فروع
الأول لَو عدل رجلَانِ وجرح رجن فالجرح أولى لِأَنَّهُ مُسْتَند إِلَى عيان وَلَو جرح رجل وَاحِد وَعدل رجلَانِ لم يقبل الْجرْح الثَّانِي يتَوَقَّف القَاضِي إِذا توقف المزكون وَلَا يجوز للمزكي الْجرْح بِالتَّسَامُعِ فِي الْفسق بل التَّوَقُّف إِلَّا إِذا عاين أَو سمع أَو شهد عَدْلَانِ عِنْده على مُشَاهدَة الْفسق وَكَانَ حَاكما فِي التَّعْدِيل فَإِن عدل المزكون فللقاضي إِذا انْفَرد بتسامع الْفسق أَن يتَوَقَّف لِأَنَّهُ مَحل الرِّيبَة الثَّالِث إِذا شهد الْمعدل مرّة أُخْرَى رُوجِعَ الْمُزَكي إِن طَال الزَّمَان إِذْ الْأَحْوَال تَتَغَيَّر وَإِن قرب الزَّمَان فَلَا وَلَو رَجَعَ الْمُزَكي فَفِي غرامته لِلْمَالِ وَجْهَان وَالله أعلم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي الْقَضَاء على الْغَائِب وَكتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالْقَضَاء على الْغَائِب يجوز خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله وَالنَّظَر فِيهِ يتَعَلَّق بِسِتَّة أَرْكَان الرُّكْن الأول الدَّعْوَى فَيشْتَرط فِيهَا ثَلَاثَة أُمُور الأول الْإِعْلَام فَإِذا ادّعى دينا فليذكر قدره وجنسه وَهَذَا لَا يخْتَص بالغائب فَلَا يَكْفِيهِ أَن يَدعِي عشرَة دَنَانِير أَو دَرَاهِم مَا لم يذكر أَي نوع هِيَ وَلَا ينزل مُطلق الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير على الْغَالِب كَمَا لَا ينزل فِي الْإِقْرَار على الْغَالِب بِخِلَاف الْعُقُود إِذْ الْعَادة تُؤثر فِي الْمُعَامَلَات ثمَّ يعرض القَاضِي عَنهُ أَو يستفصله فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا يعرض حَتَّى لَا يكون كالتلقين وَكَذَلِكَ إِذا أدّى الشَّاهِد شَهَادَة مَجْهُولَة فَلَا يرشده القَاضِي بل يسكت وَكَذَلِكَ لَو شَبَّبَ الْمُدَّعِي بِمَا لَو ذكره كَانَ إِقْرَارا لم يزجره القَاضِي وَالثَّانِي أَنه يستفصل وَهُوَ الْأَصَح لِأَن هَذَا سُؤال لَا تلقين الثَّانِي صَرِيح الدَّعْوَى فَلَا يَكْفِيهِ أَن يَقُول لي على فلَان كَذَا مَا لم يقل إِنِّي الْآن مطَالب بِهِ فَلَو قَالَ لي عَلَيْهِ كَذَا وَيلْزمهُ التَّسْلِيم إِلَيّ فَهَذَا فِيهِ تردد لِأَنَّهُ لم يذكر
الطّلب وَالدّين لَازم قبل الطّلب فَلَعَلَّهُ لَيْسَ بِطَلَب الثَّالِث أَن يكون مَعَه بَيِّنَة وَيَدعِي جحود الْغَائِب إِذْ لَا معنى للدعوى على الْغَائِب من غير بَيِّنَة وَلَا تسمع الْبَيِّنَة من غير جحود وَمِنْهُم من قَالَ لَا يشْتَرط ذكر الْجُحُود لِأَنَّهُ من أَيْن يعلم جحوده فِي الْغَيْبَة وَكَيف يعول على مُجَرّد قَوْله بل تجْعَل الْغَيْبَة كالسكوت وَالْبَيِّنَة تسمع على السَّاكِت فَلَو قَالَ هُوَ يعْتَرف وَإِنَّمَا أقيم الْبَيِّنَة استظهارا لم تسمع وَلَا خلاف أَنه لَو اشْترى شَيْئا فَخرج مُسْتَحقّا وَالْبَائِع غَائِب سَمِعت بَينته وَإِن لم يذكر الْجُحُود لِأَن تقدم البيع مِنْهُ كالجحود الرُّكْن الثَّانِي الشُّهُود وَلَا بُد أَن يستقصي القَاضِي الْبَحْث وَلَا يخْتَلف ذَلِك عندنَا بالحضور والغيبة فَإِن الْبَحْث حق الله تَعَالَى الرُّكْن الثَّالِث الْمُدَّعِي وَحكمه لَا يخْتَلف إِلَّا فِي دَعْوَى الْجُحُود وإحضار الْبَيِّنَة وَأمر ثَالِث وَهُوَ أَن القَاضِي يحلفهُ أَنه مَا أَبْرَأ عَنهُ وَلَا عَن شَيْء مِنْهُ وَلَا اعتضاض عَنهُ وَلَا عَن شَيْء مِنْهُ وَلَا اسْتَوْفَاهُ وَلَا شَيْئا مِنْهُ وَأَنه يلْزمه التَّسْلِيم إِلَيْهِ وَأَن الشُّهُود صدقُوا ثمَّ هَذِه الْيَمين وَاجِبَة إِن كَانَت الدَّعْوَى على صبي أَو مَجْنُون أَو ميت فَإِن كَانَ على حَيّ عَاقل بَالغ فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يجب بل يحكم ثمَّ لَا ينحسم بَاب دَعْوَى الْإِبْرَاء والتوفية كَمَا على الْحَاضِر وَالثَّانِي أَنه يجب إِذْ الْحَاضِر يُبَادر الدَّعْوَى والتسليط من غير استقصاء مِنْهُ محَال ثمَّ على هَذَا لَا يجب التَّعَرُّض لصدق الشُّهُود وَإِنَّمَا يجب فِيمَن يحلف مَعَ شَاهد وَاحِد وَأما إِذا كملت الْبَيِّنَة فَلَا هَذَا إِذا ادّعى بِنَفسِهِ فَإِن ادّعى وَكيله وَهُوَ غَائِب فَلَا بُد
من تَسْلِيم الْحق بل لَو حضر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ بِإِزَاءِ وَكيل الْمُدَّعِي فأقيمت الْبَيِّنَة عَلَيْهِ فَقَالَ إِن موكلك قد أبرأني فَأُرِيد يَمِينه توقف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فُقَهَاء الْفَرِيقَيْنِ بمرو فِي وَاقعَة فاستدرك الْقفال وَقَالَ يسلم الْحق إِذْ لَو فتح هَذَا الْبَاب تعذر طلب الْحُقُوق الغائبة بالوكلاء الرُّكْن الرَّابِع فِي إنهاء الحكم إِلَى قَاض آخر وَذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ أَو الْإِشْهَاد أَو المشافهة أما مُجَرّد الْكِتَابَة فَلَا يعْتَمد إِذْ لَا تعويل على الْخط وَمُجَرَّد الْإِشْهَاد بعدلين دون الْكتاب كَاف وَإِن كتب فَهُوَ تذكرة للشاهدين وَلَا يعْتَمد حَتَّى لَو ضَاعَ لم يضر وَلَو شَهدا بِخِلَاف مَا فِي الْكتاب سمع لِأَن الإعتماد عل الْعلم وَيحصل علمهما بِأَن يجْرِي القَاضِي الْقَضَاء بَين يديهما ويشهدهما عَلَيْهِ وَلَا يَكْتَفِي أَن يسلم إِلَيْهِمَا الْكتاب وَيَقُول أشهد كَمَا أَن هَذَا خطي فَإِن قَالَ أشهد كَمَا أَن مَضْمُون الْكتاب قضائي قَالَ الْإِصْطَخْرِي يَكْفِي ذَلِك لِأَن هَذَا إِقْرَار بِمَجْهُول يُمكن مَعْرفَته وَقَالَ الْأَصْحَاب لَا يَكْفِي حَتَّى يذكر تَفْصِيل قَضَائِهِ للشاهدين وَيقرب من هَذَا مَا لَو سلم الْمقر القبالة إِلَى الشَّاهِد وَقَالَ أشهدك على مَا فِيهِ وَأَنا عَالم بِهِ وَلَعَلَّ الْأَصَح أَن هَذَا يَكْفِي لِأَنَّهُ مقرّ على نَفسه بِمَا لَا يتَعَلَّق بِحَق غَيره وَالْإِقْرَار بِالْمَجْهُولِ صَحِيح وَأما القَاضِي فمقر على نَفسه لَكِن بِمَا يرجع ضَرَره على غَيره فالإحتياط فِيهِ أهم
ثمَّ الأولى أَن يكْتب الْكتاب مَعَ الشُّهُود للتذكرة ويختمه وَيسلم إِلَيْهِمَا نُسْخَة غير مختومة للمطالعة وَيكْتب فِي الْكتاب اسْم الْخَصْمَيْنِ وَاسم أَبِيهِمَا وجدهما وحليتهما ومسكنهما إِلَى حَيْثُ يحصل التَّمْيِيز فَهُوَ الْمَقْصُود وَيذكر قدر المَال وتاريخ الدَّعْوَى وَيَقُول قَامَت عِنْدِي بذلك بَيِّنَة عادلة وحلفته مَعَ الْبَيِّنَة وَالْتمس مني الْقَضَاء والكتبة إِلَيْك لتستوفي فأجبته إِلَى ذَلِك وأشهدت عَلَيْهِ فلَانا وَفُلَانًا وَلَا فَائِدَة فِي ذكر عَدَالَة شَاهِدي الْكتاب فَإِنَّهُ لَا تثبت عدالتهما بِشَهَادَتِهِمَا وَلَا بِمُجَرَّد الْكتاب وهما يَشْهَدَانِ على الْكتاب بل يَنْبَغِي أَن تظهر عدالتهما للْقَاضِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ بطرِيق آخر فَإِن قيل إِذا لم يبْق إِلَّا اسْتِيفَاء الْحق فَلم لَا يُكَاتب واليا غير القَاضِي حَتَّى يَسْتَوْفِي قُلْنَا لِأَن الْكتاب لَا يثبت عِنْد الْوَالِي إِلَّا بِشَهَادَة الشُّهُود ومنصب سَماع الشَّهَادَة يخْتَص بالقضاة فَإِن شافه الْوَالِي جَازَ لَهُ الإستيفاء فِي بَلْدَة هِيَ من ولَايَة القَاضِي فَإِن كَانَت خَارِجَة عَن ولَايَته فَفِي وجوب اسْتِيفَائه نظر لِأَنَّهُ لَا ولَايَة لَهُ على تِلْكَ الْبقْعَة وَلَكِن الصَّحِيح وُجُوبه لِأَن سَماع الْوَالِي بالمشافهة كسماع قَاض آخر شَهَادَة الشُّهُود أما المشافهة فَهِيَ أقوى لَكِن بِشَرْط أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي مَحل ولَايَته بِأَن يَكُونَا قاضيي بَلْدَة وَاحِدَة على الْعُمُوم أَو شقي بَلْدَة فيناديا فِي الطَّرفَيْنِ وَإِنَّمَا يَكْفِي ذَلِك إِذا
قَالَ قضيت فاستوف أما إِذا قَالَ سَمِعت الْبَيِّنَة فاحكم فَلَا فَائِدَة لَهُ فِي خبْرَة الْبَيِّنَة لِأَن قَوْله فرع عَن الشُّهُود وَإِنَّمَا يُفِيد عِنْد الْعَجز عَنْهُم بِالْمَوْتِ أَو الْغَيْبَة هَذَا هُوَ الْأَظْهر وَفِيه وَجه سَيَأْتِي أما إِذا اجْتمعَا فِي أحد الشقين فَقَالَ لَهُ صَاحب الْولَايَة إِذا رجعت إِلَى شقك فاستوف فَإِنِّي قد قضيت فَإِذا رَجَعَ جَازَ لَهُ الإستيفاء إِن جَوَّزنَا الْقَضَاء بِالْعلمِ لِأَنَّهُ علم حصل فِي غير مَحل ولَايَته وَإِن لم نجوز فقد أطلق بعض الْأَصْحَاب جَوَازه وَقَالَ الإِمَام لَا يجوز بل هُوَ كسماعه الشَّهَادَة فِي غير مَحل ولَايَته لِأَنَّهُ سمع حَيْثُ لم يكن أَهلا للسماع فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ لَهُ سَمِعت الْبَيِّنَة وَلم يبْق إِلَّا الْقَضَاء فَإِنَّهُ لَا خلاف أَنه لَا يقْضِي إِذا رَجَعَ إِلَى شقَّه إِذْ قَول القَاضِي فرع لشهادة الشُّهُود فسماعه لَا يزِيد على سَماع الشَّهَادَة وَهَذَا يلْزمه أَن يَقُول الْوَالِي الَّذِي لَيْسَ بقاض لَا يَسْتَوْفِي لِأَن كَونه قَاضِيا لَا يُخرجهُ عَن كَونه واليا لَكِن يُمكن أَن يُجَاب بِأَن الْوَالِي لَا يقْضِي إِلَّا بِعِلْمِهِ ومستند علمه قَوْله قضيت فَكَذَلِك يجوز أَيْضا للْقَاضِي إِذا قُلْنَا إِنَّه يقْضِي بِعِلْمِهِ أما إِذا قَالَ فِي غير مَحل ولَايَته لقاض آخر قضيت فِي ولايتي فاحكم أَو استوف فَلَا خلاف أَنه لَا يسمع إِذْ لَا حجَّة فِي قَوْله إِلَّا فِي مَحل ولَايَته
فروع
الأول إِذا كتب إِلَى قَاض فَمَاتَ الْكَاتِب أَو الْمَكْتُوب إِلَيْهِ جَازَ لكل من شهد عِنْده الشُّهُود من الْقُضَاة الحكم بِهِ لِأَن الْحجَّة فِي حكمه لَا فِي كِتَابه وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يجوز ذَلِك إِلَّا إِذا كتب إِلَى فلَان وَإِلَى كل من يصل إِلَيْهِ من الْقُضَاة وَكَأَنَّهُ يَجْعَل ذَلِك تفويضا الثَّانِي إِذا قضى القَاضِي وَاقْتصر على قَوْله حكمت على أَحْمد بن مُحَمَّد فاعترف رجل فِي تِلْكَ الْبَلدة بِأَنَّهُ أَحْمد بن مُحَمَّد وَأَنه المعني بِالْكتاب وَأنكر الْحق فَلَا يلْزمه شَيْء لِأَن الحكم فِي نَفسه بَاطِل لِأَنَّهُ على مُتَّهم غير معِين لَا بِالْإِشَارَةِ وَلَا بِوَصْف مستقص كَامِل فَلَا يتم الحكم باعترافه بِأَنَّهُ المعني إِلَّا أَن يقر بِالْحَقِّ فَيُؤْخَذ الْحق بِإِقْرَارِهِ أما إِذا استقصى فَذكر اسْم أَبِيه وجده وحليته ومسكنه ومحلته وأتى بالممكن فإمكان اشتراكه فِي جملَة هَذِه الصِّفَات على الندور لَا ينقدح فَإِن قَالَ الْمَأْخُوذ لست مُسَمّى بِهَذَا الإسم فعلى الْخصم إِن نقم بَيِّنَة على الإسم وَالنّسب فَإِن عجز حلفه فَإِن حلف انْصَرف عَنهُ الْقَضَاء وَإِن نكل توجه الْحق بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَة فَلَو أَخذ يحلف على أَن الْحق لَا يلْزمه وَلَيْسَ يحلف على نفي الإسم فَلَا يسمع بِخِلَاف من ادعِي عَلَيْهِ قرض فَلم يُنكر وَلَكِن قَالَ لَا يلْزَمنِي تَسْلِيم شَيْء يقبل لِأَنَّهُ رُبمَا أخد ورد وَلَو اعْترف لطولب بِالْبَيِّنَةِ لِأَن مُجَرّد الدَّعْوَى لَيْسَ بِحجَّة عَلَيْهِ وَهَاهُنَا قد قَامَت الْبَيِّنَة على الإسم وَتوجه الْحق إِن ثَبت الإسم وَقَالَ الصيدلاني يقبل ذَلِك مِنْهُ كتلك الْمَسْأَلَة وَهُوَ ضَعِيف وَالْفرق أظهر
وَأما إِذا قَالَ أَنا مَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات وَلَكِن فِي الْبَلَد من يساويني فَإِذا أظهر ذَلِك وَلَو مَيتا انْصَرف الْقَضَاء عَنهُ وَهَذَا كُله إِذا قضى القَاضِي بِالْبَيِّنَةِ وَلم يبْق لَهُ إِلَّا الإستيفاء أما إِذا سمع الْبَيِّنَة وَكتب إِلَى قَاض آخر بِسَمَاع الْبَيِّنَة فَهَذَا جَائِز بالإتفاق وساعد عَلَيْهِ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله وَفِيه إِشْكَال لِأَنَّهُ إِن كَانَ تحملا كَالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة فَلَا يَكْتَفِي بِوَاحِد وَإِن كَانَ قَضَاء بِقِيَام الْبَيِّنَة وسماعها حَتَّى ينزل سَمَاعه منزلَة سَماع القَاضِي الثَّانِي فَلم يجب ذكر الشُّهُود فِي الْكتاب وصفتهم وَلَا يجب ذكر شُهُود الْوَاقِعَة إِذا تمم القَاضِي وَكَأن هَذَا قَضَاء مشوب بِالنَّقْلِ والأغلب عَلَيْهِ أَنه قَضَاء بأَدَاء الشَّهَادَة حَتَّى يقوم سَمَاعه مقَام سَماع الآخر وَلَكِن وَجب ذكر الشُّهُود لِأَن الآخر إِنَّمَا يقْضِي بقَوْلهمْ والمذاهب فِي الْحجَج مُخْتَلفَة فَرُبمَا لَا يرى القَاضِي الْقَضَاء بقَوْلهمْ ثمَّ لَا خلاف أَنه لَو سمع وَلم يعدل وفوض التَّعْدِيل إِلَى الآخر جَازَ وَإِن كَانَ الأولى أَن يعدل لِأَن أهل بلدهم أعرف بهم وَلَو عدل القَاضِي وَأشْهد على التَّعْدِيل شُهُود الْكتاب جَازَ ذَلِك ثمَّ إِن ادّعى الْخصم جرحا فلظهر شَاهِدين عَدْلَيْنِ فَيقدم بَيِّنَة الْجرْح على التَّعْدِيل الَّذِي فِي الْكتاب فَإِن استمهل أمْهل ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن قَالَ لَا أتمكن مِنْهُ إِلَّا فِي بلد الشُّهُود لم يُمْهل لِأَن ذَلِك يطول وَيصير ذَلِك ذَرِيعَة لَكِن يسلم المَال ثمَّ إِن أثبت الْجرْح اسْتردَّ قولا وَاحِدًا وَلم يخرج على مَا لَو كَانَ الْخصم حَاضرا وَأظْهر الْجرْح بعد الحكم فَإِن فِي نقض الْقَضَاء بِهِ قَوْلَيْنِ لِأَن الْحَاضِر مقصر وَهُوَ مَعْذُور الثَّالِث لَو كَانَ للبلد قاضيان وجوزناه فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر سَمِعت الْبَيِّنَة فَاقْض فَلهُ ذَلِك إِن قُلْنَا الْغَالِب عَلَيْهِ الْقَضَاء وكأنهما تعاونا على حكم وَاحِد وَإِن قُلْنَا الْغَالِب النَّقْل لم يجز ذَلِك مَعَ حُضُور الشُّهُود فَإِن القَاضِي كالفرع للشُّهُود
الرُّكْن الْخَامِس فِي الْمَحْكُوم بِهِ وَذَلِكَ إِن كَانَ دينا أَو عقارا يُمكن تحديده فَهُوَ سهل وَإِن كَانَ عينا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُمكن تَعْرِيفه بِالصّفةِ كالفرس وَالْجَارِيَة وَالْعَبْد أَو يكثر أَمْثَالهَا كالأمتعة والكرباس مثلا أما العَبْد وَأَمْثَاله فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه لَا ترتبط الدَّعْوَى وَالْقَضَاء بِعَيْنِه بل بِقِيمَتِه كالكرباس لِأَن الْمَحْكُوم عَلَيْهِ عرف بِالنّسَبِ وتعريف العَبْد وَالْفرس غير مُمكن وَالثَّانِي أَنه يجوز أَن يقْضِي على عينه كالمحكوم عَلَيْهِ إِذا كَانَ خاملا وَالثَّالِث أَنه يسمع الْبَيِّنَة على عينه وَلَا يقْضِي لِأَن إبراهم الحكم مَعَ هَذِه الْجَهَالَة صَعب التَّفْرِيع إِن قُلْنَا إِنَّه يتَعَلَّق بِعَيْنِه فالمدعى عَلَيْهِ إِذا عين عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْبَلدة عبد فَيصْرف الْقَضَاء عَنهُ بِأَن يظْهر فِي الْبَلَد عبد آخر بِتِلْكَ الصّفة إِمَّا من ملكه أَو ملك غَيره فَإِن أظهر من ملكه لم يلْزمه تَسْلِيم أَحدهمَا بل صَار الْقَضَاء بَاطِلا لكَونه مُبْهما وَإِن لم يبين لزمَه تَسْلِيم العَبْد الْمَوْصُوف وَإِن قُلْنَا إِنَّه يسمع الْبَيِّنَة فَقَط ففائدة الْمُدَّعِي أَن يُطَالب بِتَسْلِيم العَبْد إِلَيْهِ حَتَّى يُعينهُ
الشُّهُود فِي بَلَده ثمَّ فِي الإحتياط لملكه قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يلْزم الْمُدَّعِي كَفِيلا بِالْبدنِ وَالثَّانِي أَن الْكفَالَة بِالْبدنِ ضَعِيف فَلَا يلْزمه بل يلْزمه أَن يَشْتَرِي ويتكفل بِالْمَالِ ضَامِن حَتَّى إِن تلف تلف من ضَمَانه وَإِن ثَبت ملكه فِيهِ بَان بطلَان الشِّرَاء وَيحْتَمل هَذَا الْوَقْف للْحَاجة وَذكر الفوراني أَنه يلْزمه تَسْلِيم الْقيمَة إِلَيْهِ للْحَيْلُولَة فِي الْحَال من غير بَيِّنَة فَإِن ثَبت ملكه اسْتردَّ الْقيمَة وَهَذَا لَا بَأْس بِهِ إِذْ كَفَالَة الْبدن ضَعِيفَة الْفَائِدَة وَالْبيع رُبمَا لَا يرضى بِهِ صَاحب الْيَد هَذَا فِي العَبْد أما الْجَارِيَة فتسلم إِلَى أَمِين لِأَن حفظ الْفروج وَاجِب وَمن يَدعِي الْملك لَا يمْتَنع من الْمُبَاشرَة وَإِن قُلْنَا إِنَّه كالكرباس فَلَا ترتبط الدَّعْوَى بِعَيْنِه بل ترتبط بِالْقيمَةِ فيذكر كرباسا أَو عبدا قِيمَته عشرَة مثلا وَلَا بَأْس بِذكر صِفَات الْعين وَلَا يجب كَمَا أَنه لَا بَأْس بِذكر قيمَة الْعقار وَقِيمَة العَبْد على قَوْلنَا تتَعَلَّق بِعَيْنِه وَلَكِن لَا يجب على الظَّاهِر أما إِذا كَانَ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ حَاضرا وَالْعَبْد والكرباس حاضرين وَلَكِن لم يحضرهُ مجْلِس الحكم فهاهنا يفْتَرق الكرباس وَالْعَبْد إِذْ الْمُنكر لَا يلْزمه إِحْضَار الكرباس لِأَنَّهُ يتماثل وَإِن أحضر وَأما العَبْد فَيحكم القَاضِي بِهِ وَإِن كَانَ غَائِبا إِذا عرفه القَاضِي بِعَيْنِه وَإِن لم يعرفهُ فَلَا بُد من إِحْضَاره للتعيين وَيجب ذَلِك على الْمُدعى عَلَيْهِ إِن اعْترف بِأَن فِي يَده عبدا هَذَا صفته وَإِن لم يعْتَرف حلف على أَنه لَيْسَ فِي يَده مثل هَذَا العَبْد فَإِن نكل فَحلف الْمُدَّعِي أَو أَقَامَ بَيِّنَة على أَن فِي يَده مثله حبس الْمُدعى عَلَيْهِ حَتَّى يحضر ويتأبد عَلَيْهِ الْحَبْس وَلَا يتَخَلَّص إِلَّا بالإحضار أَو بِدَعْوَى التّلف فَعِنْدَ ذَلِك يقبل قَوْله للضَّرُورَة ويقنع بِالْقيمَةِ ثمَّ إِن حضر فعلى الشُّهُود على الْوَصْف إِعَادَة الشَّهَادَة على الْعين فَإِن علم الْمُدَّعِي حَيْثُ لَا بَينه لَهُ أَن الْمُدعى عَلَيْهِ لَا يُبَالِي بِالْحلف عل أَنه لَيْسَ فِي يَده فطريق الْجَزْم لَهُ أَن يصرف الدَّعْوَى إِلَى الْقيمَة وَيثبت الْمَالِيَّة بِالشَّهَادَةِ على الْوَصْف مهما لم يطْلب الْعين فَلَو قَالَ أَدعِي عبدا صفته كَذَا وَقِيمَته كَذَا فإمَّا أَن يرد الْعين أَو الْقيمَة فَهَذِهِ دَعْوَى غير مجزومة فَفِي سماعهَا وَجْهَان وَلَكِن اتّفق الْقُضَاة على سماعهَا للْحَاجة اصْطِلَاحا فرع إِذا حضر العَبْد الْغَائِب وَلم يثبت ملك الْمُدَّعِي فعلى الْمُدَّعِي مئونة الْإِحْضَار
ومئونة الرَّد إِلَى مَكَانَهُ هَذَا مَا ذكره الْأَصْحَاب وَلم يتَعَرَّضُوا لأجرة منفعَته الَّتِي تعطلت وَلَا لمَنْفَعَة الْمَحْكُوم عَلَيْهِ إِذا تعطل بالحضور وَكَأن ذَلِك احتملوه لمصْلحَة الإيالة وَجعل ذَلِك وَاجِبا لإجابة القَاضِي فَلم يلْزمه بَدَلا أما مُؤنَة إِحْضَار العَبْد فَلم تحْتَمل الرُّكْن السَّادِس الْمَحْكُوم عَلَيْهِ وَشَرطه أَن يكون غَائِبا فَإِن كَانَ فِي الْبَلَد فَفِي جَوَاز سَماع الْبَيِّنَة قبل استحضاره وَجْهَان أَحدهمَا تسمع إِذْ إِنْكَاره غير مَشْرُوط وَإِنَّمَا الشَّرْط عدم إِقْرَاره وَهُوَ مَعْدُوم فِي الْحَال وَالثَّانِي أَنه لَا يجوز لِأَن إِقْرَاره متوقع على قرب وسلوك أقرب الطّرق وَاجِب فِي الْقَضَاء فَإِن قُلْنَا تسمع فَالْمَذْهَب أَنه لَا يقْضِي إِلَّا فِي حُضُوره فَلَعَلَّهُ يجد مطعنا ودفعا بِخِلَاف الْغَائِب فَإِن انْتِظَاره يطول وَفِيه وَجه بعيد أَنه يقْضِي كالغائب أما إِذا حضر فَفِي جَوَاز سَماع الْبَيِّنَة من دون مُرَاجعَة الْخصم وَجْهَان مرتبان وَأولى بِالْمَنْعِ وَوجه الْجَوَاز أَنه قَادر على الدّفع وَالْكَلَام فَلْيَتَكَلَّمْ إِن أَرَادَ أما إِذا توارى وَتعذر فَالْمَذْهَب أَنه يقْضِي عَلَيْهِ كالغائب وَذكر القَاضِي وَجها أَن الْمَنْع لَا يَجْعَل كالعجز كَمَا أَن منع الْمهْر وَالثمن لَا يلْحق بالإفلاس على وَجه واختتام الْبَاب بتنبيهات الأول أَن فِي قبُول كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي وَالشَّهَادَة على الشَّهَادَة فِي الْحُدُود قَوْلَيْنِ وَفِي الْقصاص قَولَانِ مرتبان وَأولى بِالْقبُولِ
الثَّانِي أَن حد الْغَيْبَة مَا فَوق مَسَافَة الْعَدْوى وَهُوَ أَن يعدو من بَيته فَلَا يرجع إِلَيْهِ مسَاء فَإِن أمكن ذَلِك فَهُوَ كالحاضر فَيجب عَلَيْهِ إِجَابَة القَاضِي إِذا دَعَاهُ وَإِن دَعَاهُ صَاحب الْحق لم يجب الْحُضُور بل الْوَاجِب هُوَ الْحق إِن كَانَ صَادِقا وَإِلَّا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يجب الْحُضُور طَاعَة للْقَاضِي لأجل الْمصلحَة الثَّالِث أَنه إِن لم يكن على مَسَافَة الْعَدْوى حَاكم فَيجوز للْقَاضِي إِحْضَاره وَلَكِن بعد إِقَامَة الْبَيِّنَة إِذْ تَكْلِيفه ذَلِك من غير حجَّة إِضْرَار وَلِهَذَا يجب على القَاضِي أَن لَا يخلي مثل هَذِه الْمسَافَة من حَاكم الرَّابِع إِذا كَانَ للْغَائِب مَال فِي الْبَلَد وَجب على القَاضِي التوفية وَهل يُطَالب الْمُدَّعِي بكفيل فَرُبمَا توقع استدارك فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا إِذْ كل حكم يُمكن فِيهِ الإستدراك وَقد تمّ الحكم فِي الْحَال وَالثَّانِي نعم لِأَن الْخصم غَائِب والإستدراك غَالب الْخَامِس إِذا عزل القَاضِي بعد سَماع الْبَيِّنَة ثمَّ ولي يلْزمه استعادة الْبَيِّنَة إِذْ بَطل بِالْعَزْلِ سَمَاعه السَّابِق وَإِن خرج عَن مَحل ولَايَته ثمَّ رَجَعَ فَفِي الإستعادة وَجْهَان السَّادِس المخدرة لَا تحضر مجْلِس القَاضِي لِأَن ضَرَر إبِْطَال الخدر أعظم من ضَرَر الْمَرَض بل يحضر القَاضِي أَو مَأْذُون من جِهَته فَكل من لَا تخرج أصلا إِلَّا لضَرُورَة مرهقة فَهِيَ مخدرة أما من لَا تخرج إِلَى العزايا والزيارات إِلَّا نَادرا قَالَ القَاضِي هِيَ أَيْضا مخدرة وَقيل بل هِيَ الَّتِي لَا تخرج إِلَّا لضَرُورَة وَقيل بل هِيَ الَّتِي لَا تصير مبتذلة بِكَثْرَة الْخُرُوج وَإِن كَانَت تخرج على الْجُمْلَة وَقَالَ الْقفال يجب إِحْضَار المخدرة لِأَن الْحُضُور بِهَذَا الْعذر لَا
يبطل التخدر وَخَالفهُ جَمِيع الْأَصْحَاب فِيهِ السَّابِع للْقَاضِي أَن يتَصَرَّف فِي مَال حَاضر ليتيم خَارج عَن مَحل ولَايَته إِذا أشرف على الْهَلَاك كَمَا يتَصَرَّف فِي مَال كل غَائِب وَلَكِن هَل لَهُ نصب قيم للتَّصَرُّف فِيهِ تردد القَاضِي فِيهِ وَلم يبت جَوَابا فَإِنَّهُ نصب على الْيَتِيم وَفِي المَال أَيْضا فَإِذا كَانَ الْيَتِيم فِي ولَايَته وَمَاله فِي ولَايَة أُخْرَى رُبمَا أدّى إِلَى أَن ينصب كل وَاحِد من القاضيين قيمًا وَلَعَلَّ الأولى أَن يُلَاحظ مَكَان الْيَتِيم لَا مَكَان المَال وَأما إِذا زوج امْرَأَة خَارِجَة عَن مَحل ولَايَته من غَائِب خَارج عَن مَحل ولَايَته بِرِضَاهَا فَهَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يَصح وَلَا يَكْفِي حُضُور الزَّوْج إِذْ لَا تعلق للولاية بِهِ بل حُضُور الْمَرْأَة مُعْتَبر لِأَنَّهُ ولي عَلَيْهَا بِخِلَاف المَال وَلَيْسَ ذَلِك كَمَا لَو حكم فِي مَحل ولَايَته على غَائِب خَارج عَن مَحل ولَايَته إِذْ الْمُدَّعِي حَاضر وَالْولَايَة مُتَعَلقَة بِهِ