دفع الْمعَارض لصفة النُّزُول وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
ثمَّ ذهبت تنكرالنزول وَتَدْفَعُهُ بِضُرُوبٍ مِنَ الْأَبَاطِيلِ، وَالْأَضَالِيلِ مِنْ كَلَامِ الْمَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ1وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ خَبَرٍ، كَأَنَّكَ تَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ، وَقَلَّ2
حَدِيثٌ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لدعواكم من اللَّهَ1فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنْ حَدِيثِ النُّزُولِ، لَمَّا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: لَا يَخْلُو مِنْهُ فَكَيْفَ يَنْزِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ مَنْ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ2؟! فَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ حُجَجِ الْمُعَارِضِ لِدَفْعِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النُّزُولِ حِكَايَةٌ حَكَاهَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ3 لَعَلَّهَا مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِ، أَنَّهُ قَالَ: نُزُولُهُ: أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَمَا أَشْبَهَهَا.
فَقُلْنَا لَهُ: أَيُّهَا الْمُعَارِضُ، أَمَّا لَفْظُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْقُضُ مَا حَكَيْتَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ4فَإِنْ قَالَهُ فَالْحَدِيثُ يُكَذِّبُهُ وَيُبْطِلُ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ: "إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ شَطْرُ اللَّيْلِ نَزَلَ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ، فَأُجِيب؟ 5 هَل من مُسْتَغْفِر أعفر لَهُ؟ 6 هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ 7 حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ" 8 وَقَدْ جِئْنَا بِالْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا حَكَيْتَ9عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَادَّعَيْتَهُ أَنْتَ أَيْضًا أَنَّهُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ وَسُلْطَانُهُ، مَا كَانَ أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ يَتَكَلَّمُ بِمِثْلِ هَذَا وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى اسْتِغْفَارِهِ وَسُؤَالِهِ دُونَ اللَّهِ، وَلَا الْمَلَائِكَة يدعونَ10
النَّاسَ إِلَى إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَإِلَى الْمَغْفِرَةِ مِنْهَا لَهُمْ، وَإِلَى إِعْطَاءِ السُّؤَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى1وَلِيَ ذَلِكَ، دُونَ سِوَاهُ.2
وَأُخْرَى أَنَّ أَمْرَهُ وَمَلَائِكَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَسُلْطَانَهُ3دَائِبًا4يُنَزَّلُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ5وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ لَا يَفْتُرُ وَلَا يَنْقَطِعُ6فَمَا بَالُ ثُلُثِ اللَّيْلِ خُصَّ بِنُزُولِهِ وَرَحْمَتِهِ7وَأَمْرِهِ مِنْ بَيْنِ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؟ حَتَّى وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ8وَقْتًا آخَرَ.
فَقَالَ: "إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ" 9 فَفِي دَعْوَاكَ: تَنْزِلُ رَحْمَتُهُ عَلَى النَّاسِ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَإِذَا انْفَجَرَ الْفَجْرُ رُفِعَتْ فِي دَعْوَاكَ، هَذَا وَاللَّهِ تَفْسِيرٌ مُحَالٌ، وَتَأْوِيلُ ضَلَالٍ، يَشْهَدُ عَلَيْهِ ظَاهِرُ لَفْظِ الْحَدِيثِ بِالْإِبْطَالِ.
وَأَمَّا مَا رَوَيْتَ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ عَنِ الْمَرِيسِيِّ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ مَكَانٍ عَن ابْن عُيَيْنَة.10.......................
عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ1، عَنِ ابْنِ عُمَرَ2أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: "لَا تَقُلْ: اللَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَإِنَّهُ بِكُلِّ مَكَانٍ"3.
وَعَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ4، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ5، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ6مِثْلَهُ.
فَتَأْوِيلُ هَذَا أَيُّهَا الْمُعَارِضُ عَلَى مَا فَسَّرْنَا: أَنَّهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ7
بِكُلِّ مَكَانٍ بِالْعِلْمِ بِهِ، وَمَعَ كُلِّ صَاحِبِ نَجْوَى، وَأَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى.
لَا عَلَى أَنَّ نَفْسَهُ1فِي كُلِّ مَكَانٍ، مِمَّا بَيْنَ الْخَلْقِ فِي الْأَرْضِ وَالْأَمْكِنَةِ، وَبِجَنْبِ كُلِّ مُصَلٍّ وَقَائِمٍ وَقَاعِدٍ.
فَهُوَ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَعَ مَنْ بِالْمَشْرِقِ، كَمَا هُوَ مَعَ مَنْ بِالْمَغْرِبِ، وَمَعَ مَنْ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، كَمَا هُوَ مَعَ مَنْ هُوَ2فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ3وَلَا يَبْعُدُ4عَنْهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ خَلْقِهِ.
وَالْعَجَبُ مِنْكَ وَمِنْ إِمَامِكَ الْمَرِيسِيِّ إِذْ يَحْتَجُّ5فِي ضَلَالِهِ بِالتَّمْوِيهِ6عَنِ ابْنِ عُمَرَ7وَعَنِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ8وَيَدَعُ الْمَنْصُوصَ الْمُفَسَّرَ9/ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْعَرْشِ خِلَافَ مَا مَوَّهَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَرِوَايَةِ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ10عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النُّزُولِ، وَفِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى11فِي السَّمَاءِ دون الأَرْض12
الِابْتِدَاعِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الِاتِّبَاعِ، وَإِلَى الْجَهْلِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الْعَدْلِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُصِيبَ يَتَعَلَّقُ من الْآثَار وَاضِحٍ مَشْهُورٍ، وَالْمُرِيبَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مُتَشَابِهٍ مَغْمُورٍ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ فِيمَا ادَّعَيْتَ عَلَى أَبِي مُعَاوِيَةَ1فِي تَفْسِيرِ هَذَا النُّزُولِ، ثُمَّ قُلْتَ: وَيُحْتَمَلُ مَا قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: إِنَّ نُزُولَهُ أَمْرُهُ وَسُلْطَانُهُ2كَمَا تَرَوْنَ الْقُرْآنَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا مُشَفَّعًا وَمَاحِلًا3مُصَدِّقًا، فَقَالُوا: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ ثَوَابُهُ فَإِنْ جَازَ لَهُمْ هَذَا التَّأْوِيلُ فِي الْقُرْآنِ جَازَ لَنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ نُزُولَهُ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: لَقَدْ قِسْتَ بِغَيْرِ أَصْلٍ وَلَا مِثَالٍ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامٌ.
وَالْكَلَامُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ شَيْئًا قَائِمًا حَتَّى تُقِيمَهُ الْأَلْسُنُ وَيَسْتَلِينَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهُ بِنَفْسِهِ لَا يقدر عَلَى الْمَجِيءِ وَالتَّحَرُّكِ وَالنُّزُولِ بِغَيْرِ منزل وَلَا يَتَحَرَّك، إِلَّا أَن تُؤْتى بِهِ وَيُنْزَلَ.
وَاللَّهُ تَعَالَى4حَيٌّ قَيُّومٌ، مَلِكٌ عَظِيمٌ، قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، فِي عزه وبهائه يفعل مايشاء كَمَا يَشَاءُ وَيَنْزِلُ بِلَا مُنْزِلٍ ويرتفع بِلَا رَافع، وَيفْعل مايشاء بِغَيْر استعانة بِأحد، وَلَا
حَاجَةَ فِيمَا يَفْعَلُ إِلَى أَحَدٍ، وَلَا يُقَاس الْحَيّ القيوم والفعال لِمَا يَشَاءُ بِالْكَلَامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمٌ1حَتَّى تُقِيمَهُ الْأَلْسُنُ، وَلَا لَهُ أَمْرٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا إِرَادَةٌ وَلَا يَسْتَبِينُ إِلَّا بِقِرَاءَةِ الْقُرَّاءِ.
أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ نُزُولُهُ: أَمْرَهُ وَرَحْمَتَهُ فَمَا بَالُ أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ لَا يَنْزِلُ2 إِلَّا فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا؟ وَمَا بَالُ أَمْرِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي دَعْوَاكَ لَا يَنْزِلُ3إِلَى الْأَرْضِ حَيْثُ4مُسْتَقَرُّ الْعِبَادِ، مِمَّنْ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَهُ، وَيُجِيبَ وَيُعْطِيَ، فَمَا بَالُهَا تَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ لَا تَجُوزُهَا؟ وَمَا بَالُ رَحْمَتِهِ تَبْقَى عَلَى عِبَادِهِ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ إِلَى انْفِجَارِ الْفَجْرِ، ثُمَّ تَرْجِعُ مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ بِزَعْمِكَ؟ وَمَا باله إِذْ اللَّهُ بِزَعْمِكَ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا استرحمه5عباده واستغفروه وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ بَعَّدَ عَنْهُمْ رَحْمَتَهُ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا خَمْسمِائَة عَامٍ، وَلَا يُغَشِّيهِمْ إِيَّاهَا وَهُوَ مَعَهُمْ فِي الْأَرْضِ بِزَعْمِكَ؟ إِذْ زَعَمْتَ أَنَّ نُزُولَهُ تَقْرِيبُ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ كَقَوْلِهِ الْآخَرِ: "مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهَا باعًا" 6 فَقلت: هَذَا التَّقْرِيب بِالرَّحْمَةِ.
فَفِي دَعْوَاكَ فِي تَفْسِيرِ النُّزُولِ: مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْهِ شِبْرًا تَبَاعَدَ هُوَ عَنْهُ مَسِيرَةَ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَكُلَّمَا1ازْدَادَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ اقْتِرَابًا2تَبَاعَدَ هُوَ بِرَحْمَتِهِ عَنْهُمْ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِزَعْمِكَ.
لَقَدْ علمت أَيهَا الْمعَارض أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ مُحَالٌ يَدْعُو إِلَى ضَلَالٍ3وَالْحَدِيثُ نَفْسُهُ يُبْطِلُ هَذَا التَّفْسِيرَ وَيُكَذِّبُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ أَغْيَظُ حَدِيثٍ لِلْجَهْمِيَّةِ4وَأَنْقَضُ5شَيْءٍ لِدَعْوَاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ6فِي الْأَرْضِ، كَمَا هُوَ فِي السَّمَاءِ.
فَكَيْفَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا مَنْ هُوَ تَحْتَهَا فِي الْأَرْضِ؟ وَجَمِيعُ الْأَمَاكِنِ مِنْهَا، وَنَفْسُ7، الْحَدِيثِ نَاقِضٌ لِدَعْوَاهُمْ وَقَاطِعٌ لحججهم.
ل 32 ب. وَأُخْرَى: أَنَّهُ قَدْ عَقِلَ كُلُّ ذِي عَقْلٍ وَرَأْيٍ8أَنَّ الْقَوْلَ لَا يتَحَوَّل صُورَة
لَهَا1لِسَانٌ وَفَمٌ، يَنْطِقُ وَيَشْفَعُ، فَحِينَ اتَّفَقَتِ الْمَعْرِفَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ ثَوَابٌ فَيُصَوِّرُهُ2اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ صُورَةَ رَجُلٍ يُبَشِّرُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ3صُورَةً كَصُورَةِ الْإِنْسَانِ لَمْ يَتَشَعَّبْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ صُورَةٍ، فَيَأْتِيَ أَكثر من ألف ألف شافعًا4، وماحلًا؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ الْوَاحِدَةَ إِذَا هِيَ أَتَت وَاحِد زَالَتْ عَنْ غَيْرِهِ، فَهَذَا مَعْقُولٌ لَا يَجْهَلُهُ إِلَّا كُلُّ جَهُولٍ.
وَهَذَا كَحَدِيثِ الْأَعْمَشِ5، عَنِ الْمِنْهَالِ6، عَن زَاذَان7
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ1رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا2، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ تَأْتِيهِ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ فِي صُورَة رجل فِي أَحْسَنَ هَيْئَةٍ وَأَحْسَنَ لِبَاسٍ وَأَطْيَبَ رِيحٍ3فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ4؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، كَانَ "حَسَنًا"5 وَكَذَلِكَ تَرَانِي حَسَنًا6وَكَانَ طَيِّبًا فَكَذَلِكَ تَرَانِي طَيِّبًا7وَكَذَلِكَ الْعَمَل السيء يَأْتِي صَاحِبَهُ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِك8ويبشره بِعَذَاب الله"9.
وَإِنَّمَا عملهما الصَّلَاة وَالصِّيَامُ وَمَا أَشْبَهَهَا1مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَعَمَلُ الْآخَرِ الزِّنَا وَالرِّبَا وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَمَا أَشْبَهَهَا2مِنَ الْمَعَاصِي قَدِ اضْمَحَلَّتْ وَذَهَبَتْ فِي الدُّنْيَا، فَيُصَوِّرُ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْفَاجِرِ ثَوَابَهَا وَعِقَابَهَا يُبَشِّرُ بِهِمَا3إِكْرَامًا لِلْمُؤْمِنِ4وَحَسْرَةً عَلَى الْكَافِرِ.5
وَهَذَا الْمَعْنَى أَوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ قَدْ6عَلِمْتُمُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَكِنْ7تُغَالِطُونَ وَتُدَلِّسُونَ، وَعَلَيْكُمْ أَوْزَارُكُمْ وَأَوْزَارُ مَنْ تضلون.
ثُمَّ أَكَّدَ الْمُعَارِضُ دَعْوَاهُ فِي أَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِقِيَاسٍ ضَلَّ بِهِ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل.
فَقَالَ: أَلا ترى أَن مَنْ صَعَدَ الْجَبَلَ لَا يُقَالُ لَهُ:1 إِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ؟ فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْمُدَّعِي مَا لَا عِلْمَ لَهُ2: مَنْ أَنْبَأَكَ أَنَّ رَأْسَ الْجَبَلِ لَيْسَ بِأَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى3مِنْ أَسْفَلِهِ؟؛ لِأَنَّهُ مَنْ آمَنَ بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ رَأْسَ الْجَبَلِ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ4مِنْ أَسْفَلِهِ، وَأَنَّ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ أَقْرَبُ إِلَى عَرْشِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ السَّادِسَةِ، وَالسَّادِسَةَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَامِسَةِ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى الْأَرْضِ.
كَذَلِكَ رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ5، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ6أَنَّهُ قَالَ: "رَأْسُ الْمَنَارَةِ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَسْفَلِهِ7وَصَدَقَ ابْنُ الْمُبَارَكِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ إِلَى السَّمَاءِ أَقْرَبُ كَانَ إِلَى اللَّهِ أَقْرَبَ.
وَقُرْبُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ أَقْصَاهُم وأدناهم وَاحِد لَا
يَبْعُدُ عَنْهُ شَيْءٌ1مِنْ خَلْقِهِ.
وَبَعْضُ الْخَلْقِ أَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ2عَلَى نَحْوِ مَا فَسَّرْنَا مِنْ أَمْرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ قُرْبُ الْمَلَائِكَةِ مِنَ اللَّهِ، فَحَمَلَةُ الْعَرْشِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ فِي السَّمَوَاتِ3، وَالْعَرْشُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَقُرْبُ اللَّهِ إِلَى جَمِيعِ ذَلِكَ وَاحِدٌ هَذَا4مَعْقُولٌ مَفْهُومٌ إِلَّا عِنْدَ مَنْ لَا يُؤْمِنُ أَنَّ فَوْقَ الْعَرْشِ إِلَهًا وَلِذَلِكَ سَمَّى الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ 5، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ كَمَا ادعيت الْجَهْمِيَّةُ6مَا كَانَ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مَعْنًى، إِذْ كُلُّ الْخَلْقِ عِنْدَهُ وَمَعَهُ فِي الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، وَمُطِيعُهُمْ وَعَاصِيهِمْ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ مَنْ لَا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَا يَسْجُدُ لَهُ.
وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمَعَ كل أحد لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْآيَةِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَلَا يَسْجُدُ لَهُ وَيَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبَادَتِهِ7فَأَيُّ منقبة إِذا فِيهِ
لِلْمَلَائِكَةِ إِذْ كُلُّ الْخَلْقِ عِنْدَ الْجَهْمِيَّةِ1فِي مَعْنَاهُمْ فِي2 تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ.
ثُمَّ فَسَّرَ الْمُعَارِضُ هَذَا الْمَذْهَب تَفْسِيرا من هَذ1، دَفْعًا بِأَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ فِي السَّمَاء.
فَيُقَال: يُحْتَمَلُ التَّأْوِيلُ أَنْ يَكُونَ فِي السَّمَاء، على أَنَّهُنَّ مُدَبِّرُهَا وَمُتْقِنُهَا، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: هُوَ فِي صَلَاتِهِ وَعَمَلِهِ، وَتَدْبِيرِ معيشته، ولبيس هُوَ فِي نَفْسِهَا وَفِي جَوْفِهَا، وَفِي نَفْسِ الْمَعِيشَةِ بِالْحَقِيقَةِ وَلَكِنْ بِالْمَجَازِ عَلَى دَعْوَاهُ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: قَدْ قُلْنَا لَكَ: إِنَّكَ تَهْذِي وَلَا تَدْرِي، تَتَكَلَّمُ بِالشَّيْءِ ثُمَّ تَنْقُضُهُ3عَلَى نَفْسِكَ، أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى4فِي السَّمَاءِ، وَفِي الْأَرْضِ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ بِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعِي هَاهُنَا5أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمَوَاتِ مِنْهُ إِلَّا تَدْبِيرُهُ وَإِتْقَانُهُ كَتَدْبِيرِ الرَّجُلِ فِي6مَعِيشَتِهِ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِيهَا؟.
وَمَا أَوْلَاكَ7أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنْ تَعُضَّ عَلَى لِسَانِكَ، وَلَا تَحْتَجَّ بِشَيْءٍ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَقُودَهُ.
أَوْ تَتَخَلَّصَ8مِنْهُ بِحُجَّةٍ حَتَّى تَنْقُضَهُ عَلَى نَفْسِكَ بِنَفْسِ كَلَامِكَ، وَلَوْ كَانَ لَكَ نَاصِحٌ لَحَجَرَ عَلَيْكَ الْكَلَامَ، وَلَوْلَا أَنَّهُ يُشِيرُ إِلَيْكَ بَعْضُ النَّاسِ بِبَعْضِ النَّضْرَةِ فِي الْعِلْمِ مَا اشْتَغَلْنَا بِالرَّدِّ عَلَى مثلك.
لِسَخَافَةِ كَلَامِكَ، وَرَثَاثَةِ حُجَجِكَ.
وَلَكِنَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ جَهَالَتِكَ ضَرَرًا عَلَى الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ ظَهْرَيْكَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نُبَيِّنَ1لَهُمْ عَوْرَةَ كَلَامِكَ وَضَعْفَ احْتِجَاجِكَ كَيْ يَحْذَرُوا مِثْلَهَا مِنْ رَأْيِكَ، وَقَدْ فَضَحْنَاكَ فِي ذَلِكَ وَلَوِ اسْتَقْصَيْنَا عَلَيْكَ فِي2الِاحْتِجَاج لطال لَهُ الْكِتَابُ، غَيْرَ أَنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نُفَسِّرَ مِنْهَا قَلِيلًا يَدُلُّ عَلَى كثير.
وَلَو أَنَّكَ بَدَأْتَنَا3بِالْخَوْضِ فِيهِ وَفِي إِذَاعَةِ كَلَامِ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ، الْمُلْحِدِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى4، الْمُعَطِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ بَيَانٍ أَوْ بُرْهَانٍ يكون ببلدة ينتشر فِيهَا كَلَامُ الْمَرِيسِيِّ فِي التَّوْحِيدِ ثمَّ لَا ينْقضه.