نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيدبَيَان مَا افْتتح بِهِ الْمعَارض كِتَابه ومناقشته فِي ذَلِك:

قد كَتَبَ إِلَيَّ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ1أَنَّهُ سَمِعَ عِيسَى بْنَ يُونُسَ2يَقُولُ: "لَا تُجَالِسُوا الْجَهْمِيَّةَ3وَبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْرَهُمْ كَيْ يَعْرِفُوهُمْ فَيَحْذَرُوهُمْ"4.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: افْتَتَحَ هَذَا الْمُعَارِضُ كِتَابَهُ بِكَلَامِ نَفْسِهِ مُثَنِّيًا5بِكَلَام إِن مَا افْتتح بِهِ مؤلف كِتَابه مناقشته فِي

الْمَرِيسِيِّ، مُدَلِّسًا عَلَى النَّاسِ بِمَا يَهِمُّ1أَنْ يَحْكِيَ2وَيَرَى3مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْجُهَّالِ وَمَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ الْأَغْمَارِ4: أَنَّ مَذَاهِبَ جَهْمٍ5وَالْمَرِيسِيِّ فِي التَّوْحِيدِ كَبَعْضِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْإِيمَانِ6فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَكَاخْتِلَافِهِمْ7فِي التَّشَيُّعِ وَالْقَدَرِ، وَنَحْوِهَا كَيْ لَا تنفرُوا مِنْ مَذَاهِبِ جَهْمٍ وَالْمَرِيسِيِّ أَكْثَرَ مِنْ نُفُورِهِمْ مِنْ كَلَامِ الشِّيعَةِ8،................

والمرجئة1والقدرية.2

وَقَدْ أَخْطَأَ الْمُعَارِضُ مَحَجَّةَ1السَّبِيلِ وَغلط كَثِيرًا فِي التَّأْوِيلِ لَمَّا أَنَّ هَذِهِ الْفِرَقَ لَمْ يُكَفِّرْهُمُ الْعُلَمَاءُ بِشَيْءٍ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ، وَالْمَرِيسِيُّ وَجَهْمٌ وأصحابهم2،.......................

لَمْ يَشُكَّ1أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي إِكْفَارِهِمْ.
سَمِعْتُ مَحْبُوبَ بْنَ مُوسَى الْأَنْطَاكِيَّ2أَنَّهُ سَمِعَ وَكِيعًا3يُكَفِّرُ الْجَهْمِيَّةَ.4
وَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ5أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ6كَانَ يُخْرِجُ الْجَهْمِيَّةَ مِنْ عِدَادِ الْمُسْلِمِينَ.7

وَسَمِعْتُ يَحْيَى بنَ يَحْيَى1وَأَبَا تَوْبَة2وَعلي بن الْمَدِينِيِّ3يُكَفِّرُونَ الْجَهْمِيَّةَ وَمَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ.4
فَلَا يَقِيسُ الْكُفْرَ بِبَعْضِ اخْتِلَافِ هَذِهِ الْفِرَقِ إِلَّا امْرُؤٌ جَهِلَ الْعِلْمَ وَلَمْ

يُوَفَّقْ فِيهِ لِفَهْمٍ.1
فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ النَّاسَ2تَكَلَّمُوا فِي الْإِيمَانِ، وَفِي التَّشَيُّعِ، وَالْقَدَرِ وَنَحْوِهُ، وَلَا يجوز لأحد أَن يتَنَاوَل فِي التَّوْحِيدِ غَيْرَ الصَّوَابِ إِذْ3جَمِيعُ خَلْقِ اللَّهِ يُدْرِكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ: اللَّمْسِ، وَالشَّمِّ، وَالذَّوْقِ، وَالْبَصَرِ بِالْعَيْنِ، وَالسَّمْعِ، وَاللَّهُ بِزَعْمِ4الْمُعَارِضِ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِ.
فَقُلْنَا لِهَذَا الْمُعَارِضِ، الَّذِي لَا يَدْرِي كَيْفَ يُنَاقِضُ5: أَمَّا قَوْلُكَ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ فِي التَّوْحِيدِ غَيْرَ الصَّوَابِ، فَقَدْ صَدَقْتَ، وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْأمة وَصَوَابه قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ جَاءَ بِهَا مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ" 6 وَ7"أُمِرْتُ أَن

أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" 1 مَنْ قَالَهَا فَقَدْ وَحَّدَ اللَّهَ.2
وَكَذَلِكَ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا3عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ فِي حَجَّتِهِ4فَقَالَ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ 5..................

حَدَّثَنَا1أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ2عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ3عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ4عَنْ أَبِيهِ5عَنْ6جَابِرٍ.7
فَهَذَا تَأْوِيلُ التَّوْحِيدِ وَصَوَابُهُ عِنْدَ الْأُمَّةِ، فَمَنْ أَدْخَلَ الْحَوَاسَّ الْخَمْسَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِي صَوَابِ التَّأْوِيلِ مِنْ أُمَّةِ

مُحَمَّدٍ وَمَنْ عَدَّهَا1فَأَشِرْ إِلَيْهِ! غير مَا ادعيتم فِي مِنَ الْكَذِبِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ، وَنُظَرَائِهِ، وَلِمَنْ تَأَوَّلَ فِي التَّوْحِيدِ الصَّوَابَ لَقَدْ تَأَوَّلْتَ أَنْتَ فِيهِ غَيْرَ الصَّوَابِ، إِذِ2ادَّعَيْتَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُدْرَكُ وَلَمْ3يُدْرَكْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، إِذْ هُوَ فِي دَعْوَاكَ لَا شَيْءٌ.
وَاللَّهُ مُكَذِّبٌ مَنِ ادَّعَى هَذِهِ الدَّعْوَى فِي كِتَابِهِ، إِذْ يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ 5، و ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ 6، فَأَخْبَرَ اللَّهُ 7 فِي كِتَابِهِ أَنَّ مُوسَى8أدْرك مِنْهُ.

الْكَلَامَ بِسَمْعِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْحَوَاسِّ عِنْدَكَ وَعِنْدَنَا، وَيُدْرَكُ فِي الْآخِرَةِ بِالنّظرِ إِلَيْهِ بالأعين، هِيَ الْحَاسَّةُ الثَّانِيَةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى1﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ 2، وَكَمَا 3 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ جَهْرًا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ" 4.
وَرَوَى عَنْهُ5عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ6رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ" 1.
حَدَّثَنَاهُ عَمْرُو2بْنُ عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ3عَنِ الْأَعْمَشِ4عَنْ خَيْثَمَةَ5عَنْ عَدِيٍّ6عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَذَاكَ النَّاطِقُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ--رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَيُّ حَوَاسٍّ7أَبْيَنُ8مِنْ هَذَا؟ فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ الْمُعَارِضَ مَنْ تَأَوَّلَ فِيهِ غَيْرَ الصَّوَابِ.

جارٍ التحميل