مناقشة الْمُؤلف للمعارض فِي تَفْسِيره حَدِيث الأطيط:
وَرَوَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ1: أَنَّهُ قَدْ مَلَأَ الْعَرْشَ حَتَّى إِنَّ لَهُ أَطِيطًا كَأَطِيطِ الرَّحْلِ، ثُمَّ فسَّر قَوْلَ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَدْ مَلَأَهُ آلَاءً وَنِعَمًا2حَتَّى إِنَّ لَهُ أَطِيطًا، لَا عَلَى تَحْمِيلِ جِسْمٍ، فَقَدْ حَمَّلَ اللَّهُ السَّمَوَات وَالْأَرْض
وَالْجِبَالَ الْأَمَانَةَ، فأبيِّن أَنْ يَحْمِلْنَهَا؛ وَالْأَمَانَةُ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ، فَكَذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَا وَصَفَ عَلَى الْعَرْشِ.
فيُقال لِهَذَا الْمُعَارِضِ: لَجْلَجْتَ ولبَّست حَتَّى صَرَّحْتَ بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ، إِنَّمَا عَلَيْهِ آلَاؤُهُ وَنَعْمَاؤُهُ، فَلَمْ يبقَ مِنْ إِنْكَارِ الْعَرْشِ غَايَةٌ بَعْدَ هَذَا التَّفْسِيرِ، وَيْلَكَ! فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَرْشِ بِزَعْمِكَ إِلَّا آلَاؤُهُ وَنَعْمَاؤُهُ وَأَمْرُهُ1فَمَا بَالُ الْعَرْشِ يَتَأَطَّطُ2مِنَ الْآلَاءِ3وَالنَّعْمَاءِ؟ لَكَأَنَّهَا عِنْدَكَ أَعْكَامُ4الْحِجَارَةِ وَالصُّخُورِ وَالْحَدِيدِ فَيَتَأَطَّطُ5مِنْهَا الْعَرْشُ ثِقلًا إِنَّمَا الْآلَاءُ طَبَائِعُ أَوْ صَنَائِعُ لَيْسَ لَهَا ثِقَلٌ، وَلَا أَجْسَامٌ يَتَأَطَّطُ مِنْهَا الْعَرْشُ6، مَعَ أَنَّكَ قَدْ جَحَدْتَ فِي تَأْوِيلِكَ هَذَا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَرْشِ شَيْءٌ مِنَ اللَّهِ، وَلَا مِنْ تِلْكَ الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ، إِذْ شَبَّهْتَهَا بِمَا حَمَّلَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ مِنَ الْأَمَانَةِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا، فَقَدْ أَقْرَرْتَ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ شَيْءٌ7؛ لأنَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال إِذا
أبيّنَ أَنْ يحملَّن الْأَمَانَةَ لَمْ يُحَمِّلْهُنَّ اللَّهُ شَيْئًا؛ بَلْ تَرَكَهُنَّ خُلْوًا مِنْ تِلْكَ الْأَمَانَةِ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ، إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا.1
فَفِي دَعْوَاكَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ شَيْءٌ2مِنْ تِلْكَ الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ الَّتِي ادَّعيت، كَمَا لَيْسَ عَلَى السَّمَوَاتِ3وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالُ خُلْوٌ مِنَ الْأَمَانَةِ، كَذَلِكَ الْعَرْشُ عِنْدَكَ خُلْوٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِ.
فَانْظُرْ أَيُّهَا الْجَاهِلُ أَنْ تُورِدَكَ4هَذِهِ التَّفَاسِيرُ مِنَ الْمَهَالِكِ، وَمَاذَا تَجُرُّ5إِلَيْهِ مِنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ، فَتَشْهَدُ6عَلَيْكَ بِأَقْبَحِ الْمُحَالِ، وَلَمْ تَتَأَوَّلْ فِي الْعَرْشِ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ تَأْوِيلًا أَفْحَشَ وَلَا أَبْعَدَ مِنَ الْحق من هَذَا.