الْجُزْء الثَّانِي
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ1وَيَحْيَى الْحِمَّانِيُّ2، عَنْ وَكِيعٍ3، عَنْ سُفْيَانَ4، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ5، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ6، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَير7، عَن
ابْنِ عَبَّاسٍ1قَالَ: الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُهُ إِلَّا الله "عز وَجل"2.
فَهَذَا الَّذِي عَرَفْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحًا مَشْهُورًا.
فَمَا بَالُكَ تَحِيدُ عَنِ الْمَشْهُورِ الْمَنْصُوصِ مِنْ قَوْله وتتعلق بالمغمور1مِنْهُ، المتلبس2الَّذِي يتَحَمَّل الْمعَانِي.
وَكَيف تَدعِي أَنَّهَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يُلْقِيَ اللَّهُ فِيهَا الْأَشْقِيَاءَ الَّذِينَ هُمْ قَدَمُ الْجَبَّارِ عِنْدَكَ، فَتَمْتَلِئَ بِهِمْ فِي دَعْوَاكَ؟ وَهل استزادت بَعْدَ ذَلِكَ.
أَفَيُلْقِيهُمْ فِيهَا ثَانِيَةً، وَقَدْ أَلْقَاهُمْ فِيهَا قَبْلُ، فَلَمْ تَمْتَلِئْ؟ كَأَنَّهُ فِي دَعْوَاكَ حَبَسَ عَنْهَا الْأَشْقِيَاءَ، وَأَلْقَى فِيهَا السُّعَدَاءَ، فَلَمَّا اسْتَزَادَتْ أَلْقَى فِيهَا الْأَشْقِيَاءَ بَعْدُ، حَتَّى مَلَأَهَا.
لَوِ ادَّعَى هَذَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْ حَرْفًا مِنَ الْقُرْآنِ مَا زَادَ.
ثُمَّ رَدَدْتَ الْحَدِيثَ بَعْدَمَا أَقْرَرْتَ بِهِ أَنَّهُ حَقٌّ فَقُلْتَ: يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشَبِّهَةِ: أَلَيْسَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الله يخلف وعده كَافِر.
فَإِن قَالُوا: نعم، فَقيل لَهُمْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ جَهَنَّمَ تَمْتَلِئُ مِنْ غَيْرِ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ3فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى.4...................................
قَالَ: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ 1.
وَيْلَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ! إِنَّمَا أَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ2مَنْ أَنْزَلَ الَّتِي فِي "ق" ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ 3 وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ لِمُمْتَلِئٍ: اسْتَزَادَ، كَمَا يَمْتَلِئُ الرَّجُلُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَيَقُولُ: قَدِ امْتَلَأْتُ وَشَبِعْتُ وَهُوَ يَقْدِرُ أَنْ يَزْدَادَ، كَمَا يُقَالُ: امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ مِنَ النَّاسِ، وَفِيهِ فَضْلٌ وَسَعَةٌ لِلرِّجَالِ بَعْدُ، وَامْتَلَأَ الْوَادِي مَاءً وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَخْرُجُ الْمَهْدِيُّ فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا" 4 وَفِي الْأَرْضِ سَعَةٌ بَعْدُ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الظُّلْمِ، وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْقِسْطِ فَتَمْتَلِئُ جَهَنَّمُ بِمَا5يلقى
فِيهَا مِمَّا وَعَدَهَا مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ.
فَتَقُولُ1: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ لِفَضْلٍ فِيهَا غَضَبًا لِلَّهِ2عَلَى الْكفَّار، حَتَّى يفعل بِهَا مَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا شَاءَ3وَكَمَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ4عَلَيْهِ وَسَلَّمَ5، فَحِينَئِذٍ تَقُولُ: "حَسْبِي، حَسْبِي" 6. وَكَيْفَ يَسْتَحِيلُ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ مَا وَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَضْعِ الْقَدَمِ فِي جَهَنَّمَ؟ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ بِكَمَالِهِ فِي جَهَنَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمْلَأَهَا، وَبَعْدَمَا مَلَأَهَا؛ لِأَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، فَجَهَنَّمُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمْكِنَةِ، فَأَنْتَ أَوَّلُ مَنْ كَذَّبَ بِالْآيَةِ إِذْ تَدَّعِي أَنَّ جَهَنَّمَ مُمْتَلِئَةٌ مِنَ الْجَبَّارِ، تَبَارَكَ وَتَعالَى عَزَّ وَجَلَّ عَنْ وَصْفِكَ.7
ثُمَّ ادَّعَيْتَ أَنَّ مَنْ تَأَوَّلَ فِي هَذَا قَدَمَ الْجَبَّارِ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ مِنَ الْجِنَّةِ
وَالنَّاسِ وَمَنْ تَبِعَ1إِبْلِيسَ.
إِذْ رعم أَنَّ شَيْئًا مِنْهُ يَدْخُلُ جَهَنَّمَ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ 2.
فَيُقَالُ لَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ: فَأَنْتَ أَوَّلُ مَنْ جَعَلْتَهُ3مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ وَمَنْ تَبِعَ4إِبْلِيسَ، إِذْ تزْعم أَنَّهُ لَا تَخْلُو مِنْهُ جَهَنَّمُ5وَلا شَيْءٌ مِنَ الأَمْكِنَةِ، أَفَبَعْضٌ أوحش أَمْ كُلٌّ؟.
وَيْلَكَ! إِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ 6 الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ.
وَلَهَا خَزَنَةٌ يَدْخُلُونَهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ، غَيْرُ مُعَذَّبِينَ بِهَا، وَفِيهَا كِلَابٌ وَحَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ وَقَالَ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَلَا يدْفع هَذِه الْآيَة قَوْلُهُ: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ 8 كَمَا لَا يَدْفَعُ هَذِهِ الْآيَةَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَضَعُ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ" 9 فَإِذَا كَانَتْ جَهَنَّمُ لَا تَضُرُّ الْخَزَنَةَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَهَا وَيَقُومُونَ عَلَيْهَا، فَكيف تضر الَّذِي10سخرها
لَهُمْ1فَإِنْ أَنْتَ أَقْرَرْتَ بِالْخَزَنَةِ وَمَلَائِكَةِ الْعَذَابِ وَمَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ كَفَرْتَ فِي دَعْوَاكَ؛ لِأَنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ مَنِ ادَّعَى أَنَّ جَهَنَّمَ تَمْتَلِئُ مِنْ غَيْرِ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ فَقَدْ كَفَرَ. وَهَذِهِ الْآثَارُ الَّتِي رُوِيَتْ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي ذِكْرِ الْقَدَمِ مِمَّا أَنْتَ مُصَدِّقٌ مُحَقِّقٌ.2
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَصْرِيُّ3، ثَنَا أَبَانُ4، عَنْ قَتَادَةَ5، عَنْ أَنَسٍ6رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ7قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، فَيُدْلِي فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ 8 فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بعض.
فَتَقول: قطّ بعزتك، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فِيهَا" 1.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ2، ثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ3- عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ4، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ5، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ6رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "افْتَخَرَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: يارب يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُلُوكُ وَالْأَشْرَافُ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: يَدْخُلُنِي الْفُقَرَاءُ وَالضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ.
فَقَالَ اللَّهُ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي وَسِعْتِ كُلَّ شَيْءٍ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا 7 فَأَمَّا النَّارُ فَيُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى يأيتها فَيَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهَا.
وَتَقُولُ: قَدِي قدي 8...........................
ثَلَاثًا" 1.
وَقَرَأْتُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ الْهَيْثَمِ الْمُؤَذِّنِ2أَنَّ عَوْفَ بْنَ أَبِي جَمِيلَةَ الْأَعْرَابِيَّ3، حَدَّثَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ4، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ5قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، وَقَالَت النَّارُ 6: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجنَّة: مَالِي لَا يدخلني إِلَّا سفلَة
النَّاسِ وَسِقَاطُهُمْ1؟ -أَوْ كَمَا قَالَتْ- فَقَالَ لَهُمَا: قَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أُسْكِنُكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ خَلْقِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا 2.
وَأَمَّا جَهَنَّمُ فَإِنَّهَا لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ قَدَمَهُ فِيهَا فَيَنْزَوِيَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ قَدِ قَدِ قَدِ 3 وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ الله ينشئ لَهَا مَا من خلقه" 4.
فَأخْبرنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ1، أَنَّ عَوْفًا2حَدَّثَهُ بِذَلِكَ كَمَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ3، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ صَالِحٍ4، حَدَّثَهُ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ5أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَطْوِي الْمَظَالِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَجْعَلُهَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَجْرِ الْأَجِيرِ، وَعَقْرِ الْبَهِيمَةِ وَفَضِّ خَاتَمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ" 6 يُرِيدُ افْتِضَاضَ الْأَبْكَارَ.
فَانْظُرْ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ فِي أَلْفَاظِ مَا رَوَيْتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَقْرَرْتَ بِأَنَّهُ قَالَهُ هَلْ تَحْتَمِلُ7أَلْفَاظُهُ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ8؟.