الوسيط في المذهبصفحات 501-11
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَكَذَلِكَ لَو أمكن استسكاب العَبْد فِي يَد الْمُرْتَهن لم ينتزع من يَده فَإِن لم يحسن إِلَّا الْخدمَة انتزع من يَده نَهَارا ورد لَيْلًا وللمرتهن أَن يكلفه الْإِشْهَاد عِنْد الانتزاع فِي كل يَوْم وَهل لَهُ أَن يُكَلف الرَّاهِن ذَلِك وَهُوَ مَشْهُور الْعَدَالَة فِيهِ وَجْهَان فَإِن قيل مَا منعتموه من التَّصَرُّفَات لَو أذن فِيهِ الْمُرْتَهن قُلْنَا لايمتنع مِنْهُ بِإِذْنِهِ فَالْحق لَا يعدوهما ثمَّ مَا من ضَرُورَته فسخ الرَّهْن كالإعتاق وَالْهِبَة يرفع الرَّهْن وَلَا قيمَة عَلَيْهِ إِذا أعتق بِإِذْنِهِ وَله أَن يرجع عَن الْإِذْن قبل وُقُوع التَّصَرُّف فَإِذا أذن فِي الْهِبَة فَلهُ الرُّجُوع قبل الْقَبْض إِذْ بِهِ يتم الْمَأْذُون فِيهِ وَفِي الرُّجُوع عَن الْإِذْن فِي البيع فِي مُدَّة الْخِيَار وَجْهَان فَإِن قيل هَل يتَعَلَّق حَقه بِالثّمن إِذا أذن فِي البيع فِي مُدَّة الْخِيَار قُلْنَا إِن كَانَ بعد حُلُول الدّين وَأذن لأجل قَضَاء حَقه فَلَا شكّ وَإِن كَانَ قبله

فَإِن أطلق لم يكن الثّمن عندنَا رهنا خلافًا لأبي حنيفَة رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَإِن قَالَ بِشَرْط أَن يَجْعَل الثّمن رهنا فَفِي ذَلِك قَولَانِ مأخذه جَوَاز نقل الْوَثِيقَة إِلَى عين أُخْرَى وَإِن قَالَ بِشَرْط أَن يعجل حَقي من الثّمن فَالشَّرْط فَاسد وَكَذَا الْإِذْن لِأَنَّهُ مَا رَضِي بِالْبيعِ إِلَّا بعوض وَهُوَ التَّعْجِيل وَلم يسلم الْعِوَض بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ للْوَكِيل بِعْ وَلَك من الثّمن عشرَة أُجْرَة فَإِنَّهُ لم يفْسد الْإِذْن وَفَسَد الشَّرْط لِأَنَّهُ لم يُقَابل الْعِوَض بِالْإِذْنِ بل قابله بِالْعَمَلِ فَعِنْدَ الْفساد يرجع إِلَى أُجْرَة الْمثل فَإِن قيل فَمن مَاتَ وَعَلِيهِ دين فتعلقت الدُّيُون بِتركَتِهِ فَمَا قَوْلكُم فِي تصرف الْوَرَثَة فِيهَا بِالْبيعِ

قُلْنَا فِيهِ طَرِيقَانِ مِنْهُم من خرج على قولي العَبْد الْجَانِي لِأَنَّهُ ثَبت شرعا لَا اخْتِيَارا بِخِلَاف الرَّهْن وَمِنْهُم من قطع بِالْمَنْعِ نظرا للْمَيت ومبادرة إِلَى تبرئة ذمَّته ثمَّ اخْتلفُوا فِي أَن قَول الْمَنْع هَل يطرد فِي الدّين إِذا لم يسْتَغْرق وَمن لم يطرد علل بِأَن أَكثر التركات لَا تَخْلُو عَن دين مَا فيبعد الْحجر بِسَبَب دِرْهَم فِي مَال كثير فَإِن قيل فَلَو ظهر دين برد عوض بِالْعَيْبِ وتوجهت الْمُطَالبَة بِالثّمن بعد أَن بَاعَ الْوَرَثَة التَّرِكَة قُلْنَا إِن فرعنا على الْمَنْع من البيع فَفِي تتبعه بِالنَّقْضِ وَجْهَان من حَيْثُ إِن الدّين متراخ وَسَببه مُتَقَدم وَكَذَلِكَ لَو كَانَ حفر بِئْرا فتردى فِيهِ بعد مَوته إِنْسَان وَهَاهُنَا أولى بِأَن لَا يسند إِذْ الْحفر لَيْسَ سَببا للهلاك بِمُجَرَّدِهِ فَإِن قُلْنَا لَا يتبع بِالنَّقْضِ فَإِن وفوا بِالدّينِ فَذَاك وَإِلَّا فَالْأَصَحّ أَنه الْآن

يفْسخ إِذْ لَا دين عَلَيْهِم حَتَّى يطالبوا وَفِيه وَجه أَن مَا مضى وَتعلق بِهِ حق المُشْتَرِي لَا يفْسخ فكأنهم قد فوتوا التَّرِكَة فَعَلَيْهِم الضَّمَان

الطّرف الثَّانِي فِي بَيَان جَانب الْمُرْتَهن

وَقد تحدد لَهُ اسْتِحْقَاق الْيَد فِي الْحَال وَاسْتِحْقَاق البيع فِي تأني الْحَال وَلأَجل اسْتِحْقَاق الْيَد وَجب على الرَّاهِن التعهد والمؤنة لبَقَائه فِي يَده وَلَا يجب على الْمُرْتَهن الضَّمَان بِحكم هَذِه الْيَد وَلَا يملك الِانْتِفَاع والاستمتاع فَهَذِهِ خَمْسَة أُمُور فِي جَانِبه لَا بُد من مَعْرفَتهَا الأول اسْتِحْقَاق الْيَد فِي الْحَال وَهُوَ ثَابت بِمُطلق الرَّهْن عِنْد اللُّزُوم بِالْقَبْضِ وَلذَلِك يرد لَيْلًا إِلَيْهِ عِنْد الِانْتِفَاع نَهَارا وَلَا تزَال يَده إِلَّا خوفًا من فَوَات مَنْفَعَة مَقْصُودَة فَتقدم الْمَنْفَعَة الْمَقْصُودَة على الْيَد التابعة للحق لِأَنَّهَا لَا تطلب إِلَّا لحفظ مَحل الْحق وَلَو شَرط التَّعْدِيل على يَد ثَالِث جَازَ وَيكون الْعدْل نَائِبا عَن الْمُرْتَهن لِأَنَّهُ مُسْتَحقّ الْيَد وَلذَلِك لَا يجوز شَرط التَّعْدِيل على يَد الْمَالِك لِأَن يَده لَا تصلح للنيابة عَن غَيره وَهُوَ مُسْتَقل بِالْملكِ وللراهن أَيْضا حَظّ فِي يَد الْعدْل فَإِنَّهُ رُبمَا لَا يَثِق بيد الْمُرْتَهن فَلهَذَا لَا يجوز للعدل أَن يسلم إِلَى أَحدهمَا دون إِذن صَاحبه وَلَا أَن يسلم إِلَى ثَالِث دون إذنهما فَإِن فعل ضمن ثمَّ إِن سلم إِلَى الْمُرْتَهن ضمن للرَّاهِن والقرار على الْمُرْتَهن مهما تلف فِي يَده وَإِن سلم إِلَى الرَّاهِن ضمن للْمُرْتَهن الْقيمَة لتَكون عِنْده رهنا فَإِذا قضي الدّين ردَّتْ إِلَيْهِ الْقيمَة وَله أَن يُكَلف الرَّاهِن الْقَضَاء لفك ملكه كَمَا فِي الْمُعير لأجل الرَّهْن فرع لَو تغير حَال الْعدْل بِفِسْقِهِ أَو جِنَايَته على العَبْد قصدا أَو بِزِيَادَة فسق على مَا عهد من قبل فَلِكُل وَاحِد طلب إِزَالَة يَده إِلَى عدل آخر

الْأَمر الثَّانِي اسْتِحْقَاق البيع وَهُوَ ثَابت عِنْد حُلُول الدّين إِن لم يوف الرَّاهِن الدّين من مَوضِع آخر وَلَكِن لَا يسْتَقلّ بِهِ الْمُرْتَهن وَلَا الْعدْل الَّذِي فِي يَده دون إِذن الرَّاهِن أَو إِذن القَاضِي وَلَو بَاعَ الْعدْل بِإِذن أَحدهمَا لم يَصح بل لَا بُد من إذنهما وَفِيه فروع أَرْبَعَة الأول أَنه لَو رَجَعَ أَحدهمَا عَن الْإِذْن امْتنع الْعدْل عَن البيع فرجوع الرَّاهِن عزل فَإِنَّهُ الْمُوكل وَإِذن الْمُرْتَهن شَرط وَلَيْسَ بتوكيل وَلذَلِك لَو عَاد الْمُرْتَهن وَأذن بعد رُجُوعه جَازَ وَلم يجب تَجْدِيد التَّوْكِيل من الرَّاهِن ومساق هَذَا الْكَلَام من الْأَصْحَاب مشْعر بِأَنَّهُ لَو عزل الرَّاهِن ثمَّ عَاد ووكل افْتقر الْمُرْتَهن إِلَى تَجْدِيد الْإِذْن وَعَلِيهِ يلْزم لَو قيل بِهِ أَن لَا يعْتد بِإِذْنِهِ للعدل قبل تَوْكِيل الرَّاهِن فليؤخر عَنهُ وَيلْزم عَلَيْهِ الحكم بِبُطْلَان رضَا الْمَرْأَة للْوَكِيل بِالنِّكَاحِ قبل تَوْكِيل الْوَلِيّ وكل ذَلِك مُحْتَمل وَوجه المساهلة إِقَامَة دوَام الْإِذْن مقَام الِابْتِدَاء تعلقا بِعُمُومِهِ وَأَنه إِن لم يكن يعْمل فِي الْحَال أولى بِالِاحْتِمَالِ فليقدر مُضَافا إِلَى وَقت التَّوْكِيل وَإِذا احتملت الْوكَالَة التَّأْقِيت وَالتَّعْلِيق كَانَ الْإِذْن أولى بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي لَو إِذن الرَّاهِن للعدل عِنْد الرَّهْن بِالْبيعِ عِنْد حُلُول الْأَجَل لم يفْتَقر إِلَى مُرَاجعَته ثَانِيًا عِنْد الْحُلُول

وَفِيه وَجه أَنه لَا بُد مِنْهُ إِذْ قد يسمح بِالْإِذْنِ فِي غير وَقت البيع ثمَّ يرى أَن يُوفي الدّين من مَوضِع آخر فِي وَقت الْحُلُول الثَّالِث أَنه لَو ضَاعَ الثّمن فِي يَد الْعدْل فَهُوَ أَمَانَة فَلَو سلمه إِلَى أَحدهمَا دون إِذن الثَّانِي فَهُوَ ضَامِن وَلَو أذن لَهُ الرَّاهِن فِي التَّسْلِيم إِلَى الْمُرْتَهن فَسلم وَأنكر الْمُرْتَهن فَهُوَ ضَامِن لعَجزه عَن الْإِثْبَات فَإِن صدقه الرَّاهِن وَنسبه إِلَى التَّقْصِير فِي ترك الْإِشْهَاد فَفِي الضَّمَان وَجْهَان وَلَو كَانَ قد شَرط الْإِشْهَاد فَلَا شكّ أَنه يضمن وَلَو ادّعى موت الشُّهُود وَصدق لم يضمن وَإِن كذب فَوَجْهَانِ الرَّابِع إِذا بَاعَ الْعدْل بِالْغبنِ بَطل بَيْعه وَإِن بَاعَ بِثمن الْمثل وَهُوَ فِي الْحَال يطْلب بِزِيَادَة لم يَصح وَإِن طلب فِي الْمجْلس أَيْضا انْفَسَخ العقد لِأَنَّهُ فِي حكم الِابْتِدَاء فَإِن أَبى الرَّاغِب من قبُول البيع بعد إِظْهَاره فَالْأَصَحّ أَنا نتبين أَن الِانْفِسَاخ لم يكن إِذْ بَان أَن الزِّيَادَة لم يكن لَهَا حَقِيقَة وَفِيه وَجه أَنه لَا بُد من تَجْدِيد العقد فَإِن الْفَسْخ قد وَقع ثمَّ فِي تَجْدِيد البيع من الأول وَالْبيع من الرَّاغِب الثَّانِي عِنْد إِطْلَاق الْإِذْن وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا يجوز إِلَّا بِإِذن مُجَدد إِذا الْوكَالَة الأولى انْفَسَخت بالامتثال بِالْبيعِ الأول وَالثَّانِي الْجَوَاز وتنزيل البيع على مَا يُفِيد ويتقرر وَإِخْرَاج الأول عَن كَونه امتثالا

الْأَمر الثَّالِث تعهد الْمَرْهُون ومؤنته على الرَّاهِن وَلَيْسَ يمْنَع مِنْهُ حَتَّى من الفصد والحجامة والختان وَيمْنَع عَن قطع سلْعَة يخَاف مِنْهَا سرَايَة وَيجب عَلَيْهِ كِرَاء الإصطبل للدابة مَعَ الْعلف وَقَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِذا رَهنه ثَمَرَة الشَّجَرَة فعلى الرَّاهِن سقيها وإصلاحها وجذاذها وتشميسها كَمَا يكون عَلَيْهِ نَفَقَة العَبْد وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى من يحلبه ويركبه نَفَقَته لَهُ غنمه وَعَلِيهِ غرمه فَإِن امْتنع أجْبرهُ القَاضِي لحق الْمُرْتَهن هَذَا مَذْهَب الْعِرَاقِيّين وَقَالَت المراوزة لَا يلْزمه الْإِنْفَاق على الْحَيَوَان إِلَّا لحق الله تَعَالَى فَلم يرْهن مِنْهُ إِلَّا على ذَلِك فَإِن امْتنع بيع جُزْء من الْمَرْهُون وَجعل نَفَقَة لَهُ فَإِن خيف اسْتِيعَاب الْمَرْهُون بِالنَّفَقَةِ ألحق بِمَا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد وَبيع بِمَا لَا يحْتَاج إِلَى نَفَقَة وَكَذَلِكَ يحذر من بيع الْبَعْض لِأَنَّهُ تشقيص فينفق عَلَيْهِ من منفعَته وَكَسبه وَإِلَّا

فَيُبَاع وَلَعَلَّ الأول أصح 0 ويتأيد بالمكري فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ عمَارَة الدَّار من عِنْده وَفَاء بِتَقْدِير مَا الْتزم الْأَمر الرَّابِع الْمَرْهُون أَمَانَة فِي يَد الْمُرْتَهن لَا يسْقط بتلفه شَيْء من الدّين خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله فَلَو تصرف فِيهِ بِمَا لَا يجوز ضمن ضَمَان الْمَغْصُوب فروع أَرْبَعَة أَحدهَا لَو رهن عِنْده أَرضًا وَأذن لَهُ فِي الْغِرَاس بعد شهر فَهُوَ قبل الْغِرَاس أَمَانَة وَبعده عَارِية مَضْمُونَة وَالرَّهْن مُسْتَمر فَإِن غرس قبل الشَّهْر قلع مجَّانا وَإِن غرس بعد الشَّهْر لم يقْلع إِلَّا بِبَدَل الثَّانِي إِذا كَانَ الدّين مُؤَجّلا بِشَهْر فَقَالَ رهنت مِنْك بِشَرْط أَن يكون مَبِيعًا مِنْك بِالدّينِ عِنْد حُلُول الْأَجَل فالرهن فَاسد وَالشّرط فَاسد وَلكنه فِي الشَّهْر الأول أَمَانَة لِأَنَّهُ مَقْبُوض على حكم الرَّهْن وَفِي الثَّانِي مَضْمُون لِأَنَّهُ مَقْبُوض على حكم شِرَاء فَاسد وللفاسد حكم الصَّحِيح فِي الضَّمَان

وَمِنْهُم من اسْتثْنى مَا إِذا عرف فَسَاد البيع فأمسكه عَن جِهَة الرَّهْن التَّفْرِيع لَو غرس بعد مُضِيّ الشَّهْر على ظن صِحَة البيع لم يقْلع غرسه مجَّانا لِأَنَّهُ مَأْذُون فِيهِ فِي ضمن البيع وَلَو علم الْفساد قلع مجَّانا لِأَنَّهُ حرم عَلَيْهِ ذَلِك فَلَا حُرْمَة لقلعة الثَّالِث إِذا ادّعى الْمُرْتَهن رد الرَّهْن أَو تلفه فَالْقَوْل قَوْله عِنْد المراوزة كَمَا فِي الْمُودع وطردوا ذَلِك فِي الْمُسْتَأْجر وأيدي الْأَمَانَات كلهَا وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ ذَلِك من خَصَائِص الائتمان لِأَنَّهُ مُصدق بقوله إِذا ائتمنه وألحقوا الْوَكِيل بِغَيْر أُجْرَة بالمودع وَذكروا فِي الْوَكِيل بِأُجْرَة وَجْهَيْن الرَّابِع قَالَ المراوزة الْمُرْتَهن من الْغَاصِب وَالْمُسْتَأْجر مِنْهُ على جهل حكمهمَا حكم الْمُودع على جهل حَتَّى إِنَّهُم يطالبون بِالضَّمَانِ والقرار على الْغَاصِب

والعراقيون سووا بَين الْكل وَذكروا فِي مطالبتهم وَجْهَيْن وَعند الْمُطَالبَة ذكرُوا فِي قَرَار الضَّمَان وَجْهَيْن الْأَمر الْخَامِس تَصَرُّفَات الْمُرْتَهن وَهُوَ مَمْنُوع من جَمِيعهَا قولا وفعلا وَلَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاع أَيْضا وَلَو وطئ مَعَ الْعلم بِالتَّحْرِيمِ فَحكمه الْوَطْء بِالشُّبْهَةِ حكم الزِّنَا وَإِن جهل وَكَانَ حَدِيث الْعَهْد بِالْإِسْلَامِ فَحكمه حكم الْوَطْء بِالشُّبْهَةِ وَمِنْهُم من قطع بِسُقُوط الْحَد وَتردد فِي الْمهْر وَالنّسب وحرية الْوَلَد لضعف هَذِه الشُّبْهَة وَهُوَ بعيد ثمَّ قَالَ القَاضِي من لَا يعرف هَذَا الْقدر فَكَأَنَّهُ لَا معرفَة لَهُ فَإِذا اكتفينا بِهَذَا فِي إِثْبَات الْأَحْكَام فَيَنْبَغِي أَن نقُول الْمَجْنُون إِذا زنا فَحكمه حكم الْوَطْء بِالشُّبْهَةِ وَإِن إِذن الرَّاهِن وَعلم التَّحْرِيم فَهُوَ زَان وَقيل إِن مَذْهَب عَطاء إِبَاحَة الْوَطْء بِالْإِذْنِ فَيصير شُبْهَة ويلتحق بِالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ فَأَما إِذا ظن الْإِبَاحَة فَهَذِهِ الشُّبْهَة أقوى

وَفِي الْمهْر وَجْهَان أَحدهمَا السُّقُوط لإذنه وَالثَّانِي الْوُجُوب كَمَا للمفوضة إِذْ لَا يُؤثر الْإِذْن فِي إِسْقَاط عوض الأبضاع وَفِي قيمَة الْوَلَد طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَنه كالمهر لِأَنَّهُ نتيجة الْوَطْء وَالثَّانِي الْقطع بِالْوُجُوب لِأَنَّهُ لم يَأْذَن فِي الِاسْتِيلَاد وَهَذَا ينْقضه أَن الْمُرْتَهن لَو إِذن للرَّاهِن نفد استيلاده قطعا

الطّرف الثَّالِث فِي مَحل الْوَثِيقَة

وَهُوَ عين الْمَرْهُون أَو بدلهَا فَأَما بدل الْمَنْفَعَة كالكسب والعقر أَو الزِّيَادَة الْحَاصِلَة من الْعين كَالْوَلَدِ وَاللَّبن وَالثَّمَر وَالصُّوف فَلَا يتَعَدَّى الرَّهْن إِلَيْهَا عندنَا وَخَالف أَبُو حنيفَة رَحمَه الله فِي الزِّيَادَات الْحَاصِلَة من الْعين وَفِي الْعقر أَيْضا هَذَا إِذا كَانَ الْوَلَد حَادِثا علوقه بعد الرَّهْن وانفصاله قبل الْحَاجة إِلَى البيع فَإِن كَانَ مجتنا فِي الْحَالَتَيْنِ جَمِيعًا فَيُبَاع الْحَامِل فِي حَقه وَلَا ينظر إِلَى مَا فِي بَطنهَا وَإِن كَانَ مجتنا عِنْد العقد مُنْفَصِلا حَال البيع فَفِيهِ قَولَانِ مأخذه التَّرَدُّد فِي الاستتباع وَأَن الْحمل هَل يعرف فَإِنَّهُ إِن لم يعرف لم ينْدَرج وَكَأَنَّهُ حدث الْآن

وَإِن علق بعد الرَّهْن وَكَانَ مجتنا عِنْد البيع فَكَذَلِك فِيهِ قَولَانِ فَإِن قُلْنَا إِنَّه لَا يعرف فَكَأَنَّهُ زِيَادَة مُتَّصِلَة فَلَا كَلَام فَإِن قُلْنَا لَا يتَعَلَّق بِالْحملِ فَلَا يُمكن بيع الْأُم دون الْحمل وَلَا بيع الْكل مَعَ التَّوْزِيع فَإِن قيمَة الْحمل لَا تعرف وَقد تنقص الْقيمَة بِالْحملِ فتؤخر إِلَى وَقت انْفِصَال الْوَلَد أما بدل الْعين فيتعدى إِلَيْهِ الرَّهْن ونعني بِهِ أرش الْجِنَايَة فَإِنَّهُ يوضع رهنا وَمَا دَامَ فِي ذمَّة الْجَانِي هَل نُسَمِّيه مَرْهُونا أم نقُول زَالَ الرَّهْن ثمَّ عَاد عِنْد التَّعْيِين كَمَا نقُول فِي الْعصير إِذا انْقَلب خمرًا ثمَّ خلا فِيهِ خلاف ثمَّ الرَّاهِن بالمطالبة أولى فَهُوَ الْمَالِك فَإِن تكاسل فللمرتهن الْمُطَالبَة فَإِن أَبْرَأ الرَّاهِن لم ينفذ قطعا وَلم يلْحق بِالْإِعْتَاقِ وَإِن أَبْرَأ الْمُرْتَهن لم يَصح وَلَكِن هَل يكون ذَلِك فسخا للرَّهْن فِي حَقه فعلى وَجْهَيْن وَوجه الْمَنْع أَن الْفَسْخ كَانَ تحصل ضمنا للإبراء فَإِذا لم يحصل المتضمن فَلَا عُمُوم لقَوْله فَلَا يحصل الضمن

الطّرف الرَّابِع فِي غَايَة الرَّهْن وَمَا بِهِ انفكاكه

وَهُوَ بِفَسْخ الرَّهْن أَو فَوَات الْمَرْهُون بِغَيْر بدل أَو قَضَاء الدّين أما الْفَسْخ فَلَا يخفى وَكَذَا فَوَات عين الْمَرْهُون بأفة سَمَاوِيَّة ويلتحق بِهِ مَا إِذا فَاتَ الْملك فِيهِ بِغَيْر بدل وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بِجِنَايَة العَبْد فَإِنَّهُ يتَعَلَّق الْأَرْش بِرَقَبَتِهِ فَإِن فدَاه السَّيِّد اسْتمرّ الرَّهْن وَإِن بيع فِي الْجِنَايَة فقد فَاتَ الْملك وَفَاتَ وَثِيقَة الرَّهْن وَلَا ضَمَان على الرَّاهِن لِأَنَّهُ لم يكن من جِهَته وَإِنَّمَا لم يمْنَع الرَّهْن حق الْجِنَايَة لِأَنَّهُ لَا يزِيد على حق الْمَالِك وَقدم حق الْمَجْنِي عَلَيْهِ على حق الْمَالِك مصلحَة فِي حسم الْجِنَايَات فَأَما إِذا كَانَت الْجِنَايَة مُتَعَلقَة بالسيد فلهَا ثَلَاثَة أَحْوَال إِحْدَاهَا أَن يجني على طرفه أَو على عَبده بِمَا يُوجب الْقصاص فَلهُ قَتله لِأَن مرتبته لَا تتقاعد عَن رُتْبَة الْأَجْنَبِيّ وَإِن عَفا عَن الْقصاص على مَال فَلَا مطمع فِي فك الرَّهْن فِي قدر الْجِنَايَة لِأَن السَّيِّد لَا يثبت لَهُ دين فِي ذمَّة عَبده حَتَّى يَنْبَنِي عَلَيْهِ التَّعَلُّق بِالرَّقَبَةِ ثمَّ البيع فِيهِ ثمَّ فك الرَّهْن بِهِ وَفِيه وَجه عَن ابْن سُرَيج أَن لَهُ فك الرَّهْن فِي قدر الْجِنَايَة وَيظْهر أثر الْجِنَايَة فِي حق الْمُرْتَهن وَإِن لم يظْهر فِي حق العَبْد الثَّانِيَة إِذا جنى على ابْن الرَّاهِن فَمَاتَ الابْن وانتقل الْحق إِلَى الرَّاهِن فَلهُ الْقصاص وَإِن عَاد إِلَى مَال فَهَل يسْتَحق فك الرَّهْن بِهِ يَنْبَنِي على أَن الْملك الطَّارِئ هَل يقطع دوَام الدّين الَّذِي اسْتحق قبل الْملك وَفِيه خلاف وَهَذَا فِي حكم دوَام دين لِأَنَّهُ اسْتحق من قبل وَالْإِرْث دوَام فَإِن قتل ابْن الرَّاهِن وَقُلْنَا إِن الدِّيَة تثبت للقتيل أَولا ثمَّ للْوَارِث فَحكمه مَا سبق

وَإِن قُلْنَا إِنَّه للْوَارِث ابْتِدَاء فَهُوَ كَمَا لَو جنى على الرَّاهِن ابْتِدَاء وَلَو قتل الرَّاهِن فَلَيْسَ للِابْن فك الرَّهْن بِهِ قطعا لِأَنَّهُ لَيْسَ يُفِيد فِي حق الْمُورث وَالْوَارِث فَإِن الْمُورث هَا هُنَا هُوَ الْمَالِك الثَّالِثَة إِذا جنى على عبد آخر لَهُ مَرْهُون إِن كَانَ من شخص آخر فللراهن الْقصاص وَلَا مبالاة بِفَوَات حق الْمُرْتَهن فَإِن عَفا على مَال تعلق حق مُرْتَهن الْقَتِيل بِالْعَبدِ وَإِن عَفا مُطلقًا أَو من غير مَال فَهُوَ كعفو الْمُفلس الْمَحْجُور عَلَيْهِ لِأَن الرَّاهِن مَحْجُور عَلَيْهِ كالمفلس وعفو السَّيِّد عَن المَال ينزل جِنَايَة الْعمد منزلَة الْخَطَأ وَإِن كَانَ مُوجبه المَال فَيُبَاع الْجَانِي فِي حق مُرْتَهن الْقَتِيل فَإِن كَانَ حَقه يتَأَدَّى بِبَعْض العَبْد الْقَاتِل لكَونه دون قِيمَته بيع ذَلِك الْقدر فِي حَقه وَبَقِي الْبَاقِي رهنا عِنْد مُرْتَهن الْقَاتِل وَإِن لم يرض مُرْتَهن الْقَاتِل بِعَيْب التشقيص يُبَاع الْكل وَيُوضَع الْفَاضِل عَن أرش الْجِنَايَة رهنا عِنْده وَلَو تَسَاوَت القيمتان وتراضى الْمَالِك ومرتهن الْقَتِيل بِأَن يَجْعَل العَبْد رهنا بدل الْقَتِيل جَازَ وَإِن أَبى الْمُرْتَهن أَعنِي مُرْتَهن الْقَتِيل فَهَل يجْبر عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَان

أما إِذا كَانَ الْقَتِيل مَرْهُونا عِنْده أَيْضا فَإِن كَانَ بذلك الدّين بِعَيْنِه فَهُوَ فَوَات مَحْض فِي حَقه وَإِن كَانَ بدين آخر يُخَالِفهُ فِي الْقدر أَو الْجِنْس أَو مِقْدَار الْأَجَل فَلهُ أَن يفك الاول ليباع وَيجْعَل رهنا بِالثَّانِي وَإِن اسْتَوَى الدينان من كل وَجه قدرا وجنسا وأجلا فَقَالَ بيعوه لينتقل حَقي إِلَى ثمنه فَإِنِّي لَا آمن جِنَايَته فَهَل يكون هَذَا من الْأَغْرَاض الْمُعْتَبرَة فِيهِ وَجْهَان

السَّبَب الآخر فِي فك الرَّهْن قَضَاء الدّين

وَهُوَ قِسْمَانِ الأول أَن يقْضى من غير الْمَرْهُون فَإِن قضي جَمِيع الدّين انْفَكَّ الرَّهْن وَإِن بَقِي من الدّين دِرْهَم بَقِي جَمِيع الْمَرْهُون رهنا فَلَا يَنْفَكّ بِبَعْض الدّين بعض الْمَرْهُون بل الدّين ينبسط على أَجزَاء الْمَرْهُون وَلذَلِك نقُول لَو مَاتَ أحد الْعَبْدَيْنِ بَقِي الثَّانِي رهنا بِالْجَمِيعِ وَكَذَلِكَ لَو رهن عَبْدَيْنِ بِأَلف وَسلم أَحدهمَا كَانَ رهنا عندنَا بِجَمِيعِ الْألف خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله فإمَّا إِذا تعدد العقد لم يكن أَحدهمَا مُتَعَلقا بِالْآخرِ وَذَلِكَ بتعدده فِي نَفسه كَمَا إِذا رهن نصفي عبد فِي صفقتين بِأَلفَيْنِ ثمَّ قضي أَحدهمَا انْفَكَّ أحد النصفين وَلذَلِك لَو تعدد مُسْتَحقّ الدّين كَمَا إِذا رهن من رجلَيْنِ وَقضى دين أَحدهمَا أَو تعدد الْمُسْتَحق عَلَيْهِ فارتهن من رجلَيْنِ فَلَا يقف حكم أَحدهمَا على الآخر

وَلَا نظر إِلَى اتِّحَاد الْوَكِيل وتعدده فِي بَاب الرَّهْن لِأَنَّهُ لَيْسَ عقد عُهْدَة بِخِلَاف صَفْقَة البيع فَإِنَّهَا قد تَتَعَدَّد بِتَعَدُّد الْوَكِيل وَهل تَتَعَدَّد بِتَعَدُّد الْمَالِك فِيهِ وَجْهَان وَصورته أَن يستعير عبدا من رجلَيْنِ ويرهنه بِأَلفَيْنِ عَلَيْهِ ويرهن من شخص وَاحِد ثمَّ سلم ألفا وَقصد بِهِ فك نصيب أَحدهمَا فَمنهمْ من قَالَ لَا يَنْفَكّ نظرا إِلَى اتِّحَاد الدّين وَالْعقد وَمِنْهُم من نظر إِلَى تعدد الْمَالِك وَلَو اسْتعَار عَبْدَيْنِ من رجلَيْنِ فَفِي التَّعَدُّد وَجْهَان مرتبان وَأولى لانضمام تميز الْمَرْهُون إِلَى تميز الْمَالِك وَلَو مَاتَ الرَّاهِن وَخلف ابْنَيْنِ ذكر صَاحب التَّقْرِيب قَوْلَيْنِ وَالصَّحِيح أَن لَهُ حكم الِاتِّحَاد نظرا إِلَى حَال الرَّهْن نعم لَو مَاتَ الرَّاهِن قبل الرَّهْن وَتعلق الدّين بِالتَّرِكَةِ بِإِقْرَار الِابْنَيْنِ

فَقضى أَحدهمَا نصِيبه فَفِي انفكاك نصِيبه قَولَانِ ظاهران من حَيْثُ إِن التَّعَدُّد مقترن بِالِابْتِدَاءِ وَهُوَ بِنَاء على أَن أَحدهمَا لَو أقرّ هَل يُطَالب بِتمَام الدّين فرع حَيْثُ يتَمَيَّز الحكم بِتَعَدُّد الْمَالِك فَإِذا قضى أحد الشَّرِيكَيْنِ نصِيبه واستقسم الْمُرْتَهن فَكَانَ الشَّيْء مَكِيلًا أَو مَوْزُونا قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَهُ ذَلِك وَهُوَ تَفْرِيع على أَن الْقِسْمَة إِفْرَاز حق لَا بيع حَتَّى يتَصَوَّر فِي الْمَرْهُون ثمَّ يُرَاجع القَاضِي الرَّاهِن فِيهِ فَإِن أَبى أجْبرهُ عَلَيْهِ وَفِي مُرَاجعَة الْمُرْتَهن وَجْهَان من حَيْثُ إِنَّه لَا ملك لَهُ وَلَكِن لَهُ حق فَإِن كَانَت الْقِسْمَة قسْمَة تَعْدِيل كَمَا لَو رهن رجلَانِ عَبْدَيْنِ مشتركين ثمَّ قضى أَحدهمَا نصِيبه وهما مُتَسَاوِيا الْقيمَة فَفِي الْإِجْبَار عَلَيْهَا قَولَانِ فَإِن قُلْنَا يجْبر فالرجوع إِلَى الْمُرْتَهن هَا هُنَا أولى لِأَنَّهُ أقرب إِلَى حَقِيقَة البيع من قسْمَة الْجِزْيَة

الْقسم الثَّانِي فِي قَضَاء الدّين من ثمن الْمَرْهُون وَذَلِكَ بِبيعِهِ عِنْد حُلُول الدّين فَلَا يسْتَقلّ الْمُرْتَهن بِهِ بل يرفعهُ إِلَى القَاضِي ثمَّ القَاضِي لَا يَبِيع بل يُكَلف الرَّاهِن قَضَاء الدّين أَو الْإِذْن فِي البيع فَإِن أذن وَقَالَ للْمُرْتَهن بِعْهُ لي وَاسْتَوْفِ الثّمن لي ثمَّ اقبضه لنَفسك صَحَّ بَيْعه واستيفاؤه لَهُ وَفِي قَبضه لنَفسِهِ خلاف منشؤه اتِّحَاد الْقَابِض والمقبض فَإِن قَالَ بِعْهُ لي وَاسْتَوْفِ لنَفسك صَحَّ البيع وَبَطل اسْتِيفَاؤهُ لنَفسِهِ لِأَنَّهُ لم يتَعَيَّن بعد ملك الرَّاهِن إِذْ لم يسْتَوْف لَهُ أَولا وَلَكِن يدْخل فِي ضَمَانه لِأَنَّهُ اسْتِيفَاء فَاسد فَلهُ فِي الضَّمَان حكم الصَّحِيح وَلَو قَالَ بِعْهُ لنَفسك بَطل الْإِذْن إِذْ لَا يتَصَوَّر أَن يَبِيع مَال الْغَيْر لنَفسِهِ فَلْيقل بِعْهُ لي فَإِن قَالَ بِعْ مُطلقًا فَفِيهِ خلاف وَاخْتلفُوا فِي تَعْلِيل الْمَنْع مِنْهُم من علل بِأَنَّهُ مُسْتَحقّ للْبيع فَيَنْصَرِف مُطلق اللَّفْظ إِلَى جَانِبه فَهُوَ كَقَوْلِه بِعْ لنَفسك وَمِنْهُم من علل بِأَنَّهُ مُتَّهم فِي ترك المماكسة لِأَنَّهُ فِي غَرَض نَفسه يَتَحَرَّك فعلى هَذِه الْعلَّة لَو قدر الثّمن أَو كَانَ قبل حُلُول الْأَجَل أَو كَانَ الرَّاهِن حَاضرا

قَالُوا بِصِحَّة بَيْعه فرع لَو حضر الرَّاهِن مجْلِس القَاضِي وكلف الْمُرْتَهن إِحْضَار الرَّهْن حَتَّى يقْضِي دينه لم يلْزمه مُعَاملَة بل عَلَيْهِ قَضَاء الدّين فَإِذا قضى فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَيْضا إِحْضَاره فَإِنَّهُ أَمَانَة فِي يَده فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا التَّمْكِين من الْأَخْذ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الرَّابِع فِي النزاع بَين الْمُتَعَاقدين وَهُوَ فِي أَرْبَعَة أُمُور العقد وَالْقَبْض وَالْجِنَايَة وَمَا يُوجب فك الرَّهْن بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -

النزاع الأول فِي العقد

وَمهما اخْتلفَا فِيهِ فَالْقَوْل قَول الرَّاهِن لِأَن الأَصْل عدم الرَّهْن

فروع ثَلَاثَة

الأول إِذا تنَازعا فِي قدر الْمَرْهُون فَالْقَوْل قَول الرَّاهِن لِأَن الأَصْل عدم الرَّهْن فَلَو صادفنا فِي يَد الْمُرْتَهن أَرضًا وفيهَا نخيل وَادّعى كَون النخيل رهنا فَأنْكر الرَّاهِن وجوده لَدَى العقد كفائه ذَلِك إِن أمكن صدقه وَيحلف عَلَيْهِ وَإِن كذبه الْحس فَلهُ أَن يحلف على نفي الرَّهْن لَا على نفي الْوُجُود فَلَو أستمر على إِنْكَار الْوُجُود على خلاف الْحس جعل ناكلا عَن الْيَمين وَردت الْيَمين على الْمُرْتَهن فَإِن ترك ذَلِك وَرجع الى أنكار الرَّهْن لم يمْنَع مِنْهُ وَإِن كذب نَفسه فِيمَا سبق من أنكار الْوُجُود الثَّانِي إِذا أدعى رجل على رجلَيْنِ رهن عبد وَاحِد لَهما عِنْده فكذبه أَحدهمَا وَصدقه الآخر فللمصدق أَن يشْهد على المكذب لِأَن الشَّرِيك يشْهد على الشَّرِيك وَلَو ادّعى رجلَانِ على رجل رهن عبد وَاحِد مِنْهُمَا فكذب أَحدهمَا فَشهد

الْمُصدق للمكذب فَفِي قبُوله وَجْهَان بنبليان على أَنه لَو لم يشْهد لَهُ هَل كَانَ المكذب يُشَارِكهُ فِي نصفه مُؤَاخذَة لَهُ بِتَصْدِيق وَكَذَا الْخلاف فِيمَا لَو ادّعَيَا هبة عبد فَصدق أَحدهمَا فَهَل يَأْخُذ المكذب مِمَّا سلم لَهُ النّصْف وَلَا خلاف فِي أَنَّهُمَا لَو أدعيا وراثة عبد فَصدق أَحدهمَا يُشَارِكهُ المكذب فِيهِ الثَّالِث لَو أدعى رجلَانِ على رجل وَاحِد أَنه رهن عَبده مِنْهُ على الْكَمَال فَصدق أَحدهمَا سلم إِلَيْهِ وَهل يحلف للثَّانِي يَنْبَنِي على أَنه لَو أقرّ للثَّانِي هَل كَانَ يغرم لَهُ وَفِيه قولا ضَمَان الْحَيْلُولَة فَإِن قَالَ رهنت من أَحَدكُمَا ونسيت فَيحلف على نفي الْعلم فَإِن نكل رد الْيَمين عَلَيْهِمَا فَإِن تحَالفا أَو تناكلا فسخ القَاضِي الرَّهْن لتعذر الْإِمْضَاء وَأَن حلف الرَّاهِن على نفي الْعلم فَالصَّحِيح أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ كَمَا لَو نكل وَفِيه

وَجه أَنه انْتَهَت الْخُصُومَة أما إِذا كَانَ فِي يَد أَحدهمَا وَأقر الرَّاهِن للثَّانِي بعد وُقُوع الِاتِّفَاق على جَرَيَان رهن وَقبض مَعَ كل وَاحِد لَكِن وَقع النزاع فِي السَّبق فَقَوْلَانِ اخْتِيَار الْمُزنِيّ تَرْجِيح الْيَد على الْإِقْرَار وَهُوَ ضَعِيف وَالأَصَح النّظر إِلَى مُوجب الْإِقْرَار ثمَّ فرغ الْمُزنِيّ وَقَالَ لَو قَالَ صَاحب الْيَد كَانَ فِي يَد الْمقر لَهُ قبل هَذَا وَلَكِن غصبا فَيُقَال لَهُ اعْترفت بِالْيَدِ وادعيت الْغَصْب فَهُوَ فِي يَده إِذا لَا فِي يدك

النزاع الثَّانِي فِي الْقَبْض

وَالْقَوْل فِيهِ ايضا قَول الرَّاهِن ايضا إِذْ الأَصْل عَدمه إِذا كَانَ فِي يَد الرَّاهِن فَإِن كَانَ عِنْد النزاع فِي يَد الْمُرْتَهن فَكَذَلِك القَوْل قَوْله إِن قَالَ غصبتنية وَفِيه وَجه بعيد وَأَن قَالَ أعرتكه أَو أكريتكه أَو أودعتكه فَوَجْهَانِ وَوجه الْفرق أَنه أقرّ بِقَبض مَأْذُون فِيهِ ويجريان الرَّهْن وَهُوَ يَدعِي صرفه عَن جِهَة الرَّهْن فَالظَّاهِر خِلَافه وَكَذَا الْخلاف إِذا قَالَ المُشْتَرِي للْبَائِع أعرتك الْمَبِيع بعد قبض الْمَبِيع عَن جِهَة البيع وَقَالَ البَائِع بل هُوَ مَحْبُوس بِأَصْل الثّمن وَحقّ الْحَبْس لَا يبطل بالإعارة وَلَو اتفقَا على أَن الرَّاهِن أذن فِي الْقَبْض وَقَالَ الرَّاهِن لم نقبض بعد فَإِن كَانَ فِي يَده فَالْقَوْل قَوْله وَإِن كَانَ فِي يَد الْمُرْتَهن فَهُوَ الْمُصدق بِهِ فرع لَو قَامَت بَيِّنَة على الرَّاهِن بالإقباض بعد إِنْكَاره فَقَالَ كذب الشُّهُود لم

يلْتَفت اليه فَلَو شهدُوا على إِقْرَاره فَقَالَ صدقُوا لكني كذبت فِي الْإِقْرَار فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا يقبل كَمَا لَو أقرّ فِي مجْلِس الْقَضَاء ثمَّ رَجَعَ وَالثَّانِي يقبل لِأَنَّهُ مُمكن فليتمكن من تَحْلِيف الْخصم على نفي الْعلم بذلك وَالثَّالِث وَهُوَ الاعدل أَنه قَالَ غَلطت لوصول كتاب وَكيل لي أَو أشهدت على الرَّسْم فِي القبالة قبل التَّحْقِيق فَيسمع حَتَّى يحلف الْخصم وَإِن قَالَ كذبت عمدا فَلَا يسمع

النزاع الثَّالِث فِي الْجِنَايَة

أَن جنى على الْمَرْهُون واعترف الْجَانِي وَصدقه الرَّاهِن دون الْمُرْتَهن غرمه للرَّاهِن وَلم يتَعَلَّق بالارش حق الْمُرْتَهن وَإِن صدقه الْمُرْتَهن دون الرَّاهِن غرم للْمُرْتَهن فَإِن قضى الرَّاهِن دينه من مَوضِع آخر أَنْفك الرَّهْن وَبَقِي هَذَا مَالا لَا يَدعِيهِ أحد لنَفسِهِ فَهُوَ لبيت المَال أَو يرد على الْجَانِي فِيهِ خلاف أما إِذا جنى الْمَرْهُون واعترف بِهِ الْمُرْتَهن فَالْقَوْل قَول الرَّاهِن وَإِذا بيع العَبْد فِي دين الْمُرْتَهن لم يكن للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ إِخْرَاج الثّمن من يَد الْمُرْتَهن مُؤَاخذَة لَهُ بقوله لِأَن حق الْمَجْنِي عَلَيْهِ لَا يتَعَلَّق بِالثّمن إِن صَحَّ البيع وَإِن بَطل فكمثل لآن الثّمن للْمُشْتَرِي لَا للْمُرْتَهن والراهن أما إِذا أعترف بِهِ الرَّاهِن دون الْمُرْتَهن أَو قَالَ الرَّاهِن ابْتِدَاء رهنته بعد الْجِنَايَة المستغرقة أَو كَانَ مَغْصُوبًا أَو معتقا فَفِي قبُول إِقْرَاره ثَلَاثَة أَقْوَال كَمَا فِي الْعتْق إِذا تعَارض قيام الْملك وَانْتِفَاء التُّهْمَة مَعَ تعلق حق الْمُرْتَهن ويجرى هَذَا الْخلاف فِي العَبْد الْمُسْتَأْجر

وَالصَّحِيح أَنه لَا يجْرِي فِي الْمَبِيع إِذا قَالَ كنت أَعتَقته قبل البيع إِذْ لَا ملك فِي الْحَال وَالصَّحِيح أَنه لَا يجْرِي فِيهِ إِذا لم تكن الْجِنَايَة مستغرقة لِأَن التُّهْمَة قَائِمَة التَّفْرِيع ان قُلْنَا لَا يقبل اقراره فَيحلف الْمُرْتَهن على نفي الْعلم فَإِن حلف فَهَل يغرم الرَّاهِن للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ يَنْبَنِي على قولي الْغرم بالحيلوله وَإِن نكل فَترد الْيَمين على الْمَجْنِي عَلَيْهِ أَو الرَّاهِن فِيهِ قَولَانِ إِن قُلْنَا على الْمَجْنِي عَلَيْهِ فَإِن حلف اسْتحق عَلَيْهِ وَلم يغرم الرَّاهِن للْمُرْتَهن لِأَنَّهُ أبطل حق نَفسه بِنُكُولِهِ وَإِن نكل فَاتَ الْمُرْتَهن بِهِ وَلم يغرم الرَّاهِن للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ شَيْئا لِأَنَّهُ أبطل حق نَفسه بِنُكُولِهِ وَإِن قُلْنَا ترد على الرَّاهِن فَإِن حلف سلم للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ وَإِن نكل فَهَل للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ أَن يحلف لَهُ وَيَقُول لَيْسَ لَك أَن تبطل حَقي بنكولك فِيهِ

قَولَانِ وَوجه الْمَنْع أَن يَمِين الرَّد قد انْتَهَت نهايتها بنكول الْمَرْدُود عَلَيْهِ أَعنِي الرَّهْن وَإِن قُلْنَا يقبل إِقْرَاره فَهَل للْمُرْتَهن تَحْلِيفه وَجْهَان وَوجه الْمَنْع انه أقرّ على ملك نَفسه فَإِن قُلْنَا لَا يحلف فقد تَبينا بطلَان الرَّهْن تَصْدِيقًا لَهُ فَلَيْسَ للْمُرْتَهن إِلَّا الْخِيَار فِي البيع الَّذِي شَرط فِيهِ الرَّهْن إِن كَانَ قد شَرط وَكَذَلِكَ إِن قُلْنَا إِنَّه يحلف فَحلف وَإِن نكل الْمقر حلف الْمُرْتَهن وَفِي نتيجة حلفه قَولَانِ أَحدهمَا تَقْرِير العَبْد فِي يَده وَالثَّانِي أَن يغرم لَهُ الرَّاهِن فَإِن قُلْنَا بالغرم فَهَل يثبت لَهُ خِيَار الْفَسْخ فِي البيع الْمَشْرُوط فِيهِ وَلم يسلم عين العَبْد الْمَشْرُوط وَإِنَّمَا يسلم قِيمَته فِيهِ وَجْهَان وَوجه منع الْخِيَار أَنه يَجْعَل بِإِقْرَارِهِ متلفا بعد الْإِقْبَاض وغارما وَذَلِكَ لَا يُوجب الْخِيَار فَإِن قيل فَلَو أقرّ الرَّاهِن بالاستيلاد

قُلْنَا يثبت حريَّة الْوَلَد وَالنّسب وَفِي أُمِّيّه الْوَلَد مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْعتْق وَزيد هَاهُنَا أَمر وَهُوَ أَنَّهَا لَو أَتَت بِولد لأَقل من سِتَّة أشهر من وَقت الرَّهْن كَانَ كدعوى الْعتْق قبل الرَّهْن وَإِن كَانَ لأكْثر فَلَا لِأَنَّهُ يحْتَمل تراخيه عَن الرَّهْن فَلَا يقبل فَهُوَ كَمَا لَو أعترف باستيلاد متراخ فَإِن قُلْنَا لَا ينفذ أستيلاده إِذا صدق فَلَا كَلَام وَإِن قُلْنَا ينفذ فَفِي اقراره وَجْهَان مأخذه إِقْرَار المبذر بِإِتْلَاف أَو طَلَاق لِأَنَّهُ أقرّ بِمَا ينفذ لَو أنشأه وَلكنه مَمْنُوع من إنشائه شرعا

النزاع الرَّابِع فِيمَا يفك الرَّهْن

وَفِيه أَرْبَعَة فروع الأول إِذا كَانَ الْمُرْتَهن أذن فِي بيع الرَّهْن وَبَاعَ الرَّاهِن وَرجع الْمُرْتَهن وَادّعى أَنه رَجَعَ قبل بَيْعه وَقَالَ الرَّاهِن بل رجعت بعد البيع فَالْأَظْهر أَن القَوْل قَوْله فَإِن الأَصْل عدم الرُّجُوع ويعارضه أَن الأَصْل عدم البيلبع فَيبقى أَن الأَصْل اسْتِمْرَار الرَّهْن وَقيل إِن القَوْل قَول الرَّاهِن إِذْ الْمُرْتَهن أعترف بِالْإِذْنِ وَالْبيع ويدع رُجُوعا سَابِقًا وَالْأَصْل عَدمه الثَّانِي لَو سلم إِلَى الْمُرْتَهن ألفا بِهِ رهن وَله على الرَّاهِن ألف آخر لَا رهن بِهِ فتنازعا وَقَالَ الرَّاهِن سلمته عَن جِهَة الرَّهْن فانفك فَالْقَوْل قَوْله لِأَنَّهُ يخْتَلف بنيته وَهُوَ أعرف بِهِ وَالْعبْرَة بنيته حَتَّى لَو ظن الْمُرْتَهن أَنه أودعهُ وَهُوَ قصد قَضَاء الدّين حصل الْملك دون قصد التَّمْلِيك وَلَو قَالَ الْمُؤَدِّي مَا قصدت شَيْئا فَوَجْهَانِ أَحدهمَا التَّوْزِيع على الدينَيْنِ وَالثَّانِي أَنه يُقَال لَهُ الْآن يَنْبَغِي أَن تنوي مَا تُرِيدُ

وَكَذَا الْخلاف فِي الْوَكِيل عَن جِهَة مستحقين إِذا قبض ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْجِهَة الثَّالِث إِذا بَاعَ الْعدْل الْمَرْهُون بِالْإِذْنِ وَادّعى تَسْلِيم الثّمن الة الْمُرْتَهن فَالْقَوْل قَول الْمُرْتَهن لِأَنَّهُ لَيْسَ أَمِينه إِلَّا فِي حفظ الْمَرْهُون فَلَا يلْزمه تَصْدِيقه فِي الثّمن الَّذِي هُوَ بذل الْمَرْهُون وَلَا يجوز صرفه إِلَيّ الْمُرْتَهن إِلَّا بِإِذن الرَّاهِن ثمَّ للْمُرْتَهن مُطَالبَة من شَاءَ من الْعدْل والراهن فَإِن ضمن الْعدْل لم يرجع على الرَّاهِن لِأَنَّهُ مظلوم بِزَعْمِهِ وَلَا يرجع إِلَّا على من ظلمه الرَّابِع إِذا تنَازعا فِي عيب الْمَرْهُون أَنه قديم يثبت خِيَار الْفَسْخ فِي البيع الْمَشْرُوط فِيهِ أم حَادث القَوْل قَول الرَّاهِن إِذْ الأَصْل عدم الْعَيْب وَلذَلِك كَانَ القَوْل قَول البَائِع فِي مثل هَذِه الصُّورَة وَلَو قَالَ الْمُرْتَهن أقبضتني الْعصير الْمَرْهُون بعد انقلابه خمرًا وَقَالَ الرَّاهِن بل قبله وَلَا فسخ لَك فَقَوْلَانِ أَحدهمَا أَن الأَصْل بَقَاء الْحَلَاوَة وَالثَّانِي أَن الأَصْل عدم الْقَبْض الصَّحِيح والراهن يَدعِيهِ وَهَذَا يلْتَفت على أَن الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي يَحْكِي وسكوته وَهُوَ الْمُرْتَهن هَاهُنَا أَو من يَدعِي خلاف الظَّاهِر وَهُوَ الرَّاهِن هَاهُنَا وَفِيه قَولَانِ وَهَذَا تنَازع بِالْحَقِيقَةِ يرجع إِلَيّ العقد وَالْقَبْض فليلحق بالقسم الأول

والتفليس أَن يَجْعَل من عَلَيْهِ الدّين مُفلسًا بِبيع مَاله وَمهما التمس الْغُرَمَاء الْحجر عَلَيْهِ بديونهم الْحَالة الزَّائِدَة على قدر مَاله فللقاضي الْحجر عَلَيْهِ وَبيع مَاله فِي حَقهم فَإِن قيل فَلَو كَانَت الدُّيُون مُؤَجّلَة قُلْنَا لَا لِأَنَّهُ لَا مُطَالبَة فِي الْحَال وَالصَّحِيح أَن الدُّيُون المؤجلة لَا تحل بِالْحجرِ على الْمُفلس وَلَا بالجنون وَإِن كَانَت تحل بِالْمَوْتِ فَإِن قيل فَإِن لم تكن الدُّيُون زَائِدَة على المَال قُلْنَا فِي المساوية لِلْمَالِ وَجْهَان وَفِي المقاربة للمساواة وَهِي نَاقِصَة وَجْهَان مرتبان وَإِن لم تقَارب فَلَا حجر عَلَيْهِ بِخِلَاف الْمَيِّت فَإِن الْوَرَثَة يمْنَعُونَ من التَّرِكَة وَإِن لم يسْتَغْرق الدّين نظرا للْمَيت فَإِن قيل فَلَو التمس بعض الْغُرَمَاء قُلْنَا إِن زَاد دينه على قدر المَال أُجِيب وَإِن سَاوَى أَو قَارب فعلى الْخلاف

وَلَو التمس الْمُفلس بِنَفسِهِ دون الْغُرَمَاء فَفِي إجَابَته وَجْهَان أشبههما بِالْحَدِيثِ أَنه يُجَاب إِذْ حجر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على معَاذ بالتماسه وَأَبُو حنيفَة لم ير هَذَا الْحجر ومعتمدنا حجره عَلَيْهِ السَّلَام على معَاذ وَقَول عمر رَضِي الله عَنهُ فِي خطبَته أَلا إِن أسيفع أسيفع جهنية رَضِي من دينه وأمانته بِأَن يُقَال سبق الْحَاج فادان معرضًا فَأصْبح وقدرين بِهِ فَمن كَانَ عَلَيْهِ دين فليأتنا غَدا فَإنَّا بايعو مَاله غَدا وقاضو دينه فَمن كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دين

فليحضر ثمَّ دين الْغُرَمَاء يَنْقَسِم إِلَى مَا يكون عَن ثمن مَبِيع وَالْمَبِيع قَائِم وَإِلَى مَا يكون عَن غَيره

الْقسم الأول من الْكتاب فِيمَا إِذا لم يكن من ثمن مَبِيع أَو كَانَ وَلَكِن الْمَبِيع هَالك

فالنظر فِي ثَلَاثَة أَحْكَام فِيمَا امْتنع من التَّصَرُّفَات بِالْحجرِ وَفِي بيع مَاله وَفِي حَبسه

الحكم الأول التَّصَرُّف الْمَحْجُور فِيهِ

وَهُوَ كل تصرف مُبْتَدأ يُصَادف المَال الْمَوْجُود عِنْد ضرب الْحجر فَفِيهِ ثَلَاثَة قيود الأول مَا يُصَادف المَال احْتَرز بِهِ عَن التَّصَرُّف فِي الْبضْع جلبا بِالنِّكَاحِ وَإِزَالَة بِالْخلْعِ وَفِي الدَّم استيقاء بِالْقصاصِ وإسقاطا بِالْعَفو وَفِي النّسَب إِثْبَاتًا بالاستلحاق وإسقاطا بِاللّعانِ وَفِي المَال الْجَدِيد باجتلاب باحتطاب أَو احتشاش أَو اتهاب أَو قبُول وَصِيَّة أَو شِرَاء على الْمَذْهَب الْأَصَح فَكل ذَلِك لَا حجر فِيهِ وَكَذَلِكَ لَو أقرّ بِمَا يُوجب عَلَيْهِ قصاصا أَو رشا قبل مِنْهُ ويؤاخد مِنْهُ بِالْأَرْشِ بعد فك الْحجر لَا من هَذَا المَال وَلَو أقرّ فِي عين مَال بِأَنَّهُ مَغْصُوب أَو وَدِيعَة عِنْده ذكر الشَّافِعِي رَضِي الله

عَنهُ فِي الْقَدِيم قَوْلَيْنِ وَوجه الْقبُول نفي التُّهْمَة وَكَونه أَهلا للإقرار فَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ يجب طرد هَذَا فِي الْإِقْرَار بِالدّينِ حَتَّى يقْضى من المَال مَعَ سَائِر الْغُرَمَاء أَيْضا لنفي التُّهْمَة وَإِلَّا فَلَا فرق أما مَا يُصَادف عين المَال كَالْعِتْقِ وَالْبيع وَالْهِبَة وَالرَّهْن وَالْكِتَابَة كل ذَلِك فَاسد وَلَا يخرج ذَلِك على عتق الرَّاهِن لِأَن هَذَا الْحجر لم ينشأ إِلَّا للْمَنْع من مثله مَقْصُودا فَإِن فِي تنفيذه تَضْييع الْحُقُوق ثمَّ لَو فضل العَبْد الْمُعْتق أَو الْمَبِيع أَو أَبْرَأ عَن الدّين فَفِي تَنْفِيذ الْعتْق قَولَانِ وَفِي البيع قَولَانِ مرتبان وَأولى بِأَن لَا يقبل الْوَقْف وَوجه التَّنْفِيذ أَن البيع صدر من أَهله وصادف مَحَله وَكُنَّا نظنه دافعا لحق لَا سَبِيل إِلَى دَفعه والآن تبين أَنه لم يحصل بِهِ دفع مَحْذُور وَفَائِدَة هَذَا القَوْل أَنا مَا دمنا نجد سَبِيلا إِلَى قَضَاء الدّين من مَوضِع آخر نَفْعل فَإِن لم نجد صرفنَا إِلَيْهِ الْمَبِيع ثمَّ الْمكَاتب ثمَّ الْمُعْتق فنجعله آخرهَا وَهَذَا التَّرْتِيب مُسْتَحقّ على هَذَا القَوْل

الْقَيْد الثَّانِي قَوْلنَا المَال الْمَوْجُود عِنْد الْحجر

احترزنا بِهِ عَمَّا تجدّد بِإِرْث أَو باحتطاب أَو وَصِيَّة أَو اتهاب أَو شِرَاء إِذا صححنا الشِّرَاء فَفِي تعدِي الْحجر إِلَيْهِ وَجْهَان فَمن قَائِل الْمَقْصُود الْحجر عَلَيْهِ فِي نَفسه وَمن قَائِل يَقُول الْمَقْصُود الْحجر فِي المَال وَهَذَا لم يكن مَوْجُودا ثمَّ إِذا صححنا الشِّرَاء فَهَل للْبَائِع التَّعَلُّق بِعَين الْمَبِيع وَقد أنشأ البيع فِي حَال الْحجر والإفلاس فِيهِ ثَلَاثَة أوجه يفرق فِي الثَّالِث بَين أَن يعلم إفلاسه أَو لَا يعلم وَالظَّاهِر أَنه إِذا كَانَ جَاهِلا ثَبت الْخِيَار فَإِن قُلْنَا لَا يثبت الْخِيَار لِأَن هَذَا الْحجر لم يضْرب لأَجله بل ضرب قبله فَفِي الثّمن وَجْهَان أَحدهمَا يصبر وَلَا يضارب بِهِ فَإِنَّهُ دين جَدِيد وَالْمَال لَا يصرف إِلَى دين جَدِيد وَالثَّانِي أَنه يضارب لِأَنَّهُ أَدخل فِي ملكه شَيْئا جَدِيدا بِدِينِهِ الْجَدِيد وَسَائِر الدُّيُون الجديدة من مهر نِكَاحه وضمانه وَغَيره لَا تقضى من مَاله إِلَّا مَا هُوَ من مصلحَة الْحجر كَأُجْرَة الكيال والحمال فَإِنَّهَا تقدم على سَائِر حُقُوق الْغُرَمَاء

الْقَيْد الثَّالِث قَوْلنَا مُبْتَدأ احترزنا بِهِ عَن مَسْأَلَتَيْنِ

إِحْدَاهمَا أَنه لَو اشْترى بِهِ شَيْئا وَوجد بِهِ عَيْبا وَكَانَت الْغِبْطَة فِي رده فَلهُ ذَلِك وَلَيْسَ للْغُرَمَاء مَنعه لِأَن سَبَب اسْتِحْقَاقه قد سبق وَلَو تعذر الرَّد بِعَيْب حَادث اسْتحق الْأَرْش وَلَا ينفذ إبراؤه كَمَا لَا ينفذ فِي سَائِر الدُّيُون لِأَنَّهُ إبِْطَال حق الْغُرَمَاء وَلَو أمكن رده وَلكنه مَعَ الْعَيْب يُسَاوِي أَضْعَاف الثّمن فَلَيْسَ لَهُ الرَّد لِأَنَّهُ تَفْوِيت من غير غَرَض فَلذَلِك لَيْسَ لوَلِيّ الطِّفْل فِي مثل هَذِه الصُّورَة الرَّد ثمَّ لَا يُطَالب بِالْأَرْشِ فَإِن الرَّد مُمكن فِي حَقه وَإِنَّمَا وَقع الِامْتِنَاع مَعَ الْإِمْكَان للْمصْلحَة الثَّانِيَة إِذا اشْترى بِشَرْط الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام فحجر عَلَيْهِ قبل مُضِيّ الْمدَّة قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَهُ الْفَسْخ وَالْإِجَازَة دون الْغُرَمَاء لِأَنَّهُ لَيْسَ بمستحدث فَمن الْأَصْحَاب من وَافق هَذَا الْإِطْلَاق وَلم يشْتَرط عَلَيْهِ رِعَايَة الْغِبْطَة وَمِنْهُم من قَالَ يفرع على أَقْوَال الْملك فَحَيْثُ كَانَ بِالْفَسْخِ أَو الْإِجَازَة مزيل

فصول الكتاب · 3 فصل · 713 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الوسيط في المذهب · 713 صفحة
المقدمة
الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين
الْبَاب الرَّابِع فِي الْقِسْمَة
جارٍ التحميل