الوسيط في المذهبصفحات 461-500
أهل الأثرالأرشيف العلمي
  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي أَرْكَان عقد الرَّهْن ومصححاته وأركانه أَرْبَعَة الرَّاهِن والمرهون والمرهون بِهِ وَصِيغَة العقد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -

الرُّكْن الأول فِي الْمَرْهُون

وَفِيه ثَلَاثَة شَرَائِط الشَّرْط الأول أَن يكون عينا فَلَو رهن دينا لم يَصح لِأَنَّهُ يلْزم بِالْقَبْضِ وَالْقَبْض لَا يُصَادف غير مَا يتَنَاوَلهُ العقد وَلَا مُسْتَحقّا بِالْعقدِ وَلذَلِك لَا يَصح هبة الدّين فَإِنَّهُ لَا يلْزم إِلَّا بِالْقَبْضِ بِخِلَاف بيع الدّين فَإِنَّهُ يَصح على رَأْي وَكَذَلِكَ لَو بَاعَ درهما بدرهم ثمَّ عين فِي الْمجْلس صَحَّ لِأَن البيع سَبَب اسْتِحْقَاق قبل الْقَبْض فَيتَعَيَّن بِالْقَبْضِ بِخِلَاف الْهِبَة وَالرَّهْن

فرع

الْإِفْرَاز لَيْسَ بِشَرْط بل يَصح رهن الْمشَاع خلافًا لأبي حنيفَة ثمَّ تجْرِي الْمُهَايَأَة بَين الرَّاهِن وَالْمَالِك نعم لَو رهن نصِيبه من بَيت معِين من جملَة دَار مُشْتَركَة فَفِيهِ وَجْهَان ومنشأ الْمَنْع أَنه رُبمَا يقتسم الشَّرِيك فَيَقَع الْجَمِيع فِي حِصَّته فَلَا يبْقى للرَّهْن مقرّ فَلَو صححنا فَوَقع ذَلِك احْتمل أَن يُقَال هُوَ تلف وَاحْتمل أَن يُقَال الرَّاهِن ضَامِن والتفويت مَنْسُوب إِلَيْهِ الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون الْمَرْهُون قَابلا للْبيع عِنْد حُلُول الْحق فَلَا يجوز رهن الْمَوْقُوف وَأم الْوَلَد وكل مَا لَا يجوز بَيْعه وَبَيَان هَذَا الشَّرْط برسم ثَمَان مسَائِل

الْمَسْأَلَة الأولى رهن سَواد الْعرَاق من عبادان إِلَى الْموصل طولا وَمن الْقَادِسِيَّة إِلَى حلوان عرضا فَإِن اعْتِقَاد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَخذهَا من الْغَانِمين وحبسها على الْمُسلمين وَالْخَرَاج عَلَيْهِم أُجْرَة فِيهَا وَقَالَ ابْن سُرَيج بل بَاعهَا من أهل الْعرَاق فَهُوَ ملك وَأما أشجارها وأبنيتها فَيجوز رَهنهَا وفَاقا فَإِنَّهَا مستحدثة الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة رهن الْمَبِيع فِي زمَان الْخِيَار جَائِز إِن كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي وَحده وَلزِمَ البيع هَكَذَا ذكره الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَفِيه وَجه أَنه لَا ينْعَقد بل لَا بُد من تَقْدِيم الْإِلْزَام وَوجه أخر أَنه يلْزم البيع وَلَا ينْعَقد الرَّهْن وَقد ذَكرْنَاهُ فِي كتاب البيع الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ رهن الْأُم دون وَلَدهَا جَائِز إِذا لاتفرق فِيهِ اخْتلف الْأَصْحَاب مِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تبَاع عِنْد الْحَاجة مَعَ الْوَلَد

وَمِنْهُم من قَالَ لَا بل أَرَادَ بِهِ أَنه لَا تفرقه فِي نفس الرَّهْن وَإِلَّا فتباع دون الْوَلَد فَإِن الرَّهْن لم يرد على الْوَلَد وَلَكِن يَقع ذَلِك قهريا لَا اختياريا فَلَا يمْتَنع التَّفْرِيق التَّفْرِيع إِن قُلْنَا تبَاع مُفردا فَلَا كَلَام وَإِن قُلْنَا تبَاع مَعَ الْوَلَد فَيتَعَلَّق حق الْمُرْتَهن بِمَا يخص من الثّمن وَفِي تَقْدِيره وَجْهَان أَحدهمَا أَنه تقوم الْأُم مُفردا فَإِذا هِيَ تَسَاوِي مائَة فتقدر مَعَ الْوَلَد فَإِذا هِيَ تَسَاوِي مائَة وَعِشْرُونَ فَالْوَلَد سدس الْجُمْلَة فَيخْتَص الْمَالِك بسدس جملَة الثّمن وَلَا يتَعَلَّق الرَّهْن بِهِ وَالثَّانِي أَن الْوَلَد أَيْضا يقدر مُفردا كَمَا قدرت الْأُم مُفْردَة فَيُقَال الْوَلَد دون الْأُم كم يُسَاوِي وَفِي هَذَا تقل قِيمَته لِأَنَّهُ يكون ضائعا فَإِذا قَالُوا خمسين مثلا وَقِيمَة الْأُم مائَة فَالْوَلَد ثلث وَهَذَا الْخلاف جَار فِي أَرض بَيْضَاء رهنت ثمَّ أنبتت غراسا لِأَن الْغِرَاس غير مَرْهُون وَذكر صَاحب التَّقْرِيب أَن الْأُم أَيْضا تقوم مَعَ الْوَلَد فَيُقَال أم لَهَا ولد

كم قيمتهَا فينقص إِذْ يكون قَلبهَا إِلَى وَلَدهَا لِأَنَّهَا رهنت مَعَ وجود الْوَلَد نعم لَو حدث الْوَلَد بعد الرَّهْن كَانَ نظيرا لمسألة الْغِرَاس الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة رهن مَا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد بِالدّينِ الْحَال أَو بدين مُؤَجل يحل قبل توقع الْفساد جَائِز فَيُبَاع عِنْد الإشراف على الْفساد فِي الدّين وَإِن كَانَ يفْسد قبل الْحُلُول وَشرط بَيْعه عِنْد الإشراف وَجعل ثمنه رهنا صَحَّ أَيْضا وَإِن شَرط أَن لَا يُبَاع بَطل وَإِن أطلق فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يَصح مُطلقَة مشْعر بِالْإِذْنِ فِي البيع وتحول الوثيق إِلَى الثّمن وَالثَّانِي الْفساد لِأَنَّهُ لَيْسَ مفهوما بِمُطلق الرَّهْن فَإِن قيل لَو طَرَأَ دواما مَا يعرضه للْفَسَاد قُلْنَا لم يفْسد الرَّهْن وَلَكِن يُبَاع عِنْد الإشراف على الْفساد وَيجْعَل بدله رهنا فَإِن قيل لَو تطابق المتعاقدان على نقل الْوَثِيقَة من عين الْمَرْهُون إِلَى غَيره فَيَنْبَغِي أَن يجوز كَمَا لَو شَرط ذَلِك فِيمَا يشرف على الْهَلَاك فِي ابْتِدَاء العقد

قُلْنَا فِيهِ وَجْهَان وَوجه الْمَنْع أَن مَا يحْتَمل فِي الدَّوَام إِذا طَرَأَ بِالضَّرُورَةِ لَا يحْتَمل ابْتِدَاء وَلذَلِك لَا يجوز رهن الدّين وَإِن تعلق فِي الدَّوَام بِالْقيمَةِ فِي ذمَّة الْمُتْلف الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة رهن العَبْد الْمُرْتَد صَحِيح بِنَاء على الصَّحِيح فِي جَوَاز بَيْعه ثمَّ إِن قتل فِي يَد الْمُرْتَهن وَكَانَ الرَّهْن مَشْرُوطًا فِي بيع فثبوت الْفَسْخ للْمُرْتَهن فِي البيع يبتنى على أَن من اشْترى عبدا مُرْتَدا وَقتل فِي يَده هَل يكون من ضَمَان البَائِع الْمَسْأَلَة السَّادِسَة رهن العَبْد الْجَانِي يبتنى على صِحَة بَيْعه فَإِن منعناه فَهُوَ مَمْنُوع وَإِلَّا فَوَجْهَانِ وَوجه الْمَنْع أَنه يمْنَع الْوَثِيقَة وَلذَلِك يمْتَنع رهن الْمَرْهُون وَإِن قدر الرَّاهِن على بَيْعه إِذا قضى الدّين وَهَاهُنَا يقدر على بيع شَرط الْفِدَاء بعده وَقد يتعوق فَيفْسخ بَيْعه فَلَا تحصل مَعَه الْوَثِيقَة وَلذَلِك يقدم أرش الْجِنَايَة فِي دوَام الرَّهْن على الرَّهْن فرع لَو حفر العَبْد بِئْرا فرهن فتردى فِيهَا إِنْسَان فَتعلق الضَّمَان بِرَقَبَتِهِ فَفِي تَبْيِين فَسَاد الرَّهْن وَجْهَان مستندهما إِسْنَاد التَّعَلُّق إِلَى أول السَّبَب فَيكون كالمقارن وَلَو قتل قتلا مُوجبا للْقصَاص وَقُلْنَا مُوجب الْعمد الْقود الْمَحْض فرهن ثمَّ عفى

على مَال فَفِي إِسْنَاد انْتِقَال التَّعَلُّق وَجْهَان وَهَاهُنَا الِاسْتِنَاد أولى لِأَن الْقَتْل سَبَب تَامّ دون حفر الْبِئْر الْمَسْأَلَة السَّابِعَة إِذا علق عتق العَبْد بِصفة ثمَّ رَهنه فَإِن قُلْنَا لَو وجدت الصّفة فِي حَالَة الرَّهْن نفذ إِمَّا لقُوَّة الْعتْق أَو لِأَن الْعبْرَة بِحَالَة التَّعْلِيق خرج ذَلِك على رهن مَا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد فَإِن قُلْنَا لَا ينفذ فَهُوَ بِالرَّهْنِ مدافع حكم التَّعْلِيق فَالْأَصَحّ جَوَازه

كَمَا لَو دَفعه بِالْبيعِ وَفِيه وَجه آخر أَنه يفْسد لضعف الرَّهْن بِخِلَاف البيع أما الْمُدبر فقد قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَلَو دبره ثمَّ رَهنه كَانَ الرَّهْن مفسوخا وَهَذَا مُشكل لِأَن بيع الْمُدبر جَائِز عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَلَيْسَ ينْدَفع التدبر أَيْضا بِالرَّهْنِ فَإِنَّهُ إِذا مَاتَ يقْضى دُيُونه وَيعتق الْمُدبر وَإِن لم يكن فِي مَاله وَفَاء فالمدبر لَا يعْتق وَإِن لم يرْهن فَذهب أَكثر الْأَصْحَاب لذَلِك إِلَى صِحَة الرَّهْن وَوجه النَّص أَن يُقَال لَعَلَّه يَمُوت وَله مَال فَلَا يُمكن تَنْجِيز الْعتْق قبل أَدَاء دينه وتأخيره إِلَى الْأَدَاء دفع لِلْعِتْقِ فالرهن لَا يقوى عَلَيْهِ ويتأيد بِالْوَجْهِ الْمَذْكُور فِي إبِْطَال رهن العَبْد الْمُعَلق عتقه بِصفة الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة إِذا رهن الثِّمَار على الْأَشْجَار نظر إِن كَانَ بعد بَدو الصّلاح وَالدّين حَال جَازَ ذَلِك ثمَّ يقطف فِي أَوَانه وَيُبَاع بعضه وَيجْعَل مُؤنَة على القطاف ويجفف إِن أمكن وَإِلَّا الْتحق بِمَا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد وَإِن كَانَ قبل بَدو الصّلاح فللفساد ثَلَاث مثارات أَحدهَا تسارع الْفساد بعد التجفيف وَقد سبق

وَالثَّانِي امْتنَاع بَيْعه إِلَّا بِشَرْط الْقطع فَإِن أذن فِي البيع بِشَرْط الْقطع جَازَ وَإِن صرح بِمَنْع البيع بِشَرْط الْقطع فسد وَإِن أطلق فَالظَّاهِر أَنه يَصح وبشرط الْقطع فِي بَيْعه وَيُبَاع وَذكر صَاحب التَّقْرِيب قَوْلَيْنِ فِي مُوجب الْإِطْلَاق وَوَجهه أَنه لم يرض بِنُقْصَان الْمَالِيَّة فعلى هَذَا يفْسد الرَّهْن وَله الْتِفَات على إِطْلَاق الرَّهْن فَمَا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد أَنه هَل يكون كالمصرح بتجويز بَيْعه المثار الثَّالِث للْفَسَاد توقع الآفة والجوائح وَيظْهر ذَلِك إِذا قدر الدّين مُؤَجّلا وَفِي الْمَنْع بِهَذَا السَّبَب قَولَانِ أَحدهمَا يمْنَع كَمَا يمْنَع البيع وَالثَّانِي لَا لِأَن الْمَحْذُور ثمَّ ضيَاع الثّمن عِنْد الاجتياح وَهَاهُنَا لَا يفوت أصل الْحق فرع إِذا تلاحقت الثِّمَار بعد الرَّهْن فَفِي انْفِسَاخ الرَّهْن قَولَانِ كَمَا فِي التلاحق فِي الثِّمَار الْمَبِيعَة قبل الْقَبْض وَالأَصَح أَنه لَو كَانَ قبل الْقَبْض يَنْفَسِخ وَفِيه وَجه مستخرج من الْخلاف فِي الْعصير إِذا صَار خمرًا قبل الْقَبْض وَهُوَ بعيد لِأَن ذَلِك يتَوَقَّع مصيره خلا بِخِلَاف التلاحق فَإِنَّهُ لَا يَزُول وَلَو رهن زرعا يتزايد وَشرط قطعه فِي الْحَال جَازَ

وَإِن شَرط التبقية فَحكمه حكم الثِّمَار الَّتِي تتلاحق غَالِبا وَالرَّهْن بَاطِل فيهمَا كَمَا فِي البيع الشَّرْط الثَّالِث أَن لَا يمْتَنع إِثْبَات يَد الْمُرْتَهن عَلَيْهِ وَقَبضه لَهُ فَإِن الْقَبْض ركن فِي الرَّهْن وَفِيه مَسْأَلَتَانِ إِحْدَاهمَا رهن الْمُصحف وَالْعَبْد الْمُسلم من الْكَافِر فَهُوَ مُرَتّب على البيع وَأولى بِالصِّحَّةِ لِأَن إِثْبَات الْيَد أَهْون من إِثْبَات الْملك وَكَذَا رهن السِّلَاح من الْحَرْبِيّ مُرَتّب على بَيْعه مِنْهُ وَرَهنه من الذِّمِّيّ جَائِز وفَاقا كَبَيْعِهِ الثَّانِيَة رهن الْجَوَارِي صَحِيح على الْمَذْهَب الظَّاهِر وَذكر الشَّيْخ أَبُو عَليّ قولا أَن رهن الْجَارِيَة الْحَسْنَاء بَاطِل إِلَّا أَن تكون محرما للْمُرْتَهن فَالْوَجْه الْقطع بِالصِّحَّةِ ثمَّ إِن كَانَ محرما أَو عدل على يَد عدل أَو كَانَ الْمُرْتَهن يوثق بديانته أَو كَانَ مَعَه جمَاعَة من أَهله ترعه الحشمة عَنْهَا لم يكره التَّسْلِيم وَإِلَّا فَيكْرَه إِثْبَات يَده عَلَيْهَا وعَلى الْجُمْلَة فَهُوَ قريب من رهن الْمُصحف من الْكَافِر

فَإِن قيل فَهَل يشْتَرط أَن يكون الْمَرْهُون ملك الرَّاهِن قُلْنَا لَا فَإِن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ نَص على أَنه لَو رهن الْمُسْتَعَار بِإِذن الْمُعير صَحَّ الرَّهْن وغمض حَقِيقَة هَذَا العقد على الْأَصْحَاب وَاسْتَخْرَجُوا من تردد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي بعض الْأَحْكَام قَوْلَيْنِ فِي أَن هَذَا عَارِية أم ضَمَان فَمن قَالَ إِنَّه عَارِية أشكل عَلَيْهِ لُزُومه وَمن قَالَ ضَمَان أشكل عَلَيْهِ تعلق الضَّمَان بِرَقَبَة المَال ثمَّ بنوا الْأَحْكَام على قَوْلَيْنِ وَهَذَا الْبناء غير مرتض عندنَا بل نعلل كل حكم بِمَا يَلِيق بِهِ من غير بِنَاء وَحَقِيقَة هَذَا العقد لَا يتمحض بل هُوَ فِيمَا يَدُور بَين الْمُرْتَهن والراهن رهن مَحْض وَفِيمَا بَين الْمُعير وَالْمُسْتَعِير عَارِية وَفِيمَا بَين الْمُعير وَالْمُرْتَهن حكم الضَّمَان يزدحم عَلَيْهِ مشابه الْعَارِية وَالضَّمان ويتبين ذَلِك بِالنّظرِ فِي ثَلَاثَة أَحْكَام

الأول اللُّزُوم فِي حق الْمُعير وَلَا يلْزم قبل قبض الْمُرْتَهن بِحَال وَإِذا قبض الْمُرْتَهن فَالصَّحِيح أَنه يلْزم فِي حق الْمُعير لِأَنَّهُ أثبت بعاريته شَيْئا من حَقه أَن لَا يعير وَتلْزم فَهُوَ كَمَا لَو أعَار الأَرْض لدفن الْأَمْوَات إِذْ لزم لِأَن فِيهِ هتك حُرْمَة الْمَيِّت كَذَلِك فِي رُجُوعه إبِْطَال وَثِيقَة الْمُرْتَهن بِعَين مَاله وَقد أذن فِي إثْبَاته وَقَالَ القَاضِي لَهُ الرُّجُوع إِذا فرعنا على قَوْلنَا إِنَّه عَارِية وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ لَا يبْقى للرَّهْن معنى وَقد حكى الْعِرَاقِيُّونَ عَن ابْن سُرَيج أَنا إِذا قُلْنَا إِنَّه عَارِية فَلَا يَصح هَذَا العقد إِذْ لَا يبْقى لَهُ فَائِدَة وَهُوَ فَاسد لِأَنَّهُ خلاف نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب إِن كَانَ الدّين حَالا رَجَعَ وَإِن كَانَ مُؤَجّلا فَوَجْهَانِ يقربان مِمَّا إِذا أعَار أَرضًا للْبِنَاء إِلَى مُدَّة وَفِيه كَلَام فَإِن قيل فَهَل يقدر على إِجْبَار الرَّاهِن على فك الرَّهْن وَإِن لم يقدر على فسخ الرَّهْن قُلْنَا إِن كَانَ الدّين حَالا فَلَا خلاف فِي أَنه يملك إِجْبَاره وَقبل حُلُول للأجل قَولَانِ

أَحدهمَا أَنه يملك لِأَنَّهُ عَارِية فِي حق الْمُسْتَعِير وَالثَّانِي لَا يملك لِأَن فِيهِ أَدَاء الدّين قبل لُزُومه وَهُوَ مُتَعَلق بالمرتهن فَإِن قيل فَهَل يُبَاع هَذَا فِي حق الْمُرْتَهن فَقَط قُلْنَا إِن كَانَ للرَّاهِن مَالا فَلَا يُبَاع بِحَال لِأَن مُطلق الرَّهْن لَا يُسَلط عَلَيْهِ إِلَّا إِذا جدد بِهِ إِذْنا وَإِن صَار مُعسرا فَفِيهِ خلاف إِذْ أطلق الْأَصْحَاب أَن إِذا قُلْنَا إِنَّه عَارِية فَلَا يُبَاع إِلَّا بِإِذن مُجَدد وَهَذَا أَيْضا يضعف القَوْل بِصِحَّة الرَّهْن فَإِنَّهُ أخص فَوَائده فليجعل الْإِذْن حَاصِل بِالرَّهْنِ ولازما بِحكم الْحَال وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ فقه الْمَسْأَلَة وَلَا يتْرك الْفِقْه بقول الْقَائِل إِن هَذَا لَا نَظِير لَهُ فَإِن سَببه أَن يُقَال إِن مثل هَذِه الْوَاقِعَة غير مُتَصَوّر وَيَنْبَنِي على مَا تقدم خلاف لَا محَالة فِي أَن عتقه هَل ينفذ الحكم الثَّانِي أَن العَبْد لَو تلف فِي يَد الْمُرْتَهن فَهُوَ غير ضَامِن تمحيصا للرَّهْن فِي حَقه وَالْمُسْتَعِير هَل يضمن قَالُوا يَنْبَغِي على أَنه عَارِية أَو ضَمَان فَإِن قُلْنَا ضَمَان لَا يضمن وَهُوَ ضَعِيف بل هُوَ مستعير مَحْض فِي حق الْمُعير فَيَنْبَغِي أَن يضمن وَلَكِن نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ وَلَو أذن لَهُ فرهنه فجنى فَأشبه

الْأَمريْنِ أَنه لَا يضمن بِخِلَاف الْمُسْتَعِير وَفرع على أَن الْمُسْتَعِير يضمن مَا فَاتَ بِجِنَايَة العَبْد بِنَاء على أحد الرأيين فِي ان الْمُسْتَعِير يضمن ضَمَان الْمَغْصُوب وَهَاهُنَا لم يضمنهُ فَعَن هَذَا اضْطر الْأَصْحَاب إِلَى ذكر قَول فِي أَنه لَيْسَ بعارية وَإِنَّمَا هُوَ ضَمَان فرع لَو بيع العَبْد فِي الدّين بِإِذن مُجَدد أَو بِأَصْل الرَّهْن يرجع الْمُعير على الْمُسْتَعِير بِقِيمَتِه أَو بِالثّمن فِيهِ خلاف قَالَ القَاضِي إِذا قُلْنَا (إِنَّه) عَارِية يرجع بِالْقيمَةِ وَهُوَ بعيد فَإِن مَا زَاد على الْقيمَة مُسْتَفَاد فِي مُقَابلَة ملكه فَكيف يسلم للْمُسْتَعِير الحكم الثَّالِث أَنه هَل يشْتَرط فِي هَذِه الْإِعَارَة معرفَة قدر الدّين وجنسه وحلوله وتأجيله فِيهِ خلاف يحْتَمل أَن لَا يشْتَرط ذَلِك وَيجْعَل عَارِية فِي هَذَا الحكم وَيحْتَمل أَن يشْتَرط لِأَن الْأَغْرَاض تَتَفَاوَت بِهِ وَيَنْتَهِي إِلَى اللُّزُوم وَبنى الْأَصْحَاب ذَلِك على أَنه عَارِية أَو ضَمَان فرع إِذا عين الْمُعير شَيْئا من ذَلِك إِن قُلْنَا إِنَّه لَا يشْتَرط فَلَا يجوز مُخَالفَته إِذا عين إِلَّا فِي النُّقْصَان كَمَا إِذا أذن فِي الرَّهْن بِأَلف فرهن بِخَمْسِمِائَة فَإِنَّهُ زَاد خيرا وَلَو قَالَ أعرني لأرهن بِأَلف فأعاره هَل يتَقَيَّد بِمَا ذكره الْمُسْتَعِير تَنْزِيلا للإسعاف على تَفْصِيل الالتماس فِيهِ وَجْهَان

الرُّكْن الثَّانِي الْمَرْهُون بِهِ

وَله ثَلَاث شَرَائِط (وَهُوَ) أَن يكون دينا ثَابتا لَازِما الأول أَن يكون دينا فَلَا يجوز الرَّهْن بِعَين معصوبة وَلَا مستعارة وَإِن جَوَّزنَا كَفَالَة الْأَعْيَان على الرَّأْي فالرهن وَثِيقَة دين فِي عين وَالضَّمان تَوْثِيق دين بِضَم ذمَّة إِلَى ذمَّة فَلَا يُفَارق الرَّهْن الضَّمَان إِلَّا فِي ضَمَان الْعهْدَة فَإِنَّهُ جَائِز وَالصَّحِيح أَن الرَّهْن بِهِ غير جَائِز لِأَنَّهُ جوز للْمصْلحَة ترغيبا فِي مُعَاملَة من لَا يعرف حَاله وَلَا ضَرَر على الضَّامِن وَفِي الرَّهْن ضَرَر لَا ينظر لَهُ آخر وَفِيه وَجه أَنه يجوز كالضمان لِأَنَّهُ إِذا رَضِي بِهِ فقد أضرّ بِنَفسِهِ الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون الدّين ثَابتا فَلَو قَالَ رهنت مِنْك هَذَا بِأَلف تقرضنيه فَقَالَ ارتهنت ثمَّ أقْرض لم ينْعَقد الرَّهْن بل يجب إِعَادَته وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ بِأَلف تبيع بِهِ هَذَا الثَّوْب مثلا فثبوت الدّين حَالَة الرَّهْن لَا بُد مِنْهُ وَقيل إِنَّه لَو جرى الْإِقْرَاض وَالْبيع فِي مجْلِس الرَّهْن صَحَّ وَهُوَ فَاسد فرع لَو مزجا شقي البيع بشقي الرَّهْن كَمَا إِذا قَالَ بِعْت مِنْك العَبْد بِأَلف وارتهنت مِنْك هَذَا الثَّوْب بِهِ فَقَالَ اشْتريت ورهنت قَالَ الْأَصْحَاب هَذَا صَحِيح بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ لعَبْدِهِ كاتبتك على ألف

وبعت مِنْك هَذَا الثَّوْب بِدِينَار فَقَالَ قبلت الْكِتَابَة واشتريت فَإِنَّهُ فِيهِ وَجْهَيْن لتقدم شقّ البيع على تَمام الْكِتَابَة وَالْفرق أَن الرَّهْن من مصَالح البيع وَلذَلِك جَازَ شَرطه فِيهِ مَعَ امْتنَاع شَرط عقد فِي عقد فمزجه بِهِ أكد فَيحْتَمل للْمصْلحَة وَذكر القَاضِي وَجها مخرجا فِي الرَّهْن من الْكِتَابَة وَالْفرق وَاضح هَذَا إِذا وَقع الْخَتْم بِأحد شقي الرَّهْن والبداية بِأحد شقي البيع فَإِن وَقع الْخَتْم بِأحد شقي البيع فَلَا يَصح لتقدم تَمام الرَّهْن على صِحَة البيع وَثُبُوت الدّين الشَّرْط الثَّالِث لُزُوم الدّين والديون منقسمة فَمَا لَا مصير لَهُ إِلَى اللُّزُوم فَلَا رهن بِهِ كنجوم الْكِتَابَة فَإِن للْعَبد أَن يعجز نَفسه مهما شَاءَ وَمَا وَضعه على اللُّزُوم وَالْجَوَاز فِيهِ طَارِئ يجوز الرَّهْن بِهِ كَالثّمنِ فِي مُدَّة الْخِيَار وَهُوَ تَفْرِيع على قَول زَوَال الْملك وَاسْتِحْقَاق الثّمن وَمَا وضع على الْجَوَاز وَلَكِن قد يصير إِلَى اللُّزُوم كَالرَّهْنِ بالجعل فِي الْجعَالَة قبل الْعَمَل فِيهِ وَجْهَان

وَلَعَلَّ سَبَب الْمَنْع التَّخْرِيج على الشَّرْط الثَّانِي وَهُوَ أَن سَبَب ثُبُوت الدّين هُوَ الْعَمَل الْمَأْذُون فِيهِ دون مُجَرّد الْإِذْن فَكَأَن سَبَب الثُّبُوت لم يجز بِخِلَاف البيع فِي زمَان الْخِيَار فَإِنَّهُ سَبَب تَامّ على الْجُمْلَة فِي الِاسْتِحْقَاق فَإِن قيل وَهل يشْتَرط للدّين أَن لَا يكون بِهِ رهن قُلْنَا لَا بل يجوز أَن يُزَاد فِي الْمَرْهُون وَإِن اتَّحد الدّين لِأَن الدّين غير مَشْغُول بِالرَّهْنِ فَزِيَادَة الْوَثِيقَة فِيهِ معقولة وَهل تجوز الزِّيَادَة فِي الدّين مَعَ اتِّحَاد الْمَرْهُون فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله الْمَنْع لِأَن رهن الْمَرْهُون بَاطِل وَإِلَيْهِ يرجع حَاصِلَة وَالثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَار الْمُزنِيّ الصِّحَّة لِأَن الْحق لَا يعدوهما وَلَا مُقَابلَة بَين الْمَرْهُون وَالدّين إِلَّا من جِهَة الْوَثِيقَة وَإِنَّمَا لَا يجوز رَهنه من غير الْمُرْتَهن لحقه وَإِن رَضِي فَمن ضَرُورَة أَن يَجْعَل فسخا لِأَن الْجمع بَين حقيهما غير مُمكن فرع لَو جنى العَبْد الْمَرْهُون جِنَايَة فَقَالَ الْمُرْتَهن أَنا أفديه ليَكُون مَرْهُونا عِنْدِي بِالْفِدَاءِ وأصل الدّين

فَإِن جَوَّزنَا الزِّيَادَة فِي الدّين فَلَا كَلَام وَإِن منعنَا فَقَوْلَانِ مفهومان من مَعَاني كَلَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي أَن المشرف على الزَّوَال كالزائل أم لَا فَإِن قُلْنَا كالزائل فَهُوَ جَائِز فَكَأَنَّهُ ابْتِدَاء رهن بالدينين جَمِيعًا

الرُّكْن الثَّالِث الصِّيغَة وَشَرطهَا وموجبها

ونريد بالصيغة الْإِيجَاب وَالْقَبُول وَلَا بُد مِنْهُمَا وَفِيه مسَائِل خَمْسَة الأولى كل شَرط يُوَافق وضع الرَّهْن كَقَوْلِه بِشَرْط أَن يُبَاع فِي حَقك أَو يقبض أَو (غَرَض) لَا يتَعَلَّق بِالْعقدِ كَقَوْلِه بِشَرْط أَن لَا يَأْكُل إِلَّا الشّعير وَلَا يلبس إِلَّا الْحَرِير فَهُوَ لَغْو لَا يضر اقترانه بالصيغة وكل شَرط يُنَاقض مُقْتَضَاهُ كَقَوْلِه بِشَرْط أَن لَا أَقبض وَلَا يتَقَدَّم بِهِ على الْغُرَمَاء فَهُوَ مُفسد للرَّهْن وكل شَرط لَا يُنَاقض وَلَكِن لَا يَقْتَضِيهِ لمُطلق العقد ويرتبط بِهِ غَرَض كَقَوْلِه بِشَرْط أَن تكون الْمَنَافِع أَو النِّتَاج أَو الثِّمَار الْحَاصِلَة من الْمَرْهُون لَك فَفِي فَسَاد الرَّهْن قَولَانِ وَوجه التَّصْحِيح أَن الشَّرْط لَيْسَ يتَعَرَّض لمقاصد الْمَرْهُون بالتغير بل يزِيد مَالا يَقْتَضِيهِ فيلغى وَلَا خلاف فِي أَنه لَو بَاعَ بِشَرْط أَن يرْهن بِالثّمن مَا يسلم للْبَائِع مَنَافِعه فَالْبيع فَاسد لِأَن الطمع يتَعَلَّق بالزوائد وَيصير كالجزء من الْعِوَض فَيرجع الْفساد إِلَى

ركن العقد وَأما الرَّهْن فَلَيْسَ بمعاوضة الثَّانِيَة إِذا قَالَ رهنت الْأَشْجَار بِشَرْط أَن تكون الثِّمَار رهنا إِذا حدد فَفِي صِحَة الشَّرْط قَولَانِ وَوجه الصِّحَّة أَن الرَّهْن عندنَا لَا يسري لضَعْفه فَإِذا قوي بِالشّرطِ سرى الثَّالِثَة إِذا قَالَ أقرضتك هَذَا الْألف بِشَرْط أَن ترهن بِهِ وبالألف الْقَدِيم الَّذِي لي عَلَيْك شَيْئا فالقرض فَاسد لِأَنَّهُ جر مَنْفَعَة وَلَكِن إِذا أَخذ ووفى بِالشّرطِ وَرهن بالألفين لم يَصح بِالْألف الَّذِي فسد قرضه لِأَنَّهُ مَا ملكه بعد وَلم يتْلف إِلَّا إِذا أتْلفه فَيكون ذَلِك دينا وَإِذا لم يَصح بِهِ فَهَل يَصح بِالْألف الْقَدِيم فِيهِ قولا تَفْرِيق الصَّفْقَة فَإِن صححنا فَلَا يوزع بل يَجْعَل الْكل مَرْهُونا بِهِ بِخِلَاف البيع فَإِن وضع الرَّهْن على أَن كال جُزْء مَرْهُون بِجَمِيعِ الدّين هَذَا إِذا علم أَن الرَّهْن غير وَاجِب عَلَيْهِ لفساد الشَّرْط فَإِن ظن وُجُوبه لأجل الشَّرْط قَالَ القَاضِي لَا يَصح كَمَا لَو أدّى ألفا على ظن أَنه عَلَيْهِ فَلم يكن فَإِنَّهُ يسْتَردّ لِأَن الرَّهْن تبرع وَهُوَ يظنّ الْآن وُجُوبه وَقطع الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد وَغَيره بِالصِّحَّةِ لِأَن الْأَدَاء لَا يتَصَوَّر إِلَّا بِوُجُوب سَابق وَلَا وجوب وَالرَّهْن يتَصَوَّر من غير وجوب

ومساق كَلَام القَاضِي يلْزمه أَن يَقُول لَو شَرط بيعا فِي بيع فَبَاعَ وفى بِالشّرطِ على ظن الْوُجُوب يفْسد بَيْعه وَالشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد يصحح البيع وَلَا ينظر إِلَى اعْتِقَاده الرَّابِعَة إِذا قَالَ رهنتك هَذِه الخريطة بِمَا فِيهَا وَمَا فِيهَا غير مرئي خرج على بيع الْغَائِب فَإِن أبطل خرج فِي الخريطة على تَفْرِيق الصَّفْقَة فَإِن كَانَت الخريطة لَا يقْصد رَهنه فِي مثل هَذَا الدّين فَوَجْهَانِ أَحدهمَا الصِّحَّة لظَاهِر اللَّفْظ وَالثَّانِي الْمَنْع لفهم الْمَقْصُود وَلَو قَالَ رهنت الخريطة وَلم يتَعَرَّض لما فِيهَا وَكَانَت الخريطة لَا تقصد فَهَل تجْعَل عبارَة عَمَّا فِي الخريطة مجَازًا بِقَرِينَة الْحَال يخرج على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ الْخَامِسَة هَل ينْدَرج الأس والمغرس تَحت اسْم الشَّجَرَة والجدار فِي الرَّهْن فِيهِ خلاف مُرَتّب على البيع وَأولى بِأَن لَا ينْدَرج لضعف الرَّهْن وَفِي الثِّمَار غير المؤبرة وَجْهَان بِخِلَاف ضعف الرَّهْن

وَكَذَا فِي الْجَنِين خلاف وَأولى بِأَن يدرج من الثِّمَار لِأَن الثِّمَار قد تفرد بِالِاسْتِثْنَاءِ والتصرفات وَاللَّبن فِي الضَّرع مِنْهُم من ألحقهُ بالجنين وَمِنْهُم من قطع بِأَنَّهُ لَا ينْدَرج لتحَقّق وجوده فَهُوَ كالثمار المؤبرة والأوراق من التوت كالثمار المؤبرة وَمن غَيره ينْدَرج وَفِي الصُّوف على ظهر الْحَيَوَان ثَلَاثَة أوجه من حَيْثُ إِنَّه يضاهي الثِّمَار المؤبرة من وَجه والأغصان من وَجه وَفِي الثَّالِث يفرق بَين مَا استجز وَبَين الْقصير الَّذِي لَا يعْتَاد جزه وأغصان الْخلاف كالصوف المستجز وأغصان سَائِر الْأَشْجَار ينْدَرج

الرُّكْن الرَّابِع الْعَاقِد

وَيعْتَبر فِيهِ مَا يعْتَبر فِي البيع وَزِيَادَة أَمر وَهُوَ أَن يكون من أهل التَّبَرُّع بالمرهون لِأَن الرَّهْن تبرع فَلَا يجوز لوَلِيّ الطِّفْل وللمكاتب والمأذون فِي التِّجَارَة على كل حَال بل لَا بُد من تَفْصِيل أما ولي الطِّفْل فالنظر فِي رَهنه وارتهانه أما ارتهانه فَيجوز عِنْد الْعَجز عَن اسْتِيفَاء الدّين وَلَا يجوز مَعَ الْقُدْرَة وَيجوز عِنْد تَأْجِيل الدّين ويتأجل دينه بِالْبيعِ بِالنَّسِيئَةِ وَله ذَلِك إِذا ظَهرت فِيهِ الْغِبْطَة وَلَكِن بِشَرْط الارتهان حَتَّى قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَو بَاعَ مَا يُسَاوِي مائَة بِمِائَة نَقْدا وَعشْرين نَسِيئَة لم يجز الإ بِشَرْط الارتهان بالعشرين وَهُوَ سرف بل الْوَجْه جَوَازه دون الرَّهْن إِذا كَانَ يَثِق بِذِمَّة من عَلَيْهِ الدّين فَلَا يزِيد ذَلِك على إيضاعه مَال الْيَتِيم للتِّجَارَة وَهُوَ جَائِز لأجل الزِّيَادَة بِخِلَاف الْإِقْرَاض فَإِنَّهُ يحرم فِيهِ الزِّيَادَة فَلَا يجوز إِلَّا فِي زمَان نهب وغارة أما رهن مَاله فَلَا يجوز إِلَّا بغبطة ظَاهِرَة كَمَا إِذا بيع مِنْهُ مَا يُسَاوِي أَلفَيْنِ

بِأَلف وَأخذ مِنْهُ رهن يُسَاوِي ألفا لِأَن أقْصَى مَا فِي الْبَاب أَن يتْلف الْمَرْهُون أَمَانَة فَيكون قد حصل على أَلفَيْنِ فِي مُقَابلَة أَلفَيْنِ فَإِن زَاد قيمَة الْمَرْهُون وَجُمْلَة الثّمن على المُشْتَرِي لم يجز لانه حجر ناجز فِي أَلفَيْنِ من غير حُصُول على أَلفَيْنِ قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد لَو رهن عقارا وَكَانَ فِي الشِّرَاء غِبْطَة جَازَ إِذْ لَا يخَاف فَوت الْعقار وَالْمَنْفَعَة لَهُ وَبيع عقار الطِّفْل لَا يجوز إِلَّا لحَاجَة حَتَّى نفك الْحجر عَنهُ وَيجوز الرَّهْن أَيْضا لحَاجَة فاقة كَمَا إِذا افْتقر الصَّبِي إِلَى طَعَام وَله عقار يتَوَقَّع من ريعه مَا يَفِي بِثمن الطَّعَام فَلهُ أَن يَشْتَرِي ويرهن وَحكم الْمكَاتب حكم ولي الطِّفْل وَحكم الْمَأْذُون مُرَتّب على الْمكَاتب وَأولى بِالْمَنْعِ لِأَن الرَّهْن قد لَا يتَنَاوَلهُ اسْم التِّجَارَة وَلذَلِك لَا يقدر على إِجَارَة نَفسه

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي الْقَبْض والطوارئ قبله وَفِيه قِسْمَانِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -

الْقسم الأول فِي الْقَبْض

وَهُوَ ركن فِي الرَّهْن لَا يلْزم إِلَّا بِهِ خلافًا لمَالِك رَحمَه الله فَإِنَّهُ قَالَ يلْزم بِنَفسِهِ وطرد ذَلِك فِي الْهِبَة والإعارة وكل تبرع ثمَّ يشْتَرط لصِحَّة الْقَبْض من التَّكْلِيف والأهلية مَا يشْتَرط للْعقد وَالْيَد مُسْتَحقَّة للْمُرْتَهن

وَلَو أناب فِيهِ نَائِبا جَازَ وَلَا يجوز أَن ينيب الرَّاهِن وَلَا عَبده الْقِنّ وَلَا مستولدته لآن يدهم يَد الرَّاهِن وَيجوز أَن ينيب مكَاتبه وَفِي عَبده الْمَأْذُون لَهُ فِي التِّجَارَة ثلَاثه أوجه يفرق فِي الثَّالِث بَين أَن تركبه الدُّيُون فتنقطع سلطته السَّيِّد عَمَّا فِي يَده ويضاهي الْمكَاتب وَبَين أَن لَا تركبه الدُّيُون وَالنَّظَر الْآن فِي صوره الْقَبْض وَهُوَ التخليه فِي الْعقار وَالنَّقْل فِي الْمَنْقُول وَفِي الِاكْتِفَاء فِي الْمَنْقُول فِي التخليه خلاف كَمَا فِي البيع وَقطع القَاضِي بِالْفرقِ لِأَن البيع يُوجب اسْتِحْقَاق الْقَبْض فَيَكْفِي التَّمْكِين فِيهِ وَهَاهُنَا لَا اسْتِحْقَاق بل الْقَبْض سَبَب الِاسْتِحْقَاق فَلَا وَقع لمُجَرّد التَّمْكِين أما إِذا رهن الْمُودع من الْمُودع الْوَدِيعَة فقد نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه لَا يلْزم بِمُجَرَّد قَوْله رهنت بل لابد من إِذن جَدِيد فِي الْقَبْض وَنَصّ فِي الْهِبَة على خِلَافه فَقَالَ الْأَصْحَاب قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج وَمن قرر النصين فرق بالضعف وَالْقُوَّة وتوجيه الْقَوْلَيْنِ من قَالَ يَكْتَفِي بِهِ جعل قَوْله رهنت بِقَرِينَة الْحَال رضَا بِالْقَبْضِ وَمن لم يكتف بِهِ نظر إِلَى مُجَرّد الصِّيغَة وَهِي لَا تدل على الْقَبْض

وَلذَلِك لَا يجوز للْمُرْتَهن أَخذ الْمَرْهُون إِذا لم يكن فِي يَده إِلَّا بِإِذن جَدِيد ثمَّ سَوَاء قُلْنَا لَا يفْتَقر إِلَى إِذن جَدِيد أَو قُلْنَا يفْتَقر فَإِذا فَلَا بُد من مُضِيّ مُدَّة يتَصَوَّر تَحْقِيق صُورَة الْقَبْض فِيهَا حَتَّى يلْزم فَهَل يشْتَرط الرُّجُوع إِلَى بَيِّنَة ومشاهدة الْمَرْهُون فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا بُد مِنْهُ ليتَحَقَّق التَّمَكُّن يكون كَالْقَبْضِ لنَفسِهِ وَهُوَ نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِذْ قَالَ وَلَو كَانَ فِي الْمَسْجِد والوديعة فِي بَيته لم يكن قبضا حَتَّى يصير إِلَى منزله وَالثَّانِي أَنه لَا يشْتَرط الرُّجُوع إِذْ لَا فَائِدَة للرُّجُوع وَالثَّالِث أَنه إِن استيقن وجوده أَو غلب على ظَنّه فَلَا فَائِدَة فِي الرُّجُوع وَإِلَّا فَيرجع ليتيقن وجوده فَإِن قُلْنَا يشْتَرط الرُّجُوع فَفِي اشْتِرَاط نَقله من مَكَان إِلَى مَكَان وَجْهَان وَاشْتِرَاط النَّقْل هُوَ الْغَايَة فَلَا ذَاهِب إِلَى أَنه يجب رده على الرَّاهِن واسترداده بعد ذَلِك وروى الْعِرَاقِيُّونَ عَن حَرْمَلَة أَنا إِذا لم يشْتَرط إِذْنا جَدِيدا فَلَا يشْتَرط أَيْضا

مُضِيّ الزَّمَان وَهُوَ مُحْتَمل لكنه بعيد من الْمَذْهَب ثمَّ إِن شرطنا شَيْئا سوى مُضِيّ الزَّمَان فَهَل تجوز الِاسْتِنَابَة فِيهِ فعلى وَجْهَيْن وَوجه الْمَنْع أَنه إِنَّمَا يصير قَابِضا بِالضَّمِّ إِلَى مَا سبق من النَّقْل فَلَا يقبل التَّعَدُّد وَالأَصَح أَن البيع من الْمُودع مسلط على التَّصَرُّف وناقل للضَّمَان دون إِذن جَدِيد بِخِلَاف الرَّهْن فَإِنَّهُ مُحَصل للْملك وَهُوَ فِي يَده وَفِيه وَجه أَنه كَالرَّهْنِ وَالأَصَح أَن الرَّهْن من الْغَاصِب كَالرَّهْنِ من الْمُودع وَفِيه وَجه أَنه لَا بُد من إِذن جَدِيد قطعا إِذْ لم يسْبق هَاهُنَا إِذن حَتَّى ينْصَرف الْآن إِلَى جِهَة الرَّهْن فَإِن قيل فَهَل يبرأ الْغَاصِب عَن ضَمَان الْغَصْب بِالرَّهْنِ قُلْنَا عندنَا لَا يبرأ خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله لِأَن يَد الْغَاصِب لم تَنْقَطِع فَلَا يَنْقَطِع حكمه بِخِلَاف مَا إِذا أودع عِنْد الْغَاصِب فَإِن الطَّاهِر

يَنْقَطِع لِأَنَّهُ عَاد إِلَى الْمَالِك حكما إِذْ يَده يَد الْمُودع وَيَد الْمُرْتَهن لنَفسِهِ وَلَو آجره فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ مردد بَين أَن نجْعَل للآجر لما فِيهِ من تَقْرِير أجرته أَو للْمُسْتَأْجر للِانْتِفَاع وَفِي الْوكَالَة بِالْبيعِ وَجْهَان مرتبان على الْإِجَارَة وَأولى بِأَن لَا يبرأ لِأَنَّهُ كالمستأجر فِيهِ إِلَّا أَن غَرَض الْمَالِك هَاهُنَا فِي الْيَد أظهر وَلَو رهن من الْمُسْتَعِير فَفِي بَرَاءَته عَن ضَمَان الْعَارِية وَجْهَان مبنيان على أَنه هَل يضمن ضَمَان الْمَغْصُوب وَلَو أَبْرَأ الْغَاصِب صَرِيحًا عَن الضَّمَان مَعَ بَقَاء الْيَد فَفِي الْبَرَاءَة وَجْهَان من حَيْثُ إِنَّه إِبْرَاء عَمَّا لم يتم سَبَب وُجُوبه إِذْ تَمام الْوُجُوب بالتلف ثمَّ إِذا قُلْنَا لَا يبرأ الْغَاصِب فَلهُ أَن يرد على الرَّاهِن وَيسْتَرد وَيجْبر الرَّاهِن على الْأَخْذ وَالرَّدّ بعد لُزُوم الرَّهْن

الْقسم الثَّانِي من الْبَاب الْكَلَام فِي الطوارئ قبل الْقَبْض

وَالنَّظَر فِي تَصَرُّفَات الرَّاهِن وأحوال الْعَاقِد وأحوال الْمَعْقُود عَلَيْهِ أما التَّصَرُّفَات فَكل مَا يزِيل الْملك فَهُوَ رُجُوع عَن الرَّهْن لِأَنَّهُ جَائِز وَهُوَ ضِدّه وَمَا لَا يزِيل الْملك كالتزويج لَيْسَ بِرُجُوع إِذْ لَا مضادة وَالْإِجَارَة رُجُوع عَن الرَّهْن إِن قُلْنَا يمْنَع البيع وَإِلَّا فَالظَّاهِر أَنه لَيْسَ بِرُجُوع كالتزويج وَالتَّدْبِير بِحكم نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه رُجُوع إِذْ جعله مَانِعا من الرَّهْن كَمَا سبق وعَلى تَخْرِيج الرّبيع لَيْسَ بِرُجُوع وَهُوَ الْقيَاس أما أَحْوَال الْعَاقِدين فموت الرَّاهِن نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه سَبَب للْفَسْخ وَنَصّ فِي موت الْمُرْتَهن على أَنه يسلم إِلَى الْوَرَثَة فَقيل قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج

وَوجه التَّرَدُّد متشابهته للجعالة وَالْوكَالَة وَهِي تَنْفَسِخ بِالْمَوْتِ وللبيع الْجَائِز فَإِن مصيره إِلَيّ اللُّزُوم وَهُوَ لَا يَنْفَسِخ وَمن قرر النصين فرقة من حُقُوق الْغُرَمَاء وَالْوَرَثَة يتَعَلَّق بالمرهون عِنْد موت الرَّاهِن فَإِن مصيره إِلَى اللُّزُوم وَهُوَ لَا يَنْفَسِخ وَمن قرر فرق من حُقُوق الْغُرَمَاء وَالْوَرَثَة يتَعَلَّق بالمرهون عِنْد موت الرَّاهِن وعماد الرَّهْن من جَانب الْمُرْتَهن الدّين واستحقاقه لَا يتأثر مَوته وَفِي جُنُون الْعَاقِدين خلاف مُرَتّب على الْمَوْت وَفِي السَّفه خلاف مُرَتّب على الْجُنُون وَأولى بِأَن لَا يَنْفَسِخ فَإِن عدم الْعقل دون عدم الرّوح أما الْأَحْوَال الْمَعْقُود عَلَيْهِ فَفِي انْفِسَاخ الرَّهْن بإنقلاب الْعصير خمرًا وَجْهَان وَفِي جِنَايَة العَبْد وإباقه وَجْهَان مرتبان وَأولى بِأَن لَا يَنْفَسِخ وَهُوَ قريب من الْخلاف فِي الْجُنُون وأنقلاب الْعصير خمرًا أولى بِالْفَسْخِ لِأَنَّهُ يُنَافِي الْمَالِيَّة وَلذَلِك يَزُول الرَّهْن بعد الْقَبْض بِهِ وَلَكِن إِذا عَاد خلا عَاد وَثِيقَة الرَّهْن بِسَبَب اخْتِصَاص الْيَد كَمَا عَاد ملك الْمَالِك بِسَبَب الِاخْتِصَاص بِالْعينِ وَيُمكن أَن يُقَال كَانَ الرَّهْن مَوْقُوفا كَمَا نقُول فِي وقف النِّكَاح على انْقِضَاء الْعدة فِي ردة الْمَنْكُوحَة ومصير الْعصير خمرًا فِي البيع قبل الْقَبْض كَهُوَ فِي الرَّهْن بعد الْقَبْض التَّفْرِيع إِذا قُلْنَا لَا يَنْفَسِخ بِهِ قبل الْقَبْض بل إِذا عَاد خلا عَاد الرَّهْن كَمَا

بعد الْقَبْض فَلَو أَقبض وَهُوَ خمرًا فالقبض فَاسد فَلَو صَار خلا أمْسكهُ لنَفسك لم يكف وَلَو قَالَ أقبضهُ لنَفسك فَيكون هُوَ الْقَابِض والمقبض وَفِي مثله خلاف فِي البيع هَكَذَا قَالَه الْأَصْحَاب قَالَ صَاحب التَّقْرِيب أَبُو الْقَاسِم بن قَاسم الْقفال الشَّاشِي يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا كإذن الْمُودع بعد الرَّهْن مِنْهُ إِذْ لَا فرق بَينهمَا فَإِن قيل وَهل يجوز السَّعْي فِي التَّخْلِيل قُلْنَا التَّخْلِيل حرَام عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لحَدِيث أبي طَلْحَة ثمَّ الْخمر إِن لم يكن مُحْتَرما وَهُوَ مَا أعتصر لأجل الخمريه فَإِن خلل بالقاء ملح

فَهُوَ تجس لعلتين إِحْدَاهمَا تَحْرِيم الْخَلِيل وَالْأُخْرَى ثُبُوت حكم النَّجَاسَة للمتحلل وَذَلِكَ لَا يَزُول إِلَّا بِالْمَاءِ تعبدا بِخِلَاف أجراء الدن فَإِن فِيهِ ضَرُورَة فَإِن خلل بِالنَّقْلِ من ظلّ إِلَى شمس فَوَجْهَانِ بِنَاء على العلتين وَإِن لم يجر إِلَّا مُجَرّد قصد الْإِمْسَاك ليتخلل فَالظَّاهِر أَنه طَاهِر وَفِيه وَجه فَإِن أعتصره للخمريه فَصَارَ خلا من غير قصد فَهُوَ طَاهِر إِذْ لَا قصد وَلَا فعل وَإِن كَانَت الْخمْرَة محترمه وَفِي الَّتِي أعتصرت للخل فَهُوَ طَاهِر فِي جَمِيع الصُّور إِلَّا إِذا القي فِيهِ ملح فَإِن نقل من الظل إِلَى الشَّمْس فَالظَّاهِر طَهَارَته

فَإِن قيل فالعناقيد إِذا استحالت بواطنها وأشتدت مَا حكمهَا قُلْنَا بواطئها نَجِسَة وَفِي جَوَاز بيعهَا وَجْهَان يجريان فِي الْبَيْضَة المذرة وَوجه التَّصْحِيح الِاعْتِمَاد فِي الْحَال على طَهَارَة الظَّاهِر وَفَائِدَته المنتظرة عِنْد التخلل والتفرخ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي حكم الرهون بعد الْقَبْض فِي حق الْمُرْتَهن والراهن

فَهَذَا يَبْنِي على فهم حَقِيقَة الرَّهْن وَحَقِيقَته إِثْبَات الْوَثِيقَة لدين الْمُرْتَهن فِي الْعين حَتَّى يثبت عَلَيْهِ الْيَد وَيخْتَص بِهِ فَيقدم على الغرباء عِنْد الزحمة وبأمن فَوَات الدّين بالإفلاس فيتضمن الرَّهْن تَجْدِيد سلطنة للْمُرْتَهن لم تكن وَقطع سلطنة للرَّاهِن كَانَت فالنظر يتَعَلَّق بِمَا انْقَطع من الرَّاهِن وَمَا تجدّد للْمُرْتَهن وَبَيَان مَحل الْوَثِيقَة وغايتها الَّتِى عِنْدهَا يَنْقَطِع فَهِيَ أَرْبَعَة أَطْرَاف

الطّرف الأول فِيمَا حجر على الْمَالِك فِيهِ

وَهُوَ كل مَا يفوت وَثِيقَة الْمُرْتَهن أَو بَعْضهَا أَو ينقصها وَتصرف الرَّاهِن من ثَلَاثَة أوجه

الأول التَّصَرُّف القولي

فَكل مَا ينْقل الْملك الى غَيره كَالْبيع وَالْهِبَة اَوْ ينقص الْملك كالتزويج والاجارة إِذْ يقلل الرَّغْبَة فِي الْحَال أَو يزحم الْمُرْتَهن كَالرَّهْنِ من غَيره هـ فَهُوَ مَمْنُوع وَلَا منع من إِجَارَة تَنْقَضِي مدَّتهَا قبل حُلُول الدّين أما مَا يسْقط الْملك كالإعتاق فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا انه لَا ينفذ فانه يفوت الْوَثِيقَة من الْعين كَالْبيع وَالثَّانِي ينفذ وَيغرم فانه يسري الى ملك الشَّرِيك وَحقّ الْمُرْتَهن لايزيد عَلَيْهِ وَالثَّالِث أَنه أَن كَانَ مُوسِرًا نفذ وَغرم وَإِلَّا فَلَا فانه إِذا لم يُمكن تغريمه يبْق الْعتْق فِي الْمُرْتَهن تفويتا مَحْضا أما إِذا رهن نصف العَبْد فَالصَّحِيح آن أعتاقه فِي النّصْف المستبقى إِذا نفذ سرى الى الْمَرْهُون مهما كَانَ مُوسِرًا ألانه فِي معنى صُورَة السَّرَايَة إِلَى ملك الْغَيْر لوُجُوده محلا فَارغًا فِي الِابْتِدَاء بل أولى مِنْهُ

التَّفْرِيع إِن قُلْنَا ينفذ وَيغرم فَفِي وَقت نُفُوذ الْعتْق طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَنه ينفذ فِي الْحَال لِأَنَّهُ صَادف ملكه وَالثَّانِي أَنه يخرج على الْأَقْوَال فِي ملك الشَّرِيك فعلى قَول متنجز وعَلى آخر يتَوَقَّف على بذل الْبَدَل وعَلى الثَّالِث على بذل الْبَدَل يتَبَيَّن حُصُوله من وَقت الانشاء وَإِن وَإِن قُلْنَا لَا ينفذ الْعتْق فَفِي نُفُوذه عِنْد فك الرَّهْن وَجْهَان أَحدهمَا بلَى إِذْ صَادف ملكه وأندفع لمَانع وألان فقد أرتفع وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بمعلق وَلم يتنجر فَلَا يعود بعد اندفاعه وَلَا خلاف فِي أَنه لَو بيع فِي حق الْمُرْتَهن وَعَاد إِلَيْهِ يَوْمًا من الدَّهْر لَا ينفذ أما تَعْلِيق الْعتْق فِي الْمَرْهُون إِن أتصل بِالصّفةِ قبل فك الرَّهْن فَحكمه حكم الْعتْق وَإِن وجد الصّفة بعده فَالْأَصَحّ النّفُوذ وَفِيه وَجه أَنه لَا ينْعَقد التَّعْلِيق فِي حَاله لَا يملك التنجير فِيهَا وَهُوَ ملتف تَعْلِيق الطَّلقَة الثَّالِثَة فِي حق العَبْد

الْوَجْه الثَّانِي لتصرفه الْوَطْء

وَهُوَ مَمْنُوع لِأَنَّهُ يعرض الْملك لنُقْصَان الْولادَة

وَفِي الصَّغِيرَة والآيسة وَجه وَالأَصَح حسم الْبَاب فَإِن أقدم فَلَا حدو لَا مهر وَالْولد حر نسيب لَهُ وَفِي الِاسْتِيلَاد خلاف مُرَتّب على الْعتْق وَأولى بالحصول لِأَنَّهُ من جملَة الْأَفْعَال فَإِن حكمنَا بِهِ وَجب عَلَيْهِ قيمتهَا يَوْم الاحبال فيجعلها رهنا بدلهَا وَإِن قُلْنَا لَا يحصل فَإِن بِيعَتْ وَفِي بَطنهَا الْوَلَد الْحر صَحَّ وَفِيه وَجه أَنه يبطل وَيجْعَل ذَلِك كاستثناء الْحمل وَإِن أَنْفك الرَّهْن فَالْأَصَحّ هَاهُنَا عود الِاسْتِيلَاد وَإِن مَاتَت من طلق هَذَا الِاسْتِيلَاد فَعَلَيهِ الْقيمَة لِأَنَّهُ الْمُتْلف بِوَطْئِهِ وَكَذَلِكَ إِذا وطئ أمه بِالشُّبْهَةِ الْغَيْر فَمَاتَتْ فِي الطلق وَفِيه وَجه آخر ذكره الفوراني أَنه لَا يجب إِذْ يبعد إِحَالَة الْهَلَاك على الْوَطْء مَعَ تخَلّل أَسبَاب حبلية وَلَو مَاتَت زَوجته من الطلق فَلَا ضَمَان قطعا لِأَنَّهُ تولد من مُسْتَحقّ وَفِي الْحرَّة

الْمَوْطُوءَة بِالشُّبْهَةِ وَجْهَان وَوجه الْفرق أَن الْحِوَالَة عَلَيْهَا مُمكن فَإِنَّهَا صَاحِبَة الْحق وَالْيَد لَهَا فِي نَفسهَا بِخِلَاف الْأمة وَكَذَلِكَ فِي الزِّنَا فَإِن كَانَ مَعَ استكراه فَلَا يُمكن الْحِوَالَة عَلَيْهَا لأَنا لَا نَعْرِف كَون الْوَلَد مِنْهُ وَالشَّرْع منع النّسَب فَإِن أقرّ بإنه من إحباله فَفِي كَلَام الْأَصْحَاب مَا يدل على أَنه لَا يجب أَيْضا فَإِن السَّبَب ضَعِيف وَكَأَنَّهُ فِي الْأمة حصل مثل إِثْبَات الْيَد عَلَيْهَا بِاسْتِعْمَال رَحمهَا فِي تربية الْوَلَد فَكَانَ كالهلاكه تَحت الْيَد التَّفْرِيع إِذا أَوجَبْنَا الْقيمَة فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه بِاعْتِبَار أقْصَى الْقيم من يَوْم الاحبال الى يَوْم الْمَوْت وَكَأن الاحبال غصب وأستيلاد وَالثَّانِي بِاعْتِبَار يَوْم الْمَوْت وَالثَّالِث بِاعْتِبَار يَوْم الاحبال

الْوَجْه الثَّالِث الِانْتِفَاع

وَهُوَ جَائِز عندنَا للرَّاهِن فِي الدَّار المرهونه بِالسُّكُونِ وَفِي العَبْد

المحترف بالاستكساب وَفِي الْفَحْل بإنزائه على الْإِنَاث إِن لم ينقص من قِيمَته وَكَذَا الإنزاء على الْأُنْثَى إِن لم ينقص الإحبال من قيمتهَا أما الْغِرَاس فِي الأَرْض فَمَمْنُوع لِأَنَّهُ يقلل الرَّغْبَة فِي الأَرْض إِذا بِيعَتْ دون الْغِرَاس وَذكر الرّبيع فِي الدّين الْمُؤَجل وَجها أَنه لَا يمْنَع من الْغِرَاس فَرُبمَا تفي الأَرْض بِجَمِيعِ الدّين أَو توفى الزِّيَادَة من مَوضِع آخر فَإِن لم يكن قلع عِنْد البيع أما فِي الْحَال فَلَا منع وَهُوَ منقاس التَّفْرِيع إِن قُلْنَا يمْنَع فَلَو غرس قلع وَلَو حمل السَّيْل النَّوَى فأنبت لَا يقْلع فِي الْحَال وَلَكِن عِنْد البيع يقْلع إِن لم يتَعَلَّق حق الْغُرَمَاء بِهِ بِالْحجرِ عَلَيْهِ بالفلس فَإِن تعلق لم يقْلع وَكَذَلِكَ على مَذْهَب الرّبيع إِذا جوز الْغِرَاس بل يُبَاع الْكل ويوزع الثّمن وَفِي كَيْفيَّة التَّوْزِيع كَلَام سبق فِي التَّفْرِيق بَين الْوَلَد وَالأُم فِي الرَّهْن فرع لَيْسَ للرَّاهِن المسافرة بِالْعَبدِ الْمَرْهُون أصلا لِأَنَّهُ حيلولة عَظِيمَة وَالْيَد مُسْتَحقَّة للْمُرْتَهن فَلَا تزَال إِلَّا لضَرُورَة والضرورة فِي الِانْتِفَاع لَا فِي السّفر وَكَذَلِكَ لَا يُسَافر زوج الْأمة بهَا ويسافر بهَا سَيِّدهَا تَقْدِيمًا لحقه وترغيبا لَهُ فِي تَزْوِيجهَا ويسافر الزَّوْج بِزَوْجَتِهِ الْحرَّة لِأَن مَقْصُود النِّكَاح أغلب وَهُوَ صَاحبه وَهِي صَاحِبَة الْحق والحظ فِي النِّكَاح

فصول الكتاب · 3 فصل · 713 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الوسيط في المذهب · 713 صفحة
المقدمة
الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين
الْبَاب الرَّابِع فِي الْقِسْمَة
جارٍ التحميل