الوسيط في المذهبصفحات 3-47
أهل الأثرالأرشيف العلمي

0 -. = كتاب البيع = ﴿وَأحل الله البيع﴾ وَاجْتمعت الْأمة على كَونه سَببا لإِفَادَة الْملك وَالنَّظَر فِي أَحْكَامه يتَعَلَّق بِخَمْسَة أَقسَام الْقسم الأول فِي صِحَّته وفساده وَالثَّانِي فِي لُزُومه وجوازه وَالثَّالِث فِي حكمه قبل الْقَبْض وَبعده وَالرَّابِع فِيمَا يَقْتَضِيهِ مُطلق أَلْفَاظه فِي الثِّمَار وَالْأَشْجَار واستتباع الْأُصُول الْفُرُوع وَالْخَامِس فِي مداينة العبيد وتصرفاتهم

الْقسم الأول فِي بَيَان صِحَّته وفساده وَفِيه أَرْبَعَة أَبْوَاب

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي أَرْكَان البيع وَهِي ثَلَاثَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْعَاقِد والمعقود عَلَيْهِ وَصِيغَة العقد فَلَا بُد مِنْهَا لوُجُود صُورَة العقد

الرُّكْن الأول الصِّيغَة وَهِي الْإِيجَاب وَالْقَبُول

وَسبب اعْتِبَارهَا الِاسْتِدْلَال بهما على الرِّضَا فَإِن الأَصْل هُوَ التَّرَاضِي وَلَكِن الرِّضَا خَفِي فيناط الحكم بِسَبَب ظَاهر يدل عَلَيْهِ وَيتَفَرَّع عَن هَذَا الأَصْل ثَلَاث مسَائِل نذكرهُ فِي معرض السُّؤَال فَإِن قيل فليكتف بالمعاطاة فَإِنَّهَا دلَالَة على الرِّضَا فِي المحقرات قُلْنَا الْأَفْعَال مترددة مَا صيغت للدلالة على الضمائر وَإِنَّمَا الْعبارَات هِيَ الْمَوْضُوعَة لهَذَا الْغَرَض فَكَانَ الحكم مَنُوطًا بهَا وَقد ذهب أَبُو حنيفَة رَحمَه الله إِلَى الِاكْتِفَاء بِهِ فِي المحقرات وَهُوَ قَول خرجه ابْن سُرَيج

فَإِن قيل فليكتف بقوله بِعني وَقَول الْمُخَاطب بِعْت قُلْنَا فِيهِ وَجْهَان أقيسهما الِاكْتِفَاء بِهِ كَمَا فِي النِّكَاح وَالثَّانِي لَا يكْتَفى بِهِ لِأَنَّهُ قد يَقُول بِعني لاستبانة الرَّغْبَة فينوب عَن قَوْله هَل تبيع وَأما النِّكَاح فَلَا يقدم عَلَيْهِ فَجْأَة فِي غَالب الْأَمر فَتكون الرَّغْبَة قد ظَهرت من قبل

فَإِن قيل فلينعقد بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّة فَإِنَّهَا تدل على الرِّضَا قُلْنَا قطع الْأَصْحَاب بذلك فِي الْخلْع وَالْكِتَابَة وَالصُّلْح عَن دم الْعمد وَالْإِبْرَاء وكل مَا يتَصَوَّر الِاسْتِقْلَال بمقصوده دون قبُول الْمُخَاطب فِي بعض الْأَحْوَال لِأَنَّهُ لَيْسَ يعْتَمد فهم الْمُخَاطب وَقَطعُوا بِالْبُطْلَانِ فِي النِّكَاح وَبيع الْوَكِيل إِذا شَرط عَلَيْهِ الْإِشْهَاد لَان الشُّهُود لَا يطلعون على النِّيَّة وَاخْتلفُوا على الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُعَاوَضَات الْمَحْضَة وَوجه الْمَنْع أَن الْإِيجَاب وَالْقَبُول سَبَب لقطع النزاع إِذا كَانَ صَرِيحًا والنيات يطول فِيهَا النزاع فليشترط التَّصْرِيح للْمصْلحَة كَمَا فِي النِّكَاح فَإِن قيل فَلَو توافرت الْقَرَائِن حَتَّى أفادت الْعلم انْقَطع الِاحْتِمَال والنزاع قُلْنَا أما النِّكَاح فَفِيهِ تعبد للشَّرْع فِي اللَّفْظ وَأما البيع الْمُقَيد بِالْإِشْهَادِ وَغَيره فَالظَّاهِر عِنْدِي الِانْعِقَاد وان لم يتَعَرَّض لَهُ الْأَصْحَاب

الرُّكْن الثَّانِي الْعَاقِد

وأهلية الْمُعَامَلَات تستفاد من التَّكْلِيف فتصرفات الصَّبِي وَالْمَجْنُون بِإِذن الْوَلِيّ وَدون إِذْنه وبالغبطة والغبينة بَاطِلَة خلافًا لأبي حنيفَة نعم فِي تَدْبيره ووصيته وَرِوَايَته وإسلامه خلاف يَأْتِي فِي مَوْضِعه وَفِي البيع الَّذِي يختبر بِهِ الصَّبِي لإيناس الرشد خلاف وَالْأولَى مَنعه وَلَا يعْتد بِقَبض الصَّبِي أَيْضا فَإِنَّهُ سَبَب ملك أَو ضَمَان فَلَو قَالَ أد حَقي إِلَى

الصَّبِي فَأدى لم يبرأ لَان مَا فِي الذِّمَّة لَا يتَعَيَّن ملكا إِلَّا بِقَبض صَحِيح بِخِلَاف مَا لَو قَالَ رد الْوَدِيعَة إِلَيْهِ فَإِن الْوَدِيعَة متعينة وَلَو سلم الصَّبِي درهما إِلَى صراف لينقده لَهُ فَأَخذه دخل فِي ضَمَانه فليرده على وليه وَلَو رد عَلَيْهِ لم يبرأ وَفِي إِخْبَار الصَّبِي عَن التَّمْلِيك فِي إِيصَال الْهَدِيَّة وَعَن الْإِذْن عِنْد فتح الْبَاب طَرِيقَانِ مِنْهُم من خرجه على الْخلاف فِي رِوَايَته وَمِنْهُم من قطع بِالْقبُولِ اقْتِدَاء بالأولين وَعَادَة السّلف وَلَا شكّ فِي الْقبُول إِذا ظَهرت الْقَرَائِن فان الْعلم إِذا حصل سقط اثر إخْبَاره أما إِسْلَام الْعَاقِد فَغير مَشْرُوط إِلَّا فِي شِرَاء العَبْد الْمُسلم وَفِيه قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يَصح من الْكَافِر لما فِيهِ من الذل وَلِأَنَّهُ يقطع ملكه لَا محَالة فَدفعهُ أولى وَالثَّانِي أَنه يَصح لَان الْملك مُتَصَوّر لَهُ على الْمُسلم فِي الْإِرْث فسبب الْملك صَحِيح فِي حَقه وَالأَصَح الْمَنْع خلافًا لأبي حنيفَة وَفِي شِرَاء الْكَافِر الْمُصحف قَولَانِ مرتبان وَأولى بِالْمَنْعِ لَان العَبْد يدْفع الذل عَن نَفسه

وَفِي الْملك الَّذِي يستعقب الْعتْق كَشِرَاء الْكَافِر وَلَده الْمُسلم أَو كشرائه من شهد من قبل بحريَّته وَجْهَان مرتبان وَأولى بِالصِّحَّةِ لاستعقابه الْحُرِّيَّة ضَرُورَة وَلَو قَالَ الْكَافِر اعْتِقْ عَبدك الْمُسلم عَليّ فَأعتق فَفِي وُقُوعه عَنهُ وَجْهَان مرتبان وَهَذَا أولى بالنفوذ لَان الْملك حصل ضمنا فيبعد اعْتِبَار الشَّرَائِط فِيهِ

التفريغ إِن أبطلنا الشِّرَاء فَعَلَيهِ فروع أَرْبَعَة

أَحدهَا فِي الارتهان والاستئجار وَجْهَان أَحدهمَا يَصح إِذْ لَيْسَ فيهمَا ملك وَالثَّانِي الْمَنْع لِأَن الِاسْتِيلَاء بِالِانْتِفَاعِ وَالْحَبْس إذلال فان صححنا الْإِجَارَة فَهَل يُكَلف الْكَافِر أَن يؤاجره من مُسلم فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا يلْزمه كَمَا فِي الشِّرَاء وَالثَّانِي لَا إِذْ الْمُسلم إِذا عمل باجرة لم يكن فِيهِ ذل وَكَأَنَّهُ يعْمل لنَفسِهِ وَالْأولَى جَوَاز الرَّهْن وَالْإِجَارَة كَمَا فِي الْإِيدَاع والإعارة وَأما الْإِجَارَة الْوَارِدَة على الذِّمَّة فَلَا خلاف فِي جَوَازهَا وَالثَّانِي الْمُسلم إِذا اشْترى العَبْد الْمُسلم لكَافِر لم يَصح وَإِن اشْتَرَاهُ الْكَافِر لمُسلم إِن صرح بِالْإِضَافَة إِلَى الْمُسلم صَحَّ وَإِن أضمر فَوَجْهَانِ يبتنيان على

تعلق الْعهْدَة بالوكيل الثَّالِث إِذا اشْترى الْمُسلم عبدا مُسلما من كَافِر بِثَوْب فَوجدَ الْكَافِر عَيْبا بِالثَّوْبِ فَفِي رده ليعود العَبْد إِلَيْهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ توصل إِلَى جلب الْملك بِالِاخْتِيَارِ وَالثَّانِي يجوز لَان الِاخْتِيَار فِي الرَّد أما عود الْعِوَض إِلَيْهِ فَيَقَع ضَرُورَة قهرا وَكَذَلِكَ الْمُسلم إِذا وجد عَيْبا بِالْعَبدِ فَفِي رده إِلَيْهِ وَجْهَان لِأَنَّهُ مَمْنُوع عَن التَّمْلِيك كَمَا يمْنَع الْكَافِر عَن التَّمْلِيك ثمَّ إِذا منعنَا الرَّد تعين الارش وَكَانَ ذَلِك عذرا مَانِعا الرَّابِع لَو كَانَ العَبْد كَافِرًا فَأسلم قبل الْقَبْض فينفسخ العقد كَمَا يَنْفَسِخ بِالْمَوْتِ أَو يثبت الْخِيَار كَمَا يثبت بالإباق فِيهِ وَجْهَان وتشبيهه بالاباق أولى هَذَا إِذا اشْتَرَاهُ من مُسلم فان اشْتَرَاهُ من كَافِر فَفِي الِانْفِسَاخ وَجْهَان مرتبان

وَأولى بألا يَنْفَسِخ لِأَنَّهُ كَيْفَمَا تردد انْقَلب إِلَى كَافِر فالاستصحاب أولى فَإِن قضينا بِبَقَاء العقد فيقبضه الْكَافِر ثمَّ يُبَاع عَلَيْهِ أم يَسْتَنِيب القَاضِي عَنهُ من يقبضهُ كَيْلا يذل العَبْد بِقَبْضِهِ فِيهِ وَجْهَان وَإِن فرعنا على قَول الصِّحَّة فَيُبَاع عَلَيْهِ بعد قَبضه أَو قبض القَاضِي عَنهُ على وَجه وَكَذَلِكَ مَتى أسلم فِي دوَام الْملك فَلَو مَاتَ قبل البيع بيع على وَارثه وَيَنْقَطِع عَنهُ الْمُطَالبَة بِالْإِعْتَاقِ وكل مَا يزِيل الْملك وَلَا يَنْقَطِع بِالتَّزْوِيجِ وَالرَّهْن وَالْإِجَارَة وَهل يَنْقَطِع بِالْكِتَابَةِ وان كَانَت لَا تزيل الْملك فِي الْحَال لإفضائها إِلَى الزَّوَال وَلُزُوم الْحجر فِي الْحَال فِيهِ وَجْهَان وَأولى بالاكتفاء بهَا وَلَو رَضِي بالحيلولة بَينهمَا لم يكتف بِهِ إِلَّا فِي الْمُسْتَوْلدَة فان بيعهَا مُتَعَذر وإعتاقها تخسير فيستكسبها لأَجله فِي يَد غَيره وَقيل انه تعْتق عَلَيْهِ وَهُوَ بعيد

الرُّكْن الثَّالِث الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَبِيع

وَله خَمْسَة شَرَائِط وَهُوَ أَن يكون طَاهِرا مُنْتَفعا بِهِ مَمْلُوكا للعاقد أَو لمن يَقع العقد لَهُ مَقْدُورًا على تَسْلِيمه مَعْلُوما للمتعاقدين

الشَّرْط الأول الطَّهَارَة

وَلَا يجوز بيع السرقين وَسَائِر الْأَعْيَان النَّجِسَة خلافًا لأبي حنيفَة ومعتمد الْمَذْهَب الْإِجْمَاع على بطلَان بيع الْخمر والجيفة والعذرة وَمَنْفَعَة الْعذرَة تسميد

الأَرْض وَمَنْفَعَة الجيفة إطعامها لجوارح الطُّيُور وَمَنْفَعَة الْخمر مصيرها خلا كَمَا يصير الصَّغِير ابْن الْيَوْم مُنْتَفعا بِهِ فِي الْكبر فَلَا عِلّة لبُطْلَان بيعهَا إِلَّا النَّجَاسَة

فرع

الودك النَّجس بِوُقُوع نَجَاسَة فِيهِ أَن حكمنَا بِإِمْكَان غسله جَازَ بَيْعه وَإِلَّا ابتني على جَوَاز الاستصباح بِهِ وَفِيه قَولَانِ وَوجه الْمَنْع انتشار دخانه النَّجس مَعَ تعذر الِاحْتِرَاز عَنهُ وبالنجاسة يُعلل عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ امْتنَاع بيع الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَقد ورد الْخَبَر فِيهِ أَيْضا وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك يَصح بَيْعه وَالْخِنْزِير لَا يُبَاع وفَاقا وَمَا يتَوَلَّد من الْكَلْب وَالْخِنْزِير أَو من أَحدهمَا وحيوان طَاهِر فَلهُ حكمهمَا فِي بطلَان البيع

الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون مُنْتَفعا بِهِ

فبه تتَحَقَّق الْمَالِيَّة وَمَا لَا مَنْفَعَة لَهُ ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا أَن تسْقط الْمَنْفَعَة للقلة كالحبة من الْحِنْطَة وَمَا لَيْسَ لَهُ مَنْفَعَة محسوسة فِي ذَاته إِلَّا بِضَم غَيره إِلَيْهِ فبيعه بَاطِل وَمن أتْلفه فَلَا شَيْء عَلَيْهِ إِذْ لَا قيمَة لَهُ وَقَالَ الْقفال عَلَيْهِ مثله إِن كَانَ من ذَوَات الْأَمْثَال وَخَالفهُ غَيره الثَّانِي أَن تسْقط منفعَته لخسته كحشرات الأَرْض من الخنافس والعقارب وَأما الْهِرَّة والفيل والنحل فَفِيهَا مَنْفَعَة فَيجوز بيعهَا وَلَا مَنْفَعَة للأسد والنمر وَمَا

لَا يصطاد من السبَاع وَلَكِن فِيهَا وَفِي الْحمار الَّذِي تَكَسَّرَتْ قوائمه وَجه لَا بَأْس بِهِ أَنه يَصح بيعهَا لجلودها بِخِلَاف جلد الْميتَة فانه لَا يُبَاع لنجاسته لَا لعدم الْمَنْفَعَة وَفِي بيع العلق وَفِيه مَنْفَعَة المص للدم والسم الَّذِي لَا يصلح إِلَّا بِالْقَتْلِ تردد وَالْأولَى الصِّحَّة وَوجه الْمَنْع انه لَا يحتفل بِهَذِهِ الْمَنْفَعَة إِذْ قد ينْتَفع بِحَبَّة وَاحِدَة تجْعَل فِي فخ الطَّائِر وَلَا يعْتد بِمثل ذَلِك وَيجوز بيع لبن الْآدَمِيَّة خلافًا لأبي حنيفَة فانه طَاهِر منتفع بِهِ وَلَيْسَ بآدمي وَيجوز بيع المَاء على شاطئ الْبَحْر وَبيع الصَّخْرَة على الْجبَال لوُجُود الْمَنْفَعَة وَإِنَّمَا الِاسْتِغْنَاء عَنْهَا لِكَثْرَة وَكَذَا بيع التُّرَاب وَقيل المَاء لَا يملك وَهُوَ بعيد الثَّالِث مَا سَقَطت منفعَته شرعا كالمعازف وَمَا هِيَ لغَرَض محرم لَا يصلح لغيره فتيك الْمَنْفَعَة الْمُحرمَة شرعا كالمعدومة حسا نعم أَن كَانَ رضاضة بِكَسْر بعد تَقْدِير الْكسر يتمول فَفِي صِحَة بَيْعه اعْتِمَادًا عَلَيْهِ ثَلَاثَة اوجه وَالْأَظْهَر انه إِن كَانَ من ذهب أَو فضَّة أَو عود أَو شَيْء نَفِيس صَحَّ لِأَنَّهُ

مَقْصُود فغلب قصد الصَّنْعَة وان كَانَ من خشب فَلَا لَان الْقَصْد مُرْتَبِط بالصنعة فَلَا يعْتَمد البيع غَيره وَفِي بيع الْقنية والكبش الَّذِي يطْلب للنطاح كَلَام سَنذكرُهُ

الشَّرْط الثَّالِث أَن يكون مَمْلُوكا للعاقد

فَبيع الْفُضُولِيّ مَال الْغَيْر عندنَا بَاطِل وَقَالَ أَبُو حنيفَة يقف على إِجَازَته وَهُوَ قَول قديم لم يعرفهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَنَصّ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على قَوْلَيْنِ فِيمَن غصب أَمْوَالًا واتجر فِيهَا وَتصرف فِي أثمانها أَحدهمَا بطلَان الْبياعَات وتتبعها بِالنَّقْضِ وَهُوَ قِيَاس الْمَذْهَب وَالثَّانِي أَن الْمَالِك بِالْخِيَارِ فان شَاءَ أجَاز واخذ الْأَثْمَان وتعليله بِالْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجة لعسر تتبع التَّصَرُّفَات المتعاقبة

فرع

لَو قَالَ اشْتريت لزيد وَهُوَ لَيْسَ بوكيل لم يَقع عَن زيد وَهل يَقع عَنهُ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لَان الْفَاسِد إِضَافَته فتخصص بالإفساد وَيبقى قَوْله اشْتريت

وَالثَّانِي لَا وَهُوَ الأولى لَان الْكَلَام يعْتَبر جملَة وَهُوَ لم يشتر شَيْئا لنَفسِهِ أصلا فان قيل لَو بَاعَ مَالا على ظن انه ملك الْغَيْر فَإِذا هُوَ ملكه هَل يَصح قُلْنَا نقل الْعِرَاقِيُّونَ قَوْلَيْنِ فِيمَا إِذا بَاعَ مَال أَبِيه على ظن انه حَيّ فَإِذا هُوَ ميت فَالْقِيَاس صِحَّته وَالظَّن الْخَطَأ لَا أثر لَهُ وَوجه الْمَنْع أَن مُقْتَضى لَفظه من حَيْثُ قرينَة الْحَال تَعْلِيق البيع على الْمَوْت وان أَتَى بِصِيغَة التَّنْجِيز فَلَا يكون بعبارته معربا عَن تَنْجِيز الْملك فِي الْحَال وَهُوَ لَا يعْتَقد لنَفسِهِ ملكا

الشَّرْط الرَّابِع أَن يكون مَقْدُورًا على تَسْلِيمه حسا وَشرعا

ومستنده النَّهْي عَن بيع الْغرَر وَالْعجز الْحسي فِي الضال والآبق وَالْمَغْصُوب

فروع

ثَلَاثَة الأول بيع السّمك فِي الْحَوْض الْوَاسِع المسدودة المنافذ وَالطير المفلت فِي دَار فيحاء الَّذِي يقدر عَلَيْهِ وَلَكِن بعد عسر وتعب فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا لَان مثل هَذَا التَّعَب لَا يحْتَمل فِي غَرَض البيع فَلَا نظر إِلَى الْقُدْرَة بعد تحمله وَالثَّانِي وَهُوَ الأولى الصِّحَّة لِأَنَّهُ مَقْدُور عَلَيْهِ ومستند هَذَا الشَّرْط النَّهْي عَن بيع الْغرَر وَهَذَا موثوق بِهِ بَالا لَا غرر فِيهِ

الثَّانِي بيع حمام البرج نَهَارا وعادته أَن تأوي إِلَى البرج لَيْلًا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا الْجَوَاز كَالْعَبْدِ الْغَائِب ثِقَة بعوده الطبيعي وَالثَّانِي الْمَنْع لَان الْغرَر ظَاهر فِي عوده بِخِلَاف العَبْد وَهُوَ الأولى إِذْ الِاشْتِغَال بِأَسْبَاب التَّسْلِيم من طلب العَبْد مُمكن وَهَا هُنَا لَا طَرِيق إِلَى الِانْتِظَار على غرر الثَّالِث الْمَغْصُوب الَّذِي يقدر المُشْتَرِي على اسْتِرْدَاده دون البَائِع فِيهِ خلاف لتعارض الْقُدْرَة وَالْعجز من الْجَانِبَيْنِ وَالْأولَى الصِّحَّة إِذا الْمَقْصُود التَّسْلِيم وَهُوَ مُمكن فِي نَفسه نعم لَو كَانَ المُشْتَرِي جَاهِلا فَلهُ الْخِيَار إِذا البيع لَا يكلفه تَعب الانتزاع وان كَانَ عَالما فَلهُ الْخِيَار أَن عجز وَإِلَّا فَلَا أما المعجوز عَن تَسْلِيمه شرعا فَهُوَ الْمَرْهُون فبيعه بَاطِل وَفِي بيع الدَّار المكراة خلاف سَيَأْتِي وَفِي بيع العَبْد الْجَانِي جِنَايَة تعلق الارش بِرَقَبَتِهِ قَولَانِ أَحدهمَا الْمَنْع كَالرَّهْنِ وَأولى فانه أقوى من وَثِيقَة الرَّهْن وَلذَلِك يقدم الْأَرْش إِذا جنى العَبْد الْمَرْهُون وَالثَّانِي الصِّحَّة وَهُوَ الأولى لِأَنَّهُ لم يحْجر على نَفسه وَجِنَايَة العَبْد لَا تحجر عَلَيْهِ فِي ملكه وتصرفه لَكِن يثبت مُتَعَلقا فِي رقبته إِن رغب السَّيِّد عَن

فدائه ليَكُون عصمَة لحقه بِقدر الضَّرُورَة أما إِذا اسْتوْجبَ العَبْد الْقطع بِالسَّرقَةِ أَو بِالْقَتْلِ بِالرّدَّةِ فَيصح بَيْعه إِذْ لَا ارش وَفِي الْقَتْل الْمُوجب للْقصَاص خلاف مُرَتّب على أَن مُوجب الْعمد مَاذَا وعَلى كل حَال فَهَذَا أولى بِجَوَاز البيع لَان الدِّيَة غير متعينة للْوُجُوب

التَّفْرِيع

أَن حكمنَا بِفساد البيع فَفِي الْإِعْتَاق خلاف كَمَا فِي الرَّهْن وان حكمنَا بِالصِّحَّةِ فَلَو كَانَ مُعسرا بِالْفِدَاءِ فَالظَّاهِر الْمَنْع وَفِيه وَجه منقاس انه يَصح وَلَكِن يثبت الْخِيَار للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ وان كَانَ مُوسِرًا مهما امْتنع الْفِدَاء بِسَبَب من الْأَسْبَاب أما السَّيِّد فَفِي ثُبُوت الْخِيَار لَهُ وَجْهَان وَوجه الْإِثْبَات انه لم يُصَرح بِالْتِزَام الْفِدَاء فَلَا يلْزمه وَله دفع الطّلبَة عَن نَفسه بِالْفَسْخِ وَهَذَا بعيد عِنْد علمه بِجِنَايَة العَبْد فانه بِالْتِزَام التَّسْلِيم إِلَى المُشْتَرِي الْتزم الْفِدَاء فليؤاخذ بهما وَلَكِن لَو كَانَ جَاهِلا فَيظْهر إِثْبَات الْخِيَار لَهُ

فرع

إِذا بَاعَ نصفا من نصل أَو سيف أَو آنِية ينقصها التَّبْعِيض فَهُوَ بَاطِل لَان البيع لَا يلْزم بنقيض غير الْمَبِيع وَالشَّرْع قد يمْنَع مِنْهُ إِذا كَانَ فِيهِ إِسْرَاف فيتقاعد البيع عَن إِيجَاب التَّسْلِيم وَلَو بَاعَ ذِرَاعا من كرباس لَا تنقص بِالْقطعِ قِيمَته فِيهِ وَجْهَان ذهب صَاحب التَّلْخِيص إِلَى الْمَنْع لِأَنَّهُ غير مُمكن إِلَّا بتغيير عين الْمَبِيع وَالْبيع لَا يلْزمه وَلَعَلَّ التَّصْحِيح أولى

الشَّرْط الْخَامِس أَن يكون مَعْلُوما للمتعاقدين

وَالْعلم يتَعَلَّق بِعَين الْمَبِيع وَقدره وَوَصفه مرتبَة من مَرَاتِب الْعلم الْعلم بِالْعينِ وَهُوَ شَرط فَلَو بَاعَ عبدا من عبيده أَو ثوبا من ثِيَابه أَو شَاة من قطيعه لَا على التَّعْيِين بَطل لما فِيهِ من الْغرَر الَّذِي يسهل اجتنابه ولان العقد لم يجد موردا يتأثر بِهِ فِي الْحَال فَأشبه النِّكَاح

وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَو قَالَ بِعْت عبدا من العبيد الثَّلَاثَة وَلَك خِيَار التَّعْيِين صَحَّ وَلم يصحح فِي الثِّيَاب وَلَا فِيمَا فَوق الثَّلَاثَة وَلَا دون شَرط الْخِيَار

وَفَسَاد هَذِه التحكمات بَين

فروع ثَلَاثَة

أَحدهمَا لَو قَالَ بِعْت صَاعا من هَذِه الصُّبْرَة وَهِي مَعْلُومَة الصيعان صَحَّ قطعا وان كَانَت مَجْهُولَة فَوَجْهَانِ يبتنيان على العلتين إِن عللنا بَان مورد العقد لم يتأثر بِهِ فِي الْحَال بَطل هَذَا العقد فان الْإِبْهَام مَوْجُود هَهُنَا وَفِي صُورَة الْعلم بِعَدَد الصيعان ينزل على الإشاعة حَتَّى لَو تلف نصف الصُّبْرَة انْفَسَخ العقد بتلفه فِي ذَلِك الْقدر وَالْبَاقِي يخرج على قولي تَفْرِيق الصَّفْقَة وَهَذَا اخْتِيَار الْقفال وَهُوَ الْأَصَح

وان عللنا بَان الْإِبْهَام منع لأجل الْغرَر فَلَا غرر هَا هُنَا لتساوي أَجزَاء الصُّبْرَة بِخِلَاف العبيد وَبِخِلَاف مَا إِذا بَاعَ ذِرَاعا من ارْض لَا على التَّعْيِين فان الْغَرَض يخْتَلف فِيهِ باخْتلَاف الجوانب وَيلْزم عَلَيْهِ التَّصْحِيح إِذا بَاعَ قدر صَاع من جملَة الصُّبْرَة وَقد فرقت صيعانها وَبِه اسْتشْهد الْقفال وَيبعد تَصْحِيحه وَاسْتشْهدَ بِأَنَّهُ لَو قَالَ بِعْت مِنْك هَذِه الصُّبْرَة إِلَّا صَاعا وَهِي مَجْهُولَة الصيعان بَطل فَأَي فرق بَين اسْتثِْنَاء الْمَعْلُوم من الْمَجْهُول واستثناء الْمَجْهُول من الْمَعْلُوم والإبهام يعمهما وَفِي الْفرق غموض

الثَّانِي إِذا اشْترى قِطْعَة من الأَرْض محفوفة بِملك البَائِع فان صرح بِإِثْبَات الْمَمَر ثَبت حق الاجتياز من كل جَانب إِلَّا إِذا كَانَ أحد جوانبها متاخما للشارع أَو ملك الْمُشْتَرى

فالعرف خصص الْمُرُور بِهِ وان خصص بِجَانِب من الجوانب لَا على التَّعْيِين فسد للإيهام وتفاوت الْأَغْرَاض وان صرح بِنَفْي الْمَمَر فَفِي صِحَة البيع وَلَا مَنْفَعَة للْمَبِيع دون الْمَمَر وَجْهَان أظهرهمَا الصِّحَّة إِذا التَّوَصُّل إِلَى الِانْتِفَاع بشرَاء الْمَمَر واستعارته واجارته مُمكن وان سكت عَن ذكر الْمَمَر فطريقان أَحدهمَا انه يَقْتَضِي الْمَمَر من كل جَانب اعْتِمَادًا على الْعرف وَالثَّانِي انه يخرج على الْوَجْهَيْنِ كَمَا إِذا نفى الْمَمَر لِأَنَّهُ سَاكِت عَنهُ الثَّالِث لَو عين جانبا من الأَرْض وَبَاعَ عشرَة اذرع وَلَكِن لم يذرع حَتَّى يتَبَيَّن

مقطع الْملكَيْنِ فِي العيان فَفِيهِ وَجْهَان أظهرهمَا الصِّحَّة للتعيين وَانْتِفَاء الْغرَر وَوُجُود العيان وَلَو بَاعَ الصُّوف على ظهر الْحَيَوَان وَلم يعين المقطع فسد لَان الْعَادة تَتَفَاوَت فِي مقادير الجز بِخِلَاف الكراث فان الْعَادة فِي جزه تتقارب وَلَو قبض على كتلة وَعين المجز صَحَّ وَفِيه احْتِمَال لِأَنَّهُ يتَعَيَّن بِهِ عين الْمَبِيع خلاف الأَرْض وَالشَّجر فان الجز وَالْقطع لَا يغيرهما

الْمرتبَة الثَّالِثَة الْعلم بِالْقدرِ

أما إِذا كَانَ فِي الذِّمَّة فَلَا بُد من التَّقْدِير سَوَاء كَانَ نَقْدا أَو عرضا فَلَو قَالَ بِعْت بِمَا بَاعَ بِهِ فلَان فرسه أَو ثَوْبه أَو بزنة هَذِه الصنجة لَا يَصح لِأَنَّهُ غرر مجتنب يسهل دَفعه وَلَا بُد من تَعْرِيف جنسه وَإِذا تَعَارَضَت النُّقُود لَا بُد من التَّعْرِيف فَإِن غلب وَاحِد كفى الْإِطْلَاق وان غلب فِي الْعرُوض جنس وَاحِد فَفِي الِاكْتِفَاء بِالْإِطْلَاقِ اعْتِبَار بِالنَّقْدِ أَو اشْتِرَاط الْوَصْف نظرا إِلَى أَن الأَصْل فِي الْعرُوض التَّفَاوُت وَجْهَان

فروع ثَلَاثَة

الأول إِذا قَالَ بِعْت مِنْك هَذِه الصُّبْرَة بِعشْرَة دَرَاهِم وَهِي

مُعَاينَة غير مَعْلُومَة الصيعان صَحَّ وَكَذَلِكَ إِذا بَاعَ بصرة مُعَاينَة من الدَّرَاهِم لَان العيان هُوَ المنتهي عرفا فِي الْعُقُود وَلَو قَالَ بِعْتُك الصُّبْرَة كل صَاع بدرهم صَحَّ وان كَانَت مَجْهُولَة الصيعان وَلم يكن مبلغ جملَة الثّمن مَعْلُوما لِأَنَّهُ إِذا رأى جنس الْمَبِيع وَعرف قدر ثمن كل صَاع فقد انْتَفَى الْغرَر وسلك طَرِيق معرفَة الرِّبْح والخسران الثَّانِي إِذا قَالَ بِعْتُك هَذِه الصُّبْرَة بِعشْرَة على أَن أزيدك صَاعا فان أَرَادَ بِهِ التَّبَرُّع بِالزِّيَادَةِ فَهُوَ شَرط هبة فِي بيع فَيفْسد وان أَرَادَ إِدْخَاله فِي الْمُقَابلَة بِالثّمن فان كَانَت مَعْلُومَة الصيعان صَحَّ وان كَانَت الصُّبْرَة عشرَة أصيع فَمَعْنَاه صَاع وَعشر بدرهم وان كَانَت مَجْهُولَة لم يَصح لِأَنَّهُ لَا يدْرِي اشْترى بدرهم صَاعا وَعشرا أَو صَاعا وتسعا أَو مَا يتَرَدَّد فِيهِ فَيكون الثّمن مَجْهُول الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل

فان قيل فَإِذا تردد اللَّفْظ بَين الِاحْتِمَالَات فَكيف يَصح العقد بِمُجَرَّد إِرَادَة صُورَة الصِّحَّة قُلْنَا يلْتَفت هَذَا على الْأَصَح فِي انْعِقَاد البيع بِالْكِنَايَةِ الثَّالِث إِذا بَاعَ سمنا فِي بستوقة تَتَفَاوَت أجزاؤها فِي الغلظ والدقة اَوْ صبرَة على ارْض فِيهَا حفر مُتَفَاوِتَة فَهَذَا يبطل فَائِدَة العيان فِي تخمين الْمِقْدَار لَا فِي معرفَة الصَّفْقَة فَفِيهِ ثَلَاث طرق قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ فِي مَجْمُوعه وَجْهَان فِي أَن البيع يَصح لَان معرفَة الْمِقْدَار بعد العيان لَو كَانَت شرطا لما صَحَّ البيع بصبرة من الدَّرَاهِم مرتبَة غير موزونة وَهَذَا غَرِيب لم يذكرهُ فِي شَرحه الثَّانِيَة أَن العقد بَاطِل قطع بِهِ بعض الْمُحَقِّقين لَان غرره كغرر الْجَهْل بِالصّفةِ وَقد تعذر تَخْرِيجه على بيع الْغَائِب لَان الرُّؤْيَة حَاصِلَة فَمَتَى يثبت الْخِيَار أَو كَيفَ يلْزم دون الْخِيَار وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور الثَّالِثَة وَهُوَ المنقاس تَخْرِيجه على بيع الْغَائِب فانه لَا يتقاصر عَمَّا إِذا قَالَ بِعْتُك الثَّوْب الَّذِي فِي كمي فان فِيهِ قَوْلَيْنِ فَكَذَلِك هَا هُنَا وَهَذَا وَجه التَّخْرِيج اخْتَارَهُ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد ثمَّ قِيَاسه أَن يُقَال معرفَة الْمِقْدَار بِالْوَزْنِ أَو بِرُؤْيَة الدكة وَقت ثُبُوت الْخِيَار كَمَا أَن معرفَة الصّفة بِالرُّؤْيَةِ وقته فِي بيع الْغَائِب

التَّفْرِيع

أَن أبطلنا العقد فَلَو نظر إِلَى صبرَة وَلم يدر أَن تحتهَا دكة فعقد اعْتِمَادًا على اعْتِقَاده فظهرت دكة فَهَل يتَبَيَّن بطلَان العقد أم يقْتَصر على الْخِيَار وَجْهَان اخْتَار الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْأَبْطَال لَان معرفَة الْقدر تَحْقِيقا أَو تخمينا شَرط وَقد تبين فقد الشَّرْط وَالثَّانِي انه يَصح اعْتِمَادًا على الِاعْتِقَاد

الْمرتبَة الثَّالِثَة الْعلم بِالصِّفَاتِ بطرِيق الرُّؤْيَة

وَفِي اشْتِرَاطه فِي الشِّرَاء قَولَانِ وَفِي الْهِبَة قَولَانِ مرتبان وَأولى بَالا يشْتَرط لِأَنَّهُ لَيْسَ من عُقُود المغايبات ليبعد عَن الْغرَر وَذهب الْمُزنِيّ إِلَى الْإِبْطَال لَان الْغرَر المجتنب الَّذِي يسهل إِزَالَته يبطل العقد لنَهْيه عَن بيع الْغرَر وَلَا خلاف أَن الشم والذوق فِي المشموم والمذوق غير مَشْرُوط لَان الرُّؤْيَة اعظم

طَرِيق يعرف بِهِ جَمِيع الْأَشْيَاء فالصفات المرئية تدل على جَمِيع الْمَقَاصِد الْخفية غَالِبا واضطرب الْأَصْحَاب فِي مَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهمَا البَائِع إِذا بَاعَ مَا لم يره مِنْهُم من قَالَ فِيهِ قَولَانِ مرتبان وَأولى بِالْبُطْلَانِ لَان الْخِيَار بعيد عَن البَائِع قَالَه المراوزة وَقيل أولى بِالصِّحَّةِ لِأَن الْمُشْتَرى مُحَصل وَالْبَائِع معرض والمتملك بِالِاحْتِيَاطِ أَجْدَر قَالَه الْعِرَاقِيُّونَ واصح الْمَذْهَب الْبطلَان فِي الشِّرَاء وَالْبيع جَمِيعًا ثمَّ أَن صححنا بيع الْغَائِب فَفِي ثُبُوت الْخِيَار لَهُ عِنْد الرُّؤْيَة وَجْهَان أصَحهمَا الثُّبُوت كالمشتري وَقيل لَا يثبت لَان جَانِبه بعيد عَن الْخِيَار وَلذَلِك إِذا ظن الْمَبِيع معيبا فَإِذا هُوَ سليم لَا خِيَار لَهُ وان استضر بِهِ وَهَذَا يبطل بِخِيَار الْمجْلس وَالشّرط فانهما يَشْتَرِكَانِ فِيهِ وَهَذَا من جنسه الثَّانِيَة فِي شِرَاء الْأَعْمَى طَرِيقَانِ ينشآن على أَن التَّوْكِيل بِالرُّؤْيَةِ وَالْفَسْخ هَل يجوز وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا الْمَنْع لِأَنَّهُ رَأْي مُجَرّد فَصَارَ كَمَا إِذا أسلم على عشر نسْوَة ووكل بِالِاخْتِيَارِ وَالثَّانِي الْجَوَاز كالتوكيل بِالرُّؤْيَةِ وَالشِّرَاء

فان جَوَّزنَا بِالتَّوْكِيلِ خرج شِرَاؤُهُ على الْقَوْلَيْنِ وَإِلَّا قَطعنَا بِالْبُطْلَانِ إِذْ لَا سَبِيل إِلَى الْإِلْزَام وَلَا إِلَى خِيَار لَا مُنْتَهى لَهُ وَفِي قَبضه بِالْهبةِ وَالدّين خلاف مُرَتّب على شِرَائِهِ وَأولى بِالصِّحَّةِ لِأَنَّهُ فعل يبعد عَن الْغرَر وَلَو عمى بعد شِرَاء الْغَائِب فَقُلْنَا لَا تَوْكِيل فِي الرُّؤْيَة انْفَسَخ العقد لِاسْتِحَالَة التَّقْيِيد وَصحح الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ سلم الْأَعْمَى فَقَالَ الْمُزنِيّ لم يرد بِهِ إِلَّا كمه لِأَنَّهُ لَا يعرف الصِّفَات وَمن الْأَصْحَاب من خَالفه لِأَنَّهُ يتخيل فرقا بَين صِفَات الرداءة والجودة

التَّفْرِيع

أَن فرعنا على قَول اشْتِرَاط الرُّؤْيَة فَعَلَيهِ ثَلَاث مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى أَن استقصاء الْأَوْصَاف على وَجه يُفِيد الْإِحَاطَة بالمقاصد هَل يقوم مقَام الرُّؤْيَة فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لحُصُول ثَمَرَتهَا وَهِي الْمعرفَة وَالثَّانِي لَا إِذْ الرُّؤْيَة تطلع على دقائق لَا تحيط الْعبارَة بهَا الثَّانِيَة رُؤْيَة بعض الْمَبِيع تقوم مقَام رُؤْيَة الْكل إِذا كَانَ المرئي يدل على الْبَاقِي كظاهر صبرَة الْحُبُوب والمائعات هَذَا إِذا كَانَ مُتَّصِلا

فان رأى مِنْهُ أنموذجا وَلم يدْخل فِي البيع فَهُوَ كاستقصاء وصف الْمَبِيع وَالأَصَح وَهُوَ اخْتِيَار الشَّيْخ أبي مُحَمَّد انه لَا يقوم مقَام الْوَصْف فِي السّلم لَان اللَّفْظ وَالْوَصْف هُوَ الْمرجع عِنْد الأشكال فِي السّلم وان ادخل فِي البيع صَحَّ على اخْتِيَار الْقفال وَهُوَ الْأَصَح وَفِيه وَجه وان كَانَ المرئي لَا يماثل الْبَاقِي نظر فان كَانَ صَلَاح الشَّيْء فِي إبقائه مَسْتُورا كحب الرُّمَّان ولب الْجَوْز واللوز وَأَمْثَاله كفى رُؤْيَة الظَّاهِر للْحَاجة وَمَا لَيْسَ كَذَلِك يخرج على بيع الْغَائِب

فروع أَرْبَعَة

الأول القشرة الْعليا من الْجَوْز الرطب مِنْهُم من جعله مَانِعا للاستغناء عَنهُ وَمِنْهُم من ألحقهُ بالسفلى فَفِيهِ مصلحَة إبْقَاء الرُّطُوبَة وَالظَّاهِر أَن النشرة الْعليا من الْبَاقِي تَكْفِي رؤيتها لَان الرُّطُوبَة فِيهَا مَقْصُودَة وَالثَّانِي الْفَأْرَة من الْمسك كالمسح من النوري وَالْجَلد من اللَّحْم فَلَا يَكْفِي النّظر إِلَيْهِ إِذْ لَا يتَعَلَّق بِهِ كثير صَلَاح والمسك نَفِيس فَلَا يحْتَمل ذَلِك فِيهِ اعتيادا وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب إِذا لم تكن الْفَأْرَة مَفْتُوحَة يحْتَمل إلحاقها بقشرة الْجَوْز ثمَّ

إِذا أدخلت الْفَأْرَة فِي البيع خرج على نَجَاسَة الْفَأْرَة وَالصَّحِيح أَنَّهَا طَاهِرَة تَشْبِيها بالبيضة فان الطبية تلقي بطبعها فِي كل سنة وَاحِدَة والمسك كَانَ احب الطّيب إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يَلِيق بِالشَّرْعِ تنجيس طرفه وَقيل انه نجس لِأَنَّهُ جُزْء مبان من حَيّ الثَّالِث الديباج المنقش لَا يدل أحد وجهيه على الآخر وَالأَصَح أَن الكرباس يدل أحد وجهيه على الآخر وَفِيه وَجه اعْتِبَارا لأحد الْوَجْهَيْنِ بِأحد النصفين الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة الرُّؤْيَة السَّابِقَة كالمقارنة إِذا كَانَ الشَّيْء مِمَّا لَا يتَغَيَّر غَالِبا خلافًا لأبي الْقَاسِم الانماطي لَان الْمَقْصُود الْمعرفَة

فرعان

أَحدهمَا إِذا اقدم على العقد على ظن انه لم يتَغَيَّر على الْغَالِب فَكَانَ قد تغير على الندور فيتبين بطلَان العقد لتبين انْتِفَاء الْمعرفَة أم يَكْتَفِي بِالْخِيَارِ لبِنَاء العقد على ظن فِيهِ خلاف الثَّانِي إِذا قَالَ المُشْتَرِي تغير ولي الْخِيَار وَأنْكرهُ البَائِع قَالَ صَاحب

التَّقْرِيب القَوْل قَول البَائِع إِذْ الأَصْل عدم التَّغْيِير وَقَالَ الخضري بل الأَصْل عدم لُزُوم الثّمن وَالْأول اصح

التَّفْرِيع على صِحَة بيع الْغَائِب أَربع مسَائِل

الأولى إِذا اشْترى منديلا نصفه فِي صندوق لم يره قطع الْمُزنِيّ بالإبطال فِيمَا نَقله نصا وَمن الْأَصْحَاب من تكلّف لَهُ وَجها وَهُوَ أَن إِثْبَات الْخِيَار فِي النّصْف تَخْصِيصًا محَال والتعميم إِثْبَات فِي المرئي فَيُؤَدِّي إِلَى تنَاقض الحكم وَمِنْهُم من جعل هَذَا بيع غَائِب وَهُوَ الاقيس فان مُوجب الْخِيَار فِي الْبَعْض تسليط على رد كل الْمَبِيع كالعيب بِأحد الْعَبْدَيْنِ فالتعميم غير مُمْتَنع الثَّانِيَة بيع اللَّبن فِي الضَّرع بَاطِل فانه انْضَمَّ إِلَى عدم الرُّؤْيَة الْعَجز عَن تَمْيِيز الْمَعْقُود عَلَيْهِ عَن غَيره إِذا اللَّبن فِي الْعُرُوق ينصب إِلَى الضَّرع وَقت الْحَلب فيختلط بِهِ وَكَذَلِكَ لَو رأى مِنْهُ أنموذجا وَغلط الفوراني إِذْ ذكر فِي الأنموذج وَجْهَيْن نعم لَو قبض على قدر من الضَّرع واحكم شده فَوَجْهَانِ مِنْهُم من حسم الْبَاب لَان الِاطِّلَاع على عدم الِاخْتِلَاط غير مُمكن والشد قد يكون سَبَب حَرَكَة الطبيعة وانصباب اللَّبن

وَكَذَلِكَ إِذا بَاعَ اللَّحْم فِي الْجلد قبل السلخ فَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ أَن بَاعَ دون الْجلد فَلَا يُمكن تَسْلِيمه إِلَّا بتغيير الْجلد وبشقه ثقبه غَالِبا وان بَاعَ مَعَ الْجلد قطع الشَّيْخ أَبُو عَليّ بِالْبُطْلَانِ وَوَجهه اتِّصَال الْمَقْصُود بِمَا لَيْسَ بمقصود على وَجه لَا يُمكن تَحْصِيل الْمَقْصُود إِلَّا بتغيير وَتصرف فِي الْجلد بالسلخ وَالصَّحِيح تَخْرِيجه على الْقَوْلَيْنِ أما بيع الروس والاكارع المسموطة مَعَ النّظر إِلَى الظَّاهِر فَجَائِز على الْقَوْلَيْنِ فان الْجلد فِي حكم جُزْء يُؤْكَل مِنْهُ الثَّالِثَة إِذا صححنا بيع الْغَائِب فقد اتّفق الاكثرون على انه لَو قَالَ بِعْت مِنْك مَا فِي كمي وَلم يذكر الْجِنْس لَا يجوز وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب أبي حنيفَة وَفِيه وَجه منقاس انه يجوز بِحُصُول التَّعْيِين بِالْإِشَارَةِ ثمَّ للأصحاب طَرِيقَانِ قَالَت المراوزة لَا يشْتَرط شَيْء سوى ذكر الْجِنْس كَقَوْلِه بِعْت العَبْد الَّذِي فِي الْبَيْت فَلَو استقصى الْأَوْصَاف فَهَل يسْقط الْخِيَار لقِيَام الْوَصْف مقَام الرُّؤْيَة فعلى الْخلاف السَّابِق قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يشْتَرط ذكر النَّوْع مَعَ الْجِنْس قطعا وَهُوَ أَن يَقُول عَبدِي التركي

وَهل يشْتَرط استقصاء الْأَوْصَاف حَتَّى ينْعَقد بيع الْغَائِب على خِيَار الرُّؤْيَة فعلى وَجْهَيْن والطريقتان متباعدتان الرَّابِعَة يثبت الْخِيَار فِي بيع الْغَائِب بِالرُّؤْيَةِ وَله الْفَسْخ قبل الرُّؤْيَة وَفِي الْإِجَازَة قبلهَا وَجْهَان أظهرهمَا أَنَّهَا لَا تصح لَان الرِّضَا قبل حَقِيقَة الْمعرفَة وَلَو تصور لحصل بقوله اشْتريت فَلَيْسَ فِي قَوْله أجزت زِيَادَة عَلَيْهِ

فرع

لَو رأى ثَوْبَيْنِ ثمَّ سرق أَحدهمَا من الْبَيْت وَهُوَ لَا يدْرِي أَن الْمَسْرُوق أَيهمَا فَاشْترى الثَّوْب الْبَاقِي فقد اشْترى معينا مرئيا وَقد وَقعت الْمَسْأَلَة فِي الْفَتَاوَى فَقلت أَن تساوى صفة الثَّوْبَيْنِ وقدرهما وقيمتهما كنصفي كرباس وَاحِد صَحَّ العقد وان اخْتلف شَيْء من ذَلِك خرج على قولي بيع الْغَائِب لِأَنَّهُ لَيْسَ يدْرِي أَن الْمُشْتَرى خَمْسَة اذرع مثلا أم عشرَة ورؤيته السَّابِقَة لم تفد الْعلم بِقدر الْمَبِيع وَوَصفه فِي حَالَة البيع فَلَا اثر لَهَا

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي فَسَاد البيع بِجِهَة الرِّبَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْمَبِيع إِذا كَانَ ربويا اشْترط فِي عقده وَرَاء مَا ذَكرْنَاهُ من الشَّرَائِط السَّابِقَة فِي الْبَاب الأول ثَلَاث شَرَائِط التَّمَاثُل بمعيار الشَّرْع والحلول ونعني بِهِ منع الْأَجَل وَالسّلم وَوُجُوب التَّقَابُض فِي مجْلِس العقد

هَذَا إِذا بيع الرِّبَوِيّ بِجِنْسِهِ فَإِن بيع بربوي آخر يُشَارِكهُ فِي الْعلَّة الَّتِي هِيَ قرينَة الجنسية يسْقط اشْتِرَاط التَّمَاثُل وَبَقِي اشْتِرَاط التَّقَابُض والحلول وَأنكر أَبُو حنيفَة رَحمَه الله شَرط التَّقَابُض إِلَّا فِي عقد الصّرْف وان بيع بِمَا لَا يدْخل فِي الربويات سَقَطت هَذِه الشَّرَائِط كلهَا ومعتمد الْبَاب مَا روى الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ بِإِسْنَادِهِ عَن مُسلم بن يسَار وَرجل آخر عَن عبَادَة بن الصَّامِت عَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام انه قَالَ لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب وَالْوَرق بالورق وَالْبر بِالْبرِّ وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ وَالشعِير بِالشَّعِيرِ وَالْملح بالملح إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء عينا بِعَين يدا بيد فَإِذا اخْتلف الجنسان فبيعوا كَيفَ شِئْتُم يدا بيد

أوجب عِنْد التجانس ثَلَاثَة أُمُور وَعند اخْتِلَاف الْجِنْس أوجب التَّقَابُض وَنفي السّلم بقوله يدا بيد والربا فِي النَّقْدَيْنِ عندنَا مُعَلل بكونهما جوهري الْأَثْمَان فيتعدى إِلَى الْحلِيّ وكل مَا يتَّخذ مِنْهُمَا وَلَا يتَعَدَّى إِلَى غَيرهمَا وَكَذَلِكَ عِنْد مَالك وَقَالَ أَبُو حنيفَة

مُعَلل بِالْوَزْنِ والجنسية وَعلة الرِّبَا فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة عندنَا الطّعْم وَالْجِنْس وَقَالَ أَبُو حنيفَة الْعلَّة مركبة من الْكَيْل والجنسية وَمذهب ابْن الْمسيب أَن الْعلَّة هِيَ الطّعْم فِي الْجِنْس وَالتَّقْدِير وَهُوَ قَول قديم للشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ والجنسية عندنَا مَحل الْعلَّة فَهِيَ بمجردها لَا تحرم النِّسَاء بل يجوز إِسْلَام الثَّوْب

فصول الكتاب · 3 فصل · 713 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الوسيط في المذهب · 713 صفحة
المقدمة
الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين
الْبَاب الرَّابِع فِي الْقِسْمَة
جارٍ التحميل