نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيدبَابُ: إِثْبَاتِ الضَّحِكِ

1 / ثُمَّ أَنْشَأَ الْمُعَارِضُ أَيْضًا مُنْكِرًا أنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ إِلَى شَيْءٍ ضَحِكًا هُوَ الضَّحِكُ، طَاعِنًا عَلَى2الرِّوَايَاتِ الَّتِي نُقِلَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفَسِّرُهَا أَقْبَحَ التَّفْسِيرِ3وَيَتَأَوَّلُهَا أَقْبَحَ التَّأْوِيلِ.
فَذَكَرَ مِنْهَا حَدِيثَ أَبِي مُوسَى4عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "يَتَجَلَّى رَبُّنَا ضَاحِكًا يَوْم الْقِيَامَة" 5.

وَأَيْضًا حَدِيثَ أَبِي رَزِينٍ الْعَقِيلِيِّ1أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ2، أَيَضْحَكُ الرَّبُّ؟ فَقَالَ: " نَعَمْ" فَقَالَ: لَنْ3نَعْدَمَ مِنْ ربِّ يَضْحَكُ خيرا"4.

أَو حَدِيث1جَابِرٍ2عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ضَحِكِ الرَّبِّ.4
فادَّعى الْمُعَارِضُ فِي تَفْسِيرِ الضَّحِكِ5أنَّ ضَحِكَ الرَّبِّ رِضَاهُ وَرَحْمَتُهُ، وَصَفْحُهُ عَنِ الذُّنُوبِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: رَأَيْتَ زَرْعًا يَضْحَكُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: قَدْ كَذَبْتَ فِيمَا6رَوَيْتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضَّحِكِ7شَبَّهْتَ8ضَحِكَهُ بِضَحِكِ الزَّرْعِ؛ لأنَّ ضحك الزَّرْع لَيْسَ

بِضَحِكٍ، إِنَّمَا هُوَ خُضْرَتُهُ وَنَضَارَتُهُ، فَجُعِلَ1مَثَلًا لِلضَّحِكِ، فعمَّن رَوَيْتَ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أنَّ ضَحِكَ الرَّبِّ رِضَاهُ وَرَحْمَتُهُ؟ فسمِّه2وَإِلَّا فَأَنْتَ المحرِّف قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَأْوِيلِ ضَلَالٍ، إِذْ شَبَّهْتَ ضَحِكَ اللَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ الْفَعَّالِ لِمَا يَشَاءُ ذِي الْوَجْهِ الْكَرِيمِ، وَالسَّمْعِ السَّمِيع والبصرالبصير، بِضَحِكِ الزَّرْعِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَا ضَحِكَ لَهُ، وَلَا قُدْرَةَ لَهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الضَّحِكِ وَإِنَّمَا ضَحِكُهُ يُمَثَّلُ، وَضَحِكُ اللَّهِ لَيْسَ يُمَثَّلُ.3
وَيْحَكَ4! إِنَّ ضَحِكَ الزَّرْعِ نَضَارَتُهُ وَزَهْرَتُهُ وَخُضْرَتُهُ، فَهُوَ أَبَدًا مَا دَامَ أَخْضَرُ ضَاحِكٌ5لِكُلِّ أَحَدٍ لِلْوَلِيِّ وَالْعَدُوِّ6وَلِمَنْ يَسْقِيهِ، وَلِمَنْ يَحْصُدُهُ، لَا يَقْصِدُ بِضَحِكِهِ إِلَى شَيْءٍ.
وَاللَّهُ يَقْصِدُ بِضَحِكِهِ إِلَى أَوْلِيَائِهِ عِنْدَمَا يُعْجِبُهُ فِعَالُهُمْ7، وَيَصْرِفُهُ عَنْ أَعْدَائِهِ فِيمَا يُسْخِطُهُ من أفعالهم.

فَالدَّلِيلُ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ أَنَّهُ يَضْحَكُ إِلَى قَوْمٍ وَيَصْرِفُهُ عَنْ قَوْمٍ، أنَّ1ضَحِكَ الزَّرْعِ مَثَلٌ عَلَى الْمَجَازِ، وَضَحِكَ اللَّهِ أَصْلٌ وَحَقِيقَةٌ لِلضَّحِكِ، وَيَضْحَكُ كَمَا يَشَاءُ، وَالزَّرْعُ أَبَدًا نَضَارَتُهُ وَخُضْرَتُهُ الَّتِي سَمَّيْتَهُ2ضَحِكًا قَائِمٌ أَبَدًا3حَتَّى يُسْتَحْصَدَ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ ضَحِكَهُ رِضَاهُ وَرَحْمَتُهُ، فَقَدْ صَدَقْتَ فِي بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضْحَكُ إِلَى أحد4إِلَّا عَن رضى5فَيَجْتَمِعُ مِنْهُ الضَّحِكُ وَالرِّضَا.
وَلَا يَصْرِفُهُ إِلَّا عَنْ عَدُوٍّ وَأَنْتَ تَنْفِي الضَّحِكَ عَنِ اللَّهِ، وَتُثْبِتُ لَهُ الرِّضَا وَحْدَهُ، وَلَئِنْ جَزَعْتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى6عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضَّحِكِ حَتَّى نَفَيْتَهُ7عَنِ الله بِمَعْنى ضحك الزَّرْع، مَالك مِنْ رَاحَةٍ فِيمَا رَوَى8عَنْهُ ابْنَ مَسْعُودٍ9رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِمَّا يُكَذِّبُ دَعْوَاكَ وَيَسْتَحِيلُ بِهِ تفسيرك.

حَدَّثَنَا1مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ2ثَنَا حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ3عَنْ ثَابِتٍ4عَنْ أَنَسٍ5عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ6أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "آخر رجل يدْخل الْجنَّة ي مشي 7 يَكْبُو عَلَى الصِّرَاطِ وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي أَنْجَانِي مِنْكِ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ 8/ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ ادْنُنِي مِنْهَا، فَيُدْنِيَهُ 9 حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ لَهُ 10: يَا ابْنَ آدَمَ، أَيُرْضِيكَ أَنْ أَعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ بِي وَأَنْتَ ربُّ الْعَالَمِينَ"؟ فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْأَلُنِي مِمَّ ضَحِكْتُ؟ هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ضَحِكَ11ثُمَّ قَالَ: "أَلا تَسْأَلُونِي

مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ فَقَالَ: مِنْ ضَحِكِ ربِّ الْعَالَمِينَ مِنْهُ حِينَ يَقُولُ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي، فَيَقُولُ اللَّهُ 1: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ، فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ" 2.
أَفَلَا3تَسْمَعُ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مِنْ ضَحِكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْهُ"، أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ ضَحِكَ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ يُقَال4للزَّرْع:

يَضْحَكُ وَلَا يُقال يَضْحَكُ1مِنْ أَحَدٍ وَلَا مِنْ أَجْلِ أَحَدٍ، وإنِّا لَمْ نَجْهَلْ مَجَازَ2هَذَا فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، فَقَدْ سَمِعْنَا قَوْلَ الْأَعْشَى3وَفَهِمْنَا مَعْنَاهُ، وَهُوَ مِنْ مَعْنَى ضَحِكِ الرَّبِّ بَعِيدٌ4، إِذْ يَقُولُ: مَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْحَزْنِ5مُعْشِبَةٌ... خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ6هَطِلُ يُضَاحِكُ الشَّمْسَ مِنْهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ.7.. مُؤْزِرٌ8بِغَمِيمِ9النبت مكتهل10

فَالزَّرْعُ مَا دَامَ أَخْضَرَ فَهُوَ مُضَاحِكُ1الشَّمْسِ أَبَدًا، لَا يخصُّ بِضَحِكِهِ أَحَدًا وَلَا يَصْرِفُهُ عَنْ أَحَدٍ.
وَاللَّهُ يَضْحَكُ إِلَى قَوْمٍ وَيَصْرِفُهُ عَنْ آخَرِينَ.
وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ2ثَنَا حَمَّادُ3أَخْبَرَنَا يعلى بن عَطاء4،

عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ1عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعَقِيلِيِّ2عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ، قَالَ أَبُو رَزِينٍ3: أَيَضْحَكُ الرَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَنْ نَعْدَمَ4مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا " 5، فَهَذَا حَدِيثُكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ الَّذِي رَوَيْتَهُ وَثَبَتَّهُ وَفَسَّرْتَهُ، وَأَقْرَرْتَ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَهُ، فَفِي نَفْسِ حَدِيثِكَ هَذَا مَا يَنْقُضُ دَعْوَاكَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي رَزِينٍ6رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ7لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: أيضحك الرب؟ وَلَو

كَانَ تَفْسِيرُ الضَّحِكِ الرِّضَى1وَالرَّحْمَةُ وَالصَّفْحُ مِنَ الذُّنُوبِ فَقَطْ، كَانَ أَبُو رَزِينٍ2فِي دَعْوَاكَ إِذًا3جَاهِلًا أَنْ لَا يَعْلَمَ أَنَّ4ربَّه يرحم ويرضى ويغفرالذنوب، حَتَّى يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيَرْحَمُ رَبُّنَا وَيَغْفِرُ وَيَصْفَحُ عَنِ الذُّنُوبِ؟ بَلْ هُوَ كَافِر فِي دعواك، إِذا لم يعرف الله بالرضى وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَقَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَسَمِعَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَصَفْحِهِ عَنِ الذُّنُوبِ، مَا كَانَ لَهُ فِيهِ مَنْدُوحَةٌ5 عَنْ رَسُولِ6اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَغْفِرُ رَبُّنَا وَيَرْحَمُ؟ إِنَّمَا سَأَلَهُ عَمَّا لَا يَعْلَمُ لَا عَمَّا عَلِمَ7وَآمَنَ بِهِ قَبْلُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَوَجَدَ فِيهِ ذِكْرَهُ، وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ ذكرالضحك.
فَلَمَّا أَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَضْحَكُ قَالَ: "لَا نَعْدَمُ8مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا"9، وَلَوْ كَانَ عَلَى تَأْوِيلِكَ لَاسْتَحَالَ أَنْ يَقُولَ أَبُو رَزِينٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لَا نَعْدَمُ1مِنْ رَبٍّ يَرْحَمُ ويرضى ويغفرخيرًا، لِمَا أَنَّهُ قَدْ آمَنَ وَقَرَأَ قَبْلُ فِي كِتَابِهِ: ﴿إنِّهُ غَفُورٌ رَّحيمٌ﴾، فَاعْقِلْهُ، وَمَا أَرَاكَ تَعْقِلُهُ.
ثُمَّ لم تأنف من هَذَا التَّأْوِيلَ حَتَّى ادَّعيت عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ ضَحِكَ اللَّهِ عَلَى مَا يَعْقِلُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
وَهَذَا كَذِبٌ تَدَّعِيهِ عَلَيْهِمْ؛ لأنَّا لَمْ نَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يُشَبِّهُ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى2بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْمَخْلُوقِينَ، ولكنَّا نَقُولُ: هُوَ نَفْسُ الضَّحِكِ، يَضْحَكُ كَمَا يَشَاءُ وَكَمَا يَلِيقُ بِهِ، وَتَفْسِيرُكَ هَذَا مَنْبُوذٌ فِي حَشِّكَ.3
ثُمَّ فَسَّرْتَ الضَّحِكَ4تَفْسِيرًا أَوْحَشَ مِنْ هَذَا أَيْضًا فَقُلْتَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَحِكُهُ أَنْ يَبْدُوَ لَهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ضَاحِكًا يَأْتِيهِمْ مُبَشِّرًا وَمُغِيثًا5وَدَلِيلًا إِلَى الْجَنَّةِ.

وَيْحَكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ! أَلَا تَسْمَعُ مَا فِي حَدِيثِكَ الَّذِي رَوَيْتَهُ وَثَبَتَّهُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ1قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَضْحَكُ رَبُّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ"، وَلَمْ يَقُلْ: أَيَخْلُقُ اللَّهُ خَلْقًا يَضْحَكُ، ثُمَّ قَالَ: "لَا2نَعْدَمُ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا"، وَلَمْ يَقُلْ: لَا نَعْدَمُ مِنْ رَبٍّ يَخْلُقُ الضَّاحِكَ، فَهَذَا فِي نَفْسِ حَدِيثِكَ لَوْ قَدْ عَقِلْتَهُ، وأنَّي لَكَ الْعَقْلُ مَعَ هَذَا التَّخْلِيطِ؟.
وادَّعيت أَيْضًا تَفْسِيرًا لِلضَّحِكِ أَبْعَدَ مِنْ هَذَا مِنَ الْحَقِّ وَالْمَعْقُولِ؛ فَزَعَمْتَ أنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ مِنْ رَجُلٍ أَوْ مِنْ شَيْءٍ تُفَسِّرُهُ أَنَّهُ يُضْحِكُهُ وَيَسَرُّهُ، فَذَلِكَ3ضَحِكُ اللَّهِ تَعَالَى4عَلَى النِّسْبَةِ5، يَعْنِي أَنَّ الْخَلْقَ وَضَحِكَهُمْ وَكَلَامَهُمْ لِلَّهِ.
فيُقال لَكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ: إِذَا تَحَوَّلَتِ الْعَرَبِيَّةُ إِلَى لُغَتِكَ وَلُغَاتِ6أَصْحَابِكَ جَازَ فِيهَا أَنْكَرُ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَأَفْحَشُ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ، وَهَذَا أَيْضًا بيِّنٌ فِي نَفْسِ7حَدِيثِكَ الَّذِي رَوَيْتَهُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم أنَّه

قَالَ لَهُ: "أيَضحَك رَبُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ "1، وَلَمْ يَقُلْ: أيُضحك2رَبُّنَا، وَلَوْ قَالَ كَذَلِكَ لَكَانَ جَاهِلًا3؛ إِذْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيُضحك الرَّبُّ الْخَلْقَ؟ وَقَدْ قَرَأَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وأنَّهُ هَُو أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ 4، فَلَوِ اشْتَغَلْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِيمَا تَتَقَلَّبُ5فِيهِ مِنْ مَسَائِلِ أَبِي يُوسُفَ6وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ7وَنُظَرَائِهِمْ كَانَ أَعْذَرَ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَعَرَّضَ بِمِثْلِ8هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصِّعَابِ الْمَعَانِي9الَّتِي كَانَ يَسْتَعْفِي مِنْ تَفْسِيرِهَا الْعُلَمَاءُ وَأَصْحَابُ الْعَرَبِيَّةِ الْبُصَرَاءُ فَتُفَسِّرُهَا بِجَهْلٍ وَضَلَالٍ.
وَسَنَذْكُرُ لَكَ أَيْضًا بَعْضَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ضَحِكِ الرَّبِّ تَعَالَى10مِمَّا يَنْقُضُ11دَعْوَاكَ حَتَّى تَضُمَّهُ إِلَى حَدِيث أبي رزين12

وَأَبِي مُوسَى1رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا2فَتَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُوَفِّقْكَ فِيهَا لِصَوَابٍ مِنَ التَّأْوِيلِ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ3وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ4عَنْ هُشَيْمٍ5، عَنْ مُجَالِدٍ6عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ7عَنْ أَبِي سَعِيدٍ8عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ

ي ضحك اللَّهُ 1 إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، وَالْقَوْمُ إِذَا اصطَّفوا 2 لِلْقِتَالِ، وَالْقَوْم إِذا اصطفو ا 3 للصَّلَاة" 4 أَفلا ترى أَيهَا

الْمُعَارِضُ أَنَّ1الضَّحِكَ لَا يُشْبِهُ ضَحِكَ الزَّرْعِ الَّذِي تأوَّلته؛ لِأَنَّ ضَحِكَ الزَّرْعِ لَا يَخُصُّ أَحَدًا وَلَا يَصْرِفُهُ عَنْ أَحَدٍ، وَاللَّهُ2يَضْحَكُ إِلَى قَوْمٍ وَيَصْرِفُهُ عَنْ قوم.
حدثناهشام بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ3ثَنَا4إِسْمَاعِيلُ بن عَيَّاش5حَدثنِي

بَحِيرُ بْنُ سَعِيدٍ1، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ2، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مرّة3، عَن نعيم ابْن هَمَّارٍ4قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَي الشُّهَدَاء أفضل؟

قَالَ: الَّذِي يُلْقَوْنَ فِي الصَّفِّ وَلَا يَلْفِتُونَ وُجُوههم 1 حَتَّى يقتلُوا، أُولَئِكَ الَّذِي يتلبطون 2 فِي العلى فِي الْجَنَّةِ 3 يَضْحَكُ إِلَيْهِمْ رَبُّكَ، وَإِذَا ضَحِكَ رَبُّكَ إِلَى عَبْدٍ فِي مَوْطِنٍ فَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ" 4.

حَدَّثَنَا1عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ2عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْمُعَافِرِيِّ3عَنْ عبيد الله

ابْن الْمُغِيرَةِ1عَنْ أَبِي فِرَاسٍ2عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ3رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى صَاحِبِ الْبَحْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: حِينَ يَرْكَبُهُ وَيُخَلَّى مِنْ أَهْلِهِ، وَحِينَ يَمِيدُ مُتَشَحِّطًا4، وَحين يرى الْبر ليشرف

لَهُ"1.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ2أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ3عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ4عَن أبي الْأَحْوَص5

وَأَبِي الْكَنُودِ1، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ2رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ إِلَى اثْنَيْنِ: رَجُلٌ قَامَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، وَرَجُلٌ كَانَ مَعَ قَوْمٍ فَلَقَوُا الْعَدُوَّ فَانْهَزَمُوا وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَاللَّهُ يَضْحَكُ إِلَيْهِ"3.
ورُوي4عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ مِنْ رَجُلَيْنِ قَتَلَ

أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ كِلَاهُمَا 1 دَاخِلٌ الْجَنَّةَ: مُشْرِكٌ قَتَلَ مُسْلِمًا ثُمَّ يُسْلِمُ فَيُسْتَشْهَدُ بَعْدُ" 2.
حَدَّثَنَاهُ3مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى4عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ5عَن سُفْيَان

ابْن حُسَيْنٍ1، عَنِ الزُّهْرِيِّ2، عَنْ سَعِيدِ بْنُ الْمُسَيِّبِ3، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ4رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَحَدَّثَنَاهُ5الْقَعْنَبِيُّ6عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ7عَنْ أَبِي الزِّنَادِ8، عَنِ الْأَعْرَجِ9عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.10
وَحَدَّثَنَاهُ11مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَغْدَادِيُّ12، ثَنَا إِسْمَاعِيل بن

زَكَرِيَّا أَبُو زِيَادٍ1عَنْ مُحَمَّدِ2بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيِّ3، عَنْ عبد الله ابْن أَبِي الْهُذَيْلِ4، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ5يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ مِمَّنْ ذَكَرَهُ فِي الْأَسْوَاقِ"6.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ7ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ8، ثَنَا

إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا أَبُو زِيَادٍ1عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ2السُّلَمِيِّ3عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ4أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ5يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ6يَضْحَكُ".
حَدَّثَنَا7إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ8عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ9

قَالَتْ: لَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ1رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ2صَاحَتْ أمُّه، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِلَّا يَرْقَأُ دَمْعُكِ، وَيَذْهَبُ حُزْنُكِ؟ فَإِنَّ ابْنَكِ أوَّل مَنْ ضَحِكَ 3 اللَّهُ إِلَيْهِ" 4.

وَلَوْ كَانَ1تَأْوِيلُ ضَحِكِهِ مَا شَبَّهْتَ بِهِ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ مِنْ ضَحِكِ الزَّرْعِ مَا كَانَ يَقُولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَوَّلُ مَنْ ضَحِكَ اللَّهُ إِلَيْهِ"؛ لِأَنَّ خُضْرَةَ الزَّرْعِ وَنَضَارَتَهُ بَادِيَةٌ لِأَوَّلِ نَاظِرٍ إِلَيْهَا وَآخِرٍ2، لَا يَقْصِدُ بِضَحِكِهِ إِلَى تَقِيٍّ، وَلَا يَصْرِفُهُ عَنْ شَقِيٍّ، فَكَمْ تَدْحَضُ فِي بَوْلِكَ3وَتَعْثُرُ فِي قَوْلِكَ، وتغر من حولك؟.

جارٍ التحميل