أهل الأثرالأرشيف العلمي

احتجاج الْمعَارض فِي رد الْآثَار وكراهية طلبَهَا:

وَاحْتَجَجْتَ1فِي رَدِّ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرَاهِيَةِ طَلَبِهَا، وَالِاشْتِغَالِ بِجَمْعِهَا، بِحِكَايَةٍ حَكَيْتَهَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ2أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ عِدَدِ الْمَوْتِ"3.
وَبِقَوْلِ شُعْبَةَ4"إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَصُدُّكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَعَن الصَّلَاة،

فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟ "1 وَبِقَوْلِ2ابْنِ الْمُبَارَكِ3: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي رِحْلَتِي فِي الْحَدِيثِ"4.
فَتَوَهَّمْتَ أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا طَعْنٌ فِي الْآثَارِ وَكَرَاهِيَةٌ مِنْهُم لجمعها

وَاسْتِعْمَالِهَا، وَقَدْ أَخْطَأْتَ الطَّرِيقَ وَغَلِطْتَ فِي التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ عَنْهُمْ1أَنَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا2هَذِهِ الْآثَارَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا طَلَبَهُ3أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ وَلَكِنْ خَافُوا أَنْ يَكُونَ4قَدْ خَالَطَ ذَلِكَ بَعْضُ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ وَالِاسْتِطَالَةِ5بِهِ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ فِيهِ، أَوْ أَنَّهُمْ إِذَا جَمَعُوهَا وَكَتَبُوهَا لَمْ يَقُومُوا بِالْعَمَلِ بِهَا الَّذِي6يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَيَصِيرُ7حُجَّةً عَلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا أَزْرَوْا8فِيمَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ9بِأَنْفِسِهِمْ لَا بِالْعِلْمِ وَالْأَحَادِيثِ.
كَمَا تَفْعُلُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ.
وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَنْهُمْ مِنْ سَيِّئِ الْأَعْمَالِ -كَمَا ادَّعيت عَلَيْهِمْ- مَا صَنَّفُوهَا وَنَقَلُوهَا إِلَى الْأَنَامِ، وَلَا دَعَوْهُمْ إِلَى اسْتِعْمَالِهَا وَالْأَخْذِ بِهَا، فَيُشْرِكُوهُمْ فِي إِثْم مَا وَقَعُوا

فِيهِ1، وَمَنْ يَظُنُّ بِهِمْ ذَلِكَ إِلَّا جَاهِلٌ مِثْلُكَ بَعْدَ الَّذِي رَوَوْا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "حدِّثوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ"2، وَقَالَ: "نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَبَلَّغَهَا غَيْرَهُ" 3، وَقَوْلَهُ: "لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُم الْغَائِب"

وَقَوْلَهُ: "طَلْبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" 1، وَقَوْلَهُ: "مَا سَلَكَ رجلٌ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهَا عِلْمًا إِلَّا سهَّل اللَّهُ بِهِ 2 طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ" 3، وَقَوْلَهُ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ" 4.
وَهِيَ هَذِهِ الْآثَارُ، وَهِيَ أُصُولُ الدِّينِ وَفُرُوعُهُ بَعْدَ الْقُرْآنِ، فَمَنْ سَمِعَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي حضَّ5النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَلَبِهَا وَإِبْلَاغِهَا وَأَدَائِهَا6إِلَى مَنْ يَسْمَعُهَا عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ مَا حكيت عَن

سُفْيَانَ1وَشُعْبَةَ2وَابْنِ الْمُبَارَكِ3عَلَى خِلَافِ مَا تَأَوَّلْتَهُ.
وَيْحَكَ! إِنَّمَا قَالَ الْقَوْمُ هَذَا تَخَوُّفًا عَلَى أَنْفِسِهِمْ أَنْ يَكُونُوا قَدْ أُوتُوا مِنْهُ الْكَثِيرَ فَلَمْ يُوَفَّقُوا لِاتِّبَاعِهِ كَمَا يَجِبُ، وَلَمْ يَتَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ؛ مِنَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَالْوَرَعِ وَالْعِبَادَةِ، وَلَمْ يَتَأَدَّبُوا بِأَحْسَنِ آدَابِهِمْ.
فَقَدْ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى4يَقُولُ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ5: "طَلَبْنَا الْعِلْمَ فَأَصَبْنَا مِنْهُ شَيْئًا، فَطَلَبْنَا الْأَدَبَ فَإِذَا أَهْلُهُ قَدْ مَاتُوا"6 وَكَمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ7: "زَيَّنَ الْعِلْمَ حِلْمُ أَهْلِهِ"8، وَكَمَا قَالَ ابْن سِيرِين9: "ذهب

الْعِلْمُ وَبَقِيَ مِنْهُ غُبْرَاتٌ1فِي أَوْعِيَةِ سُوءٍ"2.
وَكَانَ تَخَوُّفُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْحِكَايَاتِ الَّتِي حَكَيْتَهَا عَنْهُمْ، عَسَى أَنْ لَمْ يُرْزَقُوا هَذِهِ الْآدَابَ3وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِلْمُ4، حَتَّى يَخْلُصَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى5، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إِعْظَامًا لِلْعِلْمِ وَإِجْلَالًا لَهُ، لَا اسْتِخْفَافًا بِهِ وَتَعْرِيضًا لِإِبْطَالِهِ، كَمَا فَعَلْتَ أَنْتَ.
وَسَمِعْتُ الطَّيَالِيسِيَّ أَبَا6الْوَلِيدِ أَنَّهُ سمع...

ابْنَ عُيَيْنَةَ1يَقُولُ: "طَلَبْتُ هَذَا الْعِلْمَ يَوْمَ طَلَبْتُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَأَعْقَبَنِي مَا تَرَوْنَ"2.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ3: "لَمْ أَعْرِفْ4لِنَفْسِي يَوْمَ طَلَبْتُهُ تِلْكَ النِّيَّةَ الْخَالِصَةَ، فَأَعْقَبَنِي مِنْهُ أَنِّي اشغلت بِتَحْدِيثِ النَّاسِ بِهِ لَا بِالْعَمَلِ بِهِ، وَالزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْعِبَادَةِ".
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ5 أَنَّهُ قَالَ: "وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ"6 أَيْ لَمَّا أَنَّ الَّذِي سَأَلْتُ عَنْهُ صَارَ عَلَيَّ حُجَّةً.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ7أَيْضًا: "إِنَّا لسنا بفقهاء، وَلَكنَّا رُوَاة

الْحَدِيثِ"1 وَكَمَا قَالَ الْحَسَنُ2: "هَلْ رَأَيْت فقهيًا قَطُّ؟ إِنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي، بِنَشْرِ3حُكْمِ اللَّهِ فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ حَمِدَ اللَّهَ، وَإِنْ رُدَّتْ حَمِدَ اللَّهَ"4.
فَتَخَوَّفَ الْقَوْمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ، وَقَدْ كَانُوا أَهْلَهُ، وَمَا زَادَهُمْ تَخَوُّفُهُمْ مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا حُبًّا وعِظمًا5، وَلِلْعِلْمِ تَوْقِيرًا وَإِجْلَالًا؛ إِذْ خَافُوا أَنْ لَا يَكُونُوا من صالحي أوعيته.

وَرَوَى الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ1عَنِ الْحَسَنِ2 قَالَ: "مَا رَأَيْتُ فِيمَا مضى وفيا بَقِي مُؤمنا ازْدَادَ إحساناً إِلَّا ازْدَادَ شَفَقَةً، وَلَا مَضَى مُنَافِقٌ وَلَا بَقِيَ ازْدَادَ إِسَاءَةً إِلَّا ازْدَادَ بِاللَّهِ غِرَّةً"3.
حَدَّثَنَا سَعْدَوَيْه4عَن الْمُبَارك بن فاضلة5عَنِ الْحَسَنِ.6
وَاحْتَجَّ الْمُعَارِضُ أَيْضًا لِمَذْهَبِهِ الْأَوَّلِ بِحَدِيثٍ مُسْتَنْكَرٍ تَعَجَّبَ الْجُهَّالُ مِنْهُ، وَيُوهِمُهُمْ أَنَّ مَا رَوَى7أَهْلُ السُّنَّةِ مِنَ الرِّوَايَاتِ الصِّحَاحِ الْمَشْهُورَةِ وَمِمَّا يُنْقَضُ8بِهَا عَلَى الْجَهْمِيَّةِ9فِي الرُّؤْيَةِ وَالنُّزُولِ وَسَائِرِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى10مُسْتَنْكَرٌ مَجْهُولٌ مَهْجُورٌ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ، فَزعم أَن حَمَّاد بن

سَلَمَةَ1رَوَى عَنْ أَبِي الْمُهَزِّمِ2عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ3قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِمَّ رَبُّنَا؟ فَقَالَ: "مِنْ مَاءٍ مَرُورٍ لَا مِنْ أَرْضٍ وَلَا مِنْ سَمَاءٍ، خَلَقَ خَيْلًا فَأَجْرَاهَا فَعَرَقَتْ فَخَلَقَ نَفسه من ذَلِك الْعرَاق" 4.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: لَوْ كَانَ لَكَ فَهْمٌ وَعَقْلٌ لَمْ تَكُنْ تُذِيعُ فِي النَّاسِ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي لَا أَصْلَ لَهُ عِنْد الْعَلَاء، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ حَمَّادٍ5إِلَّا

كُلُّ مَقْرُوفٍ1فِي دِينِهِ، فَيَظُنُّ بَعْضُ مَنْ يَسْمَعُهُ مِنْكَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا، فَيُضَلُّ بِهِ أَوْ يَضِلُّ2، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَلَمَةَ3، وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ إِلَى الْمُعَارِضِ؟ وَمِمَّا4يَسْتَنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّهُ مُحَالُ الْمَعْنَى بَلْ هُوَ كُفْرٌ لَا يَنْقَادُ وَلَا ينقاسن فَكَيْفَ خَلَقَ الْخَيْلَ الَّتِي عَرَقَتْ قبل أنتكون نَفْسُهُ فِي دَعْوَاكَ؟.
وَيْحَكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ! إِنَّا نُكَفِّرُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ كَلَامَ5اللَّهِ مَخْلُوقٌ، فَكَيْفَ ن قَالَ: نَفسه6؟ لَا جزال اللَّهُ خَيْرًا عَمَّا7تُورِدُ عَلَى قُلُوبِ الْجُهَّالِ، مِمَّا لَا حَاجَةَ لَهُمْ8إِلَيْهِ، فَعَمَّنْ رَوَيْتَهُ؟ عَنْ حَمَّاد9؟ وَمِمَّنْ سمعته؟ فسه لَنَا نَعْرِفْهُ، فَإِنَّا لَا نَعْرِفُ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ10الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ كَانَ هَذَا الْعَرَقُ قَبْلَهُ، حَتَّى خَلَقَ مِنْهُ نَفسه؟ 11 وَهَذَا

الْحَدِيثُ لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرِهِ فَإِنَّ الشَّاهِدَ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ.
ثُمَّ لَمْ تَرْضَ با قُلْتَ وَرَوَيْتَ1مِمَّا تُشَنِّعُهُ2، حَتَّى ادَّعَيْتَ لَهُ تَفْسِيرًا عَنْ إِمَامِكَ الثَّلْجِيِّ3أَنَّهُ قَالَ: يَحْتَمِلُ تَأْوِيلُ هَذَا الحَدِيث أنيكون الْكُفَّارُ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ آلِهَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ4عَزَّ وَجَلَّ5وَذَلِكَ أَنَّ كُبَرَاءَهُمْ وَأَحْبَارَهُمْ6كَانُوا عِنْدَهُمْ7كَالْأَرْبَابِ، قَالَ تَعَالَى8: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ 9 فَيُقَالُ لِهَذَا الثَّلْجِيِّ الْجَاهِلِ: وَيْلَكَ! يَخْلُقُ اللَّهُ أُولَئِكَ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا مِنْ عَرَقِ الْخَيْلِ الَّذِي أَجْرَى.10
وَفِي الْحَدِيثِ11أَنه خَلَقَ آدَمَ مِنَ الْأَرْضِ، وَذُرِّيَّتَهُ من نَسْله؟.

أَو لم يَعْلَمْ أَيُّهَا الثَّلْجِيُّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ1مِمَّا2خَلَقَ اللَّهُ الْأَحْبَارَ3وَالرُّهْبَانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ أَو لم يَدْرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، حَتَّى يَقُولَ: خَلَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ عَرَقِ الْخَيْلِ، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ مِنْ أَرْضٍ وَلَا سَمَاءٍ؟ لَقَدْ ضَلَّ هَذَا4الثَّلْجِيُّ بِهَذَا التَّفْسِيرِ وَضَلَّ بِهِ مَنِ اتَّبَعَهُ.
وَلَوْ فَسَّرَ هَذَا صَبِيٌّ لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ5مَا زَادَ عَلَى هَذَا جَهْلًا وَاسْتِحَالَةً، هُوَ كُفْرٌ أَضَافَهُ هَذَا الثَّلْجِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيْلَكَ! نَحْنُ نَدْفَعُ الْحَدِيثَ وَنَسْتَنْكِرُهُ، وَأَنْتَ تَسْتَشْنِعُهُ ثُمَّ تُثْبِتُهُ وَتُفَسِّرُهُ وَتَلْتَمِسُ لَهُ الْمَخَارِجَ، كَيْ تَصُونَهُ6، وَلَئِنْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مُنْكَرًا فَتَفْسِيرُكَ لَهُ أَنْكَرُ.
وَاحْتَجَّ الْمُعَارِضُ أَيْضًا فِي دَفْعِ آثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقْلِيدِ رُوَاتِهَا مِنَ الْعُلَمَاءِ بِحِكَايَةٍ حَكَاهَا عَنْ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ كَانَ7يَحْكِيهَا عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ8، فَقَالَ مُعْجَبًا بِسُؤَالِهِ: سَأَلْتُ بِشْرَ بْنَ غياث9عَن التَّقْلِيد.

فِي الْعِلْمِ، فَقَالَ: حَرَامٌ مُحَرَّمٌ لِلْعُلَمَاءِ، حَتَّى يَعْرِفَ هَذَا الْعَالِمُ أَصْلَهُ وَمَعْرِفَتَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا التَّقْلِيدُ لِلْجُهَّالِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.1
وَافْتَخَرَ الْمُعَارِضُ بِسُؤَالِ بِشْرٍ عَنْ هَذَا كَأَنَّهُ سَأَلَ عَنْهَا2الْحَسَنَ3وَابْنَ سِيرِينَ4، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ عَنْهَا جهيمًا جَاهِلًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، إِنْ أَخْطَأَ فَعَلَيْهِ خَطَؤُهُ5، وَإِنْ أَصَابَ لَمْ يُلْتَفَتْ لِإِصَابَتِهِ، لِأَنَّهُ الْمَأْبُونُ6فِي دِينِ اللَّهِ الْمُتَّهَمُ على كتاب الله7، الطاعن فلي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَيْفَ تَسْتَفْتِي8الْمَرِيسِيَّ، وَقَدْ رَوَيْتَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ9، أَنَّهُ هَمَّ بِأَخْذِهِ وَتَنْكِيلِهِ فِي هَذِهِ الضَّلَالَاتِ، حَتَّى فَرَّ مِنْهُ إِلَى الْبَصْرَةِ10فَإِنْ يَكُنْ مَا قَالَ11بِشْرٌ حَقًّا فَبُؤْسًا لَكَ ولأصحابك الَّذين

قَلَّدْتُمْ دِينَكُمْ أَبَا حَنِيفَةَ1وَأَبَا يُوسُفَ2وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ3فِي أَكْثَرِ مَا4تُفْتُونَ مِمَّا لَا تَقَعُونَ مِنْ أَكْثَرِهِ عَلَى كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ.5
غَيْرَ أنَّا نَقُولُ: إِنَّ عَلَى الْعَالِمِ بِاخْتِلَافِ6الْعُلَمَاءِ، أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَفْحَصَ عَنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، حَتَّى يَعْقِلَهَا بِجَهْدِهِ7مَا أَطَاقَ، فَإِذَا أَعْيَاهُ أَنْ يَعْقِلَهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَرَأْيُ مَنْ قَبْلَهَ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ رَأْيِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ8: "أَلَا لَا يُقَلِّدَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ دِينَهُ رَجُلًا، إِنْ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، فَإِنْ كُنْتُم لابد فَاعِلِينَ فَالْأَمْوَاتَ9، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا

يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ"1.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ2أَيْضًا: "مَنْ عُرِضَ لَهُ مِنْكُمْ قَضَاءٌ فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَفِيمَا3قَضَى بِهِ الصالحون قبله"4.

فَأَبَاحَ ابْنُ مَسْعُودٍ1التَّقْلِيدَ لِلْأَمْوَاتِ، وَقَضَاءِ الصَّالِحِينَ عَلَى التَّحَرِّي وَالِاحْتِيَاطِ.
فمَنْ هَذَا الْمَرِيسِيُّ الضَّالُّ الَّذِي يحظره2على الْأمة؟ وَمن حَتَّى يُسْتَحَلَّ بِقَوْلِهِ شَيْءٌ أَوْ يُحَرَّمَ؟ وَقَالَ شُرَيْحٌ3وَابْنُ سِيرِينَ4: "لَنْ نَضِلَّ مَا تَمَسَّكْنَا بِالْأَثَرِ"5وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ6: "مَا الْأَمْرُ إِلَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ، لَوْ بَلَغَنَا أَنَّهُمْ لم يغسلوا إِلَّا الظفر

مَا جَاوَزْنَاهُ، كَفَى إِزْرًا1عَلَى قَوْمٍ أَنْ تَتَخَالَفَ أَعْمَالُهُمْ"2.
وَالِاقْتِدَاءُ بِالْآثَارِ تَقْلِيدٌ، فَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ فِي دَعْوَى الْمَرِيسِيِّ أَنْ يَقْتَدِيَ الرَّجُلُ بِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ، فَمَا مَوْضِعُ الِاتِّبَاعِ الَّذِي قَالَه اللَّهُ تَعَالَى3: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ 4؟ وَمَا يَصْنَعُ5بِآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ، بَعْدَ أَنْ لَا يَسَعَ6الرَّجُلُ اسْتِعْمَالَ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا مَا اسْتَنْبَطَهُ بِعَقْلِهِ فِي خِلَافِ الْأَثَرِ؟ إِذَا بَطَلَتِ الْآثَارُ وَذَهَبَتِ الْأَخْبَارُ، وَحُرِّمَ طَلَبُ الْعِلْمِ عَلَى أَهْلِهِ، وَلَزِمَ النَّاسُ الْمَعْقُولَ، مِنْ كُفْرِ الْمَرِيسِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَالْمُسْتَحِيلَاتِ مِنْ تفاسيرهم، فقد عرضنَا كَلَامهم عل الْكتاب وَالسّنة فأخطأوا فِي أَكْثَرِهَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَلَمْ يُصِيبُوا السّنة.7

حَدثنَا1عبد الله صَالِحٍ الْمَصْرِيُّ2عَنِ الْهِقْلِ بْنِ زِيَادٍ3عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ4قَالَ: "مَا5رَأْيُ6امْرِئٍ فِي أَمْرٍ بَلَغَهُ7عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم إِلَّا اتِّبَاعه، ولولم يَكُنْ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ فِيهِ8أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا أَوْلَى فِيهِ بِالْحَقِّ مِنَّا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى9أَثْنَى عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُمْ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ 10، وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: بَلْ11نَعْرِضُهَا عَلَى رَأْيِنَا فِي الْكِتَابِ، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا صَدَّقْنَاهُ وَمَا خَالَفَهُ تَرَكْنَاهُ، وَتِلْكَ غَايَةُ كُلِّ مُحدِث فِي الْإِسْلَامِ: رَدُّ مَا خَالَفَ12رَأْيَهُ من السّنة.

وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ1لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ2: "لَا تُفْتِ النَّاسَ بِرَأْيِكَ، فَقَالَ الْحَسَنُ: "رَأْيُنَا لَهُمْ خَيْرٌ مِنْ آرَائِهِمْ3لِأَنْفُسِهِمْ"4.
وَكَيْفَ تَسْأَلُ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ بِشْرًا عَنِ التَّقْلِيدِ، وَهُوَ لَا يُقَلِّدُ دِينَهُ قَائِلَ الْقُرْآنِ وَمُنْزِلَهُ، وَلَا الرَّسُولَ الَّذِي جَاءَ بِهِ، حَتَّى عَارَضَهُمَا فِي صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ5وَكَلَامِهِ بِخِلَافِ مَا عَنَيَا وَفَسَّرَ عَلَيْهِمَا6بِرَأْيِهِ خِلَافَ مَا أَرَادَ7؟ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ: إِنِّي8سَأَلْتُ بِشْرًا9الْمَرِيسِيَّ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى10: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ 11 فَقَالَ بِشْرٌ: كَوْنُهُ كَمَا شَاءَ بِغَيْر "كن" أَو مَا وَجَدْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِيمَنْ رَأَيْتَ مِنَ الْمَشَايِخِ شَيْخًا أَرْشَدَ مِنْ بِشْرٍ وَأَعْلَمَ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ بِشْرٍ الَّذِي كَفَرَ بِرَبٍّ قَالَ قَوْلًا لِشَيْءٍ قَطُّ: كُنْ فَكَانَ؟، وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ الْمَعْرُوف

فِي كُلِّ مِصْرٍ: أَنَّ اللَّهَ1لَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلِمَةٍ قَطُّ2وَلَا يَتَكَلَّمُ بِهَا قَطُّ، فَسُؤَالُكَ بِشْرًا عَن هَذِه الْآيَة من بن الْمَشَايِخِ دَلِيلٌ مِنْكَ عَلَى الظِّنَّةِ3وَالرَّيْبَةِ الْقَدِيمَةِ، وَأَنَّكَ لَمْ تَسْأَلْهُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ ضَمِيرٍ مُتَقَدِّمٍ، أَفَلَا سَأَلْتَ عَنْهُ مَنْ أَدْرَكْتَ مِنَ الْمَشَايِخِ، مِثْلَ أَبِي عُبَيْدٍ4وَأَبِي نُعَيْمٍ5وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالسُّنَّةِ؟! ثُمَّ ادَّعَيْتَ أَنَّ بِشْرًا قَالَ: مَعْنَاهُ أَن يكون حَتَّى يَكُونَ، مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ يَقُولُ لَهُ: "كُنْ" وَلَكِنْ يُكَوِّنُهُ عَلَى مَا أَرَادَ.
ثُمَّ فَسَّرْتَ قَوْلَ بِشْرٍ هَذَا، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً مِنْ "كُنْ" وَلَكِنِ اللَّهُ كَوَّنَهَا عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ غَيْرِ كَيْفِيَّةٍ، وَلِلْكَلَامِ وُجُوهٌ بِزَعْمِكَ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: قَدِ افْتَرَيْتُمَا على اله جَمِيعًا فِيمَا تَأَوَّلْتُمَا مِنْ ذَلِكَ، وَجَحَدْتُمَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى6: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ 7 إِذِ ادَّعَيْتُمَا أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تكون بقوله: "كن" وَلَكِن

بِكَوْنِهِ1بِإِرَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ قَوْلِ: "كُنْ"2، وَهَذَا هُوَ الْجُحُودُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى3جَمَعَ فِيهِ الْقَوْلَ وَالْإِرَادَةَ، فَقَالَ: َ ﴿ِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ فَسَبَقَتِ الْإِرَادَةُ قَبْلَ4"كُنْ"، ثُمَّ قَالَ: "كُنْ" فَكَانَ بِقَوْلِهِ وَإِرَادَتِهِ جَمِيعًا: فَكَيْفِيَّةُ هَذَا كَمَا قَالَ أَصْدَقُ الصَّادِقِينَ إنَّهُ إِذَا قَالَ كُنْ فَكَانَ5، لَا مَا تَأَوَّلَهُ أَكْذَبُ الْكَاذِبِينَ6، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يَحْتَاجُ النَّاسُ فِيهَا إِلَى تَفْسِير7، وَلَا هِيَ من العويض8الَّذِي يَجْهَلُهَا الْعَوَامُّ9، فَكَيْفَ الْخَاصُّ مِنَ الْعُلَمَاءِ؟ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُشْكِلُ عَلَى رَجُلٍ رُزِقَ شَيْئًا مِنَ الْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ مِثْلَ الْمَرِيسِيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ رَبَّهِ، فَكَيْفَ يَعْرِفُ قَوْلَهُ؟ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْمَرِيسِيُّ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَنْ يُقِرُّوا بِهَذَا أَنَّهُمْ قَالُوا: مَتى أقررنا أَنا اللَّهَ قَالَ لِشَيْءٍ: كُنْ كَلَامًا مِنْهُ لَزِمَنَا10أَنْ نُقِرَّ بِالْقُرْآنِ والتوراة.11

وَالْإِنْجِيلِ1أَنَّهُ نَفْسُ كَلَامِهِ.
فَامْتَنَعُوا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ -فِي دَعْوَاهُمْ- لَمْ يَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْمُعَارِضِ بِسُؤَالِ بِشْرٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قَدِيمًا فِي شَبَابِهِ، وَقَدْ عَرَفَ مَذْهَبَ بِشْرٍ أَنَّهُ اضْطَمَرَ2هَذَا الرَّأْيَ فِي أَوَّلِ دَهْرِهِ وَلَيْسَ بِرَأْيٍ اسْتَحْدَثَهُ حَدِيثًا.
وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ3عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ: إِنَّ رَحْمَتِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، وَغَضَبِي كَلَامٌ، إِنَّمَا قَوْلِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ 4 أَنْ أَقُول لَهُ: كن فَيكون" 5.

ادَّعَى1هَذَا الْمُعَارِضُ أَيْضًا2فِي قَول الله تَعَالَى3لعيسى بن مَرْيَمَ4: "رُوحُ اللَّهِ وَكلِمَتُهُ"5 فَقَالَ: يَقُولُ أَهْلُ الْجُرْأَةِ فِي مَعْنَى "كَلِمَتُهُ": أَيْ بِكَلِمَتِهِ، وَإِنْ سُئلوا عَنِ الْمَخْرَجِ مِنْهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَتَأَوَّلُوا عَلَى اللَّهِ بِرَأْيِهِمْ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: أوَ يَحْتَاجُ فِي هَذَا إِلَى تَفْسِيرٍ وَمَخْرَجٍ؟ قد عقل

تَفْسِيرَهُ عَامَّةُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ: أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ1: "كُنْ فَيَكُونُ"2، وَمَتَى3لَا يَقُولُ لَهُ: كُنْ، لَا يَكُونُ، فَإِذَا قَالَ: "كُنْ" كَانَ، فَهَذَا الْمَخْرَجُ مِنْ أَنَّهُ كَانَ بِإِرَادَتِهِ وَبِكَلِمَتِهِ لَا أَنَّهُ نَفْسُ الْكَلِمَةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ، وَلَكِنْ بِالْكَلِمَةِ كَانَ، فَالْكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ "كُنْ" غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَالْكَائِنُ بِهَا مَخْلُوقٌ.
وَقَوْلُ اللَّهِ فِي عِيسَى4"رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ"5 فَبَيْنَ الرُّوحِ وَالْكَلِمَةِ فَرْقٌ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الرُّوحَ الَّذِي نَفَخَ فِيهَا6مَخْلُوقٌ امْتَزَجَ بِخَلْقِهِ، وَالْكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لَمْ تَمْتَزِجْ بِعِيسَى، وَلَكِنْ كَانَ بِهَا، وَإِنْ كَرِهَ لِأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ أَمْرٌ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قُلْنَا، لَا عَلَى مَا ادَّعَيْتَ عَلَيْنَا مِنَ الْكَذِبِ وَالْأَبَاطِيلِ.

فصول الكتاب · 87 فصل · 1008 صفحة
فصول نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيد · 1008 صفحة
مُقَدّمَة المشرف على التَّحْقِيق:مُقَدّمَة الْكتاب:المبحث الأول: عصره السياسي والعلميالمبحث الثَّانِي: حَيَاتهالمبحث الأول: عصره السياسي والعلميالمبحث الثَّانِي: حَيَاة المريسيتَنْبِيه:المبحث الأول: عصره السياسي والعلميالمبحث الثَّانِي: حَيَاة ابْن الثَّلْجِيالْفَصْل الأول: التَّعْرِيف بِالْكتابالْفَصْل الثَّانِي: التَّعْرِيف بالمخطوطةالْجُزْء الأول:سَبَب تأليف الْكتاب:بَيَان مَا افْتتح بِهِ الْمعَارض كِتَابه ومناقشته فِي ذَلِك:بَابُ الْإِيمَانِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَأَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ:بَابٌ: وَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِبَابُ النُّزُولِ:بَابُ الْحَدِّ وَالْعَرْشِ:
نقل الْمعَارض عَن المريسي تَأْوِيل الْيَدَيْنِ وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
السَّمْعُ وَالْبَصَرُتَأْوِيل المريسي إتْيَان الله ومجيئه وَالرَّدّ عَلَيْهِ:تَأْوِيل المريسي لِمَعْنى "الْحَيّ القيوم" وَالرَّدّ عَلَيْهِ:الرُّؤْيَةُأَصَابِعُ الرَّحْمَنِإِنْكَار المريسي حَدِيث الصُّورَة وَالرَّدّ عَلَيْهِ:تَأْوِيل الْمعَارض لصفة الْقدَم وَالرَّدّ عَلَيْهِ:الْجُزْء الثَّانِيبَابُ: مَا جَاءَ فِي الْعَرْشِدَعْوَى المريسي تَنْزِيه الله عَن المشابهة ومناقشته فِي ذَلِك:ابْتِدَاء الْمعَارض فِي نقل حكايات ابْن الثَّلْجِي:حكايات الْمعَارض قَول ابْن الثَّلْجِي فِي الْفَوْقِيَّة وَالْعرض وَالرَّدّ عَلَيْهِ:قَول الْمعَارض فِي الْبَيْنُونَة والموضع ومناقشتهنقُول الثلجي فِي تَفْسِير الاسْتوَاء وَالرَّدّ عَلَيْهِنقل الْمُؤلف الْآثَار الْوَارِدَة فِي الْعَرْش وَحَمَلته:دَعْوَى الْمعَارض فِي المُرَاد بصفتي الْكَلَام وَالْعلم وَالرَّدّ عَلَيْهِ:قَول الْمعَارض فِي السُّؤَال عَن الله بأين وَالرَّدّ عَلَيْهِ:دفع الْمعَارض لصفة النُّزُول وَالرَّدّ عَلَيْهِ:عود لمناقشة الْمعَارض فِي السُّؤَال عَن الله بأين وَمَا ورد فِي ذَلِك:
الْقَوْلُ فِي كَلَامِ اللَّهِ
نقل الْمُؤلف أَقْوَال السّلف فِي أَن الْقُرْآن غير مَخْلُوق:نقل الْمُؤلف أَقْوَال السّلف فِي الحكم على الْجَهْمِية والزنادقةمدْخلالذَّبُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُالذَّبُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَدفاع الْمُؤلف عَن عَامَّة الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم:مَا تقوم بِهِ الْحجَّة من الْآثَار عِنْد الْمعَارض:احتجاج الْمعَارض فِي رد الْآثَار وكراهية طلبَهَا:عود الْمعَارض إِلَى إِنْكَار الْمَجِيء:دَعْوَى الْمعَارض أَن الزَّنَادِقَة وَضَعُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ روجوها على أهل الحَدِيث:تَأْوِيل الْمعَارض لحَدِيث: "الْإِيمَان يمَان"دَعْوَى الْمعَارض التَّشْبِيه من بعض الْمُحدثين:تشنيع الْمعَارض بِذكر الْجوف:تَأْوِيل الْمعَارض للآثار الْوَارِدَة فِي الْيَدَيْنِ:النَّقْضُ عَلَى مَا ادَّعاه الْمُعَارِضُ فِي الْوَجْهِإِيرَاد الْمعَارض حَدِيث "دخلت على رَبِّي" ومناقشته:إِيرَاد الْمعَارض لحَدِيث اختصام الْمَلأ الْأَعْلَى ومناقشته:تَأْوِيل الْمعَارض لأحاديث الْقرب وَالرَّدّ عَلَيْهِ:الْحُجُبُ الَّتِي احْتَجَبَ اللَّهُ بِهَا عَنْ خَلْقِهِبَابُ: إِثْبَاتِ الضَّحِكِبَيَان الْمُؤلف تنَاقض الْمعَارض واضطرابه:مناقشة الْمُؤلف للمعارض فِي تَفْسِيره حَدِيث الأطيط:نقض الْمُؤلف على الْمعَارض رِوَايَته حَدِيث الاستلقاء وَتَفْسِيره لَهُدَعْوَى الْمعَارض فِي تَفْسِير الْجنب وَالرَّدّ عَلَيْهِ:نقض الْمُؤلف على الْمعَارض تَفْسِيره للرؤية:نقض الْمُؤلف على الْمعَارض تَأْوِيله صفة الْعين:تغيظ الْمعَارض وتهكمه بِمن قَالَ: أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ:اسْتِدْلَال الْمعَارض على التَّوْحِيد بالمعقول ومناقشته:دَعْوَى الْمعَارض ثَانِيَة أَن أَسمَاء الله محدثة:تشنيع الْمعَارض بِذكر "الضَّمِير" لنفي صفة "النَّفس" وَالرَّدّ عَلَيْهِ:تَحْقِيق الْمُؤلف أَن اللَّفْظ يصرف إِلَى الْمَعْنى الْأَغْلَب لَا الأغرب إِلَّا بقرينه:تَأْوِيل الْمعَارض للصفات الفعلية وأدلتها:افْتِضَاحُ الْمُعَارِضِ بِتَصْرِيحِهِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ:تَقْرِير الْمُؤلف أَنه لم ير كِتَابًا أَجْمَعَ لِحُجَجِ الْجَهْمِيَّةِ مِنْ كتاب الْمعَارض:تَقْرِير الْمُؤلف أَن التجهم زندقة وَنَقله أَقْوَال الْعلمَاء فيهم:خَاتِمَة:الفهارسفهرس الْآيَات القرآنية:فهرس الْأَحَادِيث والْآثَار:فهرس الْكَلِمَات الغريبة:فهرس المصطلحاتفهرس الْفرق والأديان:فهرس الْأَشْعَار والأمثال:فهرس أَسمَاء الْكتب:فهرس اللُّغَات والقبائل والبلدان والمدارس:فهرس الْأَعْلَام والمترجم لَهُمفهرس المصادرفهرس الموضوعات
عن المتن
نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عز وجل من التوحيد
تأليف عثمان بن سعيد الدارمي
الطبعة الأولى 1418هـ - 1998م
تقدّمك في الكتاب: احتجاج الْمعَارض فِي رد الْآثَار وكراهية طلبَهَا: — 49 من 89
جارٍ التحميل