدوهم على بركة الله.
قال: فلمّا حضرت الصلاة، وهبت الأَرواح؛ كبّر وكبرنا، وقال: ريح الفتح - واللهِ - إِن شاء اللهُ، وإِنّي لأَرجو أن يستجيبَ الله لي، وأَن يفتحَ علينا، فهزَّ اللواء فتيسروا، ثمَّ هزّها الثانية، ثمَّ هزّها الثالثة، فحملنا جميعًا كلّ قوم على من يليهم.
وقال النعمان: إن أُصبت؛ فعلى الناس حذيفة بن اليمان، فإن أصيب حذيفةُ؛ ففلان، فإن أصيب فلان؛ [ففلان]، حتّى عدَّ سبعة، آخرهم المغيرة بن شعبة.
قال أَبي 1: فوالله ما علمت من المسلمين أحدًا [يومئذ] يحبُّ أن يرجع إِلى أَهله؛ حتّى يقتل أَو يظفر، وثبتوا لنا، فلم نسمع إلّا وقع الحديد على الحديد، حتّى أُصيب في المسلمين منها مُصابة عظيمة.
فلمّا رأوا صبرنا، ورأونا لا نريد أن نرجع؛ انهزموا، فجعل يقعُ الرَّجل عليه سبعة في قران فيقتلون جميعًا، وجعل يعقرهم حسك الحديد خلفهم.
فقال النعمان: قدّموا اللواء، فجعلنا نقدّم اللواء، فنقتلهم ونهزمهم.
فلمّا رأى النعمان أنَّ الله قد استجاب له 2، ورأى الفتح؛ جاءته
نُشَّابة 1، فأَصابت خاصرته، فقتلته، فجاء أَخوه معقل بن مُقَرِّن؛ فَسَجَّى عليه ثوبًا، وأَخذ اللواء، فتقدم [به]، ثمَّ قال: تقدّموا رحمكم الله، فجعلنا نتقدّم، فنهزمهم ونقتلهم.
فلمّا فرغنا واجتمع الناس؛ قالوا: أَين الأَمير؟ فقال معقل: هذا أَميركم، قد أَقرَّ الله عينه بالفتح، وختم له بالشهادة.
فبايع الناسُ حذيفةَ بن اليمان.
قال: وكانَ عمر بن الخطاب رضوان الله عليه بالمدينة يدعو الله، وينظر مثل صيحة الحُبلى، فكتب حذيفة إِلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين، فلمّا قدِمَ عليه قال:
أَبشر يا أَمير المؤمنين! بفتح أعزّ الله فيه الإسلام وأَهلَه، وأَذلّ الشركَ وأَهلَه، وقال: النعمان بعثك؟ قال: احتسبِ النعمانَ يا أَمير المؤمنين! فبكى عمر واسترجع، فقال: ومَنْ ويحك؟! قال: فلان وفلان - حتّى عدّ ناسًا - ثمَّ قال: وآخرين يا أَمير المؤمنين! لا تعرفهم، فقال عمر رضوان الله عليه - وهو يبكي -: لا يضرهم أن لا يعرفهم عمرُ، لكنَّ اللهَ يعرفهم 2.
صحيح - "الصحيحة" (2826)، والمرفوع منه وبعض القصة عند "البخاري" من وجه آخر عن زياد بن جبير.
29 -