سَبَب تأليف الْكتاب:
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ عَارَضَ مَذَاهِبَنَا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ1مِمَّنْ بَين سَبَب تأليف الْكتاب
ظَهْرَيْكُمْ مُعَارِضٌ1وَانْتَدَبَ لَنَا مِنْهُمْ مُنَاقض ينقص مَا رَوَيْنَا فِيهِمْ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى أَصْحَابِهِ2بِتَفَاسِيرِ الْمُضِلِّ الْمَرِيسِيِّ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ3الْجَهْمِيِّ.
فَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ لَنَا فِي ذَلِكَ اعْتِمَادُ4هَذَا الْمُعَارِضِ عَلَى كَلَام
بشر إِذْ كَانَ مَشْهُور عِنْدَ الْعَامَّةِ بِأَقْبَحِ الذِّكْرِ مُفْتَضَحًا بِضَلَالَاتِهِ فِي كُلِّ مِصْرٍ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْوَنَ لَنَا عَلَى الْمُعَارِضِ عِنْدَ الْخَلْقِ، وَأَنْجَعَ1فِي قُلُوبِهِمْ لِقَبُولِ الْحَقِّ وَمَوَاضِعِ الصِّدْقِ.
وَلَوْ قَدْ كَنَّى فِيهَا عَنْ بِشْرٍ كَانَ جَدِيرًا أَنْ يَنْفُذَ2عَلَيْهِمْ بَعْضهَا فِي خَفَاءٍ3وَسِتْرٍ، وَلَمْ يَفْطُنْ لَهُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا كُلُّ مَنْ تَبَصَّرَ، غَيْرَ أَنَّهُ أَفْصَحَ بِاسْمِ الْمَرِيسِيِّ وَصَرَّحَ، وَحَقَّقَ عَلَى نَفسه بن الظَّنِّ وَصَحَّحَ، وَلَمْ يَنْظُرْ لِنَفْسِهِ وَلَا لأهل بِلَاده وَلم تنصح، فَحَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الْخَيْبَةِ وَالْحِرْمَانِ، وَفَضْحِهِ4فِي الْكُوَرِ5وَالْبُلْدَانِ، أَنْ يَكُونَ إِمَامَهُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى6بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيُّ، الْمُلْحِدُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْمُفْتَرِي7 الْمُعَطل8 لصفات ربه الجهمي.
أَنْشَأَ هَذَا الْمُعَارِضُ يَحْكِي فِي كِتَابٍ لَهُ عَنِ الْمَرِيسِيِّ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّلَالِ وَشَنِيعِ1الْمَقَالِ وَالْحُجَجِ الْمِحَالِ، مَا لَمْ يَكُنْ بِكُلِّ ذَلِكَ نَعْرِفُهُ، وَنَصِفُهُ فِيهِ بِرَثَاثَةِ مُنَاقَضَةِ الْحُجَجِ، مَا لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ2أَنْ يَصِفَهُ، فَتَجَافَيْنَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مُنَاقَضَةِ الْمُعَارِضِ وَقَصَدْنَا قَصْدَ الْمَرِيسِيِّ الْعَاثِرِ3فِي قَوْلِهِ الدَّاحِضِ4، لَمَّا أَنَّهُ أَمْكَنُ فِي الْحِجَاجِ مِنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَفْطِنْ لِغَوْرِ5مَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ من الْكَلَام،.........................................
الْمُدَلَّسِ1الْمَنْقُوضِ، وَالْكُفْرِ الْوَاضِحِ الْمَرْفُوضِ.
وَكَيْفَ يَهْتَدِي بِشْرٌ لِلتَّوْحِيدِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَكَانَ وَاحِدِهِ2وَلَا هُوَ بِزَعْمِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِوَاجِدِهِ، فَهُوَ إِلَى التَّعْطِيلِ3أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى التَّوْحِيدِ وَوَاحِدُهُ بِالْمَعْدُومِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْمَوْجُودِ.
وَسَنُعَبِّرُ لَكُمْ عَنْهُ مِنْ نَفْسِ كَلَامِهِ مَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْجُحُودِ4بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْمَجِيدِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ.
وَلَوْلَا مَا بَدَأَكُمْ هَذَا الْمُعَارِضُ بِإِذَاعَةِ ضَلَالَاتِ الْمَرِيسِيِّ وَبَثِّهَا فِيكُمْ، مَا اشْتَغَلْنَا بِذِكْرِ كَلَامِهِ، مَخَافَةَ أَنْ يَعْلَقَ بَعْضُ كَلَامِهِ بِقُلُوبِ بَعْضِ5الْجُهَّالِ، فَيُلْقِيهِمْ فِي شَكٍّ مِنْ خَالِقِهِمْ وَفِي ضَلَالٍ، أَوْ أَنْ يَدعُوهُم إِلَى تَأْوِيله6
الْمُحَالِ؛ لِأَنَّ جُلَّ1كَلَامِهِ تَنَقُّصٌ وَوَقِيعَةٌ فِي الرَّبِّ، وَاسْتِخْفَافٌ بِجَلَالِهِ وَسَبٌّ، وَفِي التَّنَازُعِ فِيهِ يُتَخَوَّفُ الْكُفْرُ وَيُرْهَبُ.
وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ2رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ3: "لَأَنْ أَحْكِيَ كَلَامَ الْيَهُودِ4،...........................
وَالنَّصَارَى1أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أحكي كَلَام الْجَهْمِية"2.
حَدثنَا1الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ2قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ3بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.4
فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَرِهْنَا الْخَوْضَ فِيهِ، وَإِذَاعَةَ نَقَائِصِهِ5حَتَّى أَذَاعَهَا الْمُعَارِضُ فِيكُمْ، وَبَثَّهَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَخَشِينَا أَلَّا يَسَعَنَا إِلَّا الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ بَثَّهَا، وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا، مُنَافَحَةً6عَنِ اللَّهِ، وَتَثْبِيتًا لِصِفَاتِهِ الْعُلَى7وَلِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَدَعَا إِلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى، وَمُحَامَاةً عَنْ ضُعَفَاءِ النَّاسِ وَأَهْلِ الْغَفْلَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصبيان أَن يضلوا بهَا، ويفتنوا8إِذْ بَثَّهَا فِيهِمْ رَجُلٌ كَانَ يُشِيرُ9بَعْضُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ فِقْهٍ وَبَصَرٍ، وَلَا يَفْطنُون لعثراته إِذْ هُوَ عَثَرَ10، فَيَكُونُوا مِنْ أَخَوَاتِهَا مِنْهُ على حذر.