افْتِضَاحُ الْمُعَارِضِ بِتَصْرِيحِهِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ:
وَفِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرْنَا.
لَمْ نَأْتِ بِهَا مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا1دِلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مَا دَلَّسَ هَذَا الْمُعَارِضُ عَنْ زُعَمَائِهِ الَّذِينَ كَنَى عَنْهُمْ مِنَ الْكَلَامِ الْمُمَوَّهِ2الْمُغَطَّى3، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يَسْتَخْفِي عَلَى مَنْ لَا4يَفْطَنُ لِمَعْنَاهُ وَلَا يَدْرِي5، وَنَحْنُ نَكْتَفِي مِنْهُ بِالْيَسِيرِ الْأَدْنَى؛ حَتَّى تَقَعَ6عَلَى7الْفَرْحَةِ الْكُبْرَى، فَلَمْ يَزَلْ هَذَا الْمُعَارِضُ يُلَجْلِجُ بِأَمْرِ الْقُرْآنِ فِي صَدْرِهِ حَتَّى كَشَفَ عَنْ رَأْسِهِ الْغِطَاءَ، وَطَرَحَ8جِلْبَابَ الْحَيَاءِ، فَصَرَّحَ وَأَفْصَحَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، وَأَنَّ من قَالَ: غير
مَخْلُوقٍ كَافِرٌ1فِي دَعْوَاهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ لِمَتَأَوِّلٍ عَلَيْهِ مَوْضِعَ تَأْوِيلٍ، وَلَا لِمُسْتَنْبِطٍ عَلَيْهِ مَوْضِعَ اسْتِنْبَاطٍ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ كَافِرًا عِنْدَهُ2، فَالَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مُؤْمِنٌ مُوَفَّقٌّ3رَاشِدٌ، تَابِعٌ لِلْحَقِّ.
فَحِينَ يَكْشِفُ4عَنْهُ لِلنَّاسِ إِرَادَتَهُ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِهَا عِبَارَتُهُ، سُقِطَ فِي يَدِهِ وَكُسِرَ فِي دِرْعِهِ، فَادَّعَى أَنَّهُ قَصَدَ بِالْإِكْفَارِ إِلَى مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ ذَلِكَ بفهم وَلِسَانٍ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ5يُسْأَلُونَ عَنِ الْكَلَامِ، فَإِنِ ادَّعوا فَمًا وَلِسَانًا فَهُوَ كفر لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنْ أَمْسَكُوا عَنِ الْجَوَابِ فِيهِ كَانُوا بِإِمْسَاكِهِمْ أَن يدعوا فَمَا وَلِسَانًا جهل لَا يُعْذَرُونَ بِهِ.6
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْمُحْتَجِّ بِالْمُحَالِ مِنَ الضَّلَالِ: تَفَلَّتَتْ7مِنْكَ الْكَلِمَةُ بِلَا تَفْسِيرٍ وَلَا بِحَضْرَةِ مَنْ تَدَّعِي8عَلَيْهِ فَمَا وَلِسَانًا،
أوَ تَقْدِرُ1أَنْ تُشِيرَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنَّهُ يَتَوَهَّمُ ذَلِكَ2؟ فَتَعَلُّقُكَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ الْيَوْمَ مِنْكَ مُوَارَبَةٌ3وَاعْتِذَارٌ4مِنْكَ إِلَى الْجُهَّالِ كَيْلَا يَفْطَنُوا لِمُرَادِكَ مِنْهَا.
وَلَئِنْ كَانَ أَهْلُ الْجَهْلِ فِي غَلَطٍ مِنْ مُرَادِكَ إِنَّا مِنْهُ لَعَلَى يَقِينٍ، وَلَئِنْ جَازَ لَكَ هَذَا التَّأْوِيلُ، إِذًا يَجُوزُ لِكُلِّ زِنْدِيقٍ5وَجَهْمِيٍّ6أَنْ يَقُولَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ.
فَإِذَا وُبِّخَ، وَوُقِفَ عَلَى دَعْوَاهُ قَالَ: إِنَّمَا قَصَدْتُ بِالْكُفْرِ قَصْدَ مَنْ يَدَّعِي بِهِ فَمًا وَلِسَانًا.
وَهُوَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَنَّهُ قَالَهُ، فَلَمْ يَنَلِ7الْمُعَارِضُ عِنْدَ النَّاسِ بِاعْتِذَارِهِ عُذْرًا، بَلْ حَقَّقَ بِمَا فسَّر، وَأَكَّدَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَلَامُ الْمَخْلُوقِ8؛ لِأَنَّهُ قَالَ9: يُسْأَلُ من
قَالَ: كَلَام الله غيرمخلوق.
فَإِنِ ادَّعَوْا فَمًا وَلِسَانًا لَقَدْ كَفَرُوا، وَإِنْ1أَمْسَكُوا عَنِ الْجَوَابِ فَقَدْ جَهِلُوا، وَلَمْ يُعْذَرُوا، لِمَا أَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ فِي دَعْوَاهُ لَا يَحْتَمِلُ مَعْنًى إِلَّا بِفَمٍ وَلِسَانٍ، وَخُرُوجٍ مِنْ جَوْفٍ، وَمَنْ لَمْ يَفْقَهْ ذَلِكَ فَهُوَ عِنْدَ الْمُعَارِضِ جَاهِلٌ.
فَإِنْ كَانَ كَمَا ادَّعَى فَقَدْ2حَقَّقَ أَنَّهُ كَلَامُ الْبَشَرِ لَمْ يَخْرُجْ بِزَعْمِهِ إلَّا مِنَ الْأَجْوَافِ وَالْأَلْسُنِ وَالْأَفْوَاهِ الْمَخْلُوقَةِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ هَذَا الْوَصْفِ وَتَكَبَّرَ؛ لِأَنَّهُ3كَلَامُ الْمَلِكِ الْأَكْبَرِ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى خَيْرِ الْبَشَرِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا عَدَدَ مَنْ مَضَى وَغَبَرَ، وَعَدَدَ التُّرَابِ وَالرَّمْلِ وَأَوْرَاقِ الشَّجَرِ.
ثمَّ قفًَّى الْمعَارض بِكِتَاب آخركالمعتذر لِمَا سَلَفَ مِنْهُ، مُصَدِّقًا لِبَعْضِ مَا سَبَقَ مِنْ ضَلَالَاتِهِ، مُكَذِّبًا لِبَعْضٍ4، يُرِيدُ أَنْ يَنَالَ5عِنْدَ الرِّعَاعِ لِنَفْسِهِ فِي زَلَّاتِهِ وَسَقَطَاتِهِ عُذْرًا.
فَلَمْ ينلْ بِهِ عُذْرًا6؛ بَلْ أَقَامَ عَلَى نَفْسِهِ حُجَّةً بَعْدَ حُجَّةٍ، وَكَانَتْ حُجَّتُهُ الَّتِي احتجَّ بِهَا فِي كِتَابِهِ أَعْظَمَ من جُرمه.
وَكَذَا
الْبَاطِل مَا ازْدَادَ الْمَرْء1احْتِجَاجًا إِلَّا ازْدَادَ اعْوِجَاجًا، وَلِمَا خَفِيَ مِنْ ضَمَائِرِهِ إِخْرَاجًا.
فَادَّعَى أَنَّ مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَمَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَهُوَ يَعْنِي أَنَّهُ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ قَالَ: هُوَ غَيْرُ اللَّهِ فَهُوَ مُصِيبٌ، ثُمَّ إِنْ قَالَ بَعْدَ إِصَابَتِهِ إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ جَاهِلٌ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ2غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ جِسْمٍ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ فَهُوَ كَافِرٌ.3
قَالَ: وَالْكَلَامُ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ، وَالْقَوْلُ غَيْرُ الْقَائِلِ وَالْقُرْآنُ، وَالْمَقْرُوءُ وَالْقَارِئُ كُلُّ وَاحِد مِنْهَا لَهُ مَعْنًى.
فيُقال لِهَذَا الْمُعَارِضِ: مَا أثبتَّ بِكَلَامِكَ هَذَا الْأَخِيرِ عُذْرًا، وَلَا أَحْدَثْتَ مِنْ ضَلَالَتِكَ4بِهِ تَوْبَةً، بَلْ حَقَّقْتَ وَأَكَّدْتَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بِتَمْوِيهٍ5وَتَدْلِيسٍ6، وَتَخْلِيطٍ مِنْكَ وَتَلْبِيسٍ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ مَوَّهْتَ عَلَى مَنْ لَا يَعْقِلُ بَعْضَ التَّمْوِيهِ فَسَنَرُدُّهُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِلَى تَنْبِيهٍ.7
وَأَمَّا قَوْلُكَ: الْكَلَامُ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ، وَالْقَوْلُ غَيْرُ الْقَائِلِ، فَإِنَّهُ لَا يشك عَرَبِيّ ولاعجمي أَنَّ الْقَوْلَ وَالْكَلَامَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ وَالْقَائِل يخرج من ذواتهم1سواهُ.2
وَأَمَّا قَوْلُكَ: مَنْ زَعَمَ3أَنَّ الْقُرْآنُ غَيْرُ اللَّهِ فَقَدْ أَصَابَ، فَهَذَا مِنْكَ تَأْكِيدٌ وَتَحْقِيقٌ بِأَنَّهُ4مَخْلُوقٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ اللَّهِ فِي دَعْوَاكَ وَدَعْوَانَا مَخْلُوقٌ.
ثُمَّ أَكَّدْتَ أَيْضًا فَقُلْتَ: مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَدْ جَهِلَ.
وَقُلْتَ مَرَّةً: فَقَدْ كَفَرَ، فَأَيُّ تَوْكِيدٍ أَوْكَدُ فِي الْمَخْلُوقِ مِنْ هَذَا؟ ثُمَّ رَاوَغْتَ5فَقُلْتَ فِي بَعْضِ كَلَامِكَ: مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ6فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، تَمْوِيهًا7مِنْكَ وَتَدْلِيسًا8عَلَى الْجُهَّالِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَنْ قَالَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ عِنْدَكَ جَاهِلًا كَافِرًا، كَانَ مَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ عِنْدَكَ عَالِمًا مُؤْمِنًا.
فَقَوْلُكَ مُبْتَدَعٌ لَا يَنْقَاسُ لَكَ فِي مَذْهَبِكَ، غَيْرَ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تُرْضِيَ
بِهِ مَنْ حَوْلَكَ مِنَ الْأَغْمَارِ.1
وَأَمَّا قَوْلُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ جِسْمٍ فَهُوَ كَافِرٌ، فَلَيْسَ يُقَالُ كَذَلِكَ، وَلَا أَرَاكَ سَمِعْتَ أَحَدًا يَتَفَوَّهُ بِهِ كَمَا ادَّعَيْتَ، غَيْرَ أَنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى دُونَ مَنْ سِوَاهُ.2
وَذِكْرُ الْجِسْمِ3وَالْفَمِ وَاللِّسَانِ خُرَافَاتٌ4وَفُضُولٌ مَرْفُوعَةٌ عَنَّا، لَمْ نُكَلَّفْهُ فِي دِينِنَا، وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ الْكَلَامَ يَخْرُجُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ، فَهَذَا أَيْضًا مِنْ تِلْكَ الْفُضُولِ، وَمَا رَأَيْنَا أَحَدًا يَصِفُهُ بِالْأَجْزَاءِ، وَالْأَعْضَاءِ، جلّ عَن هَذَا الْوَصْف
وَتَعَالَى1، وَالْكَلَامُ صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ لَا يشبه الصِّفَات: من الْوَجْه
وَالْيَدِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَلَا يُشْبِهُ الْكَلَام من1الْخَالِق والمخلوق سائرالصفات.
وَقَدْ فَسَّرْنَا لَكَ2فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ3تَفْسِيرًا فِيهِ شِفَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.4
وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنْ قَالُوا: الْقُرْآنُ هُوَ اللَّهُ، فَهُوَ كُفْرٌ؛ فَإِنَّا لَا نَقُولُ: هُوَ اللَّهُ كَمَا ادَّعَيْتَ، فَيَسْتَحِيلُ5وَلَا نَقُولُ: هُوَ غَيْرُ اللَّهِ، فَيَلْزَمُنَا أَنْ نَقُولَ: كُلُّ شَيْءٍ غَيْرَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، كَمَا لَزِمَكَ.
وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، خَرَجَ مِنْهُ كَمَا شَاءَ6أَنْ يَخْرُجَ، وَاللَّهُ بِكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَهُوَ بِكَمَالِهِ عَلَى عَرْشِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: فِي الْقِرَاءَةِ وَالْقَارِئِ وَالْمَقْرُوءِ: إِنَّ7لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ مَعْنًى عَلَى حِدَةٍ فَهَذَا أَمْرُ مَذَاهِبِ اللَّفْظِيَّةِ8، لَا نَدْرِي مِنْ أَيْن وَقعت عَلَيْهِ،
وَكَيْفَ تَقَلَّدْتَهُ؟ فَمَرَّةً أَنْتَ جَهْمِيٌّ، وَمَرَّةً وَاقِفِيٌّ، وَمَرَّةً لَفْظِيٌّ، وَلَوْلَا أَنْ يَطُولَ الْكِتَابُ لَبَيَّنَّا لَكَ وُجُوهَ الْقَارِئِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْمَقْرُوءِ، غَيْرَ أَنِّي قَدْ1طَوَّلْتُ وَأَكْثَرْتُ، وَمَعَ ذَلِكَ اخْتَصَرْتُ وَتَخَطَّيْتُ2خُرَافَاتٍ3لَمْ يَسْتَقِمْ4لِكَثِيرٍ مِنْهَا جَوَابٌ، غَيْرَ أَنَّا5مَا فَسَّرْنَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى مَا لَمْ نُفَسِّرْ6، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِصَوَابِ7مَا نَأْتِي8 وَمَا نذر.