تَأْوِيل المريسي لِمَعْنى "الْحَيّ القيوم" وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
وَادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ 1 وَادَّعَيْتَ2أَنَّ تَفْسِيرَ الْقَيُّومِ عِنْدَكَ: الَّذِي لَا يَزُولُ، يَعْنِي الَّذِي لَا يَنْزِلُ وَلَا يَتَحَرَّكُ، وَلَا يَقْبِضُ وَلَا يَبْسُطُ وَأَسْنَدْتَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِكَ، غَيْرَ مُسَمًّى عَن الْكَلْبِيّ.3...........................................................
عَنْ أَبِي صَالِحٍ1، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ2أَنَّهُ قَالَ: "الْقَيُّومُ: الَّذِي لَا يَزُولُ"3 وَعِنْدَ أَهْلِ الْبَصَرِ4وَمَعَ رِوَايَتِكَ هَذِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ دَلَائِلُ وَشَوَاهِدُ أَيْضًا بَاطِلٌ: إِحْدَاهَا: أَنَّك أَنْت رَوَيْتَهَا وَأَنْتَ الْمُتَّهَمُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّكَ رَوَيْتَهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِكَ غَيْرَ مُسَمًّى، وَأَصْحَابُكَ مثلك فِي الظنة والتهمة.
وَالثَّالِثُ1: أَنَّهُ عَنِ الْكَلْبِيِّ2وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْأَثَرِ عَلَى أَنْ لَا يَحْتَجُّوا بِالْكَلْبِيِّ فِي أَدْنَى حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ. فَكَيْفَ فِي تَفْسِيرِ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَتَفْسِيرِ كِتَابِهِ؟ وَكَذَلِكَ أَبُو صَالِحٍ.3
وَلَوْ قَدْ4صَحَّتْ رِوَايَتُكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "الْقَيُّومُ: الَّذِي لَا يَزُول" نستنكره5وَكَانَ مَعْنَاهُ مَفْهُوم وَاضِحًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْبَصَر بِالْعَرَبِيَّةِ أَنه مَعْنَى "لَا يَزُولُ" لَا يَفْنَى وَلَا يَبِيدُ، لَا أَنَّهُ لَا يَتَحَرَّكُ6وَلَا يَزُولُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، إِذَا شَاءَ، كَمَا كَانَ يُقَالُ لِلشَّيْءِ الْفَانِي: هُوَ زَائِلٌ، كَمَا قَالَ لَبِيدُ بْنُ ربيعَة7:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا محَالة زائل1يَعْنِي فان، لَا أَنَّهُ مُتَحَرِّكٌ، فَإِنَّ أَمَارَةَ مَا بَيْنَ الْحَيِّ، وَالْمَيِّتِ التَّحَرُّكُ، وَمَا لَا يَتَحَرَّكُ فَهُوَ مَيِّتٌ، لَا يُوصَفُ بِحَيَاةٍ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَصْنَامَ الْمَيِّتَةَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ 2، فَالله الْحَيّ
الْقَيُّومُ الْقَابِضُ1الْبَاسِطُ، يَتَحَرَّكُ إِذَا شَاءَ2وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، بِخِلَافِ الْأَصْنَامِ الْمَيِّتَةِ الَّتِي لَا تَزُولُ حَتَّى تُزَالَ.
وَاحْتَجَجْتَ أَيْضًا أَيُّهَا المريسي فِي نفي التحريك3، عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ4وَالزَّوَالِ بِحُجَجِ الصِّبْيَانِ، فَزَعَمْتَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ "عَلَيْهِ السَّلَامُ"5 حِينَ رَأَى كَوْكَبًا وَشَمْسًا وَقَمَرًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ 6 ثُمَّ قُلْتَ: فَنَفَى إِبْرَاهِيمُ الْمَحَبَّةَ من كل إِلَه زائل، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ إِذَا نَزَلَ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ أَوْ نَزَلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمُحَاسَبَةِ الْعِبَادِ فَقَدْ أفل زَوَال كَمَا أَفَلَ7الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، فَتَنَصَّلَ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِمَا إِبْرَاهِيمُ، فَلَوْ قَاسَ هَذِا الْقِيَاسَ تُرْكِيٌّ طُمْطُمَانِيٌّ8أَوْ رُومِيٌّ أَعْجَمِيٌّ9مَا زَادَ عَلَى مَا قست قبحًا
وسماحة1، وَيْلَكَ! وَمَنْ قَالَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى2إِذَا نَزَلَ أَوْ تَحَرَّكَ، أَوْ نَزَلَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ أَفَلَ فِي شَيْءٍ، كَمَا تَأْفُلُ الشَّمْسُ فِي عين حمئة؟.
إِن الله يَأْفُلُ فِي خَلْقٍ سِوَاهُ3إِذَا نَزَلَ أَوِ ارْتَفَعَ كَمَا تَأْفُلُ4الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ، بَلْ هُوَ الْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْمُحِيطُ بِكُل شَيْء فِي جيمع أَحْوَالِهِ مِنْ نُزُولِهِ وَارْتِفَاعِهِ.
وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ5لَا يَأْفُلُ فِي شَيْءٍ، بَلِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا تَخْشَعُ لَهُ وَالْمَوَاضِعُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ خَلَائِقُ مَخْلُوقَةٌ، إِذَا أَفَلَتْ أَفَلَتْ فِي مَخْلُوقٍ، فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ6لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ، وَلَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ شَيْءٌ.