يعز على الْأَب التَّغْرِير بولده فَإِن كَانَ مَعَ الْمَشْي يعول فِي زَاده على الْكسْب أَو السُّؤَال فَفِيهِ خلاف مُرَتّب وَأولى بِأَن لَا يجب وَإِن لم يكن كسب وَلَا سُؤال فَلَا يحل لَهُ الْخُرُوج وَمهما تحقق وجوب الْحَج فالعمرة تجب أَيْضا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ وَللشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ تردد فِي الْقَدِيم فِي وجوب الْعمرَة
الطّرف الثَّالِث فِي الِاسْتِئْجَار على 1 الْحَج وَالنَّظَر فِي شَرَائِطه وَأَحْكَامه
أما الشَّرَائِط فَتذكر فِي الْإِجَارَة وَنَذْكُر هَاهُنَا أَربع شَرَائِط الأول أَن يكون الْأَجِير قَادِرًا على الْحَج فَإِن كَانَ مَرِيضا أَو كَانَ الطَّرِيق مخوفا أَو ضاف الْوَقْت وطالت الْمسَافَة لم تَنْعَقِد الْإِجَارَة وَلَو جرى فِي وَقت هجوم الأنداء والثلوج وَلَكِن كَانَ زَوَاله مَعْلُوما فَالْأَظْهر الصِّحَّة وَقيل لَا يجوز لتعذر النهوض فِي الْحَال وَمهما صحت الْإِجَارَة وَجب على الْأَجِير الْخُرُوج مَعَ أول رفْقَة وَلَا يجوز التَّأْخِير إِلَّا بعد انْتِظَار الرّفْقَة فَلَا عذر بعد وجودهَا
الثَّانِي أَن لَا يضيف الْإِجَارَة الْوَارِدَة على الْعين إِلَى حجَّة فِي السّنة الْقَابِلَة إِلَّا إِذا كَانَت الْمسَافَة بِحَيْثُ لَا تقطع فِي سنة فَيجوز لَهُ ذَلِك لِإِمْكَان التشاغل بِالسَّفرِ فِي الْحَال وَإِن وَردت الْإِجَارَة على الذِّمَّة فَلهُ أَن يعين أَيَّة سنة شَاءَ فَإِن أطلق نزل على السّنة الأولى الثَّالِث كَون الْحَج مَعْلُوما بِأَعْمَالِهِ للْأَجِير وَلَا يحْتَاج إِلَى التَّعْرِيف فِي العقد فَإِنَّهُ مشهر فِي الْعرف فَإِنَّهُ فرض جهل على الندور من أَحدهمَا لم يَصح العقد وَأما تعْيين مِيقَات الْإِحْرَام فِيهِ اخْتِلَاف نَص فَقيل قَولَانِ أَحدهمَا يشْتَرط لِأَن غَرَض الْأَجِير يتَفَاوَت بِهِ وَالثَّانِي لَا لِأَن غَرَض الْمُسْتَأْجر لَا يتَفَاوَت وَقيل بل هُوَ على حَالين فَإِن كَانَ الْمُسْتَأْجر لَهُ مَيتا فَلَا غَرَض إِلَّا تبرئة ذمَّته فَأَما الْحَيّ فَلهُ غَرَض فِي تعْيين الْمَوَاقِيت فَيلْزمهُ ذَلِك
وَقيل إِن كَانَ على طَرِيقه مِيقَات تعين بِالْعرْفِ وَإِن كَانَ طَرِيقه يقْضِي إِلَى مسلكين يقْضِي كل وَاحِد إِلَى مِيقَات آخر فَلَا بُد من التَّعْيِين الرَّابِع أَن لَا يعْقد بِصِيغَة الْجعَالَة فَلَو قَالَ المعضوب من حج عني فَلهُ مائَة فحج عَنهُ إِنْسَان نقل الْمُزنِيّ أَنه وَقع عَنهُ وَاسْتحق الْمِائَة وخر ج الْأَصْحَاب مِنْهُ تَصْحِيح صِيغَة الْجعَالَة فِي كل مَا يقبل الْإِجَارَة وَذهب بعض الْأَصْحَاب إِلَى تزييفه فَإِن ذَلِك يحْتَمل من ضَرُورَة الْجعَالَة فعلى هَذَا بطلت التَّسْمِيَة وَصَحَّ الْإِذْن وَاسْتحق الْمَأْذُون أُجْرَة الْمثل لوُقُوع الْحَج عَن الْإِذْن وَمهما فَسدتْ الْإِجَارَة بِفساد الْعِوَض بَقِي الْإِذْن صَحِيحا وَوَجَب أُجْرَة الْمثل لوُقُوع الْحَج عَن الْإِذْن وَقيل إِن الْإِذْن يفْسد بِهَذَا الْعُمُوم فَإِن من قَالَ وكلت كل من أَرَادَ بيع دَاري لم تصح الْوكَالَة لعدم تعين الْوَكِيل فَكَذَلِك هَاهُنَا
النّظر الثَّانِي فِي أَحْكَام الْإِجَارَة عِنْد اخْتِلَاف أَحْوَال الْأَجِير وأحواله سَبْعَة
الأولى إِذا فَاتَهُ الْحَج فِي السّنة الأولى بامتناعه عَن الْخُرُوج انْفَسَخت الْإِجَارَة إِن كَانَت وَارِدَة على الْعين فَإِن كَانَت وَارِدَة على الذِّمَّة قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لم يَنْفَسِخ وللمستأجر الْخِيَار كَمَا لَو أفلس المُشْتَرِي بِالثّمن وَقَالَ المراوزة فِيهِ قَولَانِ كَمَا فِي انْقِطَاع جنس الْمُسلم فِيهِ على قَول يَنْفَسِخ وعَلى قَول يثبت الْخِيَار فَإِن أثبتنا الْخِيَار وَإِن كَانَ الْمُسْتَأْجر مَيتا فَلَا خِيَار للْوَرَثَة لِأَنَّهُ يجب
عَلَيْهِم صرف الْأُجْرَة إِلَى أجِير آخر لتبرئة ذمَّته والأجير الذى عينه الْمَيِّت أولى وَفِيه احْتِمَال إِذْ قد يكون للْمَيت فِيهِ مصلحَة فِي إِبْدَال الْأَجِير بِمن هُوَ أَرغب مِنْهُ الثَّانِيَة إِذا خَالف فِي الْمِيقَات فَأحْرم بِعُمْرَة عَن نَفسه ثمَّ أحرم بِحَجّ الْمُسْتَأْجر فِي جَوف مَكَّة فيحط شَيْء من أجرته وَفِي الْقدر المحطوط قَولَانِ أَحدهمَا أَن يُقَال حجَّة من الْمِيقَات كم أجرتهَا وَحجَّة من جَوف مَكَّة كم أجرتهَا وَيعرف نِسْبَة التَّفَاوُت فَإِن كَانَ عشرا فيحط الْعشْر على الْمُسَمّى وَحَقِيقَة هَذَا القَوْل ترجع إِلَى أَن الْأُجْرَة تقَابل الْحَج الْمَقْصُود أبدا دون السّفر الذى هُوَ ذَرِيعَة فَلذَلِك لم يدْخلهُ فِي الِاعْتِبَار وَالثَّانِي أَنه يعرف التَّفَاوُت بَين حجَّة من الْبَلَد الذى اُسْتُؤْجِرَ فِيهَا وَحجَّة من جَوف مَكَّة فيكثر التَّفَاوُت فيحط عَن أجرته وَحَاصِل هَذَا أَن السّفر إِن كَانَ تقابله الْأُجْرَة فَلَا يحْسب لَهُ فِي هَذَا القَوْل لِأَنَّهُ صرفه إِلَى عمْرَة نَفسه الْمَسْأَلَة بِحَالِهَا لَو عَاد إِلَى الْمِيقَات وَأَنْشَأَ الْإِحْرَام بِالْحَجِّ عَنهُ فَإِن لم نقابل السّفر
بِأُجْرَة أصلا اسْتحق تَمام الْأُجْرَة وَإِن قابلنا أحبطنا مَا قَابل الْمسَافَة الَّتِى صرفهَا إِلَى عمرته فَإِن حَسبنَا لَهُ السّفر اسْتحق تَمام الْأُجْرَة فَإِن أحبطنا الْمسَافَة هَاهُنَا لصرفها إِلَى عمرته فيضبط التَّفَاوُت بَين أُجْرَة حجَّة من بَلْدَة نهضتها وَمن الْمِيقَات إحرامها وَبَين حجَّة أنشئت من الْمِيقَات من غير سبق سفر ويحط من الْمُسَمّى بنسبته الْمَسْأَلَة بِحَالِهَا لم يعْتَمر أصلا لَكِن أحرم من جَوف مَكَّة فَمَا صرف السّفر إِلَى نَفسه لَكِن لزمَه دم الْإِسَاءَة فَهَل ينجبر بِالدَّمِ مَا يحط من الْأُجْرَة فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا ينجبر فَلَا يحط شئ وَالثَّانِي يحط لِأَن الدَّم وَجب حَقًا لله تَعَالَى ومقصود الْمُسْتَأْجر لَا ينجبر فعلى هَذَا يعود الْخلاف فِي أَن السّفر هَل يحْسب لَهُ فِي توزيع الْأُجْرَة وَهَاهُنَا أولى بِأَن يحْسب وَإِن قُلْنَا إِنَّه ينجبر بِالدَّمِ فَلَو كَانَ قيمَة الدَّم تنقص عَمَّا يَقْتَضِيهِ الْحَط فَقدر التَّفَاوُت هَل يحط فِيهِ وَجْهَان
الْمَسْأَلَة بِحَالِهَا عين لَهُ الْكُوفَة ليحرم بهَا فجاوزها فَفِي لُزُوم دم الْإِسَاءَة وَجْهَان مأخذهما التَّرَدُّد فِي أَن تَعْيِينه هَل يلْتَحق بِتَعْيِين الشَّرْع فَإِن قُلْنَا يجب الدَّم عَاد الْخلاف فِي أَنه هَل يجْبر النُّقْصَان وَإِن قُلْنَا لَا يجب عَاد الْخلاف فِي أَن الْمُسَافِر هَل يحْسب لَهُ وَلَا خلاف أَنه لَو ارْتكب مَحْظُورًا غير مُفسد لزمَه الدَّم وَلَا حط لِأَنَّهُ أَتَى بِتمَام الْعَمَل الثَّالِثَة إِذا خَالف فِي الْجِهَة بِأَن اسْتَأْجرهُ على الْقرَان فأفرد فقد زَاد خيرا وَلَو قرن بِإِذْنِهِ فأصح الْوَجْهَيْنِ أَن دم الْقرَان على الْمُسْتَأْجر وَكَأَنَّهُ قرن بِنَفسِهِ وَالثَّانِي على الْأَجِير لِأَنَّهُ الْتزم تَحْصِيل الْحَج وَالْعمْرَة بطرِيق الْقرَان وتتمة الْقرَان بِالدَّمِ فليف بِهِ وَلَو اسْتَأْجرهُ على الْإِفْرَاد فقرن فالدم على الْأَجِير قطعا وَالْحج وَالْعمْرَة واقعان عَن الْمُسْتَأْجر لِأَن الشَّرْع جعل الْقرَان كالإفراد وَهل يحط شئ من الْأُجْرَة
مَعَ جبره بِالدَّمِ فِيهِ الْخلاف السَّابِق وَإِن أمره بالقران فتمتع فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه كالقرآن لِأَنَّهُ إِن نقص فِي إِحْرَام الْحَج من الْمِيقَات فقد زَاد فِي الْعَمَل وَالثَّانِي أَن زِيَادَته غير محسوبة فَإِنَّهُ غير مَأْمُور بِهِ وعَلى هَذَا فالدم عَلَيْهِ لأَنا جَعَلْنَاهُ مُخَالفا وَإِن جَعَلْنَاهُ مُوَافقا فالوجهان فِي الدَّم عائدان الرَّابِعَة إِذا جَامع الْأَجِير فسد حجه وانفسخت الْإِجَارَة إِن كَانَت
وَردت على عينه لفَوَات الْوَقْت وَلَزِمَه الْقَضَاء لنَفسِهِ ورد الْأُجْرَة وَإِن وَردت على ذمَّته لم تَنْفَسِخ وَعَلِيهِ الْقَضَاء فِي السّنة الثَّانِيَة فَإِذا قضى فَهَل يَقع عَن الْمُسْتَأْجر فعلى وَجْهَيْن أَحدهمَا لَا لِأَن الْقَضَاء يَقع عَمَّن انْصَرف الْفَاسِد إِلَيْهِ فعلى هَذَا عَلَيْهِ أَن يحجّ عَن الْمُسْتَأْجر حجَّة أُخْرَى سوى الْقَضَاء وَالثَّانِي أَنه يَقع عَنهُ فَإِنَّهُ لَو تمم الأول لوقع عَنهُ وَهَذَا قَضَاء الأول الْخَامِسَة لَو أحرم عَن مستأجره ثمَّ صرف إِلَى نَفسه على ظن أَنه ينْصَرف إِلَيْهِ وَأتم الْحَج فالحج عَن الْمُسْتَأْجر وَفِي اسْتِحْقَاقه الْأُجْرَة قَولَانِ وَوجه السُّقُوط أَنه قصد أَن يعْمل لنَفسِهِ وهما جاريان فِي الصّباغ إِذا جحد الثَّوْب وصبغه لنَفسِهِ فِي أَنه هَل يسْتَحق الْأُجْرَة السَّادِسَة إِذا مَاتَ الْأَجِير فِي أثْنَاء الْحَج يقدم على هَذَا أَن من مَاتَ فِي أثْنَاء حجه فَهَل لوريثه أَن يسْتَأْجر من يَبْنِي على حجه وَيَأْتِي بالبقية فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا نعم لِأَن الِاسْتِنَابَة فِي بعضه كالاستنابه فِي كُله وَالثَّانِي لَا إِذْ يبعد أَدَاء عبَادَة وَاحِدَة من شَخْصَيْنِ فَإِن جَوَّزنَا فَمَاتَ قبل الْوُقُوف أحرم الْأَجِير من حَيْثُ انْتهى إِلَيْهِ الْمُسْتَأْجر عَنهُ وَلَا ضَرَر فِي وُقُوعه وَرَاء الْمِيقَات وَإِن مَاتَ بعد الْوُقُوف وَبعد طُلُوع الْفجْر من يَوْم النَّحْر قَالَ المراوزة يحرم الْأَجِير وَإِن لم يكن فِي أشهر الْحَج لِأَن هَذَا بِنَاء على مَا سبق فِي الْأَشْهر وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يحرم بِعُمْرَة وَيَأْتِي بِبَقِيَّة أَعمال الْحَج وَلَا يَأْتِي بمناسك مني وَهُوَ بعيد
وَإِن مَاتَ بَين التحللين فَقِيَاس المراوزة أَن يَأْتِي بِإِحْرَام حكمه أَن لَا يمْنَع اللّبْس والقلم وَإِن مَاتَ بعد التحللين فَلَا يبْقى للْإِحْرَام وَجه فَيتَعَيَّن الرُّجُوع إِلَى إِبْدَال الْمَنَاسِك الْوَاقِعَة بعد التحللين رَجعْنَا إِلَى الْأَجِير فَإِن جَوَّزنَا الْبناء فالمستأجر مُتَمَكن مِنْهُ فَيسْتَحق وَرَثَة الْأَجِير قسطا من الْأُجْرَة لِأَن مَا سبق لم يحبط وَإِن قُلْنَا لَا يُمكن الْبناء فقد حَبط مَا سبق فَفِي اسْتِحْقَاق قسط من الْأُجْرَة وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ لم يحصل لَهُ غَرَض وَالثَّانِي نعم لِأَنَّهُ أَتَى بِالْبَعْضِ وَلم يقصر فِي الْبَعْض فَإِن قُلْنَا يسْتَحق قسطا فَفِي التَّوْزِيع وَجْهَان أَحدهمَا أَنَّهَا لَا تحسب الْمسَافَة بل يَبْتَدِئ التَّقْدِير من وَقت الْإِحْرَام فَمَا يُقَابله يسْتَحق وَالثَّانِي تحسب الْمسَافَة لِأَنَّهُ من عمله وعَلى هَذَا يسْتَحق الْأَكْثَر لَا محَالة وَإِن مَاتَ قبل الْإِحْرَام فَفِي احتساب السّفر خلاف مُرَتّب وَأولى بِأَن لَا يحْسب لِأَن الذريعة إِذا لم تتصل بِالْمَقْصُودِ لَا يبْقى لَهَا حكم وَإِن كَانَت الْإِجَارَة وَارِدَة على الذِّمَّة فَلَا تَنْفَسِخ بل يبْقى الْحَج دينا فِي تَركه الْأَجِير فيستأجر وَارثه من
تركته من يتم على قَول تَجْوِيز الْبناء أَو من يبتدىء حجا على قَول الْمَنْع السَّابِعَة لَو أحْصر الْأَجِير فتحلل فَهُوَ كالموت وَإِن فَاتَهُ الْحَج بعد الْإِحْرَام فَهُوَ كالإفساد لِأَنَّهُ يجب الْقَضَاء وَلَا يسْتَحق شَيْئا فِي مُقَابلَة عمله وَذكر الْعِرَاقِيُّونَ وَجها أَنه يسْتَحق قسطا
الْمُقدمَة الثَّانِيَة لِلْحَجِّ
النّظر فِي الْمَوَاقِيت
وَيُرَاد بالميقات الزَّمَان وَالْمَكَان أما الْمِيقَات الزماني لِلْحَجِّ فشهر شَوَّال وَذُو الْقعدَة وتسع من ذِي الْحجَّة وَفِي لَيْلَة الْعِيد إِلَى طُلُوع الْفجْر وَجْهَان أَحدهمَا الصِّحَّة لبَقَاء وَقت الْوُقُوف وَالثَّانِي لَا يَصح وَلَكِن يَدُوم فِي حق الْوُقُوف وَقَالَ أَبُو حنيفَة جَمِيع السّنة وَقت إِحْرَام الْحَج أما الْعمرَة فَجَمِيع السّنة وَقتهَا وَلَا يكره فِي وَقت كَرَاهِيَة الصَّلَاة وَلَا فِي سَائِر الْأَوْقَات إِذا كَانَ متخليا عَن النّسك أما الْحَاج العاكف بمنى فالمعرج على الرَّمْي وَالْمَبِيت لَا تَنْعَقِد عمرته فِي هَذَا الْوَقْت لِأَنَّهُ يحرم عَلَيْهِ الِاشْتِغَال بِعَمَل الْعمرَة فِي هَذَا الْوَقْت لوُجُوب الرَّمْي وَالْمَبِيت
فرع
إِذا أحرم قبل أشهر الْحَج انْعَقَد إِحْرَامه وَلم يكن حجا ويتحلل بِعَمَل عمْرَة وَهل تقع عمرته صَحِيحَة حَتَّى يتَأَدَّى بهَا عمْرَة الْإِسْلَام فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ إِذا بَطل الْحَج بَقِي إِحْرَام مطبق وينصرف إِلَى الْعمرَة
وَالثَّانِي أَنه لَا يَقع عمْرَة بل هُوَ كمن فَاتَهُ الْحَج يتَحَلَّل بِعَمَل عمرته عَن إِحْرَامه وَلَا تتأدى عمرته بِهِ وَقيل إِن صرفه إِلَى الْعمرَة انصراف إِلَيْهِ
أما الْمِيقَات المكاني فالحاج أَرْبَعَة أَصْنَاف
الأول الآفاقي المتوجه إِلَى مَكَّة على قصد النّسك عمْرَة كَانَ أَو حجا فَعَلَيهِ أَن يحرم من الْمِيقَات وميقات أهل الْمَدِينَة ذُو الحليفة وميقات أهل الشَّام الْجحْفَة وَلأَهل الْيمن يَلَمْلَم وَلأَهل نجد الْيمن ونجد الْحجاز قرن وَلأَهل الْمشرق ذَات عرق لتعيين عمر رَضِي الله عَنهُ ذَلِك وَاسْتمرّ النَّاس عَلَيْهِ وَاسْتحبَّ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَن يحرم من الْعَتِيق قبل ذَات عرق لوُرُود خبر مُرْسل فِيهِ
ثمَّ هَذِه الْمَوَاقِيت لأَهْلهَا وَلكُل من مر بهَا من سَائِر الْبِلَاد ويكفيه أَن يحرم من مَوضِع بِإِزَاءِ مِيقَاته فَإِن الْمَقْصُود مِقْدَار بعده عَن مَكَّة وَالْأولَى أَن يحرم من أول الْمِيقَات وَإِن أحرم من آخِره فَلَا بَأْس
فروع أَرْبَعَة
الأول رَاكب التعاسيف إِذا لم ينْتَه إِلَى مِيقَات أحرم من حَيْثُ يوازي أول
الْمِيقَات فَهُوَ مِيقَاته وَلَو حَاذَى ميقاتين نسبنا إِحْرَامه إِلَى أَي الميقاتين أردنَا فَإِن كَانَ أَحدهمَا أبعد من مَكَّة وَكَانَ أقرب من موقفه من الآخر نسبنا إِحْرَامه إِلَيْهِ وَإِن كَانَ بَينهمَا على سَوَاء فَوَجْهَانِ أَحدهمَا النِّسْبَة إِلَى الْأَبْعَد وَالثَّانِي إِلَى الْأَقْرَب وتتبين فَائِدَته فِيمَن جَاوز غير محرم وَلَزِمَه الْعود وعسر الرُّجُوع إِلَى موقفه بالضلال فَإلَى أَي الميقاتين يرجع وَلَو رَجَعَ إِلَى موقفه كَفاهُ بل يَكْفِي كل مجاوز أَن يعود إِلَى مثل تِلْكَ الْمسَافَة وَإِن لم يعد إِلَى ذَلِك الْموقف بِعَيْنِه الثَّانِي الْغَرِيب إِذا أَتَى من جَانب وَلم يمر بميقات وَلَا حاذاه فَيحرم على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة نزولا على قَضَاء عمر رَضِي الله عَنهُ فِي تأقيت ذَات عرق لأهل الْمشرق والتفاتا إِلَى حد الْمَذْهَب فِي حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام الثَّالِث مهما جَاوز الْموضع الذى هُوَ مِيقَات فِي حَقه فقد أَسَاءَ فَعَلَيهِ الدَّم فَإِن عَاد وَلَكِن بعد دُخُول مَكَّة لم يَنْفَعهُ الْعود وَإِن قبل دُخُول مَكَّة وَقبل مُجَاوزَة الْمِيقَات من مَسَافَة الْقصر سقط دم الْإِسَاءَة وَصَارَ متداركا بإحرامه من الْمِيقَات وَإِن جَاوز مَسَافَة الْقصر فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ إِذا بعد انْقَطع طَرِيق التَّدَارُك هَذَا إِذا عَاد وَأَنْشَأَ الْإِحْرَام من الْمِيقَات فَإِن أنشأ الْإِحْرَام حَيْثُ انْتهى وَعَاد إِلَى الْمِيقَات محرما فَفِي
كَونه متداركا وَجْهَان فَإِن جَعَلْنَاهُ متداركا فَلَا يلْزمه أَن يعود ملبيا خلافًا لأبي حنيفَة الرَّابِع لَو أحرم قبل الْمِيقَات فَهُوَ أفضل قطع بِهِ فِي الْقَدِيم وَقَالَ فِي الْجَدِيد يكره وَهُوَ متأول وَمَعْنَاهُ أَن يتوقى الْمخيط وَالطّيب من غير إِحْرَام وَإِذا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من تَمام الْحَج وَالْعمْرَة أَن يحرم بهما من دويرة أَهله
الصِّنْف الثَّانِي من يتَوَجَّه إِلَى مَكَّة لتِجَارَة لَا للنسك فَهَل يلْزمه أَن يدْخل مَكَّة محرما من الْمِيقَات فِيهِ قَولَانِ فَإِن قُلْنَا لَا يلْزمه فليجاوزه وَلَا إساءة فَإِن سنح لَهُ بعد ذَلِك أَن يحرم فميقاته عِنْد ظُهُور قصد النّسك فَإِن جاوزه فَهُوَ كَمَا لَو جَاوز الْمِيقَات الصِّنْف الثَّالِث من مَسْكَنه بَين الْمِيقَات وَبَين مَكَّة فميقاته مَسْكَنه فَلَا يُجَاوِزهُ الصِّنْف الرَّابِع الْمُقِيم بِمَكَّة مكيا كَانَ أَو آفافيا فميقاته مَكَّة وَالْأَفْضَل أَن يحرم من بَاب دَاره أَو فِي الْمَسْجِد قَرِيبا من الْبَيْت فِيهِ اخْتِلَاف نَص فَإِن خرج الْمَكِّيّ
إِلَى الْحل وَأحرم بِالْحَجِّ فَهُوَ مسيء يلْزمه الدَّم أَو الْعود إِن أحرم بعد مُفَارقَة الْعمرَان وَقبل الِانْتِهَاء إِلَى الْحل وَأحرم بِالْحَجِّ فَوَجْهَانِ منشؤهما أَن الْمِيقَات فِي حَقهم هُوَ الْحرم أَو خطة مَكَّة أما الْعمرَة فميقاتها كميقات الْحَج إِلَّا فِي حق الْمَكِّيّ والمستوطن بهَا فَإِن عَلَيْهِم الْخُرُوج إِلَى أَطْرَاف الْحل وَلَو بخطوة فِي ابْتِدَاء الْإِحْرَام أَو دَوَامه على رَأْي وَأفضل أَطْرَاف بقاع الْحل الْجِعِرَّانَة وَهِي الَّتِي أحرم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بهَا وَبعده التَّنْعِيم وَهُوَ أقرب إِلَى الْحرم وَقد اعْتَمَرت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا مِنْهُ وَبعده الْحُدَيْبِيَة
فرع
وَلَو أحرم من مَكَّة فِي الْحرم وَلم يخرج إِلَى الْحل فَفِي الِاعْتِدَاد بعمرته قَولَانِ أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ إساءة فِي الْمِيقَات فَلَا تمنع الِاعْتِدَاد كَالْحَجِّ وَالثَّانِي لَا لِأَن الْجمع بَين الْحل وَالْحرم ركن فِي الْحَج فَإِن عَرَفَة من الْحل فَكَذَلِك فِي الْعمرَة فعلى هَذَا إِن خرج إِلَى الْحل ثمَّ أعَاد الطّواف وَالسَّعْي كَفاهُ
الْقسم الثَّانِي من الْكتاب فِي الْمَقَاصِد
وَفِيه ثَلَاثَة أَبْوَاب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي وُجُوه أَدَاء النُّسُكَيْنِ وَله ثَلَاثَة أوجه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
الأول الْإِفْرَاد
وَهُوَ أَن يحرم بِالْحَجِّ من مِيقَاته أَولا فَإِذا فرغ خرج إِلَى طرف الْحل وَأحرم بِالْعُمْرَةِ وَكَذَا لَو قدم الْعمرَة فِي غير أشهر الْحَج ثمَّ حج من الْمِيقَات فَهُوَ مُفْرد
الْوَجْه الثَّانِي الْقرَان
وَهُوَ أَن يحرم بهما جَمِيعًا فتندرج الْعمرَة تَحت الْحَج وَيكون حَاله حَال الْحَج الْمُفْرد وَكَذَا لَو أحرم بِالْعُمْرَةِ ثمَّ أَدخل الْحَج عَلَيْهِ قبل الشُّرُوع فِي أَعمال الْعمرَة فَإِن خَاضَ فِي الطّواف فَأدْخل عَلَيْهِ الْحَج لَغَا إِدْخَاله لِأَن أَعمال الْعمرَة من أَسبَاب التَّحَلُّل فَلَا يُمكن الْقُرْآن مَعَ اخْتِلَاف الْإِحْرَام وَفِي إِدْخَال الْعمرَة على الْحَج قَولَانِ أَحدهمَا الْجَوَاز كَعَكْسِهِ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَا يتَغَيَّر حكم الْحَج بِدُخُول الْعمرَة عَلَيْهِ بِخِلَاف الْعمرَة فَإِنَّهَا تَتَغَيَّر بِزِيَادَة دُخُول الْحَج فَإِن جَوَّزنَا فَفِي وقته أَرْبَعَة أوجه
أَحدهَا أَنه لَا يجوز مَا لم يستغل بِعَمَل وَلَو بِطواف الْقدوم وَالثَّانِي أَنه يجوز مَا لم يشْتَغل بِرُكْن وَلَو بالسعي بعد طواف الْقدوم وَالثَّالِث يجوز مَا لم يخرج وَقت الْوُقُوف وَإِن سعى من قبل لِأَن الْحَج عَرَفَة وَالرَّابِع يجوز وَإِن فَاتَ وَقت الْوُقُوف مَا لم يشْتَغل بِأَسْبَاب التَّحَلُّل وعَلى هَذَا لَو كَانَ قد سعى فَالصَّحِيح أَنه لَا يلْزمه إِعَادَة السَّعْي لِأَنَّهُ إِذا صَار قَارنا حصل الاندراج وَقيل لَا يَكْتَفِي بالسعي السَّابِق ثمَّ إِذا جَعَلْنَاهُ قَارنا لم يُخرجهُ إِلَى نِيَّة الْقرَان بل يَكْفِيهِ إِحْرَامه بالنسك الثَّانِي وَيجب على الْقَارِن الآفاقي دم كَمَا على الْمُتَمَتّع
الْوَجْه الثَّالِث التَّمَتُّع
والمتمتع هُوَ كل آفاقي زاحم إِحْرَام الْحَج لنَفسِهِ بِعُمْرَة فِي أشهر الْحَج مَعَ نِيَّة التَّمَتُّع فَيلْزمهُ الدَّم لأمرين أَحدهمَا ربحه أحد الميقاتين إِذا أحرم بِالْحَجِّ من مَكَّة من غير عود إِلَى الْمِيقَات وَالثَّانِي زحمة الْحَج فِي أشهره بِالْعُمْرَةِ
وَقد اشْتَمَلت الرابطة على قيود
الأول الآفاقي فَمن كَانَ من حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام فَلَيْسَ عَلَيْهِ دم لِأَن مِيقَاته لِلْحَجِّ نفس مَكَّة
وحاضروا الْمَسْجِد الْحَرَام كل من كَانَ بَينه وَبَين مَكَّة مَا دون مَسَافَة الْقصر سَوَاء كَانَ مستوطنا أَو مُسَافِرًا حَتَّى إِن الآفاقي إِذا جَاوز الْمِيقَات غير مُرِيد نسكا فَلَمَّا دخل مَكَّة عَن لَهُ أَن يعْتَمر ثمَّ يحجّ لم يلْزمه الدَّم وَإِن عَن لَهُ ذَلِك قبل دُخُول مَكَّة على أقل من مَسَافَة الْقصر فَأحْرم بِالْعُمْرَةِ من مَوْضِعه ثمَّ حج فِي تِلْكَ السّنة فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا يلْزمه كَمَا لَو كَانَ وَطنه ذَلِك الْموضع وَالثَّانِي يلْزمه لِأَن اسْم الْحَاضِر لَا يتَنَاوَلهُ إِلَّا إِذا كَانَ فِي نفس مَكَّة أَو كَانَ متسوطنا حواليها
فرع
لَو كَانَ لَهُ مسكنان أَحدهمَا خَارج عَن مَسَافَة الْقصر فَحكمه حكم الْمسكن الَّذِي أنشأ الْإِحْرَام مِنْهُ إِلَّا إِذا كَانَ سكونه بِأَحَدِهِمَا أَكثر أَو كَانَ أَهله بِأَحَدِهِمَا فَالْعِبْرَة بِهِ الْقَيْد الثَّانِي أَن يحرم بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحَج فَلَو تقدّمت ثمَّ أحرم بِالْحَجِّ
من جَوف مَكَّة كَانَ مُفردا لَا مُتَمَتِّعا وَهل يلْزمه دم الْإِسَاءَة بترك مِيقَات الْحَج فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ لم يُجَاوز الْمِيقَات غير محرم وَالثَّانِي نعم لِأَن مَكَّة لَيْسَ مِيقَات الْحَج فِي حق الآفاقي فعلى هَذَا عَلَيْهِ الْعود إِلَى الْمِيقَات فَإِن لم يفعل لزمَه الدَّم فَأَما إِذا وَقع بعض الْعمرَة فِي أشهر الْحَج فَإِن لم يسْبق إِلَّا الْإِحْرَام فَفِي كَونه مُتَمَتِّعا وَجْهَان وَإِن سبق بعض الْأَفْعَال فَوَجْهَانِ مرتبان منشؤهما أَن النّظر إِلَى أول الْإِحْرَام أَو آخِره وَقطع ابْن سُرَيج بِأَنَّهُ لَو دخل شَوَّال وَهُوَ محرم بِالْعُمْرَةِ لم يُفَارق الْمِيقَات بعد فَهُوَ متمتع الْقَيْد الثَّالِث أَن تقع الْعمرَة وَالْحج فِي سنة وَاحِدَة فَلَو فرغ من الْعمرَة فَأخر الْحَج إِلَى السّنة الثَّانِيَة وَأحرم بِهِ من مَكَّة فَلَا دم عَلَيْهِ إِذْ صَارَت مَكَّة ميقاتا لَهُ وَلَو عزم على الْإِقَامَة ثمَّ حج فِي السّنة الأولى لم يسْقط دم الْمُتَمَتّع فَإِنَّهُ بِالْعُمْرَةِ فِي الْمِيقَات الْتزم الْعود إِلَى الْمِيقَات أَو الدَّم الرَّابِع أَن لَا يعود إِلَى الْمِيقَات لِلْحَجِّ فَلَو عَاد إِلَيْهِ أَو إِلَى مثل مسافته كَانَ مُفردا وَلَو عَاد إِلَى مِيقَات قرب من ذَلِك الْمِيقَات فَفِي سُقُوط الدَّم وَجْهَان
وَلَو أحرم من مَكَّة ثمَّ عَاد إِلَى الْمِيقَات الأول محرما فَفِي سُقُوط الدَّم قَولَانِ كَمَا فِي دم الْإِسَاءَة الْخَامِس وُقُوع النُّسُكَيْنِ عَن شخص وَاحِد فالأجير إِذا اعْتَمر من الْمِيقَات لنَفسِهِ وَحج من جَوف مَكَّة لمستأجره فَلَيْسَ بمتمتع لِأَنَّهُ لم يزحم حجا وَاجِبا بِالشَّرْعِ بل بِالْإِجَارَة وَهَذَا الشَّرْط زَاده الخضرى وَمن الْأَصْحَاب من خَالفه وعَلى مذْهبه يعود التَّرَدُّد فِي لُزُوم دم الْإِسَاءَة كَمَا فِي الْمُتَمَتّع إِذا أحرم بِالْعُمْرَةِ قبل شَوَّال وَدم الْإِسَاءَة يُخَالف دم الْمُتَمَتّع فِي صفه الْبَدَل وَفِي أَنه يَعْصِي ملتزمه وَيجب عَلَيْهِ تَدَارُكه عِنْد الْإِمْكَان السَّادِس نِيَّة التَّمَتُّع وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا تعْتَبر كَمَا فِي الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ حَتَّى لَو كَانَ عِنْد الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ على عزم أَن لَا يحجّ فِي هَذِه السّنة أَو على عزم أَن يعود إِلَى الْمِيقَات لم يكن نَاوِيا وَالثَّانِي لَا تعْتَبر هَذِه النِّيَّة كَمَا فِي الْقرَان
فَإِن اعْتبرنَا النِّيَّة فَفِي وقته وَجْهَان أَحدهمَا فِي أول إِحْرَام الْعمرَة وَالثَّانِي أَنه يتمادى إِلَى آخر إِحْرَام الْعمرَة كَمَا فِي الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ هَذِه شَرَائِط التَّمَتُّع فَلَو جَاوز الْمُتَمَتّع مَكَّة فِي الْإِحْرَام بِالْحَجِّ كَانَ مسيئا ومتمتعا فَيلْزمهُ دمان كَمَا يجب دم الْإِسَاءَة على الْمَكِّيّ إِذا فَارق مَكَّة وَلَا يَكْفِيهِ دم التَّمَتُّع بل ذَلِك لزحمة إِحْرَام الْحَج عَن الْمِيقَات وَدم الْإِسَاءَة لمفارقة مَكَّة فِي إِحْرَام الْحَج مَعَ أَنَّهَا مِيقَاته فَإِن قيل فَأَي الْجِهَات أفضل قُلْنَا الْإِفْرَاد فَإِنَّهُ يَتَعَدَّد فِيهِ الْمِيقَات وَالْعَمَل وَالْقرَان فِي آخر الرتب إِذْ يتحد فِيهِ الْمِيقَات وَالْعَمَل والتمتع يتحد فِيهِ الْمِيقَات وَلَكِن يَتَعَدَّد الْعَمَل فَهُوَ بَينهمَا وَفِيه قَول أَن التَّمَتُّع أفضل من الْإِفْرَاد لاشْتِمَاله على الدَّم وَحكي قَول آخر أَن الْقرَان أفضل من التَّمَتُّع
ولنذكر الْآن مُوجب الْقرَان والتمتع وَهَذَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب مَا على الْمُتَمَتّع والقارن فِي مَعْنَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمتمتع إِن كَانَ مُوسِرًا فَعَلَيهِ إِرَاقَة دم وَقت وُجُوبه الْإِحْرَام بِالْحَجِّ وَله إراقته قبل يَوْم النَّحْر لِأَنَّهُ دم جبران وَقَالَ أَبُو حنيفَة يخْتَص بِهِ لِأَنَّهُ دم نسك وقربان وَفِي جَوَاز إراقته قبل الْحَج وَبعد الْعمرَة قَولَانِ أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ كَفَّارَة مَالِيَّة فَيقدم على أحد سببيه ككفارة الْيَمين وَالثَّانِي لَا لِأَن اسْم الْيَمين مُتَحَقق قبل الْحِنْث وَاسم التَّمَتُّع إِلَى الْحَج لَا يتَحَقَّق إِلَّا بعد الْحَج
فَإِن جَوَّزنَا ذَلِك فَفِي جَوَازه قبل التَّحَلُّل عَن الْعمرَة وَجْهَان ومنشؤه أَن السَّبَب الأول يتم بِإِحْرَام الْعمرَة أَو بِتَمَامِهَا أما الْعَاجِز فَعَلَيهِ صِيَام عشرَة أَيَّام ثَلَاثَة فِي الْحَج وَسَبْعَة فِي الرُّجُوع وَيدخل وَقت الثَّلَاث بِإِحْرَام الْحَج وَلَا يجوز قبله لِأَنَّهَا عبَادَة بدنية فَلَا يجوز تَقْدِيمهَا وَالْأولَى أَن تقدم على يَوْم عَرَفَة إِذْ الصَّوْم مَكْرُوه فِيهِ وَإِن أخر عَن النَّحْر فأيام التَّشْرِيق لَا تقبله كَيَوْم النَّحْر وَفِي الْقَدِيم قَوْله أَنه يقبل فَإِن تَأَخّر عَن أَيَّام التَّشْرِيق صَار قَضَاء وَيلْزمهُ الْقَضَاء خلافًا لأبي حنيفَة وَحكى ابْن سُرَيج قولا يُوَافق مَذْهَب أبي حنيفَة
وَأما السَّبْعَة فَأول وَقتهَا بِالرُّجُوعِ إِلَى الوطن وَهل يجوز فِي الطَّرِيق بعد التَّوَجُّه إِلَى الوطن فِيهِ وَجْهَان وَللشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ قَول أَن المُرَاد بِالرُّجُوعِ هُوَ الرُّجُوع إِلَى مَكَّة وَقَول آخر أَن المُرَاد بِالرُّجُوعِ الْفَرَاغ من الْحَج وعَلى هَذَا لَا يجوز فِي أَيَّام التَّشْرِيق وَإِن قُلْنَا تقبل الْأَيَّام الثَّلَاثَة لِأَنَّهُ لم يفرغ بعد من الْحَج وَالْأَيَّام السَّبْعَة لَا آخر لَهَا فَلَا تصير قَضَاء وَإِن فَاتَت الْأَيَّام الثَّلَاثَة حَتَّى رَجَعَ إِلَى الوطن فَعَلَيهِ عشرَة أَيَّام
وَهل يجب التَّفْرِيق بَين الثَّلَاثَة والسبعة فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا نعم كَمَا فِي الْأَدَاء وَالثَّانِي لَا كَمَا أَن قَضَاء رَمَضَان لَا يجب فِيهِ الْوَلَاء وَإِن كَانَ أَدَاؤُهُ متواليا فَإِن قُلْنَا يجب فَهَل يَكْفِي يَوْم وَاحِد أم يتَقَدَّر التَّفْرِيق بِالْقدرِ المتخلل فِي الْأَدَاء فِيهِ وَجْهَان
فَإِن قَدرنَا بِهِ فيبتني الْمِقْدَار المتخلل على معرفَة معنى الرُّجُوع وَأَن أَيَّام التَّشْرِيق هَل تقبل الصَّوْم فَإِن قُلْنَا تقبل وَالْمرَاد بِالرُّجُوعِ الْفَرَاغ فَلَا يَتَخَلَّل بَينهمَا فطر فَهَل يجب التَّفْرِيق فِي الْقَضَاء بِيَوْم فَوَجْهَانِ وَوجه الْإِيجَاب أَن الْحَال قد افترق فِي الْأَدَاء بِوَقع الثَّلَاثَة فِي الْحَج والسبعة بعْدهَا فَلَا بُد فِي الْقَضَاء أَيْضا من فرق بِالزَّمَانِ بَدَلا عَنهُ ثمَّ الصَّحِيح أَنه إِذا صَامَ أحد عشر يَوْمًا كَفاهُ وَالْيَوْم الرَّابِع لَا يَقع عَن هَذِه الْجِهَة وَوَقع تَطَوّعا وَفِيه وَجه آخر أَنه لَا بُد من الْإِفْطَار فِي الْيَوْم الرَّابِع
فرعان
أَحدهمَا إِن وجد الْهَدْي بعد الشُّرُوع فِي الصَّوْم لم يلْزمه خلافًا للمزني وَإِن وجد قبله وَبعد إِحْرَام الْحَج ابتنى على أَقْوَال الْكَفَّارَة فِي أَن الِاعْتِبَار بِحَالَة الْأَدَاء أم بِحَالَة الْوُجُوب الثَّانِي إِذا مَاتَ الْمُتَمَتّع قبل الْفَرَاغ من الْحَج فَهَل نتبين أَنه لم يحصل
التَّمَتُّع قَولَانِ أَحدهمَا نعم لِأَن الْحَج لم يتم وَكَأَنَّهُ لم يحجّ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ يُحَقّق التَّمَتُّع وَلَو مَاتَ بعد الْفَرَاغ من الْحَج وَقبل الرُّجُوع إِلَى الوطن أخرج الدَّم من تركته فَإِن كَانَ عَاجِزا وَمَات بَرِئت الذِّمَّة لِأَنَّهُ لم يتَمَكَّن فِي السّفر فَهُوَ كَمَا إِذا دَامَ السّفر وَالْمَرَض فِي صَوْم رَمَضَان إِلَى الْمَوْت وَإِن مَاتَ بعد التَّمَكُّن فِي الوطن فَحكم هَذِه الْأَيَّام حكم أَيَّام رَمَضَان حَتَّى يَصُوم عَنهُ وليه أَو يفْدي كل يَوْم بِمد وَذكر صَاحب التَّقْرِيب قَوْلَيْنِ آخَرين أَحدهمَا أَنه لَا يُقَاس هَذَا على رَمَضَان فِي الْفِدْيَة وَصَوْم الْوَلِيّ لِأَنَّهُ غير مَعْقُول فِي نَفسه فَلم يرد إِلَّا فِي رَمَضَان وَالثَّانِي أَنه يرجح إِلَى الدَّم إِن أمكن لِأَن صَوْم رَمَضَان لَيْسَ لَهُ أصل يرجع إِلَيْهِ فعلى هَذَا لَو بَقِي يَوْم وَاحِد أَو يَوْمَانِ فَهُوَ كَمَا لَو حلق شَعْرَة وَاحِدَة أَو شعرتين وَسَيَأْتِي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي أَعمال الْحَج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
ولنقدم عَلَيْهِ جملها
فالآفاقي إِذا انْتهى إِلَى الْمِيقَات يحرم ويتزيا بزِي المحرمين فَإِذا دخل مَكَّة لم يعزم على شئ حَتَّى يطوف طواف الْقدوم وَلَيْسَ هَذَا الطّواف بِرُكْن ثمَّ إِن شَاءَ يسْعَى بعده فَيَقَع السَّعْي ركنا إِذْ لَيْسَ تَأْخِيره عَن الْوُقُوف شرطا فِي كَونه ركنا بِخِلَاف الطّواف ثمَّ يصبر إِلَى الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة فيخطب بهم الإِمَام ويوصيهم بالبكور يَوْم التَّرويَة إِلَى مني وبالنهوض إِلَى عَرَفَة فيمتدون يَوْم التَّرويَة إِلَى مني ويبيتون لَيْلَة عَرَفَة بهَا وَذَلِكَ مبيت منزل وَعَادَة لَا مبيت نسك ثمَّ يُصْبِحُونَ يَوْم عَرَفَة متوجهين إِلَيْهَا فيوافونها قبل الزَّوَال ويشتغلون بِالدُّعَاءِ ويقبضون مِنْهَا عِنْد الْغُرُوب إِلَى مُزْدَلِفَة وَيصلونَ الْمغرب مَعَ الْعشَاء ويبيتون بهَا وَهَذَا الْمبيت نسك ثمَّ يصلونَ الصُّبْح يَوْم النَّحْر مغلسين ويتوجهون إِلَى منى وعَلى طريقهم الْمشعر الْحَرَام فَإِذا انْتَهوا إِلَيْهِ وقفُوا إِلَى الْإِسْفَار ثمَّ يجاوزونه إِلَى وَادي محسر فيسرعون فِيهَا عدوا وركضا ثمَّ يوافون منى عِنْد طُلُوع الشَّمْس ويرمون
ويحلقون ويذبحون ثمَّ يقبضون إِلَى مَكَّة ويطوفون طواف الرُّكْن وَيُسمى طواف الْإِفَاضَة والزيارة ثمَّ ينطلقون إِلَى منى للمبيت وَالرَّمْي فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَإِذا فرغوا عَادوا إِلَى مَكَّة وطافوا طواف الْوَدَاع وَانْصَرفُوا وَفِي الْحَج أَربع خطب يَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة وَيَوْم عَرَفَة وَيَوْم النَّحْر وَيَوْم النَّفر الأول وكل ذَلِك بعد صَلَاة الظّهْر وإفراد إِلَّا يَوْم عَرَفَة فَإِنَّهُ يخْطب خطبتين بعد الزَّوَال وَقبل الظّهْر هَذِه جملها أما التَّفْصِيل فَفِيهِ اثْنَا عشر فصلا
الْفَصْل الأول فِي الْإِحْرَام
وَهُوَ عندنَا مُجَرّد النِّيَّة من غير حَاجَة إِلَى تَلْبِيَة خلافًا لأبي حنيفَة وَحكي قَول قديم مثل مذْهبه
ثمَّ النِّيَّة لَهَا ثَلَاثَة أوجه
الأول التَّفْصِيل فَإِذا نوى حجا أَو عمْرَة أَو قرانا قَضَاء كَانَ أَو نذرا أَو تَطَوّعا كَانَ كَمَا نوى إِلَّا إِذا غير التَّرْتِيب بِتَأْخِير فرض الْإِسْلَام أَو تَأْخِير الْفَرْض عَن النَّفْل وَلَو أهل بحجتين أَو عمرتين مَعًا أَو متلاحقا لَغَا أَحدهمَا وَلم تلْزمهُ الزِّيَادَة على الْوَاحِد وَقَالَ أَبُو حنيفَة ينعقدان ثمَّ ينْتَقل أَحدهمَا عِنْد الِاشْتِغَال بِالْعَمَلِ إِلَى الذِّمَّة الْوَجْه الثَّانِي الْإِطْلَاق فَإِذا نوى إحراما مُطلقًا مهما شَاءَ جعله حجا أَو عمْرَة أَو قرانا وَلَا يتَعَيَّن بِمُجَرَّد الِاشْتِغَال بِالطّوافِ للْعُمْرَة وَلَا بِالْوُقُوفِ لِلْحَجِّ بل لَا بُد من نِيَّة الصّرْف خلافًا لأبي حنيفَة وَلَو أحرم مُطلقًا قبل الْأَشْهر ثمَّ عين لِلْحَجِّ بعد الْأَشْهر لم يجز على الْمَذْهَب
وَلَو أحرم بِالْعُمْرَةِ قبل الْأَشْهر ثمَّ أَدخل الْحَج عَلَيْهَا بعد الْأَشْهر للقران فَوَجْهَانِ وَوجه الْمَنْع أَن الْإِحْرَام للقران كالمتحد فَلَا يَنْبَغِي أَن يقدم على الْأَشْهر الْوَجْه الثَّالِث الْإِبْهَام فَإِذا قَالَ أَهلَلْت بإهلال كإهلال زيد صَحَّ إِذا أهل عَليّ بإهلال كإهلال رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ إِن لم يكن زيد محرما انْعَقَد لَهُ إِحْرَام مُطلق وَإِن عرف أَنه لَيْسَ محرما بِأَن كَانَ مَيتا فَفِي انْعِقَاد أصل الْإِحْرَام وَجْهَان وَجه الِانْعِقَاد إِلْغَاء الْإِضَافَة وإبقاء الأَصْل وَقد نَص فِي الْأُم على أَنه لَو أحرم عَن مستأجرين تَعَارضا وتساقطا وانعقد عَن الْأَجِير وَلَو أحرم عَن نَفسه وَعَن الْمُسْتَأْجر فَكَذَلِك إِذْ بَطل التَّفْصِيل وَبَقِي أصل الْإِحْرَام
أما إِذا كَانَ زيد محرما فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال إِحْدَاهَا أَن يكون إِحْرَامه مفصلا فَينزل إِحْرَام الْمُعَلق عَلَيْهِ قرانا كَانَ أَو إفرادا الثَّانِيَة أَن يكون إِحْرَام زيد مُطلقًا فإحرام الْمُعَلق أَيْضا مُطلق وَإِلَيْهِ الْخيرَة فِي التَّعْيِين وَلَا يلْزمه اتِّبَاع زيد فِيمَا يستأنفه من التَّعْيِين فَأَما مَا فَصله قبل تَعْيِينه فَفِي لُزُومه وَجْهَان ينظر فِي أَحدهمَا إِلَى أول الْإِحْرَام وَكَانَ مُطلقًا وَفِي الثَّانِي إِلَى الْحَالة الْمَوْجُودَة عِنْد التَّعْلِيق وَكَانَ مفصلا وَكَذَا إِذا كَانَ أحرم أَولا بِعُمْرَة ثمَّ أَدخل الْحَج عَلَيْهِ الثَّالِثَة أَن يُصَادف زيدا مَيتا بعد الْإِحْرَام وَتعذر مُرَاجعَته فهم كَمَا لَو نسي الرجل مَا أحرم بِهِ وَكَانَ قد أحرم مفصلا وَفِيه قَولَانِ الْقَدِيم أَن يجْتَهد وَيَأْخُذ بغالب الظَّن كَمَا فِي الْقبْلَة إِن كَانَ لَهُ ظن غَالب والجديد الصَّحِيح أَنه يلْزمه الْبناء على الْيَقِين وَطَرِيقه أَن يَجْعَل نَفسه قَارنا فَإِذا فرغ من الْحَج بَرِئت ذمَّته من الْحَج بِيَقِين لِأَنَّهُ إِن كَانَ مُعْتَمِرًا أَولا فقد أَدخل الْحَج عَلَيْهِ وتبرأ ذمَّته عَن الْعمرَة أَيْضا بِيَقِين إِلَّا إِذا منعنَا إِدْخَال الْعمرَة على الْحَج فَيحْتَمل أَن يكون إِحْرَامه أَولا بِالْحَجِّ
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق إِنَّه يبرأ عَن الْعمرَة وَيكون هَذَا عذرا فِي جَوَاز إِدْخَال الْعمرَة فِي الْحَج كَمَا أَن التَّرَدُّد فِي النِّيَّة عِنْد نِسْيَان صَلَاة من الصَّلَوَات الْخمس عذر فِي إِجْزَاء الصَّلَاة فَإِن قُلْنَا تَبرأ عَن الْعمرَة لزمَه دم الْقرَان وَإِلَّا فَلَا يلْزمه لِأَن الْقرَان مَشْكُوك فِيهِ فَأَما إِذا طَاف أَولا ثمَّ شكّ فَيمْنَع إِدْخَال الْحَج لَو كَانَ مُعْتَمِرًا فِي علم الله فَلَا يَكْفِيهِ الْقرَان بل طَرِيقه أَن يسعي ويحلق ويبتدأ إحراما بِالْحَجِّ من جَوف مَكَّة ويتممه فتبرأ ذمَّته عَن الْحَج بِيَقِين لِأَنَّهُ إِن كَانَ حَاجا فغايته حلق فِي غير أَوَانه وَفِيه دم وَإِن كَانَ مُعْتَمِرًا فقد تحلل بِالْحلقِ وَالسَّعْي وَأَنْشَأَ بعده حجا فَصَارَ مُتَمَتِّعا وَفِيه دم وَلَا تَبرأ ذمَّته عَن الْعمرَة لاحْتِمَال أَن الأول كَانَ حجا وَالدَّم لَا بُد مِنْهُ وَلكنه لَا يدْرِي أهوَ دم حلق أم دم تمتّع وَتَعْيِين جِهَة الْكَفَّارَات فِي النِّيَّة لَيْسَ شرطا فَلَا يضر التَّرَدُّد نعم لَو كَانَ مُعسرا فبدل الْفِدْيَة ثَلَاثَة أَيَّام وَبدل التَّمَتُّع عشرَة أَيَّام فَإِن أَتَى بِالثلَاثِ فَهَل تَبرأ ذمَّته فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لِأَن الزَّائِد غير مستيقن فَلَا يُوجِبهُ وَالثَّانِي لَا لِأَن شغل الذِّمَّة بِالصَّوْمِ مستيقن والبراءة بِهَذَا الْقدر غير مستيقن وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ الْحلق لَا نأمره بِهِ لاحْتِمَال أَنه حَاج وَالْحلق فِي غير
أَوَانه محرم إِلَّا بأذى من نفس الشّعْر والأذى هَاهُنَا من النسْيَان نعم لَو بَادر فحلق كَانَ حكمه مَا ذَكرْنَاهُ وَالْأَظْهَر أَنه يُؤمر بِهِ لِأَن هَذَا الضَّرَر أعظم من أَذَى الشّعْر إِذْ يُؤدى إِلَى فَوَات الْحَج لَو لم يفعل ذَلِك