تشنيع الْمعَارض بِذكر الْجوف:
وَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ1رَوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالَحٍ2عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ3عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْطَأَةَ4عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ5قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّكُمْ لَنْ تقرَّبوا6إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِمَّا
خَرَجَ مِنْهُ" 1 يَعْنِي الْقُرْآنَ.
فادَّعى الْمُعَارِضُ أَنَّ الثَّلْجِيَّ قَالَ فِي هَذَا مِنْ كِتَابٍ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ الثَّلْجِيِّ2، قَالَ: ذَهَبَتِ الْمُشَبِّهَةُ فِي هَذَا إِلَى مَا يَعْقِلُونَ3مِنَ الْكَلَامِ مِنَ الْجَوْفِ فَنَاقَضُوا إِذْ صَحَّحُوا أَنَّهُ الصَّمْدُ، وَالصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، فَاحْتَمَلَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ أَيْ مِنْ عِنْدِهِ4مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ مِنْهُ5، كَمَا يُقال:
خَرَجَ لَنَا مِنْ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْخَيْرِ، وَخَرَجَ الْعَطَاءُ مِنْ قِبَلِهِ، لَا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ.
فيُقال لِهَذَا الْمُعَارِضِ وَلِإِمَامِهِ الثَّلْجِيِّ: قَدْ فَهِمْنَا مُرَادَكَ، إِنَّمَا تُرِيدُ نَفْيَ الْكَلَامِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى1، مُشَنِّعًا بِذِكْرِ الْجَوْفِ، فَأَمَّا خُرُوجُهُ مِنَ اللَّهِ فَلَا يَشُكُّ فِيهِ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَ كَلَامَهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَخْرُجُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ لَا مَحَالَةَ، وَأَمَّا أَنْ نَصِفَهُ بِالْجَوْفِ كَمَا ادَّعَيْتَ عَلَيْنَا زُورًا فإنَّا نُجِلُّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُتَعَالِي عَنْهُ، لِأَنَّهُ الْأَحُدُ الصَّمَدُ، كَمَا قَالَ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ إِلَّا كَخُرُوجِ عَطَاءِ الرَّجُلِ مِنْ قِبَلِهِ، فَقَدْ أقرَّ بِأَنَّهُ كَلَامُ غَيْرِهِ وَكَلَامه غَيْرِهِ مَخْلُوقٌ.2
لَا يَجُوزُ أَنْ يُضاف إِلَيْهِ صِفَةٌ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَقُولَ3: كُلُّ مَا تَكَلَّمَ4بِهِ النَّاسُ مِنَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَالشِّعْرِ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَهَذَا مُحَالٌ يَدْعُو إِلَى الضَّلَالِ.
وَفِي هَذَا الْقِيَاسِ الَّذِي ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ يَجُوزُ أَنْ يُقال قَول الْيَهُود5: عُزَيْر6
ابْنُ اللَّهِ وَالنَّصَارَى1: الْمَسِيحُ2ابْنُ اللَّهِ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانَ كَلَامَ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ عِنْدَكُمْ كَلَامَ اللَّهِ فَمِنْهُ خَرَجَ بِلَا شَكٍّ، وَالْجَوْفُ مَنْفِيٌّ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ فَلَيْسَ بِكَلَامِهِ، وَلَكِنْ3كَلَامُ غَيْرِهِ فِي دَعْوَاكُمْ.
فَقُلْ لِهَذَا الثَّلْجِيِّ يَرُدُّ هَذَا التَّفْسِيرَ عَلَى شَيْطَانِهِ الَّذِي أَلْقَاهُ عَلَى لِسَانِهِ، وَمَا يُصْنَعُ4فِي هَذَا بِقَوْلِ الثَّلْجِيِّ مَعَ5مَا يَرْوِيهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ6عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ7قَالَ: "أَدْرَكْتُ النَّاسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَقُولُونَ: اللَّهُ الْخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، مِنْهُ خَرَجَ وَإِلَيْهِ يعود"8.
حَدَّثَنَاهُ1إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ2عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.3
وَأَمَّا أَنْ يُقَاسَ الْكَلَامُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ بِالْخَيْرِ الَّذِي يَأْتِي مِنْ قِبَلِهِ، وَالْعَطَاءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقِيسُ بِهِ4إِلَّا جَاهِلٌ مِثْلُ الثَّلْجِيِّ5لِأَنَّ الْخَلْقَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْكَلَامَ يَخْرُجُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ بِلَا شَكٍّ وَأَنَّ إِعْطَاء الْعَطاء وبذل المَال6لَا يَخْرُجُ مِنْ نَفْسِ الْمُعْطِي وَالْبَاذِلِ، وَلَكِنْ مِنْ شَيْءٍ مَوْضُوعٍ عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ، وَالْكَلَامُ غَيْرُ بَائِنٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، وَالْمَالُ وَالْعَطَاءُ بَائِنٌ مِنْهُ، لِأَنَّهُ7مَتَى شَاءَ عَادَ فِي مِثْلِ كَلَامِهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ قَبْلُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرُدَّ الْكَلَامَ الْخَارِجَ مِنْهُ إِلَى نَفْسِهِ ثَانِيَةً.
وَلَعَلَّهُ لَا يَقْدِرُ على د الْمَالِ وَالْعَطَاءِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يَعُودَ فِيهِ بِعَيْنِهِ، فَمن قَاس هَذَا بِذَاكَ فَقَدْ تَرَكَ الْقِيَاسَ الَّذِي يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْقِيَاسِ، وَالْمَعْقُولَ الَّذِي يعرفهُ أهل الْعقل.