بَابُ: مَا جَاءَ فِي الْعَرْشِ
ثُمَّ انْتَدَبْتَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ مُكَذِّبًا بِعَرْشِ اللَّهِ وَكُرْسِيِّهِ، مُطْنِبًا فِي التَّكْذِيبِ بِجَهْلِكَ، مُتَأَوِّلًا فِي تَكْذِيبِهِ بِخِلَافِ مَا تَعْقِلُهُ الْعُلَمَاءُ1فَرَوَيْتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ2رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَعلمه"3.
قُلْتَ: فَمَعْنَى الْكُرْسِيِّ الْعِلْمُ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى غَيْرِ الْعِلْمِ أَكْذَبَهُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى.1
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمَرِيسِيِّ: أَمَّا مَا رَوَيْتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ2فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرٍ الْأَحْمَرِ3وَلَيْسَ جَعْفَرٌ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى رِوَايَتِهِ، إِذْ قَدْ خَالَفَتْهُ4الرُّوَاةُ الثِّقَاتُ الْمُتْقِنُونَ.
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ الْبَطِينُ5، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَير6، عَن
ابْنِ عَبَّاسٍ1فِي الْكُرْسِيِّ خِلَافَ مَا ادَّعَيْتَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
حَدثنَا يَحْيَى2وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ3، عَنْ وَكِيعٍ4، عَنْ سُفْيَانَ5، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ6، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ7، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ8، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا9قَالَ: "الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، الْعَرْش لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ"10.
فَأَقَرَّ الْمَرِيسِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَصَحَّحَهُ، وَزَعَمَ أَنَّ وَكِيعًا11رَوَاهُ إِلَّا أَنَّ تَفْسِيرَ الْقَدَمَيْنِ هَاهُنَا فِي دَعْوَاهُ: الثَّقَلَيْنِ قَالَ: يَضَعُ اللَّهُ عِلْمَهُ وَقَضَاءَهُ لِلثَّقَلَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَحْكُمُ بِهِ فِيهِمْ فَهَلْ سَمِعَ سَامِعٌ مِنَ الْعَالَمِينَ بِمِثْلِ مَا ادّعى هَذَا المريسي؟
وَيْلَكَ! عَمَّنْ أَخَذْتَهُ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْطَانٍ تَلَقَّيْتَهُ؟ فَإِنَّهُ مَا سَبَقَكَ إِلَيْهَا آدَمِيٌّ نَعْلَمُهُ.1
أَيَحْتَاجُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ2أَنْ يَضَعَ مُحَاسَبَةَ الْعِبَادِ عَلَى كِتَابِ عِلْمِهِ، وَأَقْضِيَتِهِ يَحْكُمُ بِمَا فِيهِ بَيْنَهُمْ؟ وَلَا أَرَاكَ مَعَ كَثْرَةِ جَهْلِكَ إِلَّا وَسَتَعْلَمُ3أَنَّكَ احْتَجَجْتَ بِبَاطِلٍ، جَعَلْتَهُ أُغْلُوطَةً تُغَالِطُ بِهَا أَغْمَارَ 4 النَّاسِ وَجُهَّالَهُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ5أَيْضًا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "آتِي بَابَ الْجَنَّةِ فَأَقْرَعُهُ فَيُفْتَحُ لِي، فَأَرَى رَبِّي وَهُوَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، فَيَتَجَلَّى لِي فَأَخِرُّ سَاجِدًا"6 فَهَلْ يَجُوزُ لَكَ فِي تَأْوِيلِكَ أَنَّهُ يَأْتِي رَبَّهُ وَهُوَ عَلَى عِلْمِهِ؟ إِذْ
ادَّعَيْتَ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْكُرْسِيَّ غَيْرُ الْعِلْمِ أَكْذَبَهُ الْقُرْآنُ بِمَا رَوَيْتَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ1، فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ نَفْسِهِ خِلَافَ مَا رَوَيْتَ فِيهِ: فَكَيْفَ تَحِيدُ عَنْ هَذَا الْمَشْهُورِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى الْمَغْمُورِ2عَنْهُ إِلَّا مِنْ ظَنَّةٍ وَرِيبَةٍ؟.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: مَنْ ذَهَبَ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَى غَيْرِ الْعِلْمِ أَكْذَبَهُ كِتَابُ اللَّهِ وَيْلَكَ! وَأَيُّ آيَةٍ3مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تُكَذِّبُهُ؟ أَأَنْزَلَ عَلَى غِيَاثٍ الْيَهُودِيِّ فِي تَكْذِيبِهِ آيَةً4لَمْ تَنْزِلْ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! وَيْلَكَ! وَهَلْ بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ إِلَّا وَقَدْ عَقِلَ أَمْرَ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ، وَآمَنَ بِهِمَا إِلَّا أَنْتَ وَرَهَطُكَ؟ وَلَيْسَ الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُسْنَدَ فِي تَثْبِيتِهِمَا الْآثَارُ وَيُؤَلَّفُ5فِيهِمَا الْأَخْبَارُ لَوْلَا أغلوطاتك6هَذِه.
لما أَن.7..............................
عِلْمَهُمَا1وَالْإِيمَانَ بِهِمَا2خَلُصَ إِلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، إِلَّا إِلَيْكَ وَإِلَى أَصْحَابِكَ، طَهَّرَ اللَّهُ مِنْكُمْ بِلَادَهُ، وأراح مِنْكُم عباده.
والعجيب مِنِ اسْتِطَالَتِكَ بِجَهَالَتِكَ3هَذِهِ وَأُغْلُوطَاتِكَ4، إِذْ تَقول لمن هُوَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَبِكِتَابِهِ مِنْكَ: إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا تَفْسِيرَ مَا قُلْنَا وَإِلَّا فَسَلُوا5الْعلمَاء ولاتعجلوا بِالْقَضَاءِ.
وَيْلَكَ أَيُّهَا الْمَرِيسِيُّ، قَدْ سَأَلْنَا الْعُلَمَاءَ، وَجَالَسْنَا الْفُقَهَاءَ، فَوَجَدْنَاهُمْ كُلَّهُمْ6عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِكَ، فَسَمِّ عَالِمًا مِمَّنْ مَضَى وَمِمَّنْ غَبَرَ7 يحْتَج بِمثل هَذِه العمايات يتَكَلَّم بهاحتى نَعْرِفَهُ فَنَسْأَلَهُ8فَإِنَّا مَا رَأَيْنَا مُتَكَلِّمًا يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ أَظْهَرَ كُفْرًا وَأَسْمَجَ كَلَامًا وَأَقَلَّ إِصَابَةً فِي التَّأْوِيلِ مِنْكَ.
وَقَدْ عَرَضْنَا كَلَامَكَ عَلَى كَلَامِ مَنْ مَضَى وَمَنْ غبر من الْعلمَاء فَمَا فَوَجَدنَا أَحَدًا عَلَى مَذْهَبِكَ وَعَرَضْنَاهُ عَلَى لُغَات الْعَرَب والعجم فَلم
يَحْتَمِلْ شَيْءٌ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ كَلَامِكَ.
وَلَوْ كَانَ عِنْدَكَ مَنْ يَنْصَحُكَ لَحَجَرَ عَلَيْكَ الْكَلَامَ فَضْلًا أَنْ يَفْتَخِرَ بِحُسْنِ الْكَلَامِ، وَسَنَذْكُرُ لَكَ آثَارًا مِمَّا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْكُرْسِيِّ لِتَنْظُرَ فِي أَلْفَاظِهَا: هَلْ تَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُغْلُوطَاتِكَ هَذِهِ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ1، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ2، عَنْ زَكَرِيَّا3، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ4، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَعْبَدٍ5قَالَ: حَدَّثَتْنِي أَسْمَاءُ بنت
عُمَيْسٍ1"أَنَّ جَعْفَرًا2رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا3جَاءَهَا إِذْ هُمْ بِالْحَبَشَةِ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَتْ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ فَتًى مُتْرَفًا مِنَ الْحَبَشَةِ شَابًّا جَسِيمًا مَرَّ عَلَى امْرَأَةٍ، فَطَرَحَ دَقِيقًا كَانَ مَعَهَا، فَنَسَفَتْهُ4الرِّيحُ، فَقَالَتْ: أَكِلُكَ إِلَى يَوْمٍ يَجْلِسُ الْمَلِكُ عَلَى الْكُرْسِيِّ فَيَأْخُذ للمظلوم من الظَّالِم"5
حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ1، ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ2، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ3، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ4، عَنْ أَبِيهِ5قَالَ: لما قدم جَعْفَر6من
الْحَبَشَةِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْتَ بِالْحَبَشَةِ؟ " قَالَ: رَأَيْتُ امْرَأَةً عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ فِيهِ طَعَام، فجَاء فَارس فأذراه، فجسلت تَجْمَعُهُ ثُمَّ الْتَفَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: وَيحك! كَيفَ لَوْ قَدْ وَضَعَ الْمَلِكُ كُرْسِيَّهُ فَأَخَذَ1لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ؟ فَضَحِكَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: "مَا قَدَّسَ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ شَدِيدِهَا غَيْرَ مُتَعْتَعٍ" 2.
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ1، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُور2أبنا3عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غفرة4قَالَ: سعمت أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ5: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"6 يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عيله وَسَلَّمَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ، فَإِذَا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة من
أَيَّامِ الْآخِرَةِ هَبَطَ الرَّبُّ مِنْ عَرْشِهِ 1 إِلَى كُرْسِيِّهِ، وَحَفَّ الْكُرْسِيَّ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا النَّبِيُّونَ، حف 2 الْمَنَابِرَ بِكَرَاسِيَّ مِنْ ذَهَبٍ فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا الصديقون وَالشُّهَدَاء" 3.
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ1، ثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ2- عَنْ عَاصِمٍ3، عَنْ زِرٍّ4، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ5رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ إِلَى الْمَاءِ خَمْسمِائَة عَامٍ، وَالْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ، وَاللَّهُ، فَوْقَ الْعَرْشِ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُم عَلَيْهِ"6.
حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ قَالَا: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ"1.
حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ2، ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ3، عَنْ عَاصِمٍ4، عَنْ زر5، عَن عبد الله.6............................
"رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"1 قَالَ: "مَا السَّمَاوَات وَالْأَرْضُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ حَلقَة بِأَرْض فلاة"2.
حَدَّثَنَا1عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ2أبنا3إِسْرَائِيلُ4، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ5، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ1قَالَ: "أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ، فَعَظَّمَ الرَّبَ.
فَقَالَ: إِنَّ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَإِنَّهُ لَيَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَمَا يَفْضَلُ مِنْهُ إِلَّا قَدْرُ 2 أَرْبَعِ أَصَابِعَ، وَمَدَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ 3، وَإِن لَهُ أطيطًا الرحل الْجَدِيد إِذْ رَكبه من يثقله" 4.