إِيرَاد الْمعَارض حَدِيث "دخلت على رَبِّي" ومناقشته:
وَرَوَى الْمُعَارِضُ عَنْ شَاذَانَ1عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ2عَنْ قَتَادَةَ3عَنْ عِكْرِمَةَ4عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ5رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا6عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى رَبِّي فِي جَنَّةِ عدن شَاب جعد فِي ثَوْبَيْنِ أخضرين" 7
وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ نَشْرُهُ1وَإِذَاعَتُهُ2فِي أَيْدِي الصِّبْيَانِ، فَإِنْ كَانَ مُنْكَرًا عِنْدَ الْمُعَارِضِ فَكَيْفَ يَسْتَنْكِرُهُ مَرَّةً ثُمَّ يُثْبِتُهُ أُخْرَى، فَيُفَسِّرُهُ تَفْسِيرًا أَنْكَرَ مِنَ الْحَدِيثِ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِعِلَّتِهِ، غَيْرَ أَنِّي اسْتَنْكَرْتُهُ3جِدًّا؛ لِأَنَّهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ4أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: نُورٌ أنَّى أَرَاهُ؟ "5 وَيُعَارِضُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ6رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، وَتَلَتْ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ 7.
فَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ عِنْدَنَا فِيهِ وَالتَّأْوِيلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَا مَا ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّ تَفْسِيرَهُ أَنِّي دَخَلْتُ عَلَى رَبِّي فِي جَنَّةِ عَدْنٍ، كَقَوْلِ النَّاسِ: أَتَيْنَاكَ رَبَّنَا شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِتَغْفِرَ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَهَذَا تَفْسِيرٌ مُحَالٌ لَا يُشْبِهُ1مَا شَبَّهْتَ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَتِكَ أَنَّهُ قَالَ: " رَأَيْتُهُ شَابًّا جَعْدًا فِي ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ" 2، وَيَقُولُ3أُولَئِكَ: أَتَيْنَاكَ شُعْثًا غُبْرًا، أَيْ قَصَدْنَا إِلَيْكَ نَرْجُو عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ، وَلَمْ يَقُولُوا: أَتَيْنَاكَ فَرَأَيْنَاكَ شَابًّا جَعْدًا فِي ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ لِتَغْفِرَ لَنَا، هَؤُلَاءِ قَصَدُوا الثَّوَابَ وَالْمَغْفِرَةَ، وَلَمْ يَصِفُوا الَّذِي قَصَدُوا إِلَيْهِ بِمَا4فِي حَدِيثِكَ مِنَ الْحِلْيَةِ وَالْكُسْوَةِ والمعاينة، فَلفظ
هَذَا الْحَدِيثِ بِخَلَافِ مَا فَسَّرْتَ، وَتَفْسِيرُكَ أَنْكَرُ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ، فَافْهَمْ وَأَقْصِرْ عَنْ شِبْهِ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الْخَطَأَ فِيهِ كُفْرٌ، وَرَأْيُ1الصَّوَابِ مَرْفُوعًا عَنْكَ. وَمِنَ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ جَاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهَا الْعُلَمَاءُ وَرَوَوْهَا وَلَمْ يُفَسِّرهَا، وَمَنْ فَسَّرَهَا بِرَأْيِهِ اتَّهَمُوهُ.2
فَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ3أَنَّ وَكِيعًا4سُئل عَنْ حَدِيثِ عبد الله ابْن عَمْرٍو5: "الْجَنَّةُ مَطْوِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ بِقُرُونِ الشَّمْس" 6 فَقَالَ وَكِيع: هَذَا
حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، قَدْ رُوِيَ فَهُوَ يُرْوَى.1
فَإِنْ سَأَلُوا عَنْ تَفْسِيرِهِ2لَمْ نُفَسِّرْ لَهُمْ3، وَنَتَّهِمُ4مَنْ يُنكره5وينازع
فِيهِ، والْجَهْمِيَّةُ1تُنْكِرُهُ.
فَلَوِ اقْتَدَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ الْمُشْكِلَةِ الْمَعَانِي بَوَكِيعٍ2كَانَ أَسْلَمَ لَكَ مِنْ أَنْ تُنْكِرَهُ مَرَّةً، ثُمْ تُثْبِتَهُ أُخْرَى، ثُمَّ تُفَسِّرَهُ تَفْسِيرًا لَا يَنْقَاسُ فِي أَثَرٍ وَلَا قِيَاسٍ عَنْ ضَرْبِ الْمَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ وَنُظُرَائِهِمْ، ثُمَّ لَا حَاجَةَ لِمَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْكَ مِنَ النَّاسِ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، ثُمَّ فَسَّرْتَهُ تَفْسِيرًا أَوْحَشَ من الأول، فقت: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى رَبِّي فِي جَنَّةِ عَدْنٍ شَابًّا جَعْدًا" 3 أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى شَابًّا فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَافَاهُ رَسُولُهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ فَقَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى رَبِّي".
فَقَدِ ادَّعَى الْمُعَارِضُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفْرًا عَظِيمًا أَنَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَرَأَى شَابًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَبِّي.
ثُمَّ بَعْدَمَا فسَّر هَذِهِ التَّفَاسِيرَ الْمَقْلُوبَةَ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَضَعَتْهَا الزَّنَادِقَةُ4فَدَسُّوهَا فِي كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْأَحْمَقِ، الَّذِي تَتَلَّعَبُ5بِهِ الشَّيَاطِينُ: وَأَيُّ زِنْدِيقٍ اسْتَمْكَنَ مِنْ كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ مِثْلُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ6وَحَمَّادِ بْنِ
زَيْدٍ1وَسُفْيَانَ2وَشُعْبَةَ3وَمَالِكٍ4وَوَكِيعٍ5وَنُظَرَائِهِمْ فيدسُّوا مَنَاكِيرَ الْحَدِيثِ فِي كُتُبِهِمْ؟ وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ أَصْحَابَ حِفْظٍ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ كَانُوا لَا يَكَادُونَ يطَّلعون عَلَى كُتُبِهِمْ أَهْلَ الثِّقَةِ عِنْدَهُمْ فَكَيْفَ الزَّنَادِقَةُ6؟ وَأَيُّ زِنْدِيقٍ كَانَ يَجْتَرِئُ عَلَى أَنْ يَتَرَاءَى لِأَمْثَالِهِمْ وَيُزَاحِمَهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ؟، فَكَيْفَ يَفْتَعِلُونَ عَلَيْهِمُ الْأَحَادِيثَ وَيَدُسُّوهَا7فِي كُتُبِهِمْ؟ أَرَأَيْتَكَ أَيُّهَا الْجَاهِلُ إِنْ كَانَ8الْحَدِيثُ عِنْدَكَ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ؛ فلِمَ تَلْتَمِسُ لَهُ الْوَجْهَ وَالْمَخَارِجَ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالتَّفْسِيرِ، كَأَنَّكَ تُصَوِّبُهُ وَتُثْبِتُهُ؟ أَفَلَا قُلْتَ أَوَّلًا: إِنَّ9هَذَا مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَة فتستريح وتريح10الْعَنَا وَالِاشْتِغَالَ بِتَفْسِيرِهِ، وَلَا تَدَّعِيَ فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَرَأَى شَابًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: هَذَا
رَبِّي، غَيْرَ أَنَّكَ خَلَطْتَ عَلَى نَفْسِكَ فَوَقَعْتَ1فِي تَشْوِيشٍ2وَتَخْلِيطٍ لَا تَجِدُ لِنَفْسِكَ مَفْزَعًا3إِلَّا بِهَذِهِ التَّخَالِيطِ، وَلَنْ يُجْدِيَ4عَنْكَ شَيْئًا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَكُلَّمَا أَكْثَرْتَ5مِنْ هَذَا وَشَبَهِهِ ازْدَدْتَ بِهِ فَضِيحَةً، لِأَنَّ أَحْسَنَ حُجَجِ الْبَاطِلِ تَرْكُهُ وَالرُّجُوعُ عَنْهُ.6