نقض الْمُؤلف على الْمعَارض تَفْسِيره للرؤية:
وَرَوَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا عَنْ إِسْرَائِيلَ1عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ2عَنِ ابْنِ عُمَرَ3عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ مِنْ 4 أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً، مَنْ يَنْظُرُ إِلَى نَعِيمِهِ وَجَنَّاتِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً"، ثُمَّ تَلَا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ 5.
قَالَ الْمُعَارِضُ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ نَظَرًا إِلَى مَا أعدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى الْجِنَانِ.1
فيُقال لِهَذَا الْمُعَارِضِ: قَدْ جِئْتَ بِتَفْسِيرٍ طَمَّ2عَلَى جَمِيعِ تَفَاسِيرِكَ ضَحِكَةً وَجَهَالَةً، وَلَوْ قَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ مَعْرِفَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَعَلِمْتَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي رَوَيْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ3وَهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْوَاضِحَةِ لَا يَحْتَمِلُ تَفْسِيرًا غَيْرَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَلَا تَصْدِيقَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.4
وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِلَى وَجْهِ اللَّهِ"، وَلَمْ يَقُلْ: إِلَى وُجُوهِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَاتِ5وَمَنْ سَمَّى مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَجْهًا لِلَّهِ قَبْلَكَ؟ وَفِي أَيِّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَجَدْتَ أَنَّ وَجْهَ اللَّهِ أَعْلَى جَنَّتِهِ؟ مَا لَقِيَ وَجْهِ اللَّهِ ذِي6الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ
مِنْ تَفَاسِيرِكَ1؟! مَرَّةً تَجْعَلُهُ مَا أعدَّ اللَّهُ لِأَهْلِ الجنَّة، وَمَرَّةً تَجْعَلُهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ، وَمَرَّةً تَجْعَلُهُ وَجْهَ الْقِبْلَةِ، وَمَرَّةً تُشَبِّهُهُ بِوَجْهِ الثَّوْبِ وَوَجْهِ الْحَائِطِ، وَاللَّهُ سَائِلُكَ عمَّا تَتَلَاعَبُ بِوَجْهِهِ ذِي2الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
فَإِنْ كَانَ كَمَا ادَّعَيْتَ أَنَّ أَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ3لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ الَّتِي يَتَوَقَّعُونَهَا4مِنَ اللَّهِ، أَفَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِكَ أَيْضًا: "إِنَّ 5 أَدْنَاهُمْ مَنْزِلَةً يَنْظُرُونَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ جَنَّاتِهِ وَنَعِيمِهِ وَكَرَامَاتِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَإِنَّ الْأَدْنَيْنَ مِنْهُمْ يَتَوَقَّعُونَ مِنْ كَرَامَاتِ اللَّهِ مَا يَتَوَقَّعُ أَكْرَمُهُمْ، وَيَنْظُرُونَ إِلَى أَعْلَى الْجَنَّةِ كَمَا يَنْظُرُ أَكْرَمُهُمْ؟ " مَا مَوْضِعُ تَمْيِيزِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَدْنَى بِالنَّظَرِ إِلَى مُلْكِهِ وَنَعِيمِهِ، وَالْأَعْلَى6إِلَى وَجْهِهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً؛ إِذْ كُلُّهُمْ عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فِيهَا غَيْرُ مَحْجُوبِينَ، وَلَا عَنِ التَّوَقُّعِ مَمْنُوعِينَ حَتَّى تَلَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَكْرَمِينَ مِنْهُمْ مَا لم يتل7فِي الأدنيين مِنْهُم
تَثْبِيتًا1لِوَجْهِهِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَتَكْذِيبًا لِدَعْوَاكَ، فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ 2 وَلَمْ يَقُلْ3: إِلَى كَرَامَاتِهَا نَاظِرَةٌ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَوْحَشَهَا مِنْ تَأْوِيلٍ، وَأَقْبَحَهَا مِنْ تَفْسِيرٍ، وَأَشَدَّهَا اسْتِحَالَةً فِي جَمِيعِ لُغَاتِ الْعَالَمِينَ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَرْزُقْكَ مِنَ الْفَهْمِ إِلَّا مَا تَرَى، لَوْ تكلم بِهَذَا صبيان الْكتاب لَا ستضحك النَّاسُ مِنْهُمْ فَكَيْفَ رَجُلٌ يَعُدُّ نَفْسَهُ مِنْ4عِدَادِ عُلَمَاءِ بِلَادِهِ5؟ وَرَوَى الْمُعَارِضُ6أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ مُحَمَّدٍ7رَوَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ8،
عَنِ الضَّحَّاكِ1، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ2أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ.3
وَرَوَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ4، عَنْ قَتَادَةَ5، عَنْ عِكْرِمَةَ6، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ7أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "رَأَى ربَّه جَعْدًا أَمْرَدَ عَلَيْهِ حُلَّة خَضْرَاءُ"8.
فادَّعى الْمُعَارِضُ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ فسَّروا هَذَا أَنَّ هَذِهِ صِفَةُ جِبْرِيلَ9، فَعَرَفَ رَبَّهُ بِرُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عِلْمًا بِقَلْبِهِ بإدراكه جِبْرِيل عيَانًا، فَهَذَا
تَفْسِيرُ1أَنَّهُ رَأَى مِنْ خَلْقِهِ، وَهُوَ الصُّورَةُ الَّتِي شَاهَدَ بِبَصَرِهِ، وَكَانَتْ صُورَةُ جِبْرِيلَ.2
فَقُلْنَا لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْمُنَاقِضِ: أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَضْعِ الزَّنَادِقَةِ3؟ ثُمَّ تَدعِي هَاهُنَا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ فَسَّرُوهُ أَنَّهُ صُورَةُ جِبْرِيلَ4، وَأَيُّ صَاحِبِ عِلْمٍ يُفَسِّرُ أَحَادِيثَ الزَّنَادِقَةِ، يُوهِمُ5النَّاسَ أَنَّهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَلَا إِنَّ يَكُونَ زُعَمَاؤُكَ هَؤُلَاءِ الْمُعَطِّلُونَ؟ وَكَيْفَ تُثْبِتُ الشَّهَادَةَ عَلَى حَدِيثِ الزَّنَادِقَةِ أَن هَذَا تَفْسِيره؟ أَو لَيْسَ قد أنبأناك فِي صدركتابنا6هَذَا أَنَّ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: نُورٌ أنَّى أَرَاهُ"8، وَبِقَوْلِ عَائِشَةَ9رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى ربَّه فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ"؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿لَا تُدرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ 10
غَيْرَ أَنَّكَ فَسَّرْتَهُ تَفْسِيرًا شَهِدْتَ فِيهِ بِالْكُفْرِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إِذْ ادَّعَيْتَ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ1فِي صُورَتِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ رَبُّهُ، وَأَنَّهُ قَالَ لِصُورَةٍ مَخْلُوقَةٍ شَاهَدَهَا بِبَصَرِهِ أَنه ربه، فتكفر2أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِيمَا يَجْلِبُ عَلَيْكَ تَأْوِيلُكَ هَذَا مِنَ الْفَضَائِحِ، حِينَ تَدَّعِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْرِفْ جِبْرِيلَ مِنَ اللَّهِ3حَتَّى يَرَى صُورَةَ جِبْرِيلَ فِي صُورَةِ شَابٍّ جَعْدٍ، فَيَدَّعِيَ أَنَّهُ رَبُّهُ بِزَعْمِكَ.
لَوْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ أَبْكَمَ كَانَ خَيْرًا لَكَ مِنْ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ: إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَالُوا: إِنَّ هَذَا صُورَةُ جِبْرِيلَ، فَمِنْ أَيِّ أَهْلِ الْعِلْمِ سَمِعْتَ هَذَا التَّفْسِيرَ؟ فَأَسْنِدْهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْنِدُهُ إِلَّا إِلَى مَنْ هُوَ أَجْهَلُ مِنْكَ.
وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ إِنَّمَا تُغَالِطُ4بِمِثْلِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لِتَدْفَعَ بِهَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ 5 وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ 6 كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ" 7، فَتوهم
النَّاسَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي تَسْتَنْكِرُهَا وَتَلْتَمِسُ لَهَا هَذِهِ الْعَمَايَاتِ كَالَّتِي يَرْوُونَ1فِي الرُّؤْيَةِ وَالنُّزُولِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَأَنَّهُ لَا تُدْفَعُ2تِلْكَ بِمِثْلِ هَذَا التَّفْسِيرِ الْمَقْلُوبِ، لِمَا أَنَّهَا قَدْ ثَبَتَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَسَانِيدَ كَالصُّخُورِ، فَلَا يُدْفَعُ إِلَّا بِأَثَرٍ مِثْلِهِ مَأْثُورٍ، فَارْبَحِ الْعَنَاءَ فَقَدْ عَلِمْنَا حَوْلَ مَاذَا تَدُورُ، وَلَنْ تَغُرَّ بِمِثْلِهَا إِلَّا كُلَّ مَغْرُورٍ.
وَاحْتَجَّ الْمُعَارِضُ أَيْضًا فِي إِنْكَار الرُّؤْيَة بِحَدِيث رَوَاهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ3ضَرَبَ الْعُزَّى بِالسَّيْفِ فَقَالَ لَهُ4: "كُفْرَانَكَ، لَا سُبْحَانَكَ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَك"5.
قَالَ الْمُعَارِضُ: فَهَذِهِ رَؤْيَةُ عِلْمٍ لَا رُؤْيَةُ بَصَرٍ.
قَالَ: يَعْنِي أَنَّ1الْمُؤْمِنِينَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَنَحْوِ مَا رَأَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ2فِي دُنْيَاهُ.
قَالَ الْمُعَارِضُ: وفسَّر قَوْمٌ أَن الرية لِلشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعِلْمِ،
كَمَا يُقال: رَأَيْتُ الْخَلَّ شَدِيدَ الْحُمُوضَةِ، وَرَأَيْتُ الْعُودَ طَيِّبًا، يُرِيدُ رَائِحَتَهُ1كَمَا قَالَ2: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ 3، وَلَمْ يَرَهُ إِلَّا بِالْمَعْرِفَةِ.
وَكُلُّ شَيْءٍ يُدْرَكُ4بِالرُّؤْيَةِ فَلَهُ5قِلَّةٌ وَكَثْرَةٌ.6
فَاللَّهُ الْمُتَعَالِي عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا يُرَى بِدَلَائِلِهِ وَآثَارِ صُنْعِهِ، فَهِيَ شَوَاهِد لَا الَّذِي يُعْرَفُ بِمُلَاقَاةٍ وَلَا بِمُشَاهَدَةِ حَاسَّةٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ذَهَبَتِ الشُّكُوكُ وَعَرَفُوهُ عَيَانًا، لَا بِإِدْرَاكِ بَصَرٍ، ثُمَّ قَالَ: فَإِن كَانَ الرِّوَايَات7فهاهنا رِوَايَاتٌ أَيْضًا مُعَارِضَةٌ، وَإِنْ كَانَ8يحْتَمل التَّأْوِيل فهاهنا مَا يَحْتَمِلُ أَيْضًا.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: أَمَّا الرِّوَايَاتُ فَمَا نَرَاكَ تَحْتَجُّ فِي جَمِيعِ مَا تَدَّعِي إِلَّا بِكُلِّ أَعْرَجَ مَكْسُورٍ، بِالتَّجَهُّمِ مَشْهُورٌ، وَفِي أَهْلِ السُّنَّةِ مَغْمُورٌ9.
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ الَّذِي تَدَّعِيهِ مِنْ كَلَامِكَ فَقَدْ أَنْبَأْنَاكَ أَنَّهُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَجْهُولٌ، وَعِنْدَ الْعُلَمَاءِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، لَا يَخْفَى تَنَاقُضُهُ إِلَّا عَلَى كُلِّ جَهُولٍ.
وَأَمَّا مَا احْتَجَجْتَ بِهِ مِنْ قَوْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ1فَمَعْقُولٌ بِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا قَالَ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ 2 وروى أبوذر3عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: "نورأنَّى أَرَاهُ"4، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا 5 رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا" آمَنَّا بِمَا قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا قَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ 6 عَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُدْرِكْهُ وَلَمْ يَرَهُ لِمَا أَنَّهُ وُلِدَ عَامَ الْفِيلِ7فَاسْتَيْقَنَّا عِلْمًا يَقِينًا أَنَّ هَذِهِ رُؤْيَةُ عِلْمٍ، لَا رُؤْيَة بصر،
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ 1 فَاسْتَيْقَنَّا بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ لَمْ يرَ رَبَّهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ عَيَانًا، وَأَنَّهُ رُؤْيَةُ الْفِعْلِ -مَدُودِ2الظِّلِّ الَّذِي يَرَاهُ بُكْرَةً وَعَشِيًّا- وَكَذَلِكَ قَوْلُ خَالِدِ بْنِ الْوَلَد3: "إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكَ"4 لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمِنْ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ أَبْصَارَ أَهْلِ الدُّنْيَا لَا تُدْرِكُهُ فِي الدُّنْيَا.
فَحِينَ حدَّ اللَّهُ لِرُؤْيَتِهِ حدا فِي الْآخِرَة بقول: ﴿إلَى رَبِّها نَاظِرَةٌ﴾ 5 عَلِمْنَا أَنَّهَا رُؤْيَةُ عَيَانٍ6وَكَذَلِكَ7النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَهُ أَبُو ذَرٍّ8هَلْ رَأْي رَبك؟ فَقَالَ: "نورأنى أَرَاهُ؟ " 9 فَلَمَّا سَأَلَهُ10أَصْحَابُهُ: "أَنَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَرُؤْيَةِ الشَّمْس، وَالْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر" 11.
وأمَّا تَفْسِيرُكَ أَنَّ رُؤْيَتَهُ1يَوْمَ الْقِيَامَةِ رُؤْيَةُ آيَاتِهِ وَدَلَائِلِهِ2فَإِذَا رَأَوْا آيَاته وَذَهَبت3الشُّكُوكُ عَنْهُمْ، فَهَذِهِ4أَفْحَشُ كَلِمَةٍ ادَّعَيْتَهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ مَاتُوا شُكَّاكًا لَمْ يَعْرِفُوا رَبَّهُمْ حَتَّى يَرَوْا آيَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبِهَا تَذْهَبُ الشُّكُوكُ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ.
وَيْحَكَ! أمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ أَحَدٌ وَفِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَكٌّ مِنْ خَالِقِهِ إِلَّا مَاتَ كَافِرًا؟ وَكَيْفَ تَعْتَرِي5الْمُؤْمِنِينَ يومئذٍ6الشُّكُوكُ، وَالْكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ بِرُبُوبِيَّتِهِ مُوقِنُونَ لَا تَعْتَرِيهِمْ7شُكُوكٌ؟ فَإِنْ كَانَتِ الشُّكُوكُ يَوْمَئِذٍ تَنْزَاحُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا تَصِفُ8مِنَ الدَّلَائِلِ9وَالْعَلَامَاتِ، مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكِ بَصَرٍ، فَكَذَلِك الْكفَّار كلهم قد رَأَوْا يَوْمئِذٍ آيَاته وعلاماته مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكِ بَصَرٍ، فَانْزَاحَتْ عَنْهُمُ الشُّكُوكُ، فَصَارُوا كَالْمُؤْمِنِينَ فِي دَعْوَاكَ، فَمَا فَضْلُ بُشْرَى اللَّهِ وَرَسُوله الْمُؤمنِينَ10
عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ قَالَ فِي كِتَابِهِ1: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ 2.
وَيْحَكَ! لَلْغناء وَالْعَزْفُ أَحْسَنُ مِمَّا تَدَّعِي عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ3، وَمَا تَقْذِفُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ4الشُّكُوكَ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَذْهَبُ عَنْهُمْ إِلَّا5 فِي الْآخِرَةِ، يَوْمَ يَرَوْنَ آيَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ.
فَأَمَّا مَا احْتَجَجْتَ بِهِ مِنْ قَوْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ6حِينَ قَالَ: "رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكَ"7 فَمِثْلُ هَذَا جَائِزٌ فِيمَا أَنْتَ مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ وَلَمْ يُدْرِكْ، وَلَمْ يُمْكِنْ إِدْرَاكُهُ، فَأَمَّا مَا يُرْجَى8إِدْرَاكُهُ بِبَصَرٍ فَلَا يَجُوزُ فِي هَذَا الْمَجَازِ9إِلَّا بِحُجَّةٍ وَاضِحَةٍ مِنْ كِتَابٍ مَسْطُورٍ، أَوْ أَثَرٍ مَأْثُورٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ مَشْهُورٍ.
وَقَوْلُ خَالِدٍ عِنْدَنَا مَعْنَاهُ كَمَعْنَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لعمر10رَضِي الله
عَنْهُمَا يَوْمَ مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُمَرُ1: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يمتْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ2: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهمْ مَيَّتُونَ﴾ 3، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ 4 أَفَإِن مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ 5 إِنَّمَا عَنَى أَبُو بَكْرٍ6: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ فِي كِتَابِهِ7لِمَا أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ قَدْ أَحَاطَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَ اللَّهِ بَشَرٌ مِنْ بَنِي آدم8غيرموسى9، فحين أحَاط الْعلم
بذلك علمنَا أَن أَبَا بكرعنى قَوْلَهُ، لَا السَّمَاعَ مِنَ اللَّهِ، وَهَكَذَا قصَّة خَالِد
ابْن الْوَلِيدِ1، وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى رَبِّكَ﴾ 2 لِإِحَالَةِ الْعِلْمِ أَنَّ3ذَلِكَ لَمْ يكن، فلاتدفع4مَا أَحَاطَ الْعِلْمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَا أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ كَائِنٌ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ5: وَجَدْتُ اللَّهَ إِذَا سَمَّى نَزَارًا... وَأَسْكَنَهُمْ بِمَكَّةَ قَاطِنِينَا لَنَا جَعَلَ الْمَكَارِمَ خالصاتٍ... فَلِلنَّاسِ الْقَفَا وَلَنَا الْجَبِينَا6فَحِينَ عَرَفْنَا يَقِينًا7أَنَّ أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ يَجِدْهُ عَيَانًا فِي الدُّنْيَا عَلَمِنْا أَنَّ قَوْلَ الْكُمَيْتِ: "وَجَدْتُ اللَّهَ" يُرِيدُ بِهِ المكارم الَّتِي أَعْطَاهُم الله.