نقل الْمُؤلف أَقْوَال السّلف فِي أَن الْقُرْآن غير مَخْلُوق:
وَأما دعواك أَيهَا الْمعَارض أَن لَمْ يَسْبِقْ مِنَ السَّلَفِ فِي الْقُرْآنِ قَوْلٌ وَلَا خَوْضٌ، أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٌ, فَسَنَقُصُّ عَلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا يُكَذِّبُ دَعْوَاكَ، وَسَنَحْكِيهِ لَكَ عَنْ قَوْمٍ مِنْهُمْ أَعْلَى وَأَعْلَمَ مِمَّنْ حَكَيْتَ عَنْهُمْ مَذْهَبَكَ نَحْوَ الْمَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِي ونظرائهم.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ1، ثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ2، ثَنَا مَعْبَدٌ3قَالَ: ثَنَا عَليّ
-وَهُوَ ابْنُ رَاشِدٍ1- عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ2قَالَ: قِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ3: "الْقُرْآنُ خَالِقٌ أَوْ مَخْلُوقٌ4؟ قَالَ: لَيْسَ بِخَالِقٍ وَلَا مَخْلُوق، وَلكنه كَلَام الله"5.
وَسَمِعْتُ1إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيَّ2يَقُولُ: قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ3: قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ4: "أَدْرَكْتُ، أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ دُونَهُمْ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: اللَّهُ الْخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ5مِنْهُ خرج وَإِلَيْهِ يعود"6.
ل 40 أ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ1-مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ- قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ2مَوْلَى خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ3قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُبَارك4
بِالْمِصِّيصَةِ1وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْقُرْآنِ قَالَ2: "وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"3.
حَدَّثَنِي.4..........................
مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ1، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ2قَالَ: سَمِعْتُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ3يَقُولُ: "الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"4.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ مَنْصُورٍ5، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ6قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ الْجَزَرِيَّ7يَقُولُ: "الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"8.
حَدثنِي مُحَمَّد بن مَنْصُور.9......................................
ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَضَّاءٍ1قَالَ: ثَنَا هِشَامُ بْنُ بِهْرَامٍ2 قَالَ: سَمِعْتُ الْمُعَافَى بْنَ عِمْرَانَ3 يَقُولُ: "الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ".
قَالَ هِشَامٌ4: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ الْمُعَافَى"5 قَالَ عَلِيٌّ6: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ هِشَامٌ"7، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ8: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالَ خَمْسِينَ مَرَّةً"، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ9: "وَأَنَا أَقُولُ كَمَا قَالُوا"، قَالَ الصَّرَّامُ10: "وَأَنَا أَقُول كَمَا قَالُوا" قَالَ رُوَاةُ الصَّرَّامِ: "وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالُوا"، وَقَالَ لَنَا إِسْحَاقُ11: "وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالُوا"12.
فَكُلُّ هَؤُلَاءِ قَالُوا: "إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ"، وَلَيْسُوا13بِدُونِ مَنْ رَوَيْتَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَرهُوا الْخَوْض فِيهِ فَيَقُولُونَ14: "هوغير مَخْلُوق" مثل أبي
أُسَامَةَ1وَأَبِي مُعَاوِيَةَ2وَمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ3إِنْ صَدَقْتَ عَلَيْهِمْ فِي دَعْوَاكَ وَأَخَسُّهُمْ عِنْدَ النَّاسِ مَنْزِلَةً أَعْلَى مِنَ الْمَرِيسِيِّ وَاللُّؤْلُؤِيِّ4وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمُ الَّذِينَ ادَّعَوْا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، حَتَّى لَقَدْ أَكْفَرَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِمْ.
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ بِهِ الْقَتْلَ، وَلَمْ يُوجِبُوا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ بِذَلِكَ إِلَّا وَأَنَّ قَوْلَهُمْ كَانَ5عِنْدَهُمْ كُفْرًا.
حَدَّثَنِي يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ1أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ2، حَدَّثَهُمْ عَنْ حُصَيْنٍ3، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ4أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ5قَتَلَ زَنَادِقَةً6، ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ7ثُمَّ قَالَ: صدق الله وَرَسُوله نقل الْمُؤلف أَقْوَال السّلف فِي الحكم على الْجَهْمِية والزنادقة
فَالْجَهْمِيَّةُ1عِنْدَنَا أَخْبَثُ الزَّنَادِقَةِ2؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ قَوْلِهِمْ3إِلَى التَّعْطِيلِ كَمَذْهَبِ الزَّنَادِقَةِ4سَوَاءٌ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْمَرِيُّ الْبَغْدَادِيُّ5، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبِ أبي6، عَن أَبِيه 7......................
عَنْ جَدِّهِ1حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ2قَالَ: خَطَبَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ3بِوَاسِطَ4يَوْمَ أَضْحَى5فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ارْجِعُوا فَضَحُّوا، تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ.
فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ6إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ7خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى8تَكْلِيمًا.
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ9الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا.
ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ فَذَبَحَهُ.10
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ1قَالَ: قلت لإِبْرَاهِيم بن سعد2: ماتقول فِي الزَّنَادِقَةِ3تَرَى أَنْ نَسْتَتِيبَهُمْ4قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَبِمَ تَقُولُ ذَاك5؟ قَالَ: كَانَ علينا وَال6بِالْمَدِينَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا وَلَمْ يَسْتَتِبْهُ، فَسَقَطَ فِي يَدِهِ فَبَعَثَ إِلَى أبي، فَقَالَ لَهُ أَبِي: لَا يَهْتَدِيكَ7فَإِنَّهُ قَوْلُ الله: ﴿فَلَمَّا 8 رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قَالَ: السَّيْفُ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ 9 قَالَ: السَّيْف سنة الْقَتْل.10
وَسَمِعْتُ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ أَبَا تَوْبَةَ1يَقُولُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ2: مَا تَرَى فِي قَتْلِ هَؤُلَاءِ3الْجَهْمِيَّةِ4؟ قَالَ5يُسْتَتَابُونَ، فَقُلْتُ6: لَا، أَمَّا خُطَبَاؤُهُمْ فَلَا يُسْتَتَابُونَ وَتُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بكير الْمصْرِيّ7،....................................
ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ1، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ2أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ" 3، قَالَ مَالِكٌ4: وَمَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ5صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا -فِيمَا نَرَى6وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى غَيْرِهِ مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ7، وَأَشْبَاهِهِمْ8، فَإِنَّ أُولَئِكَ يُقْتَلُونَ، وَلَا يُسْتَتَابُونَ؛ لِأَنَّهُ لَا تعرف9
تَوْبَتُهُمْ1، وَأَنَّهُمْ2قَدْ كَانُوا يُسِرُّونَ الْكُفْرَ وَيُعْلِنُونَ بِالْإِسْلَامِ، فَلَا أَرَى3أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلَاءِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ.4
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى الْبُوَيْطِيُّ5، عَنِ الشَّافِعِيِّ6، فِي الزِّنْدِيقِ7:
"يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِذَا رَجَعَ وَلَا يُقْتَلُ"1.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ السِّجِسْتَانِيُّ2-وَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ3أَهْلِ سِجِسْتَانَ وَأَصْدَقِهِمْ- عَنْ زُهَيْرِ بْنِ نُعَيْمٍ الْبَابِيِّ4أَنَّهُ سَمِعَ سَلَّامَ بن
أبي مُطِيع1يَقُول: "الجمهية كُفَّارٌ"2.
قَالَ: وَسَمِعْتُ زُهَيْرَ بْنَ نُعَيْمٍ3يَقُولُ: سُئِلَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ4-وَذُكِرَ لَهُ شَيْءٌ عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ5- فَقَالَ: ذَاكَ كَافِرٌ.6
حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ1، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ2قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ3يَقُولُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ4: ﴿إِنَّنِي 5 أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾ 6 مَخْلُوقٌ7فَهُوَ كَافِرٌ.8
وَسَمِعْتُ مَحْبُوبَ بْنَ مُوسَى الْأَنْطَاكِيَّ9أَنَّهُ10سَمِعَ وكيعًا11يكفر
الْجَهْمِيَّةَ.1
وَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ2أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ3كَانَ لَا يَعُدُّ الْجَهْمِيَّةَ4 فِي عِدَادِ الْمُسْلِمِينَ.5
وَسَمِعْتُ يَحْيَى بنَ يَحْيَى6يَقُولُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ7مَنْ شَكَّ فِيهِ أَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ"8.
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَكْفَرُوهُمْ9فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ10وَابْنُ عَبَّاسٍ11رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا12فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ وَأَنْزَلَاهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ بَدَّلَ دينه فَاسْتحقَّ بتبديله الْقَتْل.
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ1، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ2وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ3عَنْ أَيُّوبَ4، عَنْ عِكْرِمَةَ5إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ6رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِقَوْمٍ الزَّنَادِقَةِ7فَحَرَقَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ8فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمَا حَرَقْتُهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ9: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"، وَقَالَ10: "لَا تعذبوا بِعَذَاب".
اللَّهِ"1.
فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ مَنْ رَوَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ فِي إِكْفَارِ الْجَهْمِيَّةِ2وَقَتْلِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَوْلِهِمْ: الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
أَن هَذِه
الرِّوَايَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا لَيْسَ أَثَرًا1عِنْدَهُ.
لَمَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ2قَالَ: "الْأَثَرُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ.
وَمَا بَعْدَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِأَثَرٍ"3.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: فَكَيْفَ جَعَلْتَ أَنْتَ أَثَرًا مَا رَوَيْتَ4فِي رَدِّ مَذْهَبِنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ5وَأَبِي يُوسُفَ6وَأَبِي أُسَامَةَ7وَأَبِي مُعَاوِيَةَ8، وَالْمَرِيسِيِّ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ9، وَالثَّلْجِيِّ10؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا رَوَيْنَا مِنْ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ11وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ12، وَبَقِيَّةَ بن الْوَلِيد13وَابْن
الْمُبَارَكِ1، وَوَكِيعٍ2وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ3ونظرائهم أثرا عنْدك4، فأبعد من الْأَثَرِ مَا احْتَجَجْتَ فِي رَدِّهِ عَنِ الْمَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ وَاللُّؤْلُؤِيِّ5وَنُظَرَائِهِمْ.
فَكَيْفَ أَقَمْتَ أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ الْمُتَّهَمِينَ لِنَفْسِكَ أَثَرًا، وَلَا تُقِيمُ، أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ الْمُتَمَيِّزِينَ لَنَا أَثَرًا؟ مَعَ أَن يُوسُفَ6إِنْ قَالَ لَيْسَتْ أَقَاوِيلُ التَّابِعِينَ بِأَثَرٍ فَقَدْ أَخْطَأَ.
إِنَّمَا يُقَالُ: لَيْسَ اخْتِلَافُ التَّابِعِينَ سُنَّةً لَازِمَةً كَسُنَنِ7النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ.
فَأَمَّا أَنْ لَا يَكُونَ أَثَرًا8فَإِنَّهُ أَثَرٌ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَأَقَاوِيلُهُمْ أَلْزَمُ لِلنَّاسِ مِنْ أَقَاوِيلِ أَبِي يُوسُفَ وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى9أَثْنَى عَلَى التَّابِعِينَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ 10 فَشهد11بِاتِّبَاع
الصَّحَابَةِ1، وَاسْتِيجَابِ الرُّضْوَانِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ سَمَّوْهُمُ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يَزَالُوا يَأْثِرُونَ2عَنْهُمْ3بِالْأَسَانِيدِ كَمَا يَأْثِرُونَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَيَحْتَجُّونَ بِهِمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَيَرَوْنَ آرَاءَهُمْ أَلْزَمَ مِنْ آرَاءِ من بعدهمْ، للاسم تَابِعِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ5لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ6: "وَلَا تُفْتِ النَّاسَ بِرَأْيِكَ" فَقَالَ: "رَأْيُنَا لَهُمْ خَيْرٌ مِنْ آرَائِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ"7، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ8مَا رُوِيَ عَن التَّابِعين
أَثَرًا1فَبِئْسَ2مَا أَثْنَى عَلَى زَعِيمِهِ3وَإِمَامِهِ أَبِي حَنِيفَةَ4، إِذْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ عَامَّةَ فُتْيَاهُ بِغَيْرِ أَثَرٍ؛ لِأَنَّ عِظَمَ5مَا أَفْتَى وَأَخَذَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّا رَوَاهُ عَن حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ6، وَكَانَ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ فَقَدْ شَهِدَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِغَيْرِ أَثَرٍ، وَعَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ تَبِعَهُ فِي فُتْيَاهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ7، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا روى عَن التَّابِعين آثارعند أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَكُمْ8فَكَيْفَ سَمَّيْتَ رَأْيَ إِبْرَاهِيمَ: آثَارَ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وَإِنَّمَا