الوسيط في المذهبصفحات 442-481
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين

صفحات 442-481

وَفِيه وَجه أَنَّهَا إِن كَانَت مأكولة ذبحت وَإِلَّا فَلَا لِأَن حُرْمَة الرّوح مرعية وَلَا تَكْلِيف فَإِن قُلْنَا تقتل وَكَانَت مُحرمَة اللَّحْم فَفِي وجوب قيمتهَا وَجْهَان أَحدهمَا لَا تجب لِأَنَّهُ مُسْتَحقَّة الْقَتْل شرعا وَالثَّانِي نعم لِأَنَّهُ السَّبَب ثمَّ تجب على الْفَاعِل أَو على بَيت المَال فِيهِ وَجْهَان وَإِن كَانَت مأكولة اللَّحْم فَفِي حل أكلهَا وَجْهَان إِذا ذبحت وَالأَصَح الْحل وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ حَيَوَان وَجب قَتله فَإِن أَوجَبْنَا الْحَد فَلَا بُد من أَرْبَعَة عدُول وَإِن أَوجَبْنَا التَّعْزِير فَفِيهِ وَجْهَان وَالنَّص يدل على اشْتِرَاط الْعدَد

وَقَوْلنَا محرم احترزنا بِهِ عَن وَطْء الْمَنْكُوحَة الصائمة والمحرمة وَالْحَائِض والرجعية فَلَا حد فِيهِ إِذْ لَيْسَ التَّحْرِيم لعَينه وَقَوْلنَا قطعا احترزنا بِهِ عَن الْوَطْء بِالشُّبْهَةِ وَفِي النِّكَاح الْفَاسِد وَفِي الْمُتْعَة فَإِن فِيهِ كلَاما وَقَوْلنَا لَا شُبْهَة فِيهِ مَأْخُوذ من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ادرءوا الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ والشبهة ثَلَاثَة وَهِي إِمَّا فِي الْمحل أَو الْفَاعِل أَو طَرِيق الْإِبَاحَة

أما الشُّبْهَة فِي الْمحل فكالملك فَلَا حد على من يطَأ مملوكته وَإِن كَانَت مُحرمَة عَلَيْهِ برضاع أَو نسب أَو شركَة فِي ملك أَو تَزْوِيج أَو عدَّة من الْغَيْر لِأَن الْمُبِيح قَائِم كَمَا فِي وَطْء الصَّائِم وَالْحَائِض وَإِذا وطىء جَارِيَة ابْنه وأحبلها فَلَا حد إِذْ انْتقل الْملك إِلَيْهِ وَإِن لم تحبل فَالظَّاهِر أَن لَا حد لِأَن لَهُ فِي مَاله شُبْهَة اسْتِحْقَاق الإعفاف وَللشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ قَول قديم أَن الْحَد يجب حَيْثُ يحرم الْوَطْء بِالنّسَبِ وَالرّضَاع وَيجْرِي فِي كل تَحْرِيم مؤبد وَلَا يجْرِي فِي الْحيض وَالصَّوْم وَهل يجْرِي فِي الْمَمْلُوكَة الْمُعْتَدَّة والمزوجة فِيهِ تردد وَأما الشُّبْهَة فِي الْفَاعِل فَهُوَ أَن يظنّ التَّحْلِيل كَمَا لَو زفت إِلَيْهِ غيرت زَوجته فظنها زَوجته أَو صَادف امْرَأَة على فرَاشه ظَنّهَا زَوجته الْقَدِيمَة أَو عقد عقدا ظَنّه صَحِيحا وَلَيْسَ بِصَحِيح فَلَا حد إِذْ لَا إِثْم مَعَ الظَّن وَأما الشُّبْهَة فِي الطّرق فَهُوَ كل مَا اخْتلف الْعلمَاء فِي إِبَاحَته فَلَا حد على الواطىء فِي نِكَاح الْمُتْعَة لمَذْهَب ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ وَفِي نِكَاح بِلَا ولي لمَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله وَبلا شُهُود لمَذْهَب مَالك رَحمَه الله وَفِي الْقَدِيم قَول أَنه يجب فِي نِكَاح الْمُتْعَة لِأَنَّهُ ثَبت نسخه قطعا وَذهب الصَّيْرَفِي إِلَى إِيجَابه فِي نِكَاح بِلَا ولي حَتَّى على الْحَنَفِيّ لظُهُور الْأَخْبَار فِيهِ وَجعله كالحنفي إِذا شرب النَّبِيذ وَهُوَ بعيد

وَمَا جَاوز هَذِه الشُّبُهَات فَلَا عِبْرَة بهَا عندنَا فَيجب الْحَد على من نكح أمه أَو مَحَارمه أَو زنى بهَا وَكَذَا إِذا استؤجرت للزِّنَا أَو أَبَاحَتْ الْمَرْأَة نَفسهَا أَو جاريتها أَو زنا نَاطِق بخرساء أَو أخرس بناطقة أَو عَاقِلَة مكنت مَجْنُونا أَو اعْترف أحد الواطئين

دون الثَّانِي أَو زنا بِامْرَأَة يسْتَحق عَلَيْهَا الْقصاص أَو زنا فِي دَار الْحَرْب وَخَالف أَبُو حنيفَة رَحمَه الله فِي جَمِيع ذَلِك نعم اخْتلف أَصْحَابنَا فِي إِقَامَة الْحَد فِي دَار الْحَرْب لما فِيهِ من إثارة الْفِتْنَة وَاخْتلفُوا فِي الْمُكْره على الزِّنَا وَالظَّاهِر أَنه لَا يجب أما الْمَرْأَة إِذا أكرهت على التَّمْكِين من الزِّنَا فَلَا خلاف أَنه لَا حد عَلَيْهَا هَذَا بَيَان مُوجب الْحَد وَيَنْبَغِي أَن يظْهر للْقَاضِي بِجَمِيعِ قيوده وحدوده حَتَّى يجوز لَهُ إِقَامَة الْحُدُود وَذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَار وَيَكْفِي الْإِقْرَار مرّة وَاحِدَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا بُد من التّكْرَار حَتَّى قَالَ لَو ثَبت الْحَد بِالشَّهَادَةِ فَصدق الشُّهُود فَلَا حد وَإِن كذب أقيم

الْحَد وَلَا خلاف عندنَا أَنه إِذا رَجَعَ وَكذب نَفسه لم نقم الْحَد لِأَن حق الله تَعَالَى على المساهلة وَالْقصاص لَا يسْقط بِالرُّجُوعِ وَفِي حد السّرقَة خلاف وَالْأَظْهَر أَنه يسْقط وَهل ينزل منزلَة الرُّجُوع التماسه ترك الْحَد أَو هربه أَو امْتِنَاعه من التَّمْكِين فِيهِ وَجْهَان أقيسهما أَنه لَا يُؤثر وَوجه الْإِعْرَاض عَنهُ أَن شَارِب خمر هم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بحده فهرب ولاذ بدار الْعَبَّاس فَلم يتَعَرَّض لَهُ ثمَّ هَذَا إِنَّمَا ينفع فِيمَا يثبت بِالْإِقْرَارِ فَإِن ثَبت بِالشَّهَادَةِ لم يَنْفَعهُ شَيْء إِلَّا التَّوْبَة وَفِيه قَولَانِ أصَحهمَا أَنه لَا يسْقط إِذْ يصير ذَلِك ذَرِيعَة

وَالثَّانِي أَنه يسْقط كَمَا يسْقط عَن قطاع الطَّرِيق إِذا تَابُوا قبل الظفر بهم كَمَا ورد بِهِ الْقُرْآن وَفِي تَوْبَته بعد الظفر بِهِ أَيْضا قَولَانِ والهرب لَا يبعد أَن يُؤثر على رَأْي وَإِن ثَبت بِالشَّهَادَةِ وَفِي المسقطات فِي الشَّهَادَة عَلَيْهِ مسَائِل إِحْدَاهَا لَو شهد أَرْبَعَة على زنا امْرَأَة لَكِن شهد اثْنَان على أَنَّهَا مطاوعة وَاثْنَانِ أَنَّهَا مُكْرَهَة فَلَا حد عَلَيْهَا وَفِي وجوب حد الْقَذْف على شَاهِدي المطاوعة قَولَانِ إِذْ لم يكمل عدد شَهَادَتهم أما الرجل الْمَذْكُور بِالزِّنَا فقد كمل الْعدَد فِي حَقه فَإِن حددنا الشَّاهِدين حد الْقَذْف فقد صَارا فاسقين فَلَا يجب الْحَد على الرجل بِشَهَادَتِهِمَا وَإِن قُلْنَا لَا حد عَلَيْهِمَا فَالْأَظْهر وجوب حد الزِّنَا عَلَيْهِ وَفِيه وَجه من حَيْثُ إِن اخْتِلَاف الشَّهَادَة فِي الصّفة أورث إشْكَالًا فِي الأَصْل الثَّانِيَة لَو شهد أَرْبَعَة على زنَاهَا فشهدن أَرْبَعَة على أَنَّهَا عذراء فَلَا حد عَلَيْهَا وَلَا يجب حد الْقَذْف على الشُّهُود لاحْتِمَال عود الْعذرَة فَيسْقط كل حد بِاحْتِمَال الثَّالِثَة لَو شهد أَرْبَعَة على الزِّنَا وَعين كل وَاحِد زَاوِيَة أُخْرَى من الْبَيْت فَلَا حد عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله

الطّرف الثَّانِي فِي الِاسْتِيفَاء

وَالنَّظَر فِي كيفيته ومتعاطيه أما الْكَيْفِيَّة فيرعى مِنْهَا أَرْبَعَة أُمُور أَحدهَا حُضُور الْوَالِي وَالشُّهُود وبداية الشُّهُود بِالرَّمْي وَذَلِكَ مُسْتَحبّ عندنَا وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يجب حُضُور الْوَالِي إِن ثبتَتْ بِالْإِقْرَارِ وَحُضُور الشُّهُود إِن ثبتَتْ بِالشَّهَادَةِ وَيجب بدايتهم بِالرَّمْي

الثَّانِي حِجَارَة الرَّجْم لَا بُد مِنْهَا فَلَو عدل إِلَى السَّيْف وَقع الْموقع وَلَكِن فِيهِ ترك التنكيل الْمَقْصُود ثمَّ لَا يَنْبَغِي أَن يثخن بصخرة كَبِيرَة دفْعَة وَلَا أَن يطول عَلَيْهِ بحصيات خَفِيفَة الثَّالِث إِن كَانَ الزَّانِي مَرِيضا وَهُوَ مرجوم فيرجم لِأَنَّهُ مستهلك وَإِن كَانَ يجلد فيؤخر إِلَى الْبُرْء إِن كَانَ منتظرا وَلَا يحبس إِن ثبتَتْ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ مهما أَرَادَ قدر على الرُّجُوع وَإِن ثبتَتْ بِالْبَيِّنَةِ حبس كَمَا تحبس الْحَامِل وَإِن كام مجروحا وَلَا ينظر زَوَال مَا بِهِ وَلَا يحْتَمل مائَة جلدَة فقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مثله خُذُوا عثْكَالًا عَلَيْهِ مائَة شِمْرَاخ فاجلدوه بِهِ وَالْأَظْهَر أَنه يضْرب بِهِ ضربا فِيهِ إيلام وَلَا يَكْتَفِي بِمَا يكْتَفى بِهِ فِي الْيَمين وَلَا يشْتَرط أَن تمسه جَمِيع الشماريخ بل يَكْفِي أَن تتثاقل عَلَيْهِ وتنكبس فَلَو كَانَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ ضَرَبْنَاهُ مرَّتَيْنِ فَلَو كَانَ يحْتَمل كل يَوْم سَوْطًا فَلَا نفرق بل يجلد فِي الْحَال وَلَو كَانَ يحْتَمل سياطا خفافا

فَظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب أَنه يعدل إِلَى العثكال لإِطْلَاق الْخَبَر وَيحْتَمل أَن يُقَال ذَلِك أقرب إِلَى الْحَد فَإِذا ضَرَبْنَاهُ بالعثكال فَزَالَ مَرضه على الندور لم نعد الْحَد بِخِلَاف حج المعضوب الرَّابِع الزَّمَان فَلَا يُقَام الْجلد فِي فرط الْحر وَالْبرد بل يُؤَخر إِلَى اعْتِدَال الْهَوَاء وَالرَّجم إِن ثَبت بِالْبَيِّنَةِ يُقَام بِكُل حَال وَإِن ثَبت بِالْإِقْرَارِ يُؤَخر إِلَى اعْتِدَال الْهَوَاء لِأَنَّهُ رُبمَا يرجع إِذا مسته الْحِجَارَة فيسري الْقَلِيل مِنْهُ فِي الْحر وَإِذا بَادر الإِمَام فِي الْحر المفرط فجلد وَمَات فالنص أَنه لَا يضمن وَنَصّ أَنه لَو ختن الإِمَام مُمْتَنعا عَن الْخِتَان فِي الْحر فسرى ضمن فَقيل قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج أَحدهمَا أَنه يضمن لإفراطه فِي البدار فِي غير وقته وَالثَّانِي لَا يجب لِأَن الْحَد مُسْتَحقّ وَلم يزدْ على الْمُسْتَحق وَقيل بِالْفرقِ لِأَن الْخِيَار لَيْسَ إِلَى الْوُلَاة فِي الأَصْل فَجَاز بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة بِخِلَاف الْحَد فَإِن قُلْنَا يضمن أَوجَبْنَا التَّأْخِير وَإِن قُلْنَا لَا جعلنَا التَّأْخِير مُسْتَحبا لَا وَاجِبا وَيجوز أَن يُقَال يُبَاح التَّعْجِيل وَلَكِن بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة

ثمَّ يحْتَمل أَن يُقَال شَرطه أَن تغلب السَّلامَة مِنْهُ إِذْ لَيْسَ المُرَاد من الْحَد الْقَتْل حَتَّى لَو تعدى بِهِ مُتَعَدٍّ فَلَا قصاص وَيحْتَمل أَن يُقَال لَا يعْتَبر ذَلِك إِلَّا فِي التَّعْزِير أما الْحَد فَلَا يبعد أَن يكون قَاتلا فَلَا يجب الْقصاص بِهِ وَمن مَاتَ بِهِ فَالْحق قَتله وَيدل عَلَيْهِ نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على جَوَاز الْمُبَادرَة فِي الْحر فَأَما المستوفي للحد فَهُوَ الإِمَام فِي حق الْأَحْرَار وَالسَّيِّد فِي حق المماليك عندنَا لَا فِي الْمكَاتب وَمن نصفه حر وَنصفه رَقِيق فَأَما الْمُدبر وَأم الْوَلَد فقن وَللْإِمَام الِاسْتِيفَاء أَيْضا ثمَّ إِذا اجْتمع السَّيِّد وَالسُّلْطَان فَأَيّهمَا أولى فِيهِ احْتِمَال وَهل للسَّيِّد تَعْزِير عَبده الظَّاهِر أَن لَهُ ذَلِك وَقيل لَا إِذْ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا زنت أمة أحدكُم فليحدها فَلم يرد الْخَبَر إِلَّا فِي الْحَد ثمَّ اخْتلفُوا فِي أَن مأخذه الْولَايَة أَو استصلاح الْملك فَإِن قُلْنَا مأخذه الْولَايَة لم يكن ذَلِك للْمَرْأَة وَالْفَاسِق وللمكاتب فِي عبيدهم وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي الْقطع وَالْقَتْل فَمن جعله ولَايَة سلط السَّيِّد عَلَيْهِ وَمن جعله استصلاحا فَهُوَ اسْتِهْلَاك فَلَا يقدر عَلَيْهِ وَمِنْهُم من قَالَ فِي الْقطع استصلاحا فَهُوَ اسْتِهْلَاك فَلَا يقدر عَلَيْهِ وَمِنْهُم من قَالَ فِي الْقطع استصلاح بِخِلَاف الْقَتْل

ثمَّ هَذَا فِيهِ إِذا شهد السَّيِّد الْفَاحِشَة أَو أقرّ فَأَما إِذا شهد الشُّهُود فَإِن قُلْنَا استصلاح فَلَيْسَ لَهُ منصب الحكم وَإِن قُلْنَا ولَايَة فَوَجْهَانِ لِأَن الحكم يَسْتَدْعِي منصبا فَإِن منعناه فيستوفيه إِذا قضى بِهِ القَاضِي فَإِن جَوَّزنَا لَهُ سَماع الْبَيِّنَة لم نشترط كَونه مُجْتَهدا بل يَكْفِيهِ الْعلم بِمَا يُوجب الْحَد فرع من قتل حدا غسل وَصلي عَلَيْهِ وَدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين كالمقتول قصاصا

الْجِنَايَة الرَّابِعَة هِيَ الْقَذْف كتاب حد الْقَذْف

وَالنَّظَر فِي الْمُوجب وَالْوَاجِب أما الْمُوجب فالنظر فِي الْقَذْف والقاذف والمقذوف أما الْقَذْف فقد ذَكرْنَاهُ فِي اللّعان وَالَّذِي نزيده الْآن أَنه لَا بُد أَن يكون فِي معرض التعيير فَلَو كَانَ فِي معرض الشَّهَادَة فَلَا حد إِلَّا إِذا ردَّتْ الشَّهَادَة لعدم الْأَهْلِيَّة كَمَا لَو كَانَ الشَّاهِد عبدا أَو ذِمِّيا فَعَلَيْهِم حد الْقَذْف وَإِن ردَّتْ الشَّهَادَة بِنُقْصَان الْعدَد بِأَن شهد ثَلَاثَة فَفِيهِ قَولَانِ أقيسهما أَنه لَا يجب لِأَن الشَّهَادَة أَمَانَة يجب أَدَاؤُهَا وكل وَاحِد لَا يكون على ثِقَة من مساعدة غَيره وَالثَّانِي أَنه يجب لقصة عمر رَضِي الله عَنهُ مَعَ أبي بكرَة

وَأما إِذا شهد لَهُ أَرْبَعَة ثمَّ رَجَعَ وَاحِد فالراجع مَحْدُود والمصر غير مَحْدُود إِذْ تمت الشَّهَادَة أَولا وَقيل بطرد الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ بعيد ثمَّ ذَلِك لَا ينقدح فِي الرُّجُوع بعد الْقَضَاء أصلا أما إِذا ردَّتْ الشَّهَادَة بِالْفِسْقِ فَإِن كَانَ بفسق يُجَاهر بِهِ فَفِيهِ قَولَانِ وَإِن كَانَ بفسق خَفِي انْكَشَفَ فَقَوْلَانِ مرتبان وَأولى بِأَن لَا يحد وَوجه إِسْقَاط الْحَد أَن الْفَاسِق من أهل الشَّهَادَة عِنْد بعض الْعلمَاء

أما رد شَهَادَتهم بأَدَاء اجْتِهَاده إِلَى فسقهم فَلَا حد عَلَيْهِم إِذْ الْحَد يسْقط بالإحتمال أما الْقَاذِف فَيعْتَبر فِيهِ التَّكْلِيف وَالْحريَّة وَإِن انْتَفَى التَّكْلِيف فَلَا حد وَإِن انْتَفَت الْحُرِّيَّة تشطر الْحَد وَهَذَا يدل على مشابهته حُقُوق الله تَعَالَى لَكِن الْغَالِب فِي حد الْقَذْف حق الْآدَمِيّ إِذْ يسْقط بِعَفْو الْمَقْذُوف وَلَكِن لَا يسْقط بِإِبَاحَة الْقَذْف على الصَّحِيح وَلَا يَقع الْموقع إِذا استوفى الْمَقْذُوف لِأَن للإجتهاد دخلا فِي تَقْدِير وَقع الجلدات فَهُوَ من شَأْن الْوُلَاة لَا كَالْقَتْلِ الَّذِي يَقع موقعه فِي حق الزَّانِي الْمُحصن إِذا بَادر إِلَيْهِ وَاحِد من الْمُسلمين وَإِن تعدى بِهِ ومستحق الْقطع وَالْقَتْل قصاصا عَلَيْهِ أَن يرفع إِلَى القَاضِي فَإِن اسْتَقل بِهِ وَقع موقعه وينقدح وَجه فِي حد الْقَذْف أَيْضا أَنه يَقع موقعه أما الْمَقْذُوف فَيعْتَبر إحْصَانه لإِيجَاب الْحَد وَقد ذَكرْنَاهُ فِي اللّعان الطّرف الثَّانِي فِي قدر الْوَاجِب وَهُوَ ثَمَانُون جلدَة على الْحر وَأَرْبَعُونَ على الرَّقِيق فَإِن تعدد الْقَذْف بِأَن نسبه إِلَى زنيتين فَإِن لم يَتَخَلَّل اسْتِيفَاء الْحَد تدَاخل وَإِن تخَلّل فَقَوْلَانِ أصَحهمَا أَنه يحد حدا آخر لتجدد الْمُوجب وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ قد ظهر كذبه فِي حَقه مرّة وَاحِدَة وَلَو عين الزِّنَا بشخص أَولا ثمَّ أطلق الزِّنَا ثَانِيًا حمل على الأول مَا أمكن وَلم نستأنف الْحَد وَلَو قذف شَخْصَيْنِ بكلمتين فحدان وَلَو قَالَ زنيتما فَفِي تعدد الْحَد خلاف وَقد ذَكرْنَاهُ فِي اللّعان فِي جملَة من أَحْكَام الْقَذْف وَالْحَد فَلَا نعيده

الْجِنَايَة الْخَامِسَة الْمُوجبَة للحد السّرقَة

الرُّكْن الأول الْمَسْرُوق

وَله سِتَّة شُرُوط أَن يكون نِصَابا مَمْلُوكا لغير السَّارِق ملكا مُحْتَرما تَاما محرزا لَا شُبْهَة للسارق فِيهِ فلنشرح هَذِه الْقُيُود الشَّرْط الأول النّصاب وَهُوَ عندنَا ربع دِينَار فَصَاعِدا لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا قطع إِلَّا فِي

ربع دِينَار وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله هُوَ دِينَار أَو عشرَة دَرَاهِم وَقَالَ مَالك رَحمَه الله هُوَ ربع دِينَار أَو ثَلَاثَة رداهم وَقَالَ دَاوُد رَحمَه الله لَا يشْتَرط النّصاب ثمَّ نُرِيد الرّبع الْمَضْرُوب دون الإبريز

فروع

الأول لَو سرق ربع مِثْقَال من الإبريز لَا يسوى ربعا مَضْرُوبا فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا قطع لأَنا نقوم السّلع بالمضروب وَهُوَ كسلعة وَالثَّانِي يجب لِأَن الِاسْم ينْطَلق عَلَيْهِ فَيجب بِهِ وَإِن لم يقوم بِهِ وعَلى هَذَا لَو سرق خَاتمًا قِيمَته ربع ووزنه سدس وَجب الْقطع إِن اعْتبرنَا التَّقْوِيم وَإِن اعْتبرنَا بِالْوَزْنِ فَلَا قطع الثَّانِي لَو سرق دَنَانِير ظَنّهَا فُلُوسًا لَا تَسَاوِي ربعا وَجب الْقطع وَلَا يشْتَرط علمه بِكَوْنِهِ نِصَابا وَلَو سرق جُبَّة قيمتهَا دون النّصاب لَكِن فِي جيبها دِينَار وَهُوَ لم يشْعر بِهِ وَجب الْحَد وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يجب ولأصحابنا وَجه يُوَافقهُ من حَيْثُ إِنَّه لم يقْصد إِخْرَاج دِينَار الثَّالِث لَو نقص قيمَة النّصاب بِأَكْلِهِ أَو تمزيقه قبل الْإِخْرَاج من الْحِرْز فَلَا قطع وَإِن نقص بعد وَجب الْقطع وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يجب

الرَّابِع لَو أخرج نِصَابا وَلَكِن بكرات وكل كرة نَاقص عَن نِصَاب فَلَا قطع وَإِنَّمَا تَتَعَدَّد الكرات بِأَن يُعَاد إحكام الْحِرْز ويطلع الْمَالِك على الأول فَلَو لم يَتَخَلَّل ذَلِك وَلَكِن كَانَ يُخرجهُ شَيْئا شَيْئا فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا يجب لتَعَدد الصُّورَة وَالثَّانِي يجب إِذْ السَّارِق قد يحْتَاج إِلَى أَن يُخرجهُ مفرقا وَالثَّالِث أَنه إِن تخَلّل طول زمَان أَو رد الْمَسْرُوق إِلَى بَيت السَّارِق وَلَو فِي زمَان قصير

فَلَا قطع وَإِن لم يَتَخَلَّل شَيْء من ذَلِك فمتحد الْخَامِس لَو فتح أَسْفَل كندوج وَكَانَ يخرج شَيْئا شَيْئا على التواصل فَإِن قُلْنَا يجب ثمَّ وَإِن لم يتواصل فها هُنَا أولى وَإِن لم نوجب ثمَّ فها هُنَا وَجْهَان لِأَن الْفِعْل مُتحد وَلَا خلاف أَنه لَو أَخذ طرف منديل فَكَانَ يجره وَيخرج من الْحِرْز شَيْئا شَيْئا وَجب الْقطع لِأَن ذَلِك فِي حكم المتحد وَلَو أخرج نصفه وَترك النّصْف الآخر فِي الْحِرْز فَلَا قطع وَإِن كَانَ الْقدر الْمخْرج لَو فصل لَكَانَ يُسَاوِي نِصَابا لِأَنَّهُ شَيْء وَاحِد وَلم يتم إِخْرَاجه السَّادِس لَو جمع من الْبذر المبثوث فِي الأَرْض مَا يبلغ نِصَابا وَهُوَ مُحرز فَالصَّحِيح وجوب الْقطع وَقيل لَا يجب لِأَن كل حُفْرَة حرز حَبَّة فَلم يخرج من كل حرز إِلَّا بعض النّصاب السَّابِع إِذا اشْترك رجلَانِ فِي حمل مَا دون نصف دِينَار فَلَا قطع عَلَيْهِمَا وَلَو حملا مِقْدَار نصف لزمهما إِذْ يخص كل وَاحِد نِصَاب فَإِن قيل كَيفَ يجب الْقطع بالتقويم وَهُوَ مُجْتَهد فِيهِ قُلْنَا يَنْبَغِي أَن يقطع الْمُقَوّم بِأَنَّهُ يُسَاوِي الرّبع فَلَو قَالَ أَظن أَنه يُسَاوِي لم يجب الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون مَمْلُوكا لغير السَّارِق فَلَا قطع على من سرق ملك نَفسه وَإِن كَانَ مَرْهُونا أَو مُسْتَأْجرًا وَكَذَا لَو طَرَأَ ملكه قبل إِخْرَاجه بِمَوْت الْمَوْرُوث فَلَا قطع وَلَو طَرَأَ بعد الْإِخْرَاج لم يُؤثر عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله

ثمَّ لَو ادّعى السَّارِق الْملك سقط الْحَد بِمُجَرَّد دَعْوَاهُ إِذْ صَار خصما يجب الْيَمين بِدَعْوَاهُ على صَاحب الْيَد فيبعد أَن تقطع يَده بِيَمِين غَيره وَفِيه قَول مخرج أَنه يجب الْحَد لِأَن هَذَا يصير ذَرِيعَة ثمَّ إِذا فرعنا على النَّص فَلَو ادّعى الْملك لشَرِيكه فِي السّرقَة أَو لسَيِّده وَهُوَ عبد سقط أَيْضا نعم لَو كذب السَّيِّد أَو الشَّرِيك سقط عَن الْمُدَّعِي أَيْضا وَلَكِن هَل يسْقط عَن الشَّرِيك المكذب فِيهِ وَجْهَان أظهرهمَا أَنه لَا يسْقط لِأَنَّهُ لم يدع لنَفسِهِ شُبْهَة وَقَالَ الْقفال يسْقط لِأَنَّهُ جرت الدَّعْوَى لَو صدق لسقط فَصَارَ كَمَا لَو أقرّ الْمَسْرُوق مِنْهُ للسارق فكذب فَإِنَّهُ لَا قطع الشَّرْط الثَّالِث أَن يكون مُحْتَرما فَلَا قطع على سَارِق الْخمر وَالْخِنْزِير لِأَنَّهُ لَا مَالِيَّة وَلَا حُرْمَة وَلَا على سَارِق الطنبور والبربط والملاهي وَإِن كَانَ الرضاض بعد الْكسر يُسَاوِي نِصَابا مهما أخرجه على قصد الْكسر وَإِن قصد السّرقَة فَوَجْهَانِ

أَحدهمَا يجب لِأَنَّهُ لم يُخرجهُ على الْوَجْه الْجَائِز وَالثَّانِي لَا يجب لِأَن الْحِرْز لَا يتَحَقَّق مَعَه وَهُوَ مسلط على الدُّخُول والإخراج ويطرد هَذَا فِي أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة حَيْثُ يجب كسرهَا الشَّرْط الرَّابِع أَن يكون الْملك تَاما قَوِيا احترزنا بالتمام عَمَّا يكون للسارق فِيهِ شركَة أَو حق فَلَو سرق أحد الشَّرِيكَيْنِ مَالا مُشْتَركا من صَاحبه فَالظَّاهِر أَنه لَا قطع عَلَيْهِ حَتَّى لَو لم يكن لَهُ من ألف دِينَار سَرقَة إِلَّا دِينَار فَلَا قطع إِذْ لَا جُزْء مِنْهُ إِلَّا وَله فِيهِ حق شَائِع فَيصير شُبْهَة وَمِنْهُم من قَالَ لَا أثر للشَّرِكَة بل لَو سرق نصف دِينَار من مَال مُشْتَرك بَينهمَا قطع إِذْ قدر النّصاب لَيْسَ ملكا لَهُ مِمَّا أخرجه وَمِنْهُم من قَالَ هُوَ كَذَلِك إِن لم يكن المَال قَابلا للْقِسْمَة أما إِذا كَانَ بَينهمَا دِينَارَانِ فَسرق أَحدهمَا دِينَارا فَلَا قطع وَيحمل ذَلِك على قسْمَة فَاسِدَة وَلَو سرق دِينَارا وربعا لزمَه لَا محَالة أما مَا للسارق فِيهِ حق كَمَال بَيت المَال فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا قطع لِأَنَّهُ مرصد لمصلحته إِذا مست حَاجته إِلَيْهِ وَلَا ينظر إِلَى استغنائه فِي الْحَال كالابن لَا تقطع يَده بِسَرِقَة مَال أَبِيه وَإِن كَانَ غَنِيا وَالثَّانِي أَنه إِن سرق من مَال الصَّدقَات من هُوَ فَقير فَلَا قطع

وَإِلَّا فَيجب وَأما الإبن فَلَا قطع لأجل البعضية وَيدل عَلَيْهِ أَن الذِّمِّيّ لَو سرق قطع وَيتَصَوَّر أَن يقدر إِسْلَامه وَفِيه وَجه أَنه يقدر كَمَا يقدر الْفقر فِي الْغَنِيّ وَلَا خلاف فِي أَن مَا أفرز للمرتزقة أَو ميز من الْخمس لذِي الْقُرْبَى واليتامى وَقُلْنَا إِنَّه ملكهم فَإِذا سَرقه من لَيْسَ مِنْهُم يقطع فَأَما الْقُوَّة فاحترزنا بِهِ عَن الْملك الضَّعِيف كالمستولدة وَالْوَقْف وَفِيهِمَا وَجْهَان أصَحهمَا الْوُجُوب لتحَقّق أصل الْملك ولزومه وَأما الْمَسَاجِد فَفِي حصرها وقناديلها ثَلَاثَة أوجه يفرق فِي الثَّالِث بَين الْقَنَادِيل والزينة وَبَين الْفرش الَّتِي ينْتَفع بِهِ كل أحد وَأما بَاب الْمَسْجِد وأجذاعه وَسَائِر أَجْزَائِهِ فَيجب فِيهِ الْقطع وَيتَّجه فِيهِ أَيْضا تَخْرِيج وَجه من الْقنْدِيل وَالظَّاهِر أَن من وطىء جَارِيَة من

بَيت المَال حد كالابن يطَأ جَارِيَة أَبِيه وَفِي جَارِيَة بَيت المَال وَجه أَنه لَا يجب الشَّرْط الْخَامِس كَون المَال نقيا عَن شُبْهَة اسْتِحْقَاق السَّارِق فمستحق الدّين إِذا سرق مَال من عَلَيْهِ دين وَمن عَلَيْهِ الدّين غير مماطل قطع وَإِن كَانَ مماطلا وسرق جنس حَقه فَلَا قطع إِذْ لَهُ أَن يمتلك ذَلِك وَإِن كَانَ غير جنس حَقه فَالْمَذْهَب أَنه لَا قطع أَيْضا وَقيل إِنَّه يجب إِن قُلْنَا إِنَّه لَا يَتَمَلَّكهُ أما اسْتِحْقَاق النَّفَقَة فَهُوَ سَبَب لإِسْقَاط الْقطع فَلَا يقطع الابْن بِسَرِقَة مَال أَبِيه وجده وَسَائِر أَبْعَاضه لِأَن مَاله مرصد لِحَاجَتِهِ وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى أَن لَا تقطع يَده وَلَا ينظر إِلَى غنائه فِي الْحَال أما نَفَقَة الزَّوْجِيَّة فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه لَا تقطع يَد كل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ بِمَال الآخر لما بَينهمَا من الإتحاد الْعرفِيّ وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله وَالثَّانِي أَنه يقطع إِذْ هُوَ اتِّحَاد لَا يُوجِبهُ الشَّرْع وَالثَّالِث أَن الزَّوْجَة لَا تقطع لأجل حق النَّفَقَة وَالزَّوْج يقطع

التَّفْرِيع

إِن قُلْنَا لَا يقطع فَلَو سرق عبد أَحدهمَا من مَال الآخر فَفِيهِ

وَجْهَان وَوجه إِيجَابه أَنه يلْزم عَلَيْهِ أَن لَا يقطع ولد أَحدهمَا بِسَرِقَة مَال الآخر وَكَيف يُمكن ذَلِك وَولد الْأَب يقطع وَهُوَ الْأَخ هَذِه وُجُوه للشُّبْهَة الْمُعْتَبرَة ويؤثر أَيْضا ظن السَّارِق أَنه ملكه أَو ملك أَبِيه وَأَن الْحِرْز ملكه فَأَما كَون الشَّيْء مُبَاح الأَصْل كالكلأ وَالصَّيْد والحطب أَو رطبا كالفواكه والمرق أَو مضموما إِلَى مَا لَا قطع فِيهِ أَو كَونه مسروقا مرّة أُخْرَى وَقد قطع فِيهِ أَو متعرضا لتسارع الْفساد كالمرق والجمد والشمع المشتعل فَكل ذَلِك يقطع فِيهِ عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله

وَأما المَاء فَإِن قُلْنَا إِنَّه مَمْلُوك وَبلغ نِصَابا وَجب الْقطع فِيهِ أَيْضا وَلَا خلاف أَنه لَا يشْتَرط كَون الْمَسْرُوق فِي يَد الْمَالِك بل لَو سرق فِي يَد الْوَكِيل وَالْمُودع وَالْمُرْتَهن وَغَيرهم وَجب الْقطع الشَّرْط السَّادِس كَونه محرزا ونعنى المحرز مَا يكون سارقه على خطر وغرر خوفًا من الإطلاع عَلَيْهِ فَلَا قطع على من يَأْخُذ مَالا من مضيعة وعمدة الْحِرْز اللحاظ فَلَا قطع على من سرق مَالا من قلعة حَصِينَة فِي بَريَّة لِأَنَّهُ لَا خطر فِي أَخذه بالنقب والحيل نعم إِن لم يكن للموضع حصانة فَلَا بُد من لحاظ دَائِم كالشارع والصحراء وَإِن كَانَ لَهُ حصانة كالدور والحانوت فَلَا بُد من أصل اللحاظ وَلَا يشْتَرط دَوَامه إِذْ حِيلَة التسلق وَالْفَتْح والنقب يُنَبه الملاحظين والمحكم فِيهِ الْعرف هَذِه هِيَ الْقَاعِدَة وَشَرحه بصور الأولى أَن الإصطبل حرز للدواب دون الثِّيَاب مهما كَانَ مُتَّصِلا بالدور لِأَن عسر نقل الدَّوَابّ مَعَ أصل الحصانة واللحاظ يُوجب خطرا فِي سرقتها وَأما الثِّيَاب فيتيسر نقلهَا واخفاؤها وَكَذَلِكَ عَرصَة الدَّار حرز للفرش وَثيَاب البذلة دون الدَّنَانِير لقَضَاء الْعرف فَإِن وَاضع الدَّنَانِير فِيهِ مضيع والمحكم فِيهِ الْعرف الثَّانِيَة مَا أحرز بِمُجَرَّد اللحاظ كالمتاع الْمَوْضُوع فِي الصَّحرَاء أَو الشَّارِع أَو الْمَسْجِد فَلَا بُد من دوَام اللحاظ بِحَيْثُ لَا يتَّفق إِلَّا فترات لَطِيفَة قد ينحذق السَّارِق فِي معافصتها وَقد يخطىء فِيهِ وَيسْقط ذَلِك بِالنَّوْمِ وَبِأَن يوليه ظَهره ويضعف أَيْضا بِأَن يكون فِي مَحل لَا يلْحقهُ الْغَوْث فَلَا يُبَالِي السَّارِق بِهِ لِأَنَّهُ ضائع مَعَ مَاله وَهل يسْقط الْحِرْز بزحمة النَّاس كَمَا فِي الْمَسْجِد المزحوم أَو الشَّارِع فِيهِ وَجْهَان

أَحدهمَا أَنه لَا يسْقط لِأَن اللحاظ يُحِيط بالمتاع وَالثَّانِي نعم لِأَن الْحس يشْتَغل بتزاحم النَّاس فَيذْهب عَن الْمَتَاع وَهَذَا جَار فِي الخباز والتاجر إِذا ازْدحم النَّاس على حانوتهم للمعاملة أما الْمَسْجِد الْخَالِي فالفعل فِيهِ ملحوظ إِلَّا أَن يكون وَرَاء ظَهره فَيكون مضيعا الثَّالِثَة مَا يعْتَمد حصانة الْموضع مَعَ أدنى لحاظ كالموضوع فِي الدَّار فَهُوَ مُحرز وَإِن نَام صَاحب الدَّار لِأَن حَرَكَة السَّارِق تنبه الْمَالِك غَالِبا إِن كَانَ الْبَاب مغلقا وَإِن كَانَ مَفْتُوحًا بِاللَّيْلِ فَهُوَ ضائع وَإِن كَانَ بِالنَّهَارِ وَاعْتمد فِيهِ لحاظ الْجِيرَان لِأَن بَابه مطروق فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه مُحرز كالمتاع على أَطْرَاف حوانيت البقالين والصباغين وَغَيرهم فَإِنَّهُ ملحوظ من جِهَة الْجِيرَان ومحرز بِهِ وَالثَّانِي لَا لِأَن الْأَعْين تقع على الْأَمْتِعَة وَلَا تقع على قَعْر الدَّار ويتساهل الْجِيرَان إِذا علمُوا بِأَن الْمَالِك فِيهِ وَلذَلِك ذكرُوا وَجْهَيْن فِيمَا لَو كَانَ الْمَالِك مستيقظا فِي الدَّار وَلَكِن تغفله السَّارِق فَهَذَا إِنَّمَا يكون إِذا لم يكن لحاظ دَائِم يكون مثله فِي الصَّحرَاء محرزا لَكِن قد يتَرَدَّد الْمَالِك فِي جَوَانِب الدَّار فَلَا يديم اللحاظ فَلَو ادّعى السَّارِق أَنه كَانَ لَا يديم اللحظ بل نَام أَو أعرض فَيسْقط الْحَد بِمُجَرَّد دَعْوَاهُ كَمَا فِي الْملك

الرَّابِعَة أَن الْخيام لَيست حرْزا لِأَنَّهُ يُمكن سرقتها فِي نَفسهَا وَلَكِن إحكام الرَّبْط وتنضيد الْأَمْتِعَة قد يُغني عَن دوَام اللحاظ وَكَذَلِكَ الدَّوَابّ فِي الصَّحرَاء ملحوظة بأعين الرُّعَاة إِذا كَانُوا على نشز فَأَما من يَسُوق قطارا من الْإِبِل قَالَ الْأَصْحَاب هُوَ مُحرز بالقائد وأقصى عدد القطار تِسْعَة وَهُوَ صَحِيح إِذا كَانَ يَسُوق فِي الْأَسْوَاق فَإِن الْأَعْين تلاحظه وَفِي سكَّة خَالِيَة وَهُوَ يلحظه وَرَاءه فَإِن انحرفت السِّكَّة فَمَا غَابَ عَن بَصَره فَغير مُحرز أما إِذا كَانَ الْمَكَان خَالِيا وَهُوَ لَا يلْتَفت فَالصَّحِيح مَا قَالَه أَبُو حنيفَة رَحمَه الله وَهُوَ أَنه مُحرز بالسائق والمحرز بالقائد هُوَ الأول وبالراكب مركوبه وَمَا أَمَامه وَوَاحِد من وَرَائه الْخَامِسَة لَا قطع على النباش إِن سرق الْكَفَن من قبر فِي مضيعة وَقيل إِنَّه يجب لِأَنَّهُ مُحرز بهيبة النُّفُوس عَن الْمَوْتَى وَهُوَ ضَعِيف وَيجب الْقطع إِذا سرق من قبر فِي بَيت محروس وَكَونه كفنا لَا يدْرَأ الْقطع عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله أما المدفون فِي مَقَابِر الْمُسلمين على أَطْرَاف الْبَلَد فَفِيهِ وَجْهَان

أَحدهمَا أَنه يجب لِأَنَّهُ مُحرز بلحاظ الطارقين مَعَ حصانة الْقَبْر وهيبة النُّفُوس عَن الْمَيِّت فمجموع هَذَا يُخرجهُ عَن كَونه ضائعا وَالثَّانِي أَنه لَا قطع لِأَنَّهُ بعيد عَن الْأَعْين وَلَا مبالاة بهيبة النُّفُوس فَإِن قُلْنَا يجب فَفِي الثَّوْب الْمَوْضُوع مَعَ الْكَفَن أَو الملفوف على الْمَيِّت زَائِدا على الْعدَد الشَّرْعِيّ وَجْهَان وَوجه الْفرق أَن الْعرف لَا يَجْعَل هَذَا حرْزا لغير الْكَفَن كَمَا لَا يَجْعَل الإصطبل حرْزا لغير الدَّوَابّ ثمَّ الصَّحِيح أَن حق الْخُصُومَة للْوَارِث لِأَن الْملك فِي الْكَفَن للْوَارِث على الْأَصَح وَلَو كَفنه أَجْنَبِي فالخصومة للمكفن وَكَأَنَّهُ إِعَارَة لَا رُجُوع فِيهَا وَإِلَّا فَلَا يزَال ملكه إِلَى الْمَيِّت السَّادِسَة إِذا كَانَ الْحِرْز ملكا للسارق فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال إِحْدَاهَا أَن يكون مُسْتَأْجرًا مِنْهُ فَعَلَيهِ الْقطع إِذْ لَيْسَ لَهُ الدُّخُول والإحراز من مَنَافِع الدَّار وَقد زَالَ ملكه بِالْإِجَارَة الثَّانِيَة أَن يكون مستعارا مِنْهُ وَفِيه ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا قطع إِذْ لَهُ الدُّخُول إِلَى ملك نَفسه وَالثَّانِي يجب الْقطع إِذْ الدُّخُول على هَذَا الْوَجْه غير جَائِز وَإِنَّمَا يجوز بعد الرُّجُوع وَلم يرجع وَالثَّالِث أَنه إِن قصد الرُّجُوع بِدُخُولِهِ فَلَا قطع وَإِلَّا قطع وَهُوَ كَالْمُسلمِ إِذا وطىء حربية فِي دَار الْحَرْب فَإِن قصد الْقَهْر والإستيلاد فولده نسب وَإِن لم يقْصد فَهُوَ زَان وَلَا نسب لوَلَده مِنْهُ

الثَّالِثَة أَن يكون مَغْصُوبًا مِنْهُ فَلَا قطع عَلَيْهِ وَإِن أَخذ مَال الْغَاصِب لِأَنَّهُ لَا حرز فِي حَقه أما إِذا لم يكن الْحِرْز ملكه وَلَكِن فِيهِ مَال مَغْصُوب مِنْهُ فَدخل وَأخذ غير مَال نَفسه فَفِي الْقطع وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يجب إِذْ أَخذ مَال غَيره من ملك غَيره وَالثَّانِي لَا لِأَن لَهُ التهجم على الْموضع لأجل مَال نَفسه فَسقط الْحِرْز فِي حَقه أما إِذا دخل غير الْمَغْصُوب مِنْهُ فَإِن أَخذ مَال الْغَاصِب قطع وَإِن أَخذ المَال الْمَغْصُوب فَفِيهِ وَجْهَان مبنيان على أَن غير الْمَغْصُوب مِنْهُ هَل لَهُ انتزاع المَال من يَد الْغَاصِب بطرِيق الْحِسْبَة فرع الدَّار الْمَغْصُوبَة هَل هِيَ حرز عَن الْمَغْصُوب مِنْهُ قَالَ الْقفال رَحمَه الله لَيْسَ بحرز لِأَن مَنْفَعَة الدَّار غير مَمْلُوكَة والإحراز من الْمَنَافِع وَفِي كَلَام غَيره إِشَارَة إِلَى أَنه حرز

الرُّكْن الثَّانِي نفس السّرقَة

وَهِي عبارَة عَن إبِْطَال الْحِرْز وَنقل المَال وَالنَّظَر فِيهِ يتَعَلَّق بِثَلَاثَة أَطْرَاف الطّرف الأول فِي إبِْطَال الْحِرْز وَذَلِكَ إِمَّا بالنقب أَو بِفَتْح الْبَاب وَفِيه صور الأولى أَنه لَو نقب وَعَاد لَيْلَة أُخْرَى للإخراج فَالظَّاهِر وجوب الْقطع كالمتصل إِلَّا أَن يكون الْمَالِك قد اطلع وأهمل فَإِنَّهُ لَا قطع إِذْ أَخذه من مضيعة وَإِن أخرج المَال غير الناقب إِمَّا على الإتصال أَو بعده فَلَا قطع إِذْ الأول لم يخرج وَالثَّانِي أَخذ من مضيعة وَذكر الْعِرَاقِيُّونَ وَجها فِي قطع الْمخْرج إِذا جرى ذَلِك عَن تعاون كَيْلا يصير ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى الْإِسْقَاط الثَّانِيَة إِذا تعاون رجلَانِ فِي النقب والإخراج جَمِيعًا وَأَخْرَجَا مَا يخص كل وَاحِد نِصَابا قطعا وَلَا يشْتَرط امتزاج الْفِعْلَيْنِ فِي النقب كَمَا فِي قطع الْيَد لإِيجَاب الْقصاص أما الْإِخْرَاج فَلَا بُد وَأَن يَأْخُذ كل وَاحِد مِنْهُمَا قدر نِصَاب أَو يحملا قدر نصف دِينَار مَعًا فَلَو أَخذ أَحدهمَا سدسا وَالْآخر ثلثا قطع صَاحب الثُّلُث دون صَاحب السُّدس الثَّالِثَة لَو اشْتَركَا فِي النقب وَانْفَرَدَ أَحدهمَا بِإِخْرَاج نِصَاب فعلى الْمخْرج الْقطع لِأَن مشاركته فِي النقب كالإنفراد وَلَا يشْتَرط امتزاج الْفِعْلَيْنِ بالنقب بل لَو أخرج أَحدهمَا لبنة وَالْآخر لبنة هَكَذَا تمت الشّركَة وَفِيه وَجه أَنه لَا بُد من الإمتزاج والتحامل

على آلَة وَاحِدَة حَتَّى يصير كالمنفرد كالشركة فِي قطع الْيَد وَفِي إِخْرَاج المَال

الرَّابِعَة لَو اشْتَركَا فِي النقب وَدخل أَحدهمَا وَأخرج المَال إِلَى بَاب الْحِرْز وَهُوَ بعد فِي الْحِرْز فَأدْخل الآخر يَده وَأخرج فالقطع عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْمخْرج من الْحِرْز وَلَو أخرج الدَّاخِل يَده إِلَى خَارج الْحِرْز وَأَخذه الْوَاقِف فالقطع على الدَّاخِل وَلَو وَضعه على وسط النقب فَأَخذه الْخَارِج فَقَوْلَانِ مشهوران أَحدهمَا لَا قطع على وَاحِد مِنْهُمَا إِذْ لم يتم الْإِخْرَاج من أَحدهمَا وَالثَّانِي أَنه يجب عَلَيْهِمَا إِذْ تمّ الْإِخْرَاج بتعاونهما الطّرف الثَّانِي فِي وُجُوه نقل المَال وَفِيه صور إِحْدَاهَا أَنه لَو أرسل محجنا فَتعلق بِهِ فِي الْحِرْز ثوب أَو آنِية وَأخرجه قطع وَلَو رَمَاه إِلَى خَارج الْحِرْز قطع أَخذه أَو تَركه وَقيل إِذا لم يَأْخُذ فَلَا قطع لِأَنَّهُ تَفْوِيت وَلَيْسَ بِسَرِقَة وَلَو أكل الطَّعَام فِي الْحِرْز وَخرج فَلَا قطع وَلَو ابتلع درة وَخرج فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا يقطع كالطعام فَإِن اسْتِهْلَاك

وَالثَّانِي أَنه يقطع لِأَنَّهُ لَا تهْلك بالابتلاع وَالثَّالِث أَنه إِن أَخذهَا بعد الإنفصال يقطع وَإِلَّا فَلَا الثَّانِيَة لَو نقب أَسْفَل كندوج فانصب إِلَى خَارج الْحِرْز قطع كَمَا لَو وضع الْمَتَاع على المَاء حَتَّى جرى بِهِ إِلَى خَارج الْحِرْز وَقيل بَينهمَا فرق لِأَنَّهُ لم يُوجد فِي الكندوج إِلَّا النقب والإنتقال لم يَقع بِهِ وَأما الْإِلْقَاء على المَاء فَهُوَ سَبَب فِي النَّقْل الثَّالِثَة لَو كَانَ فِي الْحِرْز مَتَاع ودابة فَوضع الْمَتَاع على ظهر الدَّابَّة فَخرجت فَالْأَظْهر أَنه لَا قطع لِأَن الدَّابَّة ذَات اخْتِيَار بِخِلَاف المَاء وَالْقطع لَا يجب بِالسَّبَبِ مَعَ مُبَاشرَة حَيَوَان وَمِنْهُم من قَالَ إِن ترَاخى سير الدَّابَّة عَن الْوَضع فَلَا قطع وَإِن اتَّصل فِيهِ وَجْهَان وَقيل إِن اتَّصل قطع وَإِن ترَاخى فَفِيهِ وَجْهَان وَكَأن هَذَا خلاف فِي أَن السَّبَب هَل يَكْتَفِي بِهِ لإِيجَاب الْقطع وَإِن كَانَ يَكْفِي لإِيجَاب الْغرم وَكَذَا لَو أَخذ شَاة لَيست بنصاب فاتبعها الشَّاء أَو الفصيل فَيخرج على الْخلاف لأجل اخْتِيَار الدَّابَّة وَقطع الشَّيْخ أَبُو عَليّ هَاهُنَا بِالْوُجُوب

الرَّابِعَة العَبْد الصَّغِير إِذا اخذه وَحمله من دَار السَّيِّد أَو حَرِيم دَاره قطع فَإِن بعد عَن سكَّة السَّيِّد وحريم دَاره فَهُوَ ضائع فَإِن دَعَاهُ وخدعه وَهُوَ مُمَيّز فَلَا قطع لِأَنَّهُ المستقل وَإِن كَانَ لَا يعقل فَهُوَ كالبهيمة وسوقها واستتباع الشَّاة بهَا وَقد سبق وَإِن أكرهه وَهُوَ مُمَيّز فَوَجْهَانِ أَحدهمَا لَا يجب لِأَنَّهُ خرج بِاخْتِيَارِهِ وَالثَّانِي يجب كَمَا لَو ضرب الدَّابَّة حَتَّى خرج فَإِنَّهُ يقطع وَجها وَاحِدًا لَكِن الْآدَمِيّ وَإِن كَانَ مكْرها فاعتبار فعله أولى فَلذَلِك ينقدح الْفرق على وَجه أما إِذا حمل عبدا قَوِيا يقدر على الإمتناع وَلم يمْتَنع فَلَا قطع لِأَن حرزه قوته وَهِي مَعَه وَلَو حمله وَهُوَ نَائِم أَو سَكرَان فَهُوَ ضَامِن لَو مَاتَ فِي يَده وَلَكِن فِي كَونه سَارِقا نظر لِأَنَّهُ مُحرز بقوته لَا بِالدَّار الْخَامِسَة لَو حمل حرا وَأخرجه من دَاره وَعَلِيهِ ثِيَابه فَإِن كَانَ قَوِيا لم يدْخل الثَّوْب تَحت يَد الْحَامِل وَإِن كَانَ صَغِيرا فَفِي ثُبُوت الْيَد عَلَيْهِ وَجْهَان فَإِن أثبتنا الْيَد للضَّمَان فَفِي جعله

سَارِقا وَجْهَان اما إِذا نَام على بعير وَعَلِيهِ امتعته فجَاء السَّارِق وَأخذ زمامه وَأخرجه من الْقَافِلَة فَفِيهِ أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا أَنه سَارِق للبعير والأمتعة إِذْ أخرجه من الْحِرْز وَالثَّانِي لَا لِأَن الْكل تَحت يَد النَّائِم وَهُوَ مُحرز بقوته وَالثَّالِث أَنه إِن كَانَ الرَّاكِب قَوِيا فَلَيْسَ بسارق وَإِن كَانَ ضَعِيفا فَهُوَ سَارِق وَالرَّابِع أَنه إِن كَانَ حرا فَلَيْسَ بسارق وَإِن كَانَ عبدا فَهُوَ أَيْضا مَسْرُوق مَعَ الْأَمْتِعَة وَهَذَا يستمد من الْأُصُول السَّابِقَة الطّرف الثَّالِث فِي الْمحل الْمَنْقُول إِلَيْهِ فَنَقُول لَو نقل الْمَتَاع من زَاوِيَة الْبَيْت إِلَى زَاوِيَة أُخْرَى وهرب فَلَا قطع وَلَو أخرج وألقاه فِي مضيعة قطع وَإِن أخرجه إِلَى صحن الدَّار فِي الْبَيْت فَإِن لم يكن الْبَيْت مقفلا فَلَا قطع إِذْ جَمِيع الدَّار حرز وَاحِد وَإِن كَانَ مقفلا وَبَاب الدَّار مَفْتُوح قطع وَإِن كَانَ مغلقا أَو مَفْتُوحًا بِفَتْح السَّارِق قطع أَيْضا فَإِن إِبْطَاله الْحِرْز لَا يُؤثر فِي حَقه فالدار وَالْبَيْت جَمِيعًا حرزان أما إِذا كَانَ الدَّار أَيْضا مغلقا وَالْمَال مُحرز بِالْبَيْتِ وَالدَّار جَمِيعًا فَفِي نَقله إِلَى الْعَرَصَة ثَلَاثَة أوجه

أَحدهَا أَنه يجب لِأَنَّهُ أخرج من بَيت مُسْتَقل بالإحراز وَالثَّانِي لَا لِأَن إغلاق بَاب الدَّار لإكمال الْحِرْز وَلم يُخرجهُ من كَمَال الْحِرْز الثَّالِث أَنه يجب فِيمَا لَا تجْعَل الْعَرَصَة حرْزا لَهُ كالدنانير والجواهر دون الْفرش والأواني أما الْخَانَات فالإخراج من حرزها إِلَى عَرصَة الخان كالإخراج إِلَى عَرصَة الدَّار أما السِّكَّة المنسدة الْأَسْفَل فَإِن كَانَت مَمْلُوكَة كعرصة الخان فالنقل إِلَيْهَا من الدّور سَرقَة إِذْ صحن الخان تلحظه الْأَعْين وتوضع فِيهِ الْأَمْتِعَة بِخِلَاف السِّكَّة أما سكان السِّكَّة فالحجرة المقفلة حرز فِي حَقهم والعرصة لَيست بحرز فِي حَقهم وَهِي حرز فِي حق غير السكان لِأَنَّهَا ملحوظة بالأعين نَهَارا وبابها مغلق لَيْلًا وَكَذَلِكَ الضَّيْف إِذا سرق شَيْئا أَو بعض الْجِيرَان إِذا سرق من حَانُوت جَاره حَيْثُ يحرز باللحاظ فَلَا قطع لِأَنَّهُ غير مُحرز فِيهِ

الرُّكْن الثَّالِث السَّارِق

وَلَا يشْتَرط فِيهِ التَّكْلِيف والإلتزام وَيَسْتَوِي فِي وجوب الْقطع الْحر وَالْعَبْد وَالذكر وَالْأُنْثَى وَلَا قطع على الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَيجب على الذِّمِّيّ لإلزامه أحكامنا نعم هَذَا إِذا سرق مَال مُسلم فَإِن سرق مَال ذمِّي فَهُوَ مَوْقُوف على ترافعهم إِلَيْنَا فَإِن زنى بذمية فَلَا يحد مَا لم يرْضوا بحكمنا وَإِن زنى بِمسلمَة أَقَمْنَا الْحَد قهرا كَمَا سرق مَال مُسلم وَقيل لَا بُد من رضاهم لِأَن حد الزِّنَا حق الله وَلَا خصم فِيهِ بِخِلَاف السّرقَة وَهَذَا رَكِيك إِذْ يجر ذَلِك فضيحة عَظِيمَة فَإِنَّهُ لَا يرضى بحكمنا وغايتنا نقض عَهده وَيجب تجديده إِذا الْتزم وَتَابَ أما الْمعَاهد إِذا سرق فَفِي قطعه نُصُوص مضطربة وحاصلها ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه كَالَّذي لأجل الْعَهْد وَالثَّانِي أَنه لَا حد أصلا لِأَنَّهُ حَرْبِيّ دخل لسفارة وَالثَّالِث أَنه يقطع إِذا شَرط ذَلِك عَلَيْهِ فِي ابْتِدَاء الْأمان وَإِلَّا فَلَا وسرقة الْمُسلم مَاله يخرج على سَرقته مَال الْمُسلم إِذْ يبعد أَن يقطع الْمُسلم بِسَرِقَة مَاله وَلَا يقطع بِسَرِقَة مَال الْمُسلم وَلَو زنى بِمسلمَة فطريقان مِنْهُم من قَالَ كالسرقة وَمِنْهُم

من قطع بانه لَا يُقَام الْحَد لِأَنَّهُ حق الله تَعَالَى لَا يتَعَلَّق بِطَلَب العَبْد وَلَا خلاف فِي أَنه يُطَالب بِضَمَان الْأَمْوَال وَإِنَّمَا النّظر فِي الْحُدُود النّظر الثَّانِي من الْكتاب فِي إِثْبَات السّرقَة ومعرفتها بِيَمِين مَرْدُودَة أَو إِقْرَار أَو بَيِّنَة أما الْيَمين فَإِذا أنكر السّرقَة وَحلف انْقَطَعت الْخُصُومَة وَإِن نكل وَحلف الْمُدَّعِي ثَبت الْغرم وَثَبت الْقطع أَيْضا كَمَا يثبت الْقصاص بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَة وَلَو ادّعى استكراه جَارِيَته على الزِّنَا ثَبت الْمهْر بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَة وَيبعد إِثْبَات الرَّجْم بِهِ لِأَن الْيَمين الْمَرْدُودَة وَإِن جعلت بَيِّنَة فَلَا تتعدى حق الْحَالِف وَالرَّجم حق الله تَعَالَى وَمن هَذَا ينقدح احْتِمَال أَيْضا فِي قطع السّرقَة وَأما الْإِقْرَار فَإِن كَانَ بعد الدَّعْوَى ثَبت بِهِ الْقطع بِشَرْط الْإِصْرَار فَإِن رَجَعَ لم يسْقط الْغرم وَفِي سُقُوط الْحَد قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يسْقط كَحَد الزِّنَا وَالثَّانِي لَا لارتباطه بِحَق الْآدَمِيّ وَبَقَاء الْغرم الَّذِي هُوَ ملازم لَهُ وَمِنْهُم من عكس وَقَالَ الْقطع سَاقِط وَفِي الْغرم قَولَانِ وَوجه إِسْقَاطه تَبَعِيَّة الْقطع وَهُوَ فَاسد

أما إِذا أقرّ باستكراه جَارِيَة على الزِّنَا ثمَّ رَجَعَ فَالْأَصَحّ أَنه يسْقط الْحَد وَيجب الْمهْر وَقيل يحْتَمل أَن يَجْعَل كالسرقة وَلَكِن مُفَارقَة الْحَد للمهر أقرب من مُفَارقَة الْقطع للغرم فَلذَلِك يتَرَدَّد فِيهِ وَإِن رَجَعَ السَّارِق بعد الْقطع فَلَا تدارك فَإِن رَجَعَ فِي أَثْنَائِهِ كف الجلاد عَن الْبَقِيَّة إِن قُلْنَا يُؤثر رُجُوعه أما إِذا أقرّ قبل الدَّعْوَى فَهَل يقطع دون حُضُور الْمَالِك وَطَلَبه فِيهِ وَجْهَان وَوجه اعْتِبَار طلبه أَنه رُبمَا يقر لَهُ بِالْملكِ أَو بِالْإِبَاحَةِ فَإِنَّهُ يسْقط الْحَد وَإِن كذبه السَّارِق وَالصَّحِيح أَنه لَو أقرّ بِالزِّنَا بِجَارِيَة الْغَيْر فَإِنَّهُ يحد فِي الْحَال إِذْ لَا مدْخل للطلب فِيهِ ومساق هَذَا يشْعر بِأَن مَالك الْجَارِيَة لَو قَالَ كنت ملكته الْجَارِيَة قبل ذَلِك فَأنْكر أَن الْحَد يجب وَلَا يُؤثر قَول مَالك الْجَارِيَة فَإِنَّهُ لَا يتَعَلَّق بخصومته فَهُوَ كَمَا لَو قَالَت الْحرَّة كنت زَوجته وكذبها فَإِنَّهُ يحد فَإِن قُلْنَا إِنَّه لَا يقطع فِي الْحَال فَفِي حَبسه إِلَى حُضُور الْمَالِك خلاف يلْتَفت على

فصول الكتاب · 3 فصل · 713 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الوسيط في المذهب · 713 صفحة
المقدمة
الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين
الْبَاب الرَّابِع فِي الْقِسْمَة
جارٍ التحميل