بَيَان الْمُؤلف تنَاقض الْمعَارض واضطرابه:
أوَ لم تَقُلْ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ1هَذَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُقاس بِالنَّاسِ، وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَهَّمَ فِي صِفَاتِهِ مَا يَعْقِلُهُ مِنْ نَفْسِهِ؟ وَأَنْتَ تَقِيسُهُ فِي ضَحِكِهِ
بِالزَّرْعِ1وَتَتَوَهَّمُ فِيهِ مَا يُتَوَهَّمُ بِالزَّرْعِ.
وادَّعيت أَيْضًا فِي صَدْرِ كِتَابِكَ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى2اجْتِهَادُ الرَّأْيِ، وَأَنْتَ تَجْتَهِدُ فِيهَا3أَقْبَحَ الرَّأْيِ، حَتَّى مِنْ قَبَاحَةِ اجْتِهَادِكَ تَتَخَطَّى بِهِ الْحَقَّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَالصَّوَاب إِلَى الْخَطَأ، أوَ لم تَذْكُرْ فِي كِتَابِكَ أَنَّهُ لَا يحْتَمل فِي التويحد إِلَّا الصَّوَابُ فَقَطْ؟ فَكَيْفَ تَخُوضُ فِيهِ بِمَا لَا تَدْرِي؟ أَمُصِيبٌ أَنْتَ أَمْ مُخْطِئٌ؟ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا نرَاك تفسرالتوحيد بِالظَّنِّ، وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَهُوَ قَوْلُكَ: يَحْتَمِلُ4فِي تَفْسِيرِهِ كَذَا، وَيَحْتَمِلُ كَذَا تَفْسِيرًا5وَيَحْتَمِلُ فِي صِفَاتِهِ كَذَا، وَيَحْتَمِلُ خِلَافَ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ فِي كَلَامِهِ كَذَا وَكَذَا.
وَالِاحْتِمَالُ ظَنٌّ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ يَقِينٍ، وَرَأْيٌ غَيْرُ مُبِينٍ، حَتَّى تَدَّعِيَ لِلَّهِ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ أَلْوَانًا كَثِيرَةً وَوُجُوهًا كَثِيرَةً6أَنَّهُ يَحْتَمِلُهَا7لَا تَقِفُ عَلَى الصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ فَتَخْتَارَهُ، فَكَيْفَ تَنْدُبُ النَّاسَ إِلَى صَوَابِ التَّوْحِيدِ، وَأَنت دائب تجْهَل8صِفَاته
وَأَنْتَ1تَقِيسُهَا بِمَا لَيْسَ عِنْدَكَ بِيَقِينٍ2؟ ولكنَّا نَظُنُّكَ تَقُولُ الشَّيْءَ فَتَنْسَاهُ، حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكَ فِيهِ مَا يَأْخُذُ بِحَلْقِكَ أَوْ يَكْظِمُكَ.3
وَالْعَجَبُ مِنْ رَجُلٍ يَدَّعِي عَلَى قَوْمٍ زُورًا وَكَذِبًا أَنَّهُمْ يُشَبِّهُونَ اللَّهَ بَآدَمَ4فِي صُورَتِهِ، فَتَدَّعِي عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ كُفْرًا5وَهُوَ يُشَبِّهُهُ فِي يَدِهِ بِأَقْطَعَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَفِي بَصَرِهِ بِأَعْمَى، وَفِي سَمْعِهِ بِأَصَمَّ، وَفِي وَجْهِهِ بِوَجْهِ الْقبْلَة وَوجه الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَفِي كَلَامِهِ بِأَبْكَمَ، حَتَّى تَتَوَهَّمَ فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ كَكَلَامِ6الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ، وَفِي ضَحِكِهِ بِالزَّرْعِ الْأَخْضَرِ.
فَكَيْفَ تُجِيزُ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَجْحَدُهُ عَلَى غَيْرِكَ؟ لَقَدِ احْتَظَرْتَ7وَاسِعًا، وَكلما8احْتَجَجْتَ لِمَذْهَبِكَ مِنْ بَاطِلٍ احْتُمِلَ، وَمَا
احتجَّ عَلَيْكَ1غَيْرُكَ فِيهِ مِنْ حَقٍّ بَطُلَ2؟ رُوَيْدَكَ بِالْقَضَاءِ فَلَا تَعْجَلْ، فَتَزِلَّ قَدَمُكَ، وَتَسْتَجْهِلَ، وَتَفْتَضِحَ بِهَا عِنْدَ مَنْ عَقِلَ.
وَلَئِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَهْمِيَّةِ3مِنَ الْحُجَجِ إِلَّا مَا حَكَيْتَ عَنْهُمْ مِنْ هَذِهِ الْعَمَايَاتِ الْمُسْتَشْنَعَةِ، وَالتَّفَاسِيرِ الْمَقْلُوبَةِ مَا أَسْدَيْتَ إِلَيْهِمْ بِذِكْرِهَا نَصِيحَةً، وَقَدْ زِدْتَهُمْ بِهَا فَضِيحَةً عَلَى فَضِيحَةٍ4، إِذْ تُضِيفُ5إِلَيْهِمْ هَذِهِ الشنائع6القبيحة، فكشف عَنْهُمُ الْغِطَاءَ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمْ هينمة7فِي خَفَاء.