"صدوق".
وكذلك ما نقله عن الذهبي أنه قال:
"والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما ينكر عليه: أن حديثه صحيح"!
فأقول: هذا مما لا يفيده - أيضًا -؛ لأنه مشروط بشرطين:
1 - أنه روى عنه جماعة.
2 - أنه لم يأت بما ينكر عليه.
فمن كان له راوٍ أو راويان، أو حديث أو حديثان، فضلًا عمن ليس له ولا حديث واحد - كما يقول ابن حبان في بعض ثقاته - فهؤلاء لا يمكن التحقق من سلامة حديثه من منكر، ولو من باب غلبة الظن؛ بخلاف ما إذا كانوا جماعة، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك فيما نقله السخاوي عن ابن رشيد، وهو على كل حال داخل فيما سبق من قولي: "لكل قاعدة شواذ"، فقد يوجد في أمثال هؤلاء من يكون حديثه حسنًا أو صحيحًا، وبخاصة إذا كان في "الصحيحين" أو أحدهما، حسب نسبة الرواة عنه قلة وكثرة؛ لأن اختلاف هذه النسبة تنتج في نفس الباحث اختلاف قوة الظن بالثقة بالراوي أو بحديثه، فقد يُحسِّن حديث بعضهم، وقد يصححه؛ بل قد يختلف رأي الحفاظ فيه؛ بل والحافظ الواحد في بعضهم، فهذا حفص بن بُغيل الذي نقل المردود عليه عن الذهبي أنه انتقد في "الميزان" (1/ 556) على ابن القطان تجهيله إياه، وقال:
" .. وهذا شيء كثير، ففي "الصحيحين" من هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضعفهم أحد، ولا هم بمجاهيل".
وإنما نقله الرجل كشاهد لزعمه الباطل، وقد عرفت رده من بعض الأمثلة
المتقدمة، فقد روى عنه أربعة، وهو مما فات ابن حبان، فلم يذكره في "ثقاته"، ولا عزاه إليه في "التهذيب"! والشاهد من كلام الذهبي أنه غلب على ظنه أنَّ محله الصدق، فقال في "الكاشف":
"صدوق".
وخالفه الحافظ، فقال في "التقريب":
"مستور"!
ثم نقل الرجل عن الذهبي - أيضًا - (2/ 66) أنه قال في الزبير بن جُنادة الهَجَري:
"ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخطأ من قال: فيه جهالة [ولولا أن ابن الجوزي ذكره لما ذكرته] " 1.
قلت: لقد أصاب الحافظ الذهبي وأخطأ! كما أخطأ الداراني في ذكره إياه كَمَثَلٍ على مبتغاه!
أما إصابة الذهبي؛ فلأن الزبير هذا مثل الذي قبله؛ فقد روى عنه أربعة من الثقات، ووثقه غير ابن حبان، فقد قال ابن الجنيد في "سؤالات ابن معين" (ص 118):
"سألت يحيى عن الزبير بن جُنادة؟ فقال: شيخ خراساني ثقة، يحدث عنه أبو تميلة، وأبو الحسين العُكْلي 2 ".
ووثقه الحاكم أيضًا مع أبي تميلة هذا في حديث لهما في الإسراء؛ خرجته في "الصحيحة" (3487).
وأما خطأ الذهبي؛ فهو أنه قال في "المغني":
"فيه جهالة".
وأشار إلى ذلك بقوله في "الكاشف":
"وُثق" 1.
وتبعه الحافظ في "التقريب" بقوله:
"مستور".
قال الدكتور بشار في تعليقه على "تهذيب المزي" (9/ 300):
"فكأنه ما وقف على توثيق ابن معين له".
قلت: هذا هو الظاهر؛ فإنه لم يذكر في "تهذيبه" هو (3/ 313 - 314) تبعًا لأصله إلَّا توثيق ابن حبان والحاكم، إشارة منه إلى تساهلهما في التوثيق، فقد أصابه والذهبي ما كان أصابني قديمًا في تضعيفي لحديث الإسراء متبعًا إياهما على خطإهما قبل أن أقف على توثيق ابن معين المذكور إياه، فالحمد لله على هداه! والفضل في ذلك يعود إلى الدكتور بشار - بعد الله - سبحانه وتعالى -.
فهل خفي ذلك على الداراني أيضًا؛ و"تهذيب المزي" بين يديه؟! أم هو التجاهل والتعامي عن النصوص لغاية في (نفس يعقوب)؟!
وأخيرًا .. ختم الداراني بحثه بما نقله عن الحافظ ابن حجر أنه قال في "شرح النخبة" في مجهول العين:
"أنه لا يقبل حديثه إلَّا أن يوثقه غير من تفرد عنه على الأصح؛ إذا كان
متأهِّلًا لذلك".
فعقب عليه بقوله (1/ 53):
"وهل فعل ابن حبان أكثر من هذا؟! "!
فأقول: لقد أبى الرجل إلَّا أن يختم بحثه بمثل ما تقدم له فيه من الجهل 1 أو التجاهل والمغالطة، ذلك أن الخلاف ليس في ما قاله الحافظ من القبول بعامة، وإنما في قبول من وثقه ابن حبان بخاصة، وأنه متساهل في التوثيق أم لا؟ وأن الذين وصموه به؛ أنصفوه أم لا؟!
وإن من أقوى ما يؤكد أن ابن حبان لا يدخل في قوله: "إذا كان أهلًا ... " أنه - أعني: ابن حجر - من الذين رموه بالتساهل كما أسلفت.
وكَتْمُ الدارانيِّ كلامَه الصريح في ذلك: من تمام جهله أو تجاهله، كما ذكرت في أول هذه المقدمة.
وإنما يقف الرجل هذا الموقف ليتظاهر بأنه محقق وغير مقلد للحفاظ، وليتخذه تُكَأَةً له في تصحيح مئات الأحاديث الضعيفة والمنكرة التي تدور أسانيدها على مجهولين ونحوهم، ممن وثقهم ابن حبان كما سأبين ذلك - إن شاء الله تعالى - في مواضعها؛ استعلاءً منه على شهادة الحفاظ عليه بالتساهل، ولا أريد أن أعطف على ذلك، فأقول: وعلى الحقائق العلمية الكثيرة المتقدمة التي تدينه بذلك؛ لاحتمال أن يكون جاهلًا بها، ولذلك فإني أرى من واجب البيان والنصيحة أن ألخص له تلك الحقائق - أو أهمها - هنا - لعله يَرْعوي عن عجبه وغروره، ويعيد النظر في تلك الأحاديث التي صححها، ثم أختم التلخيص
بشهادة الحافظ السخاوي بالتساهل الذي أنكره الداراني، فأقول:
سبب وصف ابن حبان بالتساهل في التوثيق يعود إلى سببين رئيسيين:
أحدهما: إغفاله ما اشترطه العلماء في الثقة علاوة على عدالته، إلاَّ وهو الضبط والحفظ في الحديث الصحيح، والحسن.
وقد تجلى هذا الإغفال في المئات من رواة "ثقاته" الذين لا يعرفون ألا برواية الواحد والاثنين، وبعضهم ممن صرح هو نفسه فيه بأنه لا يعرفه، وقدمت بعض الأمثلة.
والآخر إخلاله بالشرط الذي وَضَعَهُ هو نفسه في أول كتابه، وذلك قوله في مقدمته:
"لا أذكر فيه إلاَّ الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم".
ثم أكد ذلك بقوله:
أن كل من يذكره فيه؛ فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره.
ثم نقض ذلك كله نقضًا عجيبًا في عشرات؛ بل مئات من الأمثلة المتضمنة أنواعًا من أسباب الجرح التي تنافي التوثيق، فأذكر الآن عباراته الدالة والصريحة بها، مستغنيًا عن ذكر أسماء الذين جاءت في تراجمهم عنده، مع الإحالة على الصفحة التي ذكروا فيها فيما تقدم لمن أراد التحقق منها:
1 - لا يجوز الاحتجاج به (ص 17).
2 - ليس له غير هذا المنكر الباطل (18).
3 - لست أعرفه، وإنما ذكرته للمعرفة، لا للاعتماد على ما يرويه (وهذا نص هام جدًّا).
4 - أدخلته في "الضعفاء" (19).
7 - يخطئ كثيرًا.
8 - كان ممن يخطئ.
9 - روى عنه متهم! (1).
قلت: وتحت كل نوع من الأنواع عديد من الرواة، لو تتبعها باحث لازداد هولًا وعجبًا من كثرةِ المخالفات لقواعده هو؛ فضلًا عن قواعد (مصطلح الحديث).
بعد هذا البيان الجامع الموجز أقول:
على الأخ الداراني أن يعود إلى رشده، ويتوب إلى ربه من غروره وعجبه، وأن يصلح موقفه مع الأئمة وحفاظ الأمة، وبخاصة من رمى منهم بالجهل، وأعظم من ذلك كله - وهو المقصود الأكبر من هذا الرد كله -: أن يعيد النظر في تلك الأحاديث الضعيفة التي صححها، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله!
سبب الأخطاء في "الثقات"
: فإن قيل: لقد تبين خطأ ابن حبان - رحمه الله - وتساهله في كتابه "الثقات" تأصيلًا وتفريعًا، وصواب حكم الحفاظ عليه بأنه متساهل، وتعجب الحافظ منه، وتعصب المدافع عنه بغير علم، فما هو السبب الذي أوقعه في التساهل؟ فأقول وبالله التوفيق:1
لا أجد سببًا أقطع به - بعد السبب العام الشامل للبشر قاطبة إلَّا الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وهو الذي أشار إليه الإمام مالك - رحمه اللَّه - في قوله المعروف: "ما منا من أحد إلَّا ردَّ أو رُدَّ عليه إلَّا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ اللَّهم إلَّا الاستعجال في التأليف، وعدم التمكن من إعادة النظر فيه وتبييضه؛ بسبب مرض، أو تأخر في العمر، أو غير ذلك من الأسباب التي تختلف باختلاف الناس والظروف التي تحيط بهم.
وقد وجدت بعض الحفاظ قد عللوا تساهل الحاكم في "المستدرك" بشيء مما ذكرت، فقال الحافظ ابن حجر:
"وإنما وقع للحاكم التساهل؛ لأنه سوَّد الكتاب لينقحه، فأعجلته المنية" 1.
وقال السخاوي في "فتح المغيث" (1/ 36):
"يقال: إن السبب في ذلك أنه صنفه في آخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغير، أو أنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه ... ".
ولَدَيَّ بالنسبة لابن حبان سببان آخران:
أحدهما: أنه أحاطت به بعض الفتن بسبب كلمة قالها في النبوة وغيرها، فهُجر بسببها، وأُخرج من بلده 2، وهذا مما لا يرتاب عاقل أنه يشغل البال، ولا يفسح للعالم أن يتقن الأعمال، وبخاصة ما كان منها علمية فكرية.
والآخر: أنه قد نص في مقدمة "الثقات" (1/ 11) أن هذا "مختصر عن كتاب التاريخ الكبير" مثل كتابه الآخر: "الضعفاء والمجروحين"؛ فقد لاحظت أنه قد بقي في "ثقاته" عشرات المترجمين، هم بِـ "التاريخ" أولى من "الثقات"،
مثل أولئك الذين صرح بأنه لا يعرفهم (انظر ص 16) وما بعدها، وغيرها كثير وكثير، فانظر مثلًا الترجمتين الآتيتين، قال (8/ 491):
1 - "عيسى بن زاذان الأيلي، من عباد البصريين، ما له حديث مسند؛ إنما له الرقائق والخطابات في العبادة".
2 - "عيسى بن جابان، من عباد أهل الكوفة؛ ممن حفظ لسانه، ليس يروي الأخبار، ولا يسمع الآثار؛ إنما يُحكى عنه الرقائق في التعبد".
ومثله كثير؛ مثل أويس القرني؛ فقد وصفه بالزهد والعبادة، ولم يذكر له رواية؛ بل صىح الذهبي أنه ما روى شيئًا! ".
فهؤلاء بـ "التاريخ" أشبه منه بـ "الثقات"، فبقاؤهم فيه دليل قوي على أنه لم يُتَحْ له إعادة النظر فيه وتصفيته من أوهامه.
قلت: فهذه المجموعة من الأسباب هي السبب في بقاء تلك الأنواع من الأوهام والأخطاء في "الثقات"، وخلاصة ذلك أنه تركه مسودة، لم يُتح له تنقيتها وتهذيبها؛ واللَّه - سبحانه وتعالى - أعلم.
هذا؛ ووفاءً بما وعدت في هذا الفصل، وإتمامًا للفائدة؛ أقول:
قال الحافظ السخاوي في فصل "معرفة الثقات والضعفاء" من كتابه "فتح المغيث" (3/ 315) بعد أن ذكر كثيرًا من المؤلفات والمصادر التي ألّفت في "الضعفاء"، والتقط منها بعضهم الوضاعين، وبعضهم المدلسين، قال:
"وفي "الثقات" لابن حبان، وهو أحفلها، لكنه يُدرج فيه من زالت جهالة عينه؛ بل ومن لم يرو عنه إلَّا واحد، ولم يظهر فيه جرح 1، وذلك غير كافٍ في
التوثيق عند الجمهور، وربما يذكر فيه من أدخله في "الضعفاء" إما سهوًا أو غير ذلك، ونحوه تخريج الحاكم في "مستدركه" لجماعة، وحكمه على الأسانيد الذين هم فيها بالصحة؛ مع ذكره إياهم في "الضعفاء"، وقطع بترك الرواية عنهم، والمنع من الاحتجاج بهم؛ لأنه ثبت عنده جرحهم".
وفي الختام أوجه إلى الأخ الداراني السؤال التالي:
لقد اتفق علماء الحديث على اشتراط الحفظ في الراوي، علاوةً على عدالته؛ خلافًا لابن حبان - كما تقدم تحقيقه -، فما موقفك من هذا الشرط؟
فإن قلت به - كما يقتضيه حسن الظن بك -؛ انهار كل ما سودته في تعليقاتك وتصحيحاتك؛ على أنها منهارة!
وإن كانت الأخرى - لا قدّر الله -؛ سقط الكلام معك، وتجلى عنادك وتكبرك على الحق، وخالفت سبيل المؤمنين؛ بل وحديث سيد المرسلين القائل: "الكبر بَطْرُ الحقِّ، وغمط الناس"، وهو تمام قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"!
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.
سؤال وجوابه
: وهنا سؤال يطرح نفسه - كما يقولون اليوم -: إذا كان الأمر كما تبين من تساهل ابن حبان في التوثيق؛ فما موقف المرء إذا وقف على راوٍ وثقه ابن حبان؟ وجوابي عليه كالتالي: الناس في هذا العلم وغيره على ثلاثة أنواع: 1 - عالم مجتهد.
2 - طالب متبع.
3 - جاهل مقلد.
فالأول: يجتهد فيما اختلف فيه الناس؛ لأنه باستطاعته أن يعرف صوابه من خطئه.
والثاني: يتبع من يثق بعلمه وتقواه وصلاحه، ويحاول أن يتعرف به على الصواب؛ لِيكون على بصيرة من دينه، ولا يتنطع ويدعي العلم؛ كما فعل الداراني وغيره!!
والثالث: يقلد العالِم، ويحاول أن يكون من النوع الثاني، وهذا كمبدإ عام؛ وإلا فمثله لا يحتاج أن يسأل مثل هذا السؤال الذي يترتب عليه تصحيح الحديث أو تضعيفه؛ كما هو ظاهر.
وإن من أولئك العلماء الذين لهم قدم راسخة في هذا المجال: العلامة المحقق عبد الرحمن المعلّمي اليماني - رحمه الله -، وقد قسم توثيق ابن حبان إلى خمس درجات، فقال في كتابه القيِّم "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"؛ بعد أن حقق في غير موضع منه القول في التساهل (1/ 437 - 438 - مكتبة المعارف):
"والتحقيق أن توثيقه على درجات:
الأولى: أن يصرح به، كأن يقول: كان متقنًا، أو مستقيم الحديث، أو نحو ذلك.
الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم.
الثالثة: أن يكون معروفًا بكثرة الحديث؛ بحيث يعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة.
الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذاك الرجل معرفة جيدة.
الخامسة: ما دون ذلك.
فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة؛ بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم.
والثانية: قريب منها.
والثالثة: مقبولة.
والرابعة: صالحة.
والخامسة: لا يُؤمن فيها الخلل، واللَّه أعلم".
وقد كنت أثنيت عليه ببعض ما يستحقه من الثناء على علمه وفضله في التعليق عليه، فقلت في التعليق عليه:
"قلت: هذا تفصيل دقيق يدل على معرفة المؤلف - رحمه اللَّه تعالى -، وتمكنه من علم الجرح والتعديل، وهو مما لم أره لغيره، فجزاه اللَّه خيرًا ... ".
غير أن مؤلف كتاب "رواة الحديث ... " من الطلاب المعاصرين لم يَرُقْ له التفصيل المذكور، ولا الثناء المزبور، فغمز منهما بقوله (ص 69, 71):
"فيه نظر"!
ثم عقب عليه بثلاث صفحات بتقسيم المترجمين في "الثقات" إلى قسمين، والقسم الثاني إلى صنفين، ثم عدد كل صنف، ونوعية ألفاظه، وقال في تضاعيف ذلك:
"ولذلك؛ فإنني أرى أن هذه الإطلاقات من فضيلة الشيخ اليماني رحمه اللَّه عامة، وعائمة!
وما ذكره فضيلة الشيخ الألباني من أن كلام الشيخ المعلمي (تفصيل دقيق) غير دقيق! ولا يفيد في التحقيق العلمي شيئًا"!
ثم ختم كلامه بأن جعل الرواة الذين ترجمهم ابن حبان ساكتًا عليهم على ثلاث درجات:
1 - فمنهم الثقات وأهل الصدق.
2 - ومنهم رواة مرتبة الاعتبار.
3 - ومنهم الرواة الذين لا تنطبق عليهم شروط ابن حبان النقدية في القبول، وهؤلاء ذكرهم للمعرفة، واللَّه أعلم"!
قلت: هذا كلامه، وهو وإن كان لا يخلو من تحقيق ودراسة مفيدة - والحق يقال -؛ لكن ليس فيه ما يثبت نظرته المزعومة في الدرجات الخمس، ونفي فائدتها، ووصفه إياها بأنها (عامة وعائمة)! وليت شعري ما الفرق بينها وبين درجاته الثلاث التي ختم بها بحثه من حيث وصفه المذكور؟! إنَّ أخشى ما أخشاه أن يكون غلب عليه شؤم المعاصرة، وحب التفوق، والظهور بعدم الاعتراف بالفضل لذوي الفضل بحثًا وعملًا، لا لفظًا ومسايرةً! واللَّه - عز وجل - يقول: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
وخلاصة جوابي عن السؤال: أنه يمكن للعالم أو طالب العلم أن يعتمد ابتداءً على من كان في "الثقات" من الدرجة الأولى والثانية عند الشيخ اليماني؛ دون البحث فيهم؛ إلَّا إذا كان هناك مخالف له من الحفاظ والنقاد المعروفين، وبخاصة إذا كانوا أقعد منه في علم الجرح والتعديل، والتوقف عن الاحتجاج بما بعدهما من الدرجات الثلاث إلَّا بعد البحث والنظر في القرائن التي تساعد على تبني أحد طرفي القبول أو الرد، مثل كثرة الرواة عنه، أو كونه من طبقة
التابعين، أو غير ذلك من القرائن التي سبقت الإشارة إليها فيما سبق، وضرب بعض الأمثلة؛ حتى يلقى في الصدر الاطمئنان لروايته، وتحصل غلبة الظن بالعمل بها إن وجدت أولًا (1). ومن أجل هذه الخلاصة؛ قدمت هذه المقدمة الضافية التي أرجو من الله - تعالى - أن يكون قد تفضل عليَّ فيها بالتحقيق والتوفيق، وهداني فيها إلى أصح ما قيل في المسألة وأعدلها؛ لِتكون تمهيدًا للخوض في تقويم "صحيح ابن حبان"، الذي هو ثمرة البحث المتقدم في تقويم "ثقات ابن حبان"، هذا "الصحيح" الذي منه استُخرج "موارد الظمآن"، فكان لا بد إذن من الخوض في التقويم المذكور، سائلًا المولى فيه التوفيق والسداد إلى أصح ما قيل فيه، إنه خير مسؤول.
الفصل الثاني: تقويم "صحيح ابن حبان"
بادئ بدء أقول وباللَّه التوفيق: تختلف شخصيّة ابن حبان وتصرُّفه في كتابه هذا عن تصرفه في "ثقاته" تأصيلًا, ويتفق معه تفريعًا؛ فهو في هذا متساهل كذاك، ومستقيم غير متساهل في هذا؛ بل هو متشدد، وأكثر الباحثين الذين كتبوا حوله أثنوا عليه خيرًا بعامة، ومن تكلم فيه فتلميحًا وعلى استحياء! كالحافظ ابن حجر فضلًا عن غيره؛ فإنه بعد أن لخص
شروط ابن حبان في "صحيحه"
قال 2:1
"فإذا تقرر ذلك؛ عرفت أن الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صالحة للاحتجاج بها؛ لِكونها دائرة بين الصحيح والحسن (1)، ما لم يظهر في بعضها علة قادحة".
وأما غيره من الباحثين - وأعني: بعض المعاصرين الذين لم يفرِّقوا بين ما أصَّل وبين ما فرَّع -؛ فاستثنوا منه الأخطاء التي لا ينجو منها عالم أو كاتب!
وقد سبق مني في أول هذه المقدمة (ص 5) نقل ثناء بعض الحفاظ على "صحيح ابن حبان"، وأنهم صنَّفوه بعد "الصحيحين"، و"صحيح ابن خزيمة"، مع بياني السبب في ذلك، كما نقلت عن آخرين منهم جرحه بأن فيه أوهامًا كثيرة، وأحاديث منكرة، ومثل هذا لا يقال: إنها أوهام لا ينجو منها إنسان!
ولقد توسع الشيخ أحمد شاكر - رحمه اللَّه - في مقدمته (1/ 11 - 15) في ذكر ما قاله الحفاظ فيه مدحًا، ونقدًا، وذبًّا تحت عنوان: ("صحيح ابن حبان") ومنزلته بين "الصحاح")، فمن شاء الوقوف عليها؛ فليرجع إليه.
شروط ابن حبان في "صحيحه"
: قال - رحمه اللَّه تعالى - في مقدمته إياه 2: "وأما شرطنا في نقل ما أودعناه كتابنا هذا من السنن؛ فإنا لم نحتجَّ فيه إلَّا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء: الأول: العدالة في الدين بالستر الجميل.1
والثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه.
والثالث: العقل بما يحدث من الحديث.
والرابع: العلم بما يُحيل من معاني ما يروي.
والخامس: المتعرِّي خبره عن التدليس.
فكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس؛ احتججنا بحديثه، وبنينا الكتاب على روايته، وكل من تعرَّى عن خصلة من هذه الخصال الخمس؛ لم نحتجَّ به.
والعدالة في الإنسان: هو أن يكون أكثر أحواله طاعة للَّه؛ لأنا متى ما لم نجعل العدل إلَّا من لم يوجد منه معصية بحال؛ أدّانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل؛ إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها؛ بل العدل من كان ظاهر أحواله طاعة اللَّه، والذي يخالف العدل: من كان أكثر أحواله معصية الله.
وقد يكون العدل: الذي يشهد له جيرانه وعدول بلده به، وهو غير صادق فيما يروي من الحديث؛ لأن هذا شيء ليس يعرفه إلَّا مَن صناعته الحديث، وليس كل معدِّل يعرف صناعة الحديث؛ حتى يعدل العدل على الحقيقة في الرواية والدين معًا".
ثم شرح ابن حبان - رحمه اللَّه - بقية الشروط الثلاثة من العقل، والعلم، والتدليس، وقد نعود إلى ذكر شيء منه فيما يأتي؛ فإن الذي يهمنا الآن: هو شرحه للشرط الأول والثاني، فأقول:
إخلال ابن حبان بالوفاء بالشرط الأول والثاني
: قد لاحظت أن في شرح ابن حبان لشرطه الأول أمرًا زائدًا على تعريفه
(العدل)! في "ثقاته" بأنه: "من لم يعرف بجرح" كما تقدم (ص 11) , ألا وهو قوله: "من كان ظاهر أحواله طاعة اللَّه ... "، وهذا يعني أنه معروف بالطاعة، وخلافه - وهو الفاسق - من كان أكثر أحواله معصية اللَّه، فلم يكتف هنا بالتزام الأصل، والوقوف مع حسن الظن بالمسلم كما فعل هناك؛ بل إنه أضاف أن يكون معروفًا بغلبة الطاعة عليه التي تنافي الإكثار من المعصية، هذا الإكثار الذي يخرج به صاحبه من العدالة إلى الفسق.
وإن مما لا شك فيه: أن التفريق بين المكثر من الطاعة، والمكثر من المعصية يتطلب أمرًا زائدًا على حسن الظن، وهو البحث عن الراوي، وعن سلوكه، فإذا تبين أن الغالب عليه هو الطاعة؛ فهو العدل عند ابن حبان هنا.
وليس هذا فقط؛ بل إنه أضاف شيئًا آخر في العدل في الرواية على العدل في الشهادة؛ أَلا وهو أن يكون صادقًا في روايته للحديث، وهذا منه شيء هام جدًّا؛ فإن كونه صادقًا فيه لا يمكن إثباته لمجرد كونه مسلمًا عدلًا، وإنما بالسبر لحديثه, والنظر في رواياته، ومقابلتها بروايات الثقات، أو بتوثيق من يعرف صناعة الحديث؛ كما ألمح إليه في جملته الأخيرة التي ختمها مؤكدًا ما ذكرت بقوله:
"في الرواية والدين معًا".
ولذلك قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في تعليقه عليها:
"يريد ابن حبان أن التعديل للراوي يجب أن يكون من علماء الحديث الذين مارسوا صناعته، وعرفوا دقائق الراوية، ونقدوا الرواة على الميزان الصحيح في الجرح والتعديل، وأنه لا يكفي تعديل المعدِّلين الذين كانوا في العصور السابقة يعدلون الشهود للقضاة؛ إذ "ليس كل معدِّل من هؤلاء يعرف صناعة الحديث" ... ".
قلت: فقد التقى ابن حبان مع الجمهور في اشتراطهم في الراوي أن يكون معروفًا بالعدالة، وبالصدق في الرواية 1 على التفريق المتقدم بين راوي الحديث الصحيح، وراوي الحديث الحسن، وقد أكد ابن حبان ذلك بقوله في مقدمة "الضعفاء والمجروحين" (1/ 8):
"وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يحدث به، العالم بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، المتعرِّي عن التدليس ... ".
ولذلك قال ابن حبان في الشرط الثاني المتقدم:
"الصدق في الحديث بالشهرة فيه".
قلت: فهذا وما قبله يناقض كل المناقضة قوله في مقدمة "الثقات" (1/ 13):
"فكل من ذكرته في كتابي هذا؛ إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها 2؛ فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره؛ لأن العدل من لم يُعرف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يعرف بجرح فهو عدل".
فإما أن يقال: إنه بنى كتابه "الثقات" على قاعدة، و"صحيحه" على قاعدة أخرى مخالفة، فتناقض، وهو من الأسباب التي حملت بعض الحفاظ إلى وصفه بالتناقض، إضافة إلى التساهل.
وإما أن يقال: إنَّه تبين له خطؤه في القاعدة الأولى، فتراجع عنها إلى
القاعدة الأخرى، وهذا به أولى؛ لأنه الصواب الموافق للجمهور؛ كما لا يخفى على أولي النهي.
ولعلّه يؤيد التراجع المذكور أن كثيرًا من المترجَمين في "ثقاته" لم يخرّج لهم شيئًا في "صحيحه"، خذ مثلًا؛ فقد ترجم لسبعة ممن يسمَّى (آدم)، ثلاثة منهم من المجاهيل، وترجم لسبعة عشر ممن يسمى (أبان)، لم يخرج إلَّا لخمسة منهم، وفي الآخرين مجاهيل، ومن لم أعرف، ومن قال هو فيه: "لا أدري من هو، ولا ابن من هو؟ "؛ والأمثلة تكثر، فحسبنا ما ذكر.
وعلى كل حال؛ فلا يجوز الاعتماد على الموثق في "الثقات"؛ للأسباب التي سبق بيانها.
وهذا سبب آخر يمكن أن نضيفه إليها؛ ألا وهو أن ابن حبان نفسه لم يعتمد عليه اعتمادًا كليًّا، وإنما على الاختيار والانتقاء، وهو الشرط الذي كنت بيَّنته ثَمَّةَ في الفصل الأول: "تقويم كتاب الثقات".
الكلام على الشرط الثالث والرابع
:
وأما الشرط الثالث والرابع؛ فقد سبق تعليقي عليه، وبيان أنه مِن تشدد ابن حبان - رحمه اللَّه -، وأنه نظري غير عملي، وأنه إذا حمل على أنه شرط كمال، وليس شرط كمال؛ فَنِعِّمَا هو (ص 27)، ونقلت رد ابن رجب عليه (ص 29)، فمن شاء رجع إليها.
وحسبك دليلًا على ما قلت: أن ابن حبان نفسه لم يلتزمهما في "صحيحه"، بله "ثقاته"، كيف وهو لم يلتزم الوفاء بما هو أيسر منهما؛ ألا وهما الشرط الأول والثاني كما يأتي تحقيقه - إن شاء اللَّه تبارك وتعالى -؟!
وإن من العجائب التي لا يكاد ينتهي عجبي منها: تتابع بعض العلماء - فضلًا عن طلاب العلم -: على التصريح بأن ابن حبان "وفى بما اشترط"؛ مع
انتقاد بعضهم لبعض ما اشترط، وليس منهم الشيخ أحمد شاكر - رحمه اللَّه - الذي أعرف منه اعتماده الوثيق على توثيق ابن حبان؛ سماعًا مني له في لقائي إياه في المدينة النبويَّة منذ نحو نصف قرن من الزمان، وفي أول حَجَّة لي، وفي تتبعي لتخريجاته على "المسند" - وغيره -. وإنما عجبي من ثنائه على وفائه بشروطه في "الصحيح"، مع مخالفة ذلك للواقع الذي لا يمكن لأحد إنكاره؛ إلَّا من غافل غفلةً لا ينجو منها إلَّا النبي المعصوم - صلى الله عليه وسلم -، فقد قال بعد أن حكى أقوال الحفاظ في "الصحيح" من قادح ومادح، والتي سبقت الإشارة إليها في أول المقدمة، قال في ختامها (ص 14): "ولكني أستطيع أن أجزم أو أرجح أن ابن حبان شرط لتصحيح الحديث في كتابه شروطًا دقيقة واضحة بينة، وأنه وفى بما اشترط، كما قال الحافظ ابن حجر؛ إلَّا ما لا يخلو منه عالم أو كاتب ... " 1!! قلت: وهذه غفلة عجيبة من مثل هذا الباحث المحقق، وما أوقعه فيها إلَّا حسن ظنه بابن حبان، ووقوفه عند الشروط المذكورة دون أن يتحقق من التزام المؤلف إياها في كتابه عمليًّا، وأنا أعلل ذلك بأن الظروف لم تساعده على دراسة "الصحيح" كما ينبغي، وأنه لم يصدر منه إلَّا جزءًا فيه (138) حديثًا فقط، منها خمسة أحاديث ضعيفة في نقدي، لكن المهم في عمله فيه: أنه لم يكن في تعليقه عليه إلَّا مخرجًا مستعجلًا، غير ناقد؛ لِذلك سكت عن كثير من أحاديثه، ورُواته الضعفاء، وأوضح مثال على ذلك أنه مر على حديث بدء الوحي فيه رقم (32)، ولم يعلق عليه بشيء ينبه القراء على النكارة التي وقعت في "صحيح ابن حبان"، لا تناسب مقامه - عليه الصلاة والسلام -، وهي بلفظ:
"وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حزنًا غدا منه مرارًا لكي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ... ".
بل إنه - رحمه اللَّه - أوهم القراء أن الحديث صحيح بهذه الزيادة المنكرة؛ لأنه لما خرجه (1/ 174)؛ عزاه للبخاري، وأحمد، وفيه عندهما ما ينبه القراء على العلة، وهي قول الزهري:
"فيما بلغنا حزنًا غدا ... " إلخ.
فهي زيادة منقطعة، فهي لا تصح، كما كنت نبهت على ذلك في تعليقي على كتابي "مختصر صحيح البخاري" (1/ 5)، فكان هو أولى بالتنبيه على ذلك، فقد تكلم كعادته على اختلاف النسخ والروايات في بعض الأحرف، وغير ذلك مما هو ثانوي بالنسبة لهذه الزيادة المنكرة، مثل شرحه لما فيه من غريب الحديث، حتى على لفظة (غدا) التي جاءت فيها!! فكان هذا كافيًا لتنبيهه على وجوب التنبيه عليها، ولكنها العجلة في التخريج، أو الغفلة التي لا ينجو منها باحث.
وعلى العكس من ذلك؛ سكت عن بعض الأحاديث مكتفيًا بتخريجها، وهي صحيحة؛ كحديث: "يا عثمان! إن الرهبانية لم تكتب علينا".
والمقصود: أنه إذا كانت دراسته لِـ "الصحيح" بهذا المقدار الهزيل من التحقيق والتدقيق؛ فهو لا يستطيع بداهة أن يصدر حكمًا عادلًا عليه، لا إفراط فيه ولا تفريط، وفي ظني أن الذي شجعه على ذلك الإفراط في الثناء: ما ذكره عن الحافظ من الوفاء بالشروط، وفي ذلك خطأ من ناحيتين:
الأولى: عزو ذلك إلى الحافظ؛ فإني لم أره مصرحًا به في صبعة "التدريب" التي عندي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.
والأخرى - وهي المقصودة بالذات -: أن هذه الشروط التي وضعها ابن حبان لِـ "صحيحه" قد اختلطت في ذهن الشيخ أحمد بالشروط التي ذكرها في "ثقاته"، وقد مضى بيان ما فيها من التساهل في "الفصل الأول" بيانًا شافيًا، وتأكيد ذلك في هذا الفصل أيضًا، والفرق بين هذه وتلك فرق شاسع؛ بل هو كالفرق بين الليل والنهار، والحق والباطل.
وجماع ذلك اعتداله وموافقته للجمهور في الشرط الأول، والثاني، والخامس، وشذوذه عنهم في الثالث والرابع - كما تقدم -، وكذلك شذوذه عنهم في التساهل.
فيغلب على ظني - واللَّه أعلم - أن الشيخ أحمد يعني بجملة الوفاء شروطَ "الثقات"، ويؤيدني في ذلك أمران:
الأول: أنه نقل في الصفحة - التي قبل صفحة الجملة - عن السخاوي أنه ذكر عند القول بأن ابن حبان يداني الحاكم في التساهل:
"وذلك يقتضي النظر في أحاديثه أيضًا؛ لأنه غير متقيد بالمعدَّلين؛ بل ربما يخرّج للمجهولين، لا سيما ومذهبه إدراجُ الحسَن في الصحيح، مع أن شيخنا [يريد: الحافظ ابن حجر] قد نازع في نسبته إلى التساهل إلَّا من هذه الحيثية، وعبارته إن كانت باعتبار وجدان الحسن في كتابه؛ فهي مشاحَّة في الاصطلاح؛ لأنه يسميه صحيحًا، وإن كانت باعتبار خفة شروطه 1 ... فإنه لا يُشاحُّ في ذلك".
ثم قال الشيخ أحمد في الصفحة التي بعدها:
"ونقل السيوطي في "تدريب الراوي" كلام الحافظ ابن حجر بنحو ما نقله السخاوي، ولكنه لم يذكر قائله، وزاد بعد الكلام على شرط ابن حبان: وهذا دون شرط الحاكم؛ حيث شرط أن يخرّج عن رواه خرّج لمثلهم الشيخان في "الصحيح"، فالحاصل أن ابن حبان وفى بالتزام شروطه، ولم يوف الحاكم".
قلت: فأنت إذا جمعت أطراف ما نقله الشيخ أحمد عن السخاوي من كلام ابن حجر، ثم عن السيوطي؛ وجدت ذلك كله يدور على شروطه التي ذكرها في تعديله لرجال "ثقاته" التي أجمعوا على نسبته إلى التساهل من أجلها، ولذلك قال في مطلع كلامه:
"لأنه غير متقيد بالمعدَّلين".
وابن حبان في شروط "صحيحه" قد قيد نفسه بهم في الشرط الأول، والثاني - كما تقدم -، ولا ينافي ذلك قوله عن الحافظ: "قد نازع في نسبته إلى التساهل ... "؛ لأنه إنما يعني أنه غير متساهل في نفسه ... بخلاف الحاكم الذي أخل بالوفاء بشرطه برواته فيما قالوا، ولي في ذلك نظر ليس هذا وقت بيانه 1، ولذلك جعل السيوطي شرط ابن حبان دون شرط الحاكم كما رأيت، وما ذاك إلَّا لتساهل ابن حبان في شرط رواته، وتشدد الحاكم في شرطه أن يكونوا "خرَّج لمثلهم الشيخان"! فالحاكم متشدد في الشرط، متساهل في التطبيق، بخلاف ابن حبان؛ فإنَّه متساهل في الشرط، ملتزم في التطبيق عندهم، وباختصار أقول: لا منافاة بين قولَي الحافظ، فإنَّ ابن حبان غير متساهل في نفسه، متساهل عند ناقديه!
على أنني أرى أن الحافظ - رحمه اللَّه - تساهل مع ابن حبان في منازعته
في نسبته إلى التساهل ... لأن ابن حبان - مع تساهله المقطوع به عند الحافظ وغيره - لم يُوَفِّ بشرطه المتساهل؛ لأنه لم يقف عنده إخراجه لغير المعدلين فقط! بل أخرج للضعفاء والمجهولين عنده، والذين قال فيهم: "يخطئ كثيرًا"، وغيرهم كما تقدم تحقيقه بضرب الأمثلة التي لا تقبل المناقشة.
والخلاصة: أن ما نقله الشيخ أحمد عن الحافظ يدل أن الشيخ أراد بجملة الوفاء بالشروط شروطه في "الثقات".
هذا هو الأمر الأول الذي يؤيد ذلك.
والأمر الآخر أن من شروطه في "صحيحه" الشرط الثالث:
"العقل بما يحدّث من الحديث".
والشرط الرابع: "العلم بما يحيل من معاني ما يروي".
فقد أثبتنا فيا تقدم (ص 27) بطلان هذين الشرطين، ومخالفتهما لعموم نصوص الشريعة الآمرة بالتبليغ، فلا داعي للتكرار.
وذكرنا هناك ما يلزم من هذين الشرطين من سد باب الاحتجاج بأحاديث الثقات من كلام الحافظ ابن رجب الحنبلي، فراجعه إن شئت (ص 29)، ولهذا لم يأت لهما ذكر مطلقًا في كتب علم (المصطلح) متونًا وشروحًا!
ومن الغرائب أن الحافظ أشار في "النكت" إلى شرط ابن حبان كونه عالمًا بما يحيل المعنى (1/ 290)، ومر عليه دون أن يعلق عليه بكلمة تشعر على الأقل ببطلانه وخطورته!
إذا عرفت هذا؛ فإن مجرد تصور هذين الشرطين يغني العاقل المنصف أن يخطر في باله أن الشيخ أحمد شاكر أرادهما بكلامه المتقدم، وأن ابن حبان وفّى بهما، وذلك لتعسر تحقيقهما، إن لم أقل: لتعذر ذلك واستحالته، كيف وابن
حبان لم يستطع الوفاء بالعدالة على تعريفه إياها في "الثقات"؛ بَلْهَ على تعريفه المناقض لها في "الصحيح"؛ كما سيأتي بعض الأمثلة على ذلك.
ولما تبيَّن تعسر - بل تعذر - تحقيق ذلك لبعض المعاصرين - ممن لهم مشاركة في هذا العلم الشريف على تفاوت بينهم معرفة وتحقيقًا -؛ كان لهم موقف مختلف، أحدهما أسوأ من الآخر، ولكل منهما تعليق على كتابنا "الموارد":
أما الأول؛ فهو الشيخ شعيب الأرنؤوط في مقدمته على "الإحسان"؛ فإنه - في ظني الحسن به - قد تبين له تعسر أو تعذر تحقيق الأمر المشار إليه، فقد لواه إلى الشرط المتيسر! ذلك أنه لما حكى (1/ 35) الشروط الخمسة؛ فإنه بديل أن يتكلم على تعنت ابن حبان في الشرطين المشار إليهما؛ أدار كلامه على تعنته في جرحه لبعض الثقات، ثم تكلم على ما وصف به من التساهل في التوثيق، ثم انتهى إلى القول (ص 39):
"إن غاية ما في الأمر أن ابن حبان يوثق مستور الحال" 1.
ثم قال (ص 41) مقلدًا لغيره ممن تقدم ذكره:
"فالحاصل: أن ابن حبان وفى بالتزام شروطه، ولم يوف الحاكم"!
وأما الآخر؛ فهو الأخ سليم الداراني المعلق على طبعته للكتاب - "موارد الظمآن" -؛ فقد نقل أيضًا في مقدمتها (ص 38) الشروط الخمسة، ثم أتبعه بنقل آخر من "صحيح ابن حبان"، بيَّن فيه اختياره رواة "صحيحه" شيخًا شيخًا، جاء فيه:
"فمن صح عندنا منهم أنه عدل احتججنا به، وقبلنا ما رواه، وأدخلناه في
كتابنا هذا، ومن صح عندنا أنه غير عدل بالاعتبار الذي وصفنا؛ لم نحتجَّ به، وأدخلناه في (كتاب المجروحين من المحدثين) ". ثم أتبع الداراني ذلك بقوله: "فابن حبان يعتد بهذه الشروط الآنفة الذِّكر في كل شيخ من رواة السند، ومن ثم يحكم على الحديث بالصحة، ويدرجه في كتابه هذا"! ثم أضاف إلى ذلك وصفه إياها بقوله: "وهي شروط دقيقة تتطلب جهدًا كبيرًا، ويقظة تامة، وإحاطة واسعة؛ قد التزمها ووفى بها في عامة ما أدرجه في "صحيحه" هذا من الأحاديث"!! قلت: هذا من الأدلة الكثيرة على أنه إمعة لا تحقيق عنده، وأنه إنما يجتر ما عند غيره، وأنه يهرف بما لا يعرف؛ بل بما هو باطل له قرنان! ولست أدري - واللَّه - كيف استقام في ذهن هذا الرجل العاقل شهادته لابن حبان بأنه وفى بهذه الشروط الخمسة، وهو يعلم أن شرطه في "الثقات" يخالف أكثرها كما تقدم بيانه؟! ومنها قوله: "العدل من لم يعرف بجرح"، ثم تبناه الرجل في كل تخريجاته؛ مهما كان المخالفون له علمًا وعددًا، فما من حديث فيه مجهول وثقه ابن حبان، وخالفه الحفاظ؛ إلَّا عارضهم بشعاره: "وثقه ابن حبان"! غير مبالٍ بالمخالفين من الحفاظ؛ تنصيصًا لا تأصيلًا فقط؛ بل وربما رماهم بالجهل! فانظر - مثلًا - إلى قوله في ترجمته لِـ (سمرة بن سهم القرشي الأسْدي) (8/ 144): "ترجمه البخاري في "الكبير" (4/ 179)، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، وتبعه على ذلك ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (4/ 156)، وقال ابن المديني: "مجهول، لا أعرف روى عنه غير أبي وائل، وقال الذهبي في "الميزان" (2/ 234):
"تابعي لا يعرف، فلا حجة فيمن ليس بمعروف العدالة، ولا انتفت عنه الجهالة"، ثم أورد الجزء الأول من كلامه في "المغني"، وأما في "الكاشف"؛ فقد قال: "وثق"، ووثقه ابن حبان (4/ 340)، وانظر مقدمتنا لهذا الكتاب" 1!
وقال في ترجمة (هانئ بن هانئ الكوفي) (7/ 178):
"ترجمه البخاري في "الكبير" (8/ 229)، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، وتبعه على ذلك ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، وذكره ابن حبان في "ثقاته" (5/ 509)، وقال العجلي (ص 455): "كوفي، تابعي، ثقة"، وقال النسائي: "ليس به بأس"، وصحح الحاكم حديثه، ووافقه الذهبي، ووثقه الهيثمي، فهل بعد هذا يضره جهل من جهله؟! "!
ليس مقصودي الآن بيان ما في هاتين الترجمتين من الجهل، وقلة المعرفة بهذا العلم، وإنما هو بيان أن ابن حبان لم يوف بشروطه المذكورة في "صحيحه" بشهادة هذا الهائم به في بعضها.
أما بالنسبة للجمهور؛ فواضح مما سبق، ومما ذكره من قول الذهبي:
"لا يعرف، فلا حجة فيمن ليس بمعروف العدالة ... " إلخ.
وأما بالنسبة لابن حبان في شروطه الخمسة، ومقلِّده الداراني؛ فلأنه لا يمكن معرفة العدالة في الدين بالستر الجميل، والصدق في الحديث بالشهرة فيه، وبالأولى التحقق من عقله وعلمه، وعلى الشرح الذي شرحه ابن حبان نفسه؛ لا يمكن معرفة هذا كله في مثل هاتين الترجمتين؛ إلَّا عند من لا يعقل، أو يكابر.
ويؤكد هذا الهائم في بعض هؤلاء المجهولين بقولِه: "ولم أر فيه جرحًا" 2،
فهذا منه تصريح بأنه لم يعرف عدالته في الدين، بله الصدق في الحديث، فهل يتذكر؟ وزيادة في الفائدة؛ لا بأس من الإتيان ببعض الأمثلة استعجالًا بالخير؛ وإلا فهي من الكثرة بحيث يصعب إحصاؤها، وسننبه على الكثير الطيب منها في أبوابها ومواطنها من الكتابين "الصحيح"، و"الضعيف" - إن شاء اللَّه تعالى -:
تحقيق إخلال ابن حبان بالوفاء بشروطه الخمسة
:
أما إخلاله بالشرط الأول والثاني؛ فمن الأمثلة على ذلك:
أولًا: حديث إياس بن خليفة، عن رافع بن خديج: أن عليًّا أمر عمارًا أن يسأل رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - عن المذي ... الحديث الآتي برقم (239 - الصحيح)، فإياس هذا - مع جهالته خالف الثقات الذين رووه في "الصحيحين": أن عليًّا أمر المقداد كما سترى هناك، فأين شرط العدالة في الدين والصدق في الحديث والشهرة فيه؟! لقد تجاهل هذا كلَّه الهائمُ - وغيره -، ثم تكلف تأويله خلافًا للأصول، كما سترى في التعليق هناك.
ثانيًا: حديث محمد بن الأشعث، عن عائشة، قالت:
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمس من وجهي شيئًا وأنا صائمة، ويأتي برقم (904 - "الضعيف")، فابن الأشعث هذا - مع جهالته - اضطرب في متنه، فرواه هكذا تارة، وعلى العكس تارة أخرى بلفظ: كان لا يمتنع من وجهي وأنا صائمة.
وهذا هو الصحيح المحفوظ عن عائشة كما سيأتي هناك، فهو حديث منكر، ومع ذلك قوَّاه الداراني - وغيره -، وهو شاهد قوي لقول الذهبي في "صحيح ابن حبان":
"فيه من الأقوال، والتأصيلات البعيدة، والأحاديث المنكرة عجائب" 1.
ثالثًا: حديث عبد اللَّه بن نُجَيّ، عن أبيه: سمعت عليًّا يحدث، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال:
"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه ... جنب".
ذكرت فيما يأتي (1484 - الضعيف) أنه منكر بذكر (الجنب)، وهو الذي يقتضيه قول ابن حبان في ترجمة نجي هذا من "ثقاته" (5/ 480):
"لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد" 2.
فأين الوفاء بشرطه الذي قال في مقدمة "ثقاته" - كما تقدم (ص 12) -:
"ولا أذكر في هذا الكتاب إلَّا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم"؟!
ومع هذا كله؛ فقد جوَّد الداراني إسناده محتجًّا كعادته بقوله: "وثقه ابن حبان"! ولكنه كتم قوله المذكور: "لا يعجبني ... "! ثم جاء بتخليطات عجيبة - كما سترى -.
رابعًا: حديث قصة الملكين (هاروت) و (ماروت)، وشربهما الخمر، وقتلهما الصبي، وزناهما بِـ (الزهرة)، الآتي برقم (1717 - الضعيف)؛ فهو - مع كونه باطلًا لمخالفته للقرآن، وفي إسناده من قال فيه ابن حبان: "يخطئ ويخالف"! - وقد خالفه الثقات الذين أوقفوه -؛ فقد سوَّد به ابن حبان "صحيحه"، واغتر به إمعته على ما هي عادته؛ فجوَّد إسناده، وخالف الحفاظ الذين استنكروه - كما سيأتي هناك بيانه -.
والأمثلة على هذه الأنواع كثيرة جدًّا؛ كما ستراها في أماكنها على ما سبقت الإشارة إليه، لكن مما ينبغي التنبيه عليه بهذه المناسبة: أنها على نوعين:
أحدهما: منكر أو باطل من أصله، كهذا المثال، ومحل هذا النوع في "الضعيف".
والآخر: يكون أصله صحيحًا، لكن وقع فيه شذوذ من ثقة، أو نكارة من ضعيف، كالأمثلة التي قبل هذا، فمحله - على الغالب - في "الصحيح"؛ مع التنبيه على موضع الشذوذ والنكارة، وهذا مما لم يُعْنَ ابن حبان بالتنبيه عليه، وقلده في ذلك المعلقون على "الموارد"، وبخاصة الأخ الداراني، حتى ليكاد الواقف على تخريجاته يجزم بأنه لا يعرف هذا النوع من علوم الحديث: (الشاذ)، و (المنكر)، كما سترى ذلك يقينًا - إن شاء اللَّه تعالى - عند التعليق على الكثير منها!
أخي القارئ! إذا تيقنت مما سبق من البيان والتحقيق إخلال ابن حبان - رحمه اللَّه - بالشرط الأول والثاني من شروطه الخمسة، وعدم وفائه بهما؛ فلستَ - والحالةُ هذه - بحاجة إلى تنبيهك إلى أنه قد أخل بالشرط الثالث والرابع: العقل بما يحدث، والعلم بالمعنى من باب أولى؛ لأنهما شرطان نظريان، لم يقل بهما أحد من أهل العلم؛ بل القول بهما مخالف للكتاب والسنة كما سبق بيانه (ص 26 - 29)؛ بل جرى عمل المحدثين جميعًا على خلافه، وأول مخالف له إنما هو قائله!!
إخلاله بالشرط الخامس
: ولقد أخل ابن حبان بالشرط الخامس أيضًا، وهو قوله: " ... المتعرِّي خبره عن التدليس".
وهو شرط متفق عليه بين علماء الحديث دون خلاف أعلمه؛ على تفصيل لهم معروف في علم المصطلح، وأنواع ذكروها فيه، ومع ذلك؛ فقد أخرج ابن حبان في "صحيحه" للكثير من المدلسين عنده ممّن وصفهم في "ثقاته" بالتدليس؛ فضلًا عن غيرهم من المدلسين عند غيره؛ كأبي الزبير المكي مثلًا، فقد أكثر عنه:
1 - حبيب بن أبي ثابت، ومن أحاديثه الآتي برقم (655 - الضعيف)، وأعله الداراني (2/ 395) بعنعنته!
2 - ومنهم الحسن البصري، وقد أكثر ابن حبان من التخريج له عن بعض التابعين والصحابة، وعامتها معنعنة، ولكن غالبها عن التابعين، وقد مشاها العلماء، وبعضها عن بعض الصحابة، منهم من سمع منه، ومنهم من لم يسمع منه، والكثير منها صحيح لغيره، والأخ الداراني - مع تعصبه لابن حبان، وتقليده المعروف إياه -؛ لم يسعه إلَّا أن يصفه بالتدليس, وأن يرد كثيرًا من أحاديثه، ويضعِّفها بالعنعنة؛ إلَّا أنه كان في ذلك مضطربًا أشد الاضطراب، فتارة يضعف، وتارة يصحح؛ دون أن يذكر سببًا وجيهًا للتصحيح، مما يؤكد لي أنه لا ينطلق في ذلك من ثوابت وقواعد مستقرة في ذاكرته؛ حتى أصبحت جزءًا من حياته العلمية، كلا، وإنما هو يرتجل ارتجالًا كيفما اتفق، أو وافق الهوى أو المذهب! وقد شايعه في بعض ذلك: الشيخ شعيب - أو المعلق على "الإحسان"، والمذيِّل على أحاديث "موارده"! - فانظر على سبيل المثال الأحاديث الآتية في "ضعيف الموارد" (335, 448, 816, 915)، وهذا الأخير منها هو من حديث الحسن، عن أبي بكرة، ومع ذلك قالا فيه: "إسناده صحيح"! وليس ذلك لأن الحسن صرح بالتحديث - ولو في مصدر آخر, أو لشواهد تقويه، كما سيأتي بيانه في التعليق عليه -؛ وإنما على قول شعيب (8/ 224)؛ لأن البخاري روى له
عدة أحاديث في "صحيحه" ليس فيها التصريح بالسماع! وعلى قول الداراني (3/ 221)؛ لأن البخاري أخرج له بالعنعنة حديثًا في الغسل (291)، ومسلم في الحيض (348)، وفي الإمارة (1854)، وأنت إذا رجعت إلى هذه الأحاديث الثلاثة وجدتها من رواية الحسن عن بعض التابعين، عن أبي هريرة، وأم سلمة!
فهذا غير ما نحن فيه؛ لأن روايته عن التابعين غير روايته عن الصحابة؛ كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، ومع ذلك؛ فقد رأيت الداراني قد اختلف موقفه هذا تجاه حديث آخر، هو أيضًا من حديث الحسن عن أبي بكرة، سيأتي - إن شاء اللَّه - في "الصحيح" برقم (372) مرموزًا له بِـ "صحيح لغيره"، فقد أعله بقوله (2/ 67):
"الحسن موصوف بالتدليس ... "!
ثم نقل عن بعضهم أنه لم يسمع من أبي بكرة، وهذا النفي باطل؛ لثبوت تصريحه بسماعه منه في "صحيح البخاري" (2704) لحديث: "إن ابني هذا سيد ... "، وكذا صرح بالسماع في "مسند الحميدي" أيضًا (2/ 811 - تحقيق الداراني) نفسه، ولذلك أثبته - أعني: التصريح - الداراني في بعض تعليقاته الأخرى على "الموارد"؛ كالحديثين (1530, 2232)، وهذا سيأتي - إن شاء اللَّه - في "صحيح الموارد".
وأما الذي قبله؛ ففي "الضعيف"؛ لنكارة في متنه، لا يتنبه لمثلها الداراني وأمثاله.
إذا علمت هذا؛ فلعل الأقرب أن لا أقول: إنه تجاهل هذه الحقائق، وإنما أقول: إنه نسيها! لأن الرجل مثل (القمع) لا يحفظ الأحاديث النبوية، ولا القواعد العلمية، وما يتعلق بها من التراجم وغيرها، فهو لا يستحضر منها ما يلزمه منها؛ لحداثة عهده بها، فما يبرمه اليوم ينقضه غدًا، فهو حَطَّاب نقّال، ليس عنده
خلفية علمية تساعده على التحقيق والتدقيق، والثبات على الصواب، والأمثلة كثيرة جدًّا - كما سترى -، وهذا المثال يكفي الآن، وتأتي قريبًا نماذج أخرى.
وبهذه المناسبة أقول: إنه لا يعلم الفرق بين تدليس الشيوخ، وتدليس التسوية، فيحمل هذا على ذاك، فعل ذلك في غير ما حديث، مثل الآتي في "الضعيف" برقم (2090)، فانظر تعليقي عليه.
وأما الشيخ شعيب - أو المعلق على "الإحسان"! -؛ فكان موفقًا في هذا الحديث؛ فإنه أعله بالعنعنة، ولكنه قال (6/ 5): "حديث صحيح بطرقه وشواهده"!!
وبمناسبة ذكر أبي الزبير المعروف بالتدليس - كما سبقت الإشارة إليه آنفًا -؛ فإن من تهافت الداراني وجهله: أنه - مع تضعيفه لحديث حبيب بن أبي ثابت؛ لتدليسه، واضطرابه في تدليس الحسن البصري؛ مع أنه من رجال الشيخين -: أراه سادرًا في تصحيح أحاديث أبي الزبير المعنعنة عن جابر، بدعوى أن مسلمًا احتج بها! وهذا خلاف ما عليه العلماء من التفريق بين ما رواه الليث بن سعد، فهي صحيحة عنه، وبين ما رواه غير عنه، كما هو معروف عنه في كتب التراجم.
أليس كان الأولى - بناءً على دعواه المزعومة - أن يحتج بعنعنة حبيب هذا وأمثاله من الموصوفين بالتدليس؟! فعلى ماذا يدل هذا التهافت والتناقض؟! ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾!!
نعم؛ لقد عاد الرجل إلى الاحتجاج - أيضًا - ببعض رجال الشيخين المدلسين وعنعنتهم، مثل أبي إسحاق السبيعي - كما سترى في ترجمته الآتية بعد ترجمتين - إن شاء اللَّه تعالى -، وقد خالف في ذلك أيضًا العلماء الذين احتجوا بتحديثه دون تدليسه! ثم ما يدريني لعله لم يستقر على ذلك؛ فإن من
المستحيل ملاحقة أوهام من لا ينطلق فيما يكتب عن علم وثوابت، فلننتظر.
3 - ومن المدلسين عند ابن حبان: عبد الجليل بن عطية، وقد روى له حديثًا واحدًا بالعنعنة، لكني وجدت تصريحه في بعض المصادر، فأوردته في "الصحيح" كما سيأتي برقم (2370).
وأمّا هاويه (الداراني)، والمتعصب لِـ "ثقاته"؛ فقد كان موقفه من هذا التدليس عجبًا، فقد رفضه رفضًا باتًّا بدعوى أنه لم يسبقه أحد! وهذا محض الجهل؛ لما هو مقرر عند أهل العلم والعقل: أن من علم حجة على من لم يعلم، وليت شعري أليس كان الأولى بهذا الرجل أن يقبل هذا من ابن حبان، وأن يرفض توثيقه للمجاهيل؛ لأنه خالف بذلك الحفاظ تأصيلًا وتفريعًا؛ بل وخالف نفسه بنفسه في شرطه الأول والثاني كما سبق تحقيقه؟! بلى؛ بل إنه الواجب، وصدق اللَّه: ﴿إِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
وأعجب من ذلك: أنه ذكر الرفض المتقدم في صاحب الترجمة التالية، ثم تناقض موقفه من حديثيه، فتوقف في أولهما، وقوى الآخر! هناك حكى التدليس فتوقف؛ وهنا حكاه أيضًا لكنه جوّد!!
4 - ومنهم: عبيدة بن الأسود، روى له حديثين بالعنعنة، أحدهما يأتي في "الضعيف" برقم (277) لعنعنته، والآخر في "الصحيح" (963)؛ لأني وجدت تحديثه في مصدر من مصادر التخريج، كما بينت هناك.
وأما الأخ الداراني؛ فتناقض، ففي الأول توقف كما سبق، والظاهر أنه للتدليس الذي حكاه؛ خلافًا للشيخ شعيب - أو المعلق على "الإحسان"! -؛ فإنه تجاهل التدليس، وحسَّن الإسناد، وعليه حسَّن الحديث في "موارده".
وعكس هذا في الحديث الآخر؛ فإنه ضعفه، لا للتدليس - وقد حكاه هنا! -، وإنما لأسباب أخرى، وفاتته بعض الشواهد التي تقويه.
وشذ الداراني، فقال:
"إسناده جيد"! وهنا حكى عبارة ابن حبان في رميه إياه بالتدليس، ثم رفضه كما تقدم!
5 - ومنهم: عمرو بن عبد اللَّه أبو إسحاق السبيعي، وقد أكثر من الرواية له، فبلغت أحاديثه عنده نحو خمسين ومائة (150)، غالبها عنه عن بعض التابعين، عن الصحابة، وسائرها عنهم مباشرة، أكثرها معنعنة، فهو في ذلك شبيه الحسن البصري المتقدم برقم (2)، وقد وجدت لبعضها من الشواهد ما يقويه، فأوردته في "الصحيح" مميزًا لهذا النوع عما كان صحيحًا لذاته بقولي: "صحيح لغيره"، وسأذكر له مثالًا له عما قريب - إن شاء اللَّه تعالى -. ومن المهم هنا الإشارة إلى غرائب من أحاديثه المعنعنة، والتي لم أجد لها ما يشهد لها، فأوردتها في "الضعيف"، منها ذوات الأرقام التالية: (1781، 2227، 2255، 2410، 2458، 2582). ومن الغرائب: أن المعلقين الأربعة تجاهلوا عنعنته وتدليسه فيها، فأجمعوا على تقويتها تحسينًا وتصحيحًا! اللهم إلَّا في بعضها لسبب غير التدليس، كما سترى ذلك في التعليق عليها في مواضعها المشار إليها - إن شاء اللَّه تعالى -. فهل كان ذلك عن جهل منهم، أو نسيان، أوتعلل بما يدل على الحداثة مما سبقت الإشارة إليه؟! كل ذلك ممكن إلَّا الأول، فالذي رماه بالتدليس هو ابن حبان، وكتابه بين أيديهم، فضلًا عمن ترجمه وذكره في المدلسين، كما هو معلوم عند المشتغلين بهذا العلم الشريف، ولهذا فإني أستبعد أن يكون الأخ
الداراني رفض قول ابن حبان هذا كما رفضه في عبد الجليل بن عطية المتقدم قريبًا برقم (3)، لا سيما وقد رأيته قد أعل الحديث الآتي في "الصحيح" برقم (1953)، وهو من رواية أبي إسحاق، عن البراء بقوله (6/ 234):
"رجاله ثقات؛ إلَّا أنه منقطع ... ".
ثم نقل عن شعبة أنه قال:
"لم يسمع هذا الحديث أبو إسحاق عن البراء".
قلت: وهذا هو التدليس عند من يفهم.
وبهذه المناسبة أقول:
إن من أغرب ما رأيت لهذا الرجل من التخبيط والتخليط والتضليل - وهذا أقل ما يمكن أن يقال فيه -: ما فعله في حديث البراء الآتي في "الصحيح" برقم (1373)، وهو من رواية شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء، ذلك أنه قال في التعليق عليه (4/ 340):
"إسناده صحيح، شعبة قديم السماع من أبي إسحاق السبيعي".
قلت: السماع صحيح معروف لا شك فيه، وليته التزمه في كل أحاديث أبي إسحاق التي صححها؛ بل إنه له في ذلك تخليطًا آخر، وهو زعمه في غير ما موضع: أن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق قديم السماع من جده أبي إسحاق (1/ 446, 8/ 51)، وهذا من سوء فهمه؛ لوصف بعض الحفاظ إياه بأنه أحفظ لحديث جده من غيره، فهذا شيء آخر يتعلق به هو، والاختلاط يتعلق بجده، فهو حافظ لحديثه؛ ولو حدث به في الاختلاط، وقد ذكر أحمد أنه سمع منه بأخرة.
والمقصود هنا أن قوله: "إسناده صحيح" غير صحيح، وذلك لأنه أوقف نظره عند ظاهر رواية شعبة هذه، وهي معروفة الصحة عند العلماء؛ لأن شعبة
بالإضافة إلى أنه سمع من أبي إسحاق قبل الاختلاط؛ فإنَّ من دقته وتحفظه في الرواية عنه أنه لا يروي إلَّا ما صرح بالسماع، فلو لم يكن بين يدي الرجل إلَّا هذه الرواية لعذرناه؛ بل وكنا معه على الجادة، ولكن الرجل لم يتَقِ اللَّه - تعالى -، ولم يُؤَدِّ الأمانة العلمية، ذلك لأنه بعد أن خرَّج الحديث من رواية جماعة من المصنّفين - منهم أبو يعلى - قال: "وهناك استوفينا تخريجه"! فلما رجعت إلى حيث أشار إليه من "مسند أبي يعلى" (4/ 265 - 266)؛ وجدت الحجة التي تدمغه، ذلك لأن أبا يعلى - رحمه الله - أداءً منه للأمانة العلمية قد ساق الحديث من طريقين عن شعبة برقمين (1719, 1720)، الطريق الأولى هي ما أشير إليها آنفًا أنها في "الصحيح"، وهي التي عناها بجملة الاستيفاء المزعومة؛ فإنه لم يستوفِ ما هناك فضلًا عن أن يزيد عليها كما أوهم بها؛ بل إنه نقص منها جملة سماع أبي إسحاق! والخطب في هذا سهل، فقد علمت أنه لا فائدة منها هناك، اللهم إلَّا التضليل عن العلة الحقيقية التي كتمها الرجل، أَلا وهي الانقطاع بين أبي إسحاق والبراء، ولقد وددت - يشهد اللَّه؛ من باب (التمس لأخيك عذرًا) - أن أقول - كما قلت في غيره -: لعله غفل عن هذا؛ فإن الغفلة لا ينجو منها باحث، أو كاتب، وهي بالنسبة لرواية شعبة في "الصحيح" واردة، ولكنه مع الأسف لم يدع لذلك مجالًا في كل من تخريجيه، أما هنا في "الموارد"؛ فلأنه أحال إلى الطريق الأولى ذات الرقم (1719) الظاهرة الصحة، ولم يقرن معه الرقم الآخر (1720) المشير إلى الطريق الأخرى الكاشفة عن العلة! وبخاصة أنها جاءت في رأس الوجه الآخر من الصحيفة الذي قد لا يتنبه له البعض إلَّا بمنبه، كذكر الرقم الآخر! لا بأس! لِنَقُل: إِنَّه غفل عنه! ولكن بماذا يمكن الإجابة عن فعلته في
تعليقه على "أبي يعلى"؛ فإنه بعد أن صحح إسناد الطريق الأولى؛ أعرض عن العلة الصريحة في الطريق الأخرى، وفيها ما نصه: "قال شعبة: قلت: أسمعته من البراء؟ قال: لا"؟!! لقد طاح احتمال غفلته عنه بتعليقه عليه بقوله (3/ 266): "رجاله ثقات، وانظر الحديث السابق"!! لقد كان من واجبه - والحالة هذه - أن يتدارك خطأ تصحيح إسناد الحديث السابق؛ بأن يرجع إليه، ويعله بالانقطاع الصريح فيه، كما فعل بحديث "الصحيح" الذي أشرت إليه آنفًا (ص 91)، ولكنه لم يفعل، وتجاهل النص كأن لم يكن، فصنيع من هذا؟! ولقد شاركه في هذا التجاهل: الشيخ شعيب - مع الأسف -؛ فإنه قال في تعليقه على "الإحسان" (12/ 173): "إسناده صحيح على شرط الشيخين، لكن جاء عند أبي يعلى بإثر الحديث: قال شعبة: قلت: أسمعته من البراء؟ قال: لا"!! فجَمَعَ بين النقيضين! فكان ينبغي التصريح عقب التصحيح المذكور بمثل قوله: "لولا أنه منقطع ... "؛ دفعًا لظاهرة التناقض! ولكني أخشى أن لا يكون التعبير المذكور من شعيب نفسه، وإنما هو من قبيل ما يقال: (له الاسم ولغيره الرسم)! نعم؛ الحديث صحيح لغيره كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وهي مخرجة في "الصحيحة" برقم (3496).
6 - ومنهم: المغيرة بن مقسم الضبي، فقد أخرج له نحو عشرين حديثًا معنعنًا عنده كلها؛ سوى حديث واحد، صرح فيه بالسماع، وثانٍ قد توبع فيه،
وثالث رواه عن أبيه - وهو مجهول -.
والمقصود هنا: بيان أن له في كتابنا "الموارد" سبعة أحاديث كلها معنعنة، أحدها مما استدركته أنا على الهيثمي، وقد استطعت والحمد للَّه أن أنقذ من الضعف بالشواهد خمسة منها، فأوردتها في "الصحيح"، هذه أرقامها (1035، 1271، 1336، 1421، 2060).
وأما الآخران؛ فهما في "الضعيف" رقم أحدهما فيه (1523)، وحسَّنه بعضهم، وأما الآخر - وهو المستدرك -؛ فسيأتي في (5 - المواقيت/ 122 - باب) - بإذن اللَّه تعالى -.
وإن مما يحسن التنبيه عليه هنا: أن الأخ الداراني جرى في تخريجه لهذه الأحاديث - باستثناء المستدرك طبعًا المشار إليه آنفًا - على تجاهل تدليس المغيرة، سوى الحديث (1523)، فقد ضعفه هنا في "الموارد"، وأحال في تخريجه على "مسند أبي يعلى" (8/ 387 - 388)، وهناك أعله بقوله:
"ومغيرة كثير التدليس عن إبراهيم".
وخالف شعيبٌ، فحسَّنه هنا، وفي "الإحسان" (13/ 335)؛ زاعمًا أن المغيرة قد تابعه شباك الضبي! ومع أن هذا قد رُمي بالتدليس أيضًا؛ فقد تجاهل الشيخ شعيب الاضطراب في إسناده، وجهالة (هني بن نويرة) فوقه، كما كنت بينت ذلك مفصلًا في "الضعيفة" (1232)، وهذا قُلٌّ مِنْ جُلٍّ من تخبيطاتهم وتخليطاتهم التي لا يلتزمون فيها قواعد هذا العلم الشريف.
وهناك مدلسون آخرون كنت فرزت أسماءهم في آخر كتابي "تيسير الانتفاع" - يسر اللَّه لي نشرَه - بلغ عددهم نحو الثلاثين، وإنما ذكرت من تقدم ذكره منهم؛ لأنه أخرج لهم في "صحيحه" أحاديث كثيرة بالعنعنة، ووقع بعضها
في كتابنا "الموارد"، الأمر الذي أحوجني إلى نقدها، وتمييز ما صح منها بالمتابعات والشواهد، وما لم يصح بسبب العنعنة والتفرد.
وإن فيما أشرنا إليه من أحاديث هؤلاء المدلسين - ولو مما صح منه -: ما يكفي لبيان أن ابن حبان - رحمه اللَّه - قد أخل أيضًا بالشرط الخامس الذي وضعه لرواة حديث "صحيحه" بقوله المتقدم: "المتعري خبره عن التدليس"! كما أخل بشروطه الأخرى على ما سبق بيانه، بما لا تراه في كتاب آخر - إن شاء اللَّه تعالى -.
وبذلك يزداد القراء علمًا بتساهله الذي رماه به أجلة الحفاظ والعارفين به، واستنكف عن الاعتراف به بعض من يدعي العلم، ويتهم الحفاظ بالجهل، ويتبينون أن تساهله لم يقف عند توثيق المجهولين في "ثقاته"، كما هو معلوم عند جمهور طلاب العلم؛ بل إنه تعداه إلى إخلاله بتحقيق شروطه الخمسة التي اشترطها لرواة "صحيحه"، خلافًا لمن صرح من المتأخرين أنه وفى بها؛ كالشيخ أحمد شاكر - رحمه اللَّه - ومن قلده -؛ كالشيخ شعيب، والاخ الداراني؛ غفلوا عن هذه الحقيقة، وترتب من وراء ذلك - من الأوهام والتصحيح للأحاديث الضعيفة، والروايات المنكرة - ما يتعذر الإحاطة بها، وقد يسر اللَّه لي أثناء طبعي لِـ "صحيح الموارد"، و"ضعيف الموارد" التنبيه على الكثير منها كما سيرى القراء الكرام - إن شاء اللَّه تعالى -، وقد ذكرت آنفًا نماذج منها، أداءً للأمانة، ونصحًا للأمة، وتذكيرًا لأمثالي من طلاب العلم.
فهذا الحق ليس به خفاءُ ... فدعني عن بُنيَّات الطريق
ذلك؛ وما دمنا لا نزال في تقويم "صحيح ابن حبان"؛ فإن هناك أنواعًا أخرى وقعت فيه منافية للصحة، وفيها بعض الموضوعات، ولذلك كان من تمام هذا الفصل الكلام عنها - ولو موجزًا -، فأقول:
يمكن حصرها فيما يأتي:
الأول: الأحاديث الشاذة.
الثاني: الأحاديث المنكرة.
الثالث: الأحاديث الضعيفة والواهية.
1 - أما النوع الأول؛ فأحاديثه كثيرة، ومن المعلوم أن الحديث الشاذ: هو ما رواه الثقة مخالفًا من هو أوثق منه، أو أكثر عددًا، وهذا يعني أن إسناده يكون ظاهر الصحة، ولذلك فلا يظهر الشذوذ والمخالفة إلَّا بتتبع الطرق، وإمعان النظر في متونها، وهذا مما لا يتيسر أحيانًا لبعض الحفاظ النقاد المتقدمين، فضلًا عن بعض الكتاب المعاصرين المتعلقين بهذا العلم، الذين لا يعلمون منه إلَّا ظاهرًا من القول، ولا ينظرون فيه إلى أبعد مِن أرنبةِ أنوفهم، كما سترى ذلك جليًّا في عشرات الأحاديث الآتية في "الصحيح"، و"الضعيف".
ثم إن الشذوذ غالبًا ما يقع في المتن، وتارة يقع في السند، وقد يجتمعان، والشذوذ في المتن يكون عادة في بعض أجزائه أو ألفاظه، وهذا يعني أن أصل الحديث صحيح، لكن أحد رواته الثقات شذ وخالف، فوقع في حديثه الخطأ، كما في الحديث الآتي في "الضعيف" برقم (948) بلفظ:
"صيام ثلاثة أيام من كل شهر: صيام الدهر وقيامه".
فقوله: "وقيامه" شاذ ضعيف، والمحفوظ في هذا الحديث وغيره بلفظ: "وإفطاره".
وتأتي له أمثلة أخرى فيه بالأرقام التالية (951، 1305، 1364، [185/ 2 - 5990]، [269 - 7049]، و [270 - 6959]).
وهذا النوع كثير جدًّا في الكتاب الآخر "صحيح الموارد"، ولذلك لم أوثرها