نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيدإِنْكَار المريسي حَدِيث الصُّورَة وَالرَّدّ عَلَيْهِ:

وَأَمَّا إِنْكَارُكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَتَرَاءَى 1 لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، ثُمَّ يَتَرَاءَى فِي صورته الَّتِي يعرفونها فيعرفونه، إِنْكَار المريسي حَدِيث الصُّورَة وَالرَّدّ عَلَيْهِ،

فَيَتَّبِعُونَهُ" 1.
فَزَعَمْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَذَا فَهُوَ مُشْرِكٌ.
يُقَالُ لَهُمْ: أَلَيْسَ قَدْ عَرَفْتُمْ رَبَّكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَكَيْفَ جَهِلْتُمُوهُ عِنْدَ الْعَيَانِ وَشَكَكْتُمْ فِيهِ؟ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ: قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

مِنْ1رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ2، حَدَّثَنَا3نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ4، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ5، عَنْ مَعْمَرٍ6، عَنِ الزُّهْرِيِّ7، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ8، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ9وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ10رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَأَنَّكَ تَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم11من جوده يَقُولُهُ12، فَاحْذَرْ أَنْ لَا يَكُونَ قَذْفُكَ بِالشِّرْكِ أَنْ يَقَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ13، وَمَا ذَنْبُنَا إِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ سَلَبَ عَقْلَكَ حَتَّى جَهِلْتَ مَعْنَاهُ؟ وَيْلَكَ! إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَكٍّ وَارْتِيَابٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ تَجَلَّى لَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي صُورَتِهِ الَّتِي عَرَّفَهُمْ صفاتهم فِي الدُّنْيَا لَاعْتَرَفُوا بِمَا عَرَفُوا، وَلم

يَنْفِرُوا، وَلَكِنَّهُ يُرِي نَفْسَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، لِقُدْرَتِهِ وَلُطْفِ رُبُوبِيَّتِهِ فِي صُورَة غير من عرفهم الله صفاتهم فِي الدُّنْيَا، لِيَمْتَحِنَ بِذَلِكَ إِيمَانَهُمْ ثَانِيَةً فِي الْآخِرَةِ، كَمَا امْتَحَنَ فِي الدُّنْيَا1لِيُثْبِتَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْتَرِفُونَ بِالْعُبُودِيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا لِلْمَعْبُودِ الَّذِي عَرَفُوهُ فِي الدُّنْيَا بِصِفَاتِهِ، الَّتِي أَخْبَرَهُمْ بِهَا فِي كِتَابِهِ، وَاسْتَشْعَرَتْهَا قُلُوبُهُمْ حَتَّى مَاتُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا مُثِّلَ فِي أَعْيُنِهِمْ غَيْرُ مَا عَرَفُوا مِنَ الصِّفَةِ نَفَرُوا وَأَنْكَرُوا، إِيمَانًا مِنْهُمْ2بِصَفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ الَّتِي امْتَحَنَ قُلُوبَهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا الَّتِي3امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ4تَجَلَّى لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي عَرَّفَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوا، وَمَاتُوا، وَبُشِرُوا عَلَيْهِ5، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَحَوَّلَ اللَّهُ مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ، وَلَكِنْ يُمَثَّلُ ذَلِكَ فِي أَعْيُنِهِمْ بِقُدْرَتِهِ.
فَلَيْسَ هَذَا أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ بِشَكٍّ مِنْهُمْ فِي مَعْبُودِهِمْ، بَلْ هُوَ زِيَادَةُ يَقِينٍ وَإِيمَانٌ6بِهِ مَرَّتَيْنِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ7رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّهُ قَالَ لَهُم

يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَتَعْرِفُونَ رَبَّكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ إِذَا اعْتَرَفَ1لَنَا عَرَفْنَاهُ"2 يَقُولُونَ: لَا نُقِرُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ إِلَّا لِمَنِ اسْتَشْعَرَتْهُ قُلُوبُنَا، بِصِفَاتِهِ الَّتِي أَنْبَأَنَا بِهَا فِي الدُّنْيَا، فَحِينَئِذٍ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي صُورَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ، فَيَزْدَادُونَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَبِرُبُوبِيَّتِهِ، اغْتِبَاطًا وَطُمَأَنِينَةً، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الشَّكِّ عَلَى مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ يَقِينٌ بَعْدَ يَقِينٍ، وَإِيمَانٌ3بَعْدَ إِيمَان وَلَكِن الشَّك والربوبية كُلَّهَا مَا4ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ فِي تَفْسِيرِ الرُّؤْيَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ" 5، فَادَّعَيْتَ أَنَّ رُؤْيَتَهُمْ تِلْكَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ يَوْمَئِذٍ أَنَّ لَهُمْ رَبًّا لَا يَعْتَرِيهِمْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ، كَأَنَّهُمْ فِي دَعْوَاكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ لَمْ يَعْلَمُوا فِي الدُّنْيَا أَنَّهُ رَبُّهُمْ، حَتَّى يَسْتَيْقِنُوا بِهِ فِي الْآخِرَةِ.
فَهَذَا التَّفْسِيرُ إِلَى الشَّكِّ أَقْرَبُ مِمَّا ادَّعَيْتَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّكِّ وَالشِّرْكِ، لَا بَلْ هُوَ الْكُفْرُ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مؤمنهم وكافرهم

يَعْلَمُونَ يَوْمَئِذٍ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ، لَا يَعْتَرِيهِمْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ1يَقُولُ: ﴿أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ 2؛ فَالشَّكُّ فِي اللَّهِ الَّذِي3تَأَوَّلْتَهُ أَنْتَ فِي الرُّؤْيَةِ لَا مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيْلَكَ! إِنَّ اللَّهَ لَا تَتَغَيَّرُ صُورَتُهُ وَلَا تَتَبَدَّلُ، وَلَكِنْ يُمَثَّلُ فِي أَعْيُنِهِمْ يَوْمَئِذٍ، أَوَلَمْ تَقْرَأْ كِتَابَ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ 4؟ وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ، كَمَا مُثِّلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ5مَعَ مُعظم صُورَتِهِ وَجَلَالَةِ خَلْقِهِ فِي عَيْنِ

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُورَةَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ1وَكَمَا مثله لِمَرْيَم2بشرا

سَوِيًّا1، وَهُوَ مَلَكٌ كَرِيمٌ فِي صُورَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَكَمَا شَبَّهَ فِي أَعْيُنِ الْيَهُودِ أَنْ قَالُوا2: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ 3 فَقَالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ 3 وَمَا علملك4أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ بِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ وَرَدَتْ عَلَيْكَ آثَارٌ لِرَسُولِ5اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم أخذت بخلقك، وَنَقَضْتَ عَلَيْكَ مَذْهَبَكَ فَالْتَمَسْتَ الرَّاحَةَ مِنْهَا بِهَذَا الْمَغَالِيطِ وَالَأَضَالِيلِ، الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ6الْعِلْمِ وَالْبَصَرِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَأَنْتَ مِنْهَا فِي شُغُلٍ، كَمَا غَالَطْتَ بِشَيْءٍ أَخَذَ بِحَلْقِكَ شَيْءٌ7فَخَنَقَكَ حَتَّى تَلْتَمِسَ لَهُ أُغْلُوطَةً أُخْرَى، وَلِئِنْ جَزِعْتَ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ فَدَفَعْتَهَا بِالْمَغَالِيطِ مَالَكَ رَاحَةٌ فِيمَا يُصَدِّقُهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ8الَّذِي لَا تَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ، وَكَيْفَ تَقْدِرُ عَلَى دفع

هَذِهِ الْآثَارِ وَقَدْ صَحَّتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْفَاظُهَا بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، ناقضة1لمذاهبك وتفاسيرك، وَقد تَدَاوَلَتْهَا أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ وَتَنَاسَخُوهَا، يُؤَدِّيهَا الْأَوَّلُ إِلَى الْآخِرِ وَالشَّاهِدُ إِلَى الْغَائِبِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، ليقرعوا بهَا رُؤُوس الْجَهْمِيَّةِ2وَيُهَشِّمُوا بِهَا أُنُوفَهُمْ، وَيَنْبُذُ3تَأْوِيلَكَ فِي حَشِّ أَبِيكِ، وَيُكْسَرُ فِي حلقك كمن كُسِرَ فِي حُلُوقِ مَنْ كَانَ فَوْقَكَ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ فَوْقِكَ، مِثْلَ ابْنِ أبي دؤاد4وَعبد الرَّحْمَن5

وَشُعَيْبٍ1بَعْدَهُ، وَغَسَّانَ2وَابْنِ رَبَاحٍ الْمُفْتَرِي3عَلَى الْقُرْآنِ.
فَإِنْ كُنْتَ تَدْفَعُ هَذِهِ الْآثَارَ بِجَهْلِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِي الْقُرْآنِ، وَكَيْفَ تَحْتَالُ لَهُ؟ وَهُوَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، نَاقِضٌ لِمَذْهَبِكَ، وَمُكَذِّبٌ لِدَعْوَاكَ حَتَّى بَلَغَنِي عَنْكَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْمُعَارِضِ أَنَّكَ قُلْتَ: مَا شَيْءٌ أَنْقَضُ لِدَعْوَانَا مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِدَفْعِهِ إِلَّا مُكَابَرَة بالتأويل.

جارٍ التحميل