الْقَوْلُ فِي كَلَامِ اللَّهِ
السَّبِيلِ وَجَهِلُوا فِيهِ مَذَاهِبَ1أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْبَصَرِ بِالْعَرَبِيَّةِ.
فَقُلْنَا لَهُمْ: مَا ذَنْبُنَا إِنْ كَانَ اللَّهُ سَلَبَ مِنْكُمْ مَعْرِفَةَ الْكِتَابِ وَالْعِلْمِ بِهِ وَبِمَعَانِيهِ، وَبِمَعْرِفَةِ لُغَاتِ الْعَرَبِ، حَتَّى ادَّعَيْتُمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُقَالُ2: "جَعَلْناهُ" فَهُوَ خَلَقْنَاهُ.
أَرَأَيْتُمْ أَيُّهَا الْجَهَلَةُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ 3 أَهُوَ خَلَقْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ؟ وَكَذَلِكَ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ 4 -لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- أَهُوَ خَلَقَهَا؟، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ 5، وَ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ 6 أَهُوَ يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا7؟ أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَة﴾ 8 أَهُوَ خَلَقْنَا؟ أَمْ قَوْلُهُ: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ، لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَة﴾ 9 أم قَوْله: ﴿وَلَا
تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا﴾ 1، وَأم قَوْلُهُ: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ 2 أَهُوَ فِي دَعْوَاكُمْ لَا تَخْلُقْنَا3، بِعَدَمِا خَلْقِهِمْ مَرَّةً؟، أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ 6 أَيِ اخْلُقْنَا؟! أَمْ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين﴾ 7، بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ؟! أَمْ قَوْلُهُ: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ 8، أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ 9، أَمْ قَوْلُهُ10: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ 11 أَمْ قَوْلُهُ: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ 12 أَهُوَ اخْلُقْنِي13وَقَدْ فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ؟، أَمْ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ:
جَعَلَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ؟.
وَكُلُّ مَا عَدَدْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَمَا شبهها1مِمَّا2لَمْ يُعَدَّدْ3، يَسْتَحِيلُ4أَنْ يَصْرِفَ جَعَلْنَا مِنْهَا إِلَى خَلَقْنَا.5
وأشدها اسْتِحَالَة: مَا ادعيتم بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى6فِي قَوْله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ 7 أَنَّهُ خَلَقْنَاهُ8فَلَمْ تَفْقَهُوا9مَعْنَاهُ مِنْ قِلَّةِ عِلْمِكُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَيْلَكُمْ! إِنَّمَا الْكَلَامُ لِلَّهِ بَدْءًا وَأَخِيرًا10، وَهُوَ يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ كُلَّهَا وَيَتَكَلَّمُ بِمَا شَاءَ مِنْهَا: إِنْ شَاءَ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ شَاءَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ11وَإِن شَاءَ
بالسُّرْيَانيَّة1، فَقَالَ: جعلت هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ كَلَامِي عَرَبِيًّا2، وَجَعَلْتُ التواره3وَالْإِنْجِيل.4..............................
مِنْ كَلَامِي عِبْرَانِيًّا1، لَمَّا أَنَّهُ أَرْسَلَ كُلَّ رَسُولٍ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، كَمَا قَالَ: فَجَعَلَ كَلَامَهُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ لَهُ كَلَامًا لِكُلِّ قَوْمٍ بِلُغَاتِهِمْ فِي أَلْسِنَتِهِمْ.2
فَقَوْلُهُ: "جَعَلْنَاهُ" صَرَفْنَاهُ مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَة أُخْرَى3لَيْسَ أَنا
خَلَقْنَاهُ1خَلْقًا بَعْدَ خَلْقٍ فِي دَعْوَاكُمْ، فَهُوَ مَعَ تَصَرُّفِهِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ 2 يَقُولُ: تَسْتَنِيرُ بِهِ الْقُلُوبُ وَتَنْشَرِحُ لَهُ.
لَا أَنَّهُ نُورٌ مَخْلُوقٌ، لَهُ ضَوْءٌ قَائِمٌ، يُرَى بِالْأَعْيُنِ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ.
فَافْهَمْهُ، وَلَا أَرَاكَ تَفْهَمُهُ.
وَاحْتَجَّ الْمُعَارِضُ أَيْضًا لِتَحْقِيقِ قَوْلِهِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عيله وَسَلَّمَ: "يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ 3 شَفِيعًا لِصَاحِبِهِ" 4.
فَقَالَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ: إِنْ قُلْتُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَ نقضا لِمَا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَاءَى شَيْءٌ فِي صُورَةٍ إِلَّا وَذَلِكَ الْمُتَرَائِي وَالْمُتَكَلِّمُ فِي قِيَاسِ مَذْهَبِهِ مَخْلُوقٌ.5
فَقَدْ فَسَّرْنَا هَذَا لِهَذَا الْمُعْجَبِ1بِجَهَالَتِهِ فِي كِتَابِنَا هَذَا أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ2لَيْسَ لَهُ صُورَةٌ، وَلَا جِسْمٌ، وَلَا يَتَحَوَّلُ صُورَةً أَبَدًا، لَهُ فَمٌ وَلِسَانٌ3ينْطق بِهِ ويشفع.
فقد عَقِلَ ذَلِكَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ.
فَلَمَّا كَانَ الْمَعْقُولُ4ذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ ثَوَابٌ يُصَوِّرُهُ اللَّهُ فِي أَعْيُنِ5الْمُؤْمِنِينَ، جَزَاءً لَهُمْ عَن الْقُرْآن الَّذِي قرأوه.
وَاتَّبَعُوا مَا فِيهِ، لِيُبَشِّرَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَنَفْسُ الْقُرْآنِ كَلَامٌ غَيْرُ مجسم فِي كل أَحْوَاله، إِنَّمَا يحسن بِهِ إِذا قرئَ.
فَإِذا زَالَت عَنهُ الْقِرَاءَة لم يُوقف لَهُ على جسم وَلَا صُورَةٍ، إِلَّا أَنْ يُرْسَمَ بِكِتَابٍ.
هَذَا مَعْقُولٌ6لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَهُولٍ.
قَدْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّكُمْ تُغَالِطُونَ، وَالْعُلَمَاءُ بِمُغَالَطَتِكُمْ7عَالِمُونَ وَلِضَلَالَتِكُمْ مُبْطِلُونَ.8
وَيَكْفِي الْعَاقِلَ9أَقَلُّ مِمَّا بَينا وشرحنا عَن مذاهبكم غَيْرَ أَنَّ فِي تَكْرِيرِ الْبَيَانِ شِفَاء لم فِي الصُّدُور.