نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيدتَأْوِيل الْمعَارض للآثار الْوَارِدَة فِي الْيَدَيْنِ:

وَرَوَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ1: "الرُّكْنُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يُصَافِحُ بِهِ خَلْقَهَ"2؛ فَرَوَى عَنْ هَذَا الثَّلْجِيِّ مِنْ غَيْرِ سَماع مِنْهُ أَنه قَالَ:

يَمِينُ اللَّهِ نِعْمَتُهُ وَبَرَكَتُهُ وَكَرَامَتُهُ لَا يَمِينُ الْأَيْدِي.
فيُقال لِهَذَا الثَّلْجِيِّ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَنْفِيَ عَن الله بِهَذِهِ الضلالات يَدَيْهِ اللَّتَيْنِ خَلَقَ بِهِمَا آدَمَ وَيْلَكَ أَيُّهَا الثَّلْجِيُّ! إِنَّ تَفْسِيرَهُ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْنَا1يَقِينًا أَنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ لَيْسَ بِيَدِ اللَّهِ نَفْسِهِ، وَأَنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ غَيْرُ بَائِنٍ مِنْهُ، وَلَكِنْ تَأْوِيلُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَأَنَّ2الَّذِي يُصَافِحُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَسْتَلِمُهُ كَأَنَّمَا يُصَافِحُ اللَّهَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى3: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ 4.

فَثَبَتَ1لَهُ الْيَدُ الَّتِي هِيَ الْيَدُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُبَايَعَةِ، إِذْ سَمَّى الْيَدَ مَعَ الْيَدِ، وَالْيَدُ مَعَهُ عَلَى الْعَرْشِ، وَكَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ يَدِ السَّائِلِ" 2 فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ 3 الْيَدُ الَّتِي هِيَ الْيَدُ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهَا الْمُتَصَدِّقُ فِي نفس يَد الله: وَكَذَا تَأْوِيلُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، إِنَّمَا هُوَ إِكْرَامٌ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَتَعْظِيمٌ4لَهُ وتثبيت ليد الرَّحْمَن

وَيَمِينِهِ، لَا1النِّعْمَةُ كَمَا ادَّعى الثَّلْجِيُّ2الْجَاهِلُ فِي تَأْوِيلِهِ، وَكَمَا يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ صَاحِبِ نَجْوَى مِنْ فَوْقِ3عَرْشِهِ، كَذَلِكَ يَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ.
وَكَذَلِكَ ادَّعَى الْجَاهِلُ الثَّلْجِيُّ4أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، قَالَ: بِنِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ، فَخَصَّهُ بِمَا خصَّ مِنْ كَرَامَاتِهِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الثَّلْجِيِّ الْبَقْبَاقِ5النَّفَّاجِ6: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَعْقِلُ شَيْئًا مِنْ وُجُوهِ الْكَلَامِ لَعَلِمْتَ أَنَّ هَذَا تَأْوِيلٌ مُحَالٌ مِنْ كَلَامٍ لَيْسَ لَهُ نِظَامٌ، وَيْلَكَ! وَأَيُّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ قِرْدٍ أَوْ إِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ لَمْ يُنْعِمِ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي خَلْقِهِ إِذْ خَلَقَهُ حَتَّى خَصَّ بِنِعْمَتِهِ آدَمَ، وَمَنَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الْخَلَائِقِ، وَأَيُّ مَنْقَبَةٍ لِآدَمَ فِيهَا إِذْ كُلُّ هَؤُلَاءِ خُلِقُوا بِنِعْمَتِهِ كَمَا خُلِقَ آدَمُ؟.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الثَّلْجِيِّ الْجَاهِلِ فِيمَا ادَّعَى فِي تَأْوِيلِ حَدِيث

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْمُقْسِطُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ1وَكِلْتَا يَدَيْهَ يَمِينٌ" 2.
فَادَّعَى الثَّلْجِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأَوَّلَ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ تَأْوِيلِ الْغُلُولِيِّينَ أَنَّهَا يَمِينُ الْأَيْدِي، وَخَرَجَ مِنْ مَعْنَى الْيَدَيْنِ إِلَى النِّعَمِ يَعْنِي3بِالْغُلُولِيِّينَ أَهْلَ السُّنَّةِ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ يَمِينَانِ، وَلَا4يُوصَفُ أَحَدٌ بِيَمِينَيْنِ، وَلَكِنْ يَمِينٌ وَشِمَالٌ بَزَعْمِهِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ5: وَيْلَكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ! إِنَّمَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَدَيْنِ6فَقَالَ: "كِلْتَا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ" إِجْلَالًا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا أَنْ يُوصَفَ بِالشِّمَالِ7، ولولم يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: كِلْتَا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ، لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا قَدْ جَوَّزَهُ النَّاسُ فِي الْخلق، فَكيف لَا يجوزه8

الثَّلْجِيُّ1فِي يَدَيِ2اللَّهِ أَنَّهُمَا3جَمِيعًا يَمِينَانِ؟، وَقَدْ سُمِّيَ مِنَ النَّاسِ ذَا الشِّمَالَيْنِ4فَجَازَ فِي دَعْوَى5الثَّلْجِيِّ6أَيْضًا خَرَجَ7 ذُو الشِّمَالَيْنِ مِنْ مَعْنَى أَصْحَابِ الْأَيْدِي.
ثُمَّ ادَّعى الْجَاهِلُ8أَنَّ هَذَا مِنَ النِّعَمِ وَالْأَفْضَالِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: سأبكيك للدنا وَلِلْعَيْنِ إِنَّنِي... رَأَيْتُ يَدَ الْمَعْرُوفِ بَعْدَكَ شُلَّتِ9وَيْلَكَ أَيُّهَا الثَّلْجِيُّ!، أتعلم بِوَجْه10الْعَرَبيَّة ولغت الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بهَا مِنْك؟ هَذَا هَاهُنَا فِي الْمَعْرُوفِ جَائِزٌ فِي الْمَجَازِ11، لَا

يَسْتَحِيلُ، وَفِي يَدَيِ1اللَّهِ تَعَالَى2اللَّتَيْنِ يَقُولُ: "خَلَقْتُ بِهِمَا آدَمَ"3 يَسْتَحِيلُ أَنْ يُصْرَفَ4إِلَى غَيْرِ الْيَدِ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ لَيْسَ لَهُ يَدَانِ، يَقْبِضُ بِهِمَا وَيَبْسُطُ، وَيَخْلُقُ وَيَبْطِشُ، فَيُقَالُ: يَدُ الْمَعْرُوفِ مَثْلًا، وَلَا يُقَالُ: فَعَلَ الْمَعْرُوفَ بِيَدَيْهِ5 كَذَا، وَخَلَقَ بِيَدَيْهِ6 كَذَا، وَكَتَبَ بِيَدَيْهِ7كَذَا، كَمَا يُقَالُ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ8بِيَدِهِ، وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ9بِيَدِهِ، ذَلِك فِي سِيَاقِ الْقَوْلِ بَيِّنٌ مَعْقُولٌ، وَهَذَا فِي سِيَاقِ الْقَوْلِ بَيِّنٌ مَعْقُولٌ، مَنْ صَرَفَ مِنْهُمَا شَيْئًا10إِلَى غَيْرِ مَعْنَاهُ الْمَعْقُولِ جَهِلَ وَلم يعقل.
أَو لم يَكْفِكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ11كَثْرَةُ مَا نسب إِلَى اللَّهِ وَإِمَامُكَ الْمَرِيسِيُّ12فِي نَفْيِ الْيَدَيْنِ عَنْهُ بِهَذِهِ الْأُغْلُوطَاتِ؟ وَمَا حسدتم أَبَاكُمَا13

آدم فِي خلقته1بِيَدَيِ2الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى3فِي صدركتابك4حَتَّى عُدْتَ لِأَقْبَحَ مِنْهَا فِي آخِرِ الْكِتَابِ، فَادَّعَيْتَ أَنَّ يَدَيِ اللَّهِ اللَّتَيْنِ خَلَقَ بِهِمَا آدَمَ نِعْمَتُهُ وَقُدْرَتُهُ5، فَامْتَنَّ عَلَى آدَمَ بِمَا رَكَّبَ فِيهِ.
وَيْحَكَ! وَهَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لم يخلقه بقدرته، حَتَّى تمتن6عَلَى آدَمَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ؟ هَذَا مُحَالٌ لَا يَسْتَقِيمُ فِي تَأْوِيلٍ، بَلْ هُوَ أَبْطَلُ الْأَبَاطِيلِ.
وَأَشَدُّ مِنْهُ اسْتِحَالَةً مَا ادَّعَيْتَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ7: "إِنَّ اللَّهَ خَمَّرَ طِينَةَ آدم ثمَّ خَلَقَهَا8بِيَدِهِ فَخَرَجَ كُلُّ طَيِّبٍ بَيَمِينِهِ، وَكُلُّ خَبِيثٍ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ مَسَحَ إِحْدَى يَدَيْهِ بِالْأُخْرَى"9 فَادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّ10لَهُ تَفْسِيرًا مِنْ قِبَلِكَ: أَنَّهُ لَمَّا امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى آدَمَ بِنِعْمَتِهِ، كَانَتْ تِلْكَ النِّعْمَةُ مُخَالِطَةً لِقُدْرَتِهِ، وَقَالَ بيدَيْهِ: ينعمته وَقُدْرَتِهِ، هَكَذَا.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: إِذَا خَلَطَ قُدْرَتَهُ بِنِعْمَتِهِ فَسَمَّاهَا يَدَيْهِ فِي

دَعْوَاكَ، فَمَا بَالُ هَذِهِ الْمِنَّةِ وُضِعَتْ عَلَى آدَمَ1مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ2وَكُلُّ الْخَلْقِ فِي نِعْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ إِذْ كُلُّ3خَلْقٍ فِي دَعْوَاكَ4بِنِعْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَا بِيَدَيْهِ؟، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَخْلِطَ الْقُدْرَةَ بِالنِّعْمَةِ، وَالْقُدْرَةُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَالنِّعْمَةُ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ؟ هَذَا كَلَامٌ لَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ عَاقِلٍ، وَمَا يُوَفَّقُ لِمِثْلِهِ إِلَّا كُلُّ جَاهِلٍ.
ثُمَّ رَوَيْتَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ5كَذِبًا أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى6: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ 7 قَالَ: "نِعَمُ اللَّهِ"8 فَعَمَّنْ9رَوَيْتَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ؟ فَاكْشِفْ عَنْ رَأْسِهِ، فَإِنَّكَ لَا تَكْشِفُ عَنْ ثِقَةٍ.
وَقَدْ أَكْثَرْنَا النَّقْضَ عَلَيْكَ وَعَلَى إِمَامِكَ الْمَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ10فِي تَفْسِيرِ الْيَدِ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا11، غَيْرَ أَنَّكَ أَعَدْتَهَ فِي آخر الْكتاب فأعدناها.12

جارٍ التحميل