آخر أَنه لَا يجب اتِّبَاعه وَيحمل التَّخْصِيص على وفَاق فَلَو قَالَ بِعْ بِمِائَة وَلَا تبع بِمَا فَوْقه لَا يَبِيع بِمَا فَوْقه وَلَو قَالَ بِعْ بِمِائَة وَاقْتصر عَلَيْهِ لَا يَبِيع منا دونه وَيبِيع بِمَا فَوْقه ألانه امتثل مَا آمُر وَزَاد خيرا فَلم تكن مُخَالفَة كَذَلِك إِذا قَالَ اشْتَرِ بالفين فَاشْتَرَاهُ بآلف صَحَّ لِأَنَّهُ زَاده خيرا آلا إِذا نَهَاهُ عَمَّا دون الآلفين وَلَو قَالَ بِعْ بآلف دِرْهَم فَبَاعَ بآلف دِينَار لم يَصح قطعا لانه مُخَالفَة فِي الْجِنْس وَاللَّفْظ لم يدل عَلَيْهِ فيبق ميله طبعا إِلَيْهِ فَهُوَ كَمَا قبل التَّوْكِيل وَلَو قَالَ بِعْ بِالنَّسِيئَةِ بِمِائَة فَبَاعَ بمئه نَقْدا فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه اخْتِلَاف جنس فَلَا يحْتَمل وَالثَّانِي أَنه يَصح لِأَنَّهُ زَاده مَكَان الْمُطَالبَة فِي الْحَال فَهَذَا زِيَادَة قدر الثَّانِيَة إِذا سلم إِلَيْهِ دِينَارا وَقَالَ اشْتَرِ بِهِ شَاة فَاشْترى بِهِ
شَاتين وكل وَاحِدَة تَسَاوِي دِينَارا أَو دِينَارا وَنصفا لم يجز لِأَنَّهُ رُبمَا يَبْغِي شَاة تَسَاوِي دِينَارا فَلَو اشْترى شَاتين كل وَاحِدَة يُسَاوِي دِينَارا فَقَوْلَانِ أصَحهمَا الصِّحَّة لما رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام دفع دِينَارا إِلَى عُرْوَة ليَشْتَرِي لبه شَاة فاشتري شَاتين وَبَاعَ إحديهما بِدِينَار وَجَاء بِدِينَار وَالشَّاة فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام بَارك الله لَك فِي صَفْقَة يَمِينك فان قيل فَمَا قَوْلكُم فِي بيع الشَّاة الثَّانِيَة قُلْنَا ذكر ابْن سُرَيج قَوْلَيْنِ وَوجه الْفساد يخرج الى تَأْوِيل الحَدِيث وَحمله الى أَنه كَانَ وَكيلا مُطلقًا فِي التَّصَرُّفَات وَوجه الصِّحَّة يعضد قَول وقف الْعُقُود وَيُمكن أَن يُقَال جرى هَاهُنَا لفظ يدل على أَن الَّذِي جرى يُوَافق الرِّضَا فَلم يكن كوقف الْعُقُود بل يَصح فِي الْحَال وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه لَا يَصح وَهَذَا لَا وَجه لَهُ مَعَ الْخَبَر
وَلَو قَالَ بِعْ هَذَا العَبْد بِمِائَة فَبَاعَ بِمِائَة وَعبد آخر يُسَاوِي مائَة فَقَوْلَانِ مرتبان وَأولى بِالْمَنْعِ لانه جمع بَين جِنْسَيْنِ فان قُلْنَا لَا يَقع عَنهُ فَوَجْهَانِ أَحدهمَا انه يفْسد وَالثَّانِي انه يَصح فِي نصف العَبْد فَكَانهُ قَالَ بِعْ العَبْد بآلف فَبَاعَ نصفه بإلف صَحَّ لانه زَاده خير الثَّالِثَة لَو كُله بشرَاء عبد بِأَلف فَاشْترى نصفه باربعمائة لم يَقع عَنهُ فَلَو اشْترى النّصْف الْبَاقِي باربعمائة أُخْرَى لم يَنْقَلِب إِلَيْهِ الْكل بعد انْصِرَافه عِنْد ابْتِدَاء وَفِيه وَجه لَا يعْتد بِهِ أما إِذا قَالَ اشْتَرِ لي عشرَة اعبد بصفقة وَاحِدَة فليشتر من شخص وَاحِد فَلَو اشْترى من أشخاص فِي صَفْقَة وَاحِدَة فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا لالان الصَّفْقَة تَتَعَدَّد بِتَعَدُّد البَائِع وَالثَّانِي نعم لَان الْمَقْصُود ان يكون الْكل مجموعا فِي ملكه أما إِذا قَالَ اشْتَرِ لي عشرَة اعبد مُطلقًا فَلهُ ان يَشْتَرِي فِي صفقات وَفِي صَفْقَة كَيفَ شَاءَ الربعة إِذا وَكله بشرَاء فَاسد لم يَصح الْوكَالَة وَلَا يَسْتَفِيد بهَا الشِّرَاء الصَّحِيح وَلَو قَالَ خَالع زَوْجَتي على خمر فَفعل وَقع الْخلْع كَمَا لَو تعاطاه بِنَفسِهِ فَلَو خَالع على خِنْزِير فَوَجْهَانِ أَحدهمَا لَا يَصح لانه مُخَالف وَالثَّانِي نعم لَان قَوْله فِي التَّعْيِين فَاسد إِنَّمَا الصَّحِيح اصل الْخلْع حَتَّى لَو خَالع على عوض صَحِيح نفذ الْخلْع وَفَسَد الْعِوَض وَكَذَا فِي الصُّلْح عَن الدَّم الْخَامِسَة الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ لَا يقر على مُوكله لَان اللَّفْظ لَا يتَنَاوَلهُ وضعتا وَعرفا خلافًا لأبى حنيفَة رَحمَه الله وَلَا تقبل شَهَادَته لمُوكلِه فانه مُتَّهم فان شهد بعد الْعَزْل وَكَانَ قد انتصب مخاصما فِي الْوكَالَة لم تقبل لانه صَار ذَا غَرَض طبعي فِي تَصْدِيق نَفسه وتمشية قَوْله وان لم ينْتَصب فعزل سَمِعت شَهَادَته
وَقَالَ الْأَصْحَاب لَيْسَ لَهُ أَن يعدل شُهُود خصم الْمُوكل كَمَا لَا يملك الْإِقْرَار وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ لم يستفد التَّعْدِيل من الْوكَالَة فَإِنَّهُ يعدل من غير وكَالَة نعم لَا يَجْعَل تعديله وَحده كإقرار الْمُوكل بعد التهم وَلَا وَجه لما أطلقهُ الْأَصْحَاب إِلَّا أَنه بتعديل الشُّهُود مقصر فِي الْوكَالَة وتارك حق النصح وَالْغِبْطَة لَهُ السَّادِسَة إِذا قَالَ خُذ مَالِي من فلَان فَمَاتَ لم يَأْخُذهُ من ورثته لِأَنَّهُ قد رَضِي بيد ورثته وَلَو قَالَ خُذ مَالِي من الْحق على فلَان جَازَ أَن يَأْخُذ من ورثته لِأَن قَصده اسْتِيفَاء الْحق وَكَذَلِكَ لَو وكل الْعدْل فِي بيع الْمَرْهُون وَهُوَ حِنْطَة فأتلفها أَجْنَبِي فَأخذ مثلهَا لم يكن لَهُ بيعهَا لِأَن الْإِذْن لَا يتَنَاوَل الْبَدَل السَّابِعَة لَو وكل رجلَيْنِ بِالْخُصُومَةِ فَهَل لكل وَاحِد الاستبداد فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا كالوصيين والوكيلين فِي التَّصَرُّف وَالثَّانِي نعم لِأَن الْعرف فِي الْخُصُومَة يجوز ذَلِك الثَّامِنَة إِذا سلم إِلَيْهِ ألفا وَقَالَ اشْتَرِ بِعَينهَا عبدا فَاشْترى فِي الذِّمَّة لم يَقع عَن الْمُوكل لمُخَالفَته وَلَو قَالَ اشْتَرِ فِي الذِّمَّة واصرف الْألف فِيهِ فَاشْترى بِعَينهَا فَوَجْهَانِ وَوجه التَّصْحِيح أَنه لم يتَفَاوَت إِلَّا أَنه يَنْفَسِخ العقد بتلفه فَلَا يلْزمه الْألف عِنْد
التّلف وَلَو اشْترى فِي الذِّمَّة للزمه فِي التّلف والبقاء فقد زَاده خيرا وَلَو سلم للألف وَقَالَ اشْتَرِ عبدا مُطلقًا فعلى مَاذَا يحمل فِيهِ وَجْهَان فَإِن حملنَا على الشِّرَاء بِعَيْنِه لم يجز الشِّرَاء فِي الذِّمَّة التَّاسِعَة إِذا قَالَ بِعْ من زيد بِأَلف فَبَاعَ بِأَلفَيْنِ لم يجز لِأَن لَهُ فِي مسامحته غَرضا بعد التَّعْيِين إِلَّا إِذا علم خِلَافه بِالْقَرِينَةِ وَإِن وَكله فِي بيع عبد بِأَلف فَبَاعَ نصفه بِأَلف جَازَ وَلَو كَانَ بِمَا دون الْألف لم يجز لِأَن الْبَاقِي رُبمَا لَا يشترى بِمَا يكمل الْألف وَلَو قَالَ بِعْ ثَلَاثَة أعبد بِأَلف فَبَاعَ وَاحِدًا بِمَا دون الْألف لم يجز لِأَن الْبَاقِي رُبمَا لَا يَشْتَرِي بِمَا لايكمل الْألف وَلَو بَاعَ بِأَلف جَازَ وَهل يبْقى وَكيلا فِي بيع الْبَاقِي وَجْهَان أَحدهمَا لَا لحُصُول الْمَقْصُود وَالثَّانِي نعم كَمَا إِذا بَاعَ دفْعَة وَاحِدَة بِأَلفَيْنِ مَعَ الْقُدْرَة على بيع وَاحِد بِأَلف فَإِن قَالَ اشْتَرِ العَبْد بِمِائَة وَلَا تشتره بِخَمْسِينَ لم يشتر بالخمسين وَلَا بِمَا فَوق الْمِائَة وَيَشْتَرِي بِمَا بَين الْخمسين وَالْمِائَة وَهل يَشْتَرِي بِمَا دون الْخمسين وَجْهَان وَلَو قَالَ اشْتَرِ العَبْد بِمِائَة فَاشْترى بِمِائَة وَعشرَة لم يَقع عَن الْمُوكل
وَقَالَ ابْن سُرَيج يَقع ويلتزم الْوَكِيل من عِنْده عشرَة وَهُوَ بَاطِل بِمَا لَو بَاعَ العَبْد الْمَأْذُون فِي بَيْعه بِمِائَة بتسعين فَإِنَّهُ لَا يَصح البيع اعْتِمَادًا على ضَمَان الْعشْرَة وَقَالَ الإِمَام مَا ذكره ابْن سُرَيج لَهُ وَجه فَإِن من قَالَ لغيره بِعْ دَارك من فلَان وَلَك عَليّ عشرَة جَازَ على أحد الْوَجْهَيْنِ فَكَذَلِك فعله ينزل على هَذَا إِذْ لَيْسَ يرد عَلَيْهِ إِذا قَالَ بِعْ بِمِائَة فَبَاعَ بتسعين لِأَن الْوَكِيل وَالْمُوكل فِي الْتِزَامه المَال بِأَن يَبِيع بتسعين فَإِن قيل فَحَيْثُ خَالف الْوَكِيل مَا حكمه قُلْنَا إِن خَالف فِي البيع لبطل أصلا وَإِن خَالف فِي الشِّرَاء وَاشْترى بِعَين مَال الْمُوكل أَيْضا بَطل وَإِن كَانَ فِي الذِّمَّة وَقع عَن الْوَكِيل إِلَّا إِذا صرح بِالْإِضَافَة إِلَى الْمُوكل فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يلغي إِضَافَته وَالثَّانِي أَنه يبطل من أَصله لِأَنَّهُ لَا يحْتَمل كَلَامه مَعَ التَّصْرِيح بإضافته إِلَيْهِ بِخِلَاف الْمُطلق
الحكم الثَّانِي للوكالة ثُبُوت حكم الْأَمَانَة للْوَكِيل
حَتَّى أَن مَا يتْلف فِي يَده من الْمَبِيع وَالثمن وَالْمُشْتَرِي لَا يضمنهُ إِذا لم يَتَعَدَّ فَلَو طُولِبَ بِالرَّدِّ فَامْتنعَ عصى وَصَارَ ضَامِنا وَلَو انْتفع بِالْمَبِيعِ أَيْضا صَار ضَامِنا فَلَو بَاعَ بعد التَّعَدِّي صَحَّ وَلم يضمن الثّمن وَإِن قَبضه لِأَنَّهُ لم يَتَعَدَّ فِي عَيبه وَلَو وكل بِبيع شَيْء يُسَاوِي عشرَة فَبَاعَ بِتِسْعَة يجوز لِأَن هَذَا الْقدر يتَغَابَن النَّاس بِمثلِهِ والاحتراز عَنهُ عسير فَلَو بَاعَ بِثمَانِيَة لم يَصح العقد وَلَا يضمن إِذا لم يسلم لِأَنَّهُ هذيان صدر مِنْهُ وَلم يتَعَلَّق بِالْعينِ فَيصح بَيْعه بعد ذَلِك بِالْعشرَةِ فَلَو بَاعَ بِثمَانِيَة وَسلم فقد تعدى وَالْمُوكل يسْتَردّ الْمَبِيع إِن كَانَ بَاقِيا وَإِن تلف فِي يَد المُشْتَرِي ضمن المُشْتَرِي عشرَة وَله أَن يُطَالب الْوَكِيل أَيْضا وَلَكِن بكم يُطَالِبهُ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا بِالْعشرَةِ وَهُوَ الْأَظْهر وَالثَّانِي بِتِسْعَة إِذْ لَو بَاعَ بِتِسْعَة وَسلم إِلَيْهِ لبرئ عَنهُ وَالثَّالِث أَنه يُطَالِبهُ بدرهم وَالْبَاقِي يتَعَيَّن المُشْتَرِي وبمطالبته إِذْ كَانَ تَنْقَطِع الْمُطَالبَة بِأَن يَبِيع بِتِسْعَة فَإِذا بَاعَ بِثمَانِيَة فقد نقص دِرْهَم وَالصَّحِيح هُوَ الأول ثمَّ كل مَا ضمنه الْوَكِيل يرجع بِهِ على المُشْتَرِي لِأَنَّهُ تلف فِي يَد المُشْتَرِي فالقرار عَلَيْهِ وَالْوَكِيل فِي السّلم إِذا أَبْرَأ الْمُسلم إِلَيْهِ عَن الْمُسلم فِي وَلم يعْتَرف بِكَوْنِهِ وَكيلا نفذ الْإِبْرَاء ظَاهرا وَلَا ينفذ بَاطِنا وَضمن الْوَكِيل للْمُوكل إِن قُلْنَا إِن
الْحَيْلُولَة بالْقَوْل سَبَب الضَّمَان ثمَّ يضمن لَهُ قيمَة رَأس المَال فَإِن الِاعْتِيَاض عَن الْمُسلم فِيهِ قبل الْقَبْض لَا يجوز بِخِلَاف مَا لَو بَاعَ عينا وَأَبْرَأ عَن الثّمن فَإِنَّهُ يضمن مبلغ الثّمن لَا قيمَة الْمَبِيع وَمهما طُولِبَ الْوَكِيل أَو الْمُودع بِالرَّدِّ فَكَانَ فِي الْحمام أَو مَشْغُولًا بِالطَّعَامِ لم يعْص بِهَذَا الْقدر من التَّأْخِير وَهُوَ ظَاهر بِالْعرْفِ وَلَكِن قَالَ الْأَصْحَاب لَو تلف فِي هَذِه الْمدَّة ضمن وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ التَّأْخِير لغَرَض نَفسه بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة وَهَذَا منقدح إِذا كَانَ التّلف بِسَبَب التَّأْخِير وبعيد إِذا لم يكن التَّأْخِير سَببا فِيهِ
الحكم الثَّالِث الْعهْدَة والمطالبة
وَلها ثَلَاث مَوَاضِع الأول فِي الشِّرَاء فالوكيل بِالشِّرَاءِ إِن سلم إِلَيْهِ الثّمن كَانَ مطالبا بِتَسْلِيم مَا سلم إِلَيْهِ وَإِن لم يسلم الْمُوكل إِلَيْهِ شَيْئا وَأنكر البَائِع كَونه وَكيلا فَلهُ مُطَالبَته وَإِن اعْترف بِكَوْنِهِ وَكيلا فَثَلَاثَة أوجه ذكرهَا ابْن سُرَيج أَحدهَا أَنه المطالب فَإِنَّهُ الْعَاقِد وَالثَّانِي أَنه لَا يُطَالب إِلَّا الْمُوكل فَإِنَّهُ المتملك وَالْوَكِيل سفير وَالثَّالِث أَنه يُطَالب أَيهمَا شَاءَ ثمَّ إِن طَالب الْوَكِيل فَالْأَصَحّ أَنه يرجع على الْمُوكل وَفِيه وَجه أَن قَوْله اشْتَرِ لي اقتراح هبة فَهُوَ كَقَوْلِه أد ديني وَفِي الرُّجُوع ثمَّ خلاف الْموضع الثَّانِي إِذا خرج الْمَبِيع مُسْتَحقّا وَقد تلف الثّمن فِي يَد الْوَكِيل فَالْمُشْتَرِي يُطَالب من فِيهِ الْأَوْجه الثَّلَاثَة أَحدهَا الْوَكِيل فَقَط فَإِنَّهُ تلف فِي يَده وَالثَّانِي الْمُوكل فَإِنَّهُ سفير من جِهَته وَالثَّالِث يطالبهما جَمِيعًا ثمَّ قَرَار الضَّمَان على من فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه على الْوَكِيل إِذا تلف فِي يَده فالموكل يرجع عَلَيْهِ
وَالثَّانِي على الْمُوكل لِأَن الْوَكِيل كَانَ مَأْمُورا من جِهَته وَالثَّالِث لَا يرجع أَحدهمَا على صَاحبه بل كل من طُولِبَ اسْتَقر عَلَيْهِ الْموضع الثَّالِث الْوَكِيل بشرَاء العَبْد إِذا قبض العَبْد الْمُشْتَرى وَتلف فِي يَده وَخرج مُسْتَحقّا فالمستحق يُطَالب البَائِع لَا محَالة وَفِي مُطَالبَته للْوَكِيل وَالْمُوكل الْأَوْجه الثَّلَاثَة وَكَذَا الْخلاف فِي الْقَرار وَتَقْرِير الضَّمَان على الْمُوكل هَاهُنَا أبعد لِأَنَّهُ لم يسْبق مِنْهُ تغرير بِخِلَاف التَّوْكِيل فِي البيع
الحكم الرَّابِع للوكالة الْجَوَاز
فَهُوَ جَائِز من الْجَانِبَيْنِ وينعزل الْوَكِيل بِثَلَاثَة أَسبَاب الأول عزول الْمُوكل إِيَّاه بمشهد مِنْهُ وَإِن كَانَ فِي غيبته فينعزل مهما بلغه الْخَبَر وَقيل بُلُوغ الْخَبَر قَولَانِ الْمَنْصُوص أَنه يَنْعَزِل لِأَنَّهُ لَا يفْتَقر إِلَى رِضَاهُ فَلَا يفْتَقر إِلَى حُضُوره وَعلمه وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَا يوثق بتصرفه لتصور عَزله دون مَعْرفَته فَصَارَ كَالْقَاضِي وَفِي القَاضِي وَجه أَنه يَنْعَزِل فِي الْغَيْبَة وَهُوَ بعيد فَإِن عزل القَاضِي بِغَيْر سَبَب لَا يجوز وعزل الْوَكِيل جَائِز وَلَا خلاف فِي أَن الْمُوكل لَو بَاعَ مَا وكل فِي بَيْعه أَو أعتق انْعَزل الْوَكِيل ضمنا فَإِن قُلْنَا ينفذ عَزله فِي الْغَيْبَة فليشهد الْمُوكل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يسمع مُجَرّد قَوْله بعد تصرف الْوَكِيل السَّبَب الثَّانِي عزل الْوَكِيل نَفسه وتعديه فِي مَال الْوكَالَة لَيْسَ ردا للوكالة بل يبْقى وَكيلا على الْأَصَح وَإِن صَار ضَامِنا بإنكاره الْوكَالَة هَل يَجْعَل إنْشَاء للرَّدّ فِيهِ ثَلَاثَة أوجه وَالأَصَح هُوَ الثَّالِث وَهُوَ أَنه إِن قَالَ ذَلِك عَن نِسْيَان
أَو لغَرَض فِي إخفاء الْوكَالَة فَلَا يكون عزلا وَإِن أنكر مَعَ الْعلم فَهُوَ رد للوكالة من جِهَته الثَّالِث أَن يخرج الْمُوكل بالجنون أَو الْمَوْت عَن أَهْلِيَّة التَّوْكِيل أَو الْوَكِيل عَن أَهْلِيَّة التَّوْكِيل أَو الْوَكِيل عَن أَهْلِيَّة الِامْتِثَال بالجنون وَالْمَوْت وَالأَصَح أَنه لَا يَنْعَزِل بالإغماء وينعزل بالجنون وَإِن قل وَقيل لَا يَنْعَزِل بهما وَقيل يَنْعَزِل بهما جَمِيعًا فَلَو وكل عَبده ثمَّ أعْتقهُ أَو بَاعه أَو كَاتبه فَفِي انعزاله ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا لَا لعُمُوم الْإِذْن وَبَقَاء الْأَهْلِيَّة وَالثَّانِي نعم لِأَن أمره مَحْمُول على الِاسْتِخْدَام وَقد بَطل محلية الِاسْتِخْدَام فِي حَقه وَالثَّالِث أَنه ينظر إِلَى لَفظه فَإِن قَالَ وَكلتك بَقِي بعد زَوَال سلطنته وَإِن قَالَ بِعْ واشتر بِصِيغَة الْأَمر فَهُوَ مَحْمُول على الِاسْتِخْدَام
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي تنَازع الْوَكِيل وَالْمُوكل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وتنازعهما فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع
الأول التَّنَازُع فِي أصل الْوكَالَة أَو صفتهَا
كَقَوْل الْوَكِيل وكلتني فَقَالَ مَا وَكلتك أَو قَالَ وكلتني بِبيع الْكل فَقَالَ بل بِالْبَعْضِ أَو قَالَ أَذِنت لي فِي البيع بِالنَّسِيئَةِ فَقَالَ بل بِالنَّقْدِ أَو قَالَ أَذِنت فِي الشِّرَاء بِعشْرين فَقَالَ بل بِالْعشرَةِ فَالْقَوْل فِي جَمِيع ذَلِك قَول الْمُوكل لِأَن الأَصْل عَدمه فرعان أَحدهمَا إِذا بَاعَ الْوَكِيل بِالنَّسِيئَةِ وَأنكر البَائِع الْإِذْن فِي الْأَجَل فَإِن كَانَ الْمَبِيع قَائِما اسْتردَّ وَالْقَوْل قَوْله وَلَو أنكر المُشْتَرِي كَونه وَكيلا لم يقبل قَول الْمُوكل عَلَيْهِ بل يحلفهُ على أَنه لَا يعلم كَونه وَكيلا من جِهَته فَإِذا حلف فللموكل مُطَالبَة الْوَكِيل بِقِيمَة السّلْعَة ثمَّ إِذا انْقَضى الْأَجَل فللوكيل أَن يُطَالب المُشْتَرِي بِالثّمن وَيَأْخُذهُ بِمَا غرمه فَإِن زَاد على مَا غرمه فَالزِّيَادَة لَا يدعيها لنَفسِهِ وَلَا البَائِع وَلَا المُشْتَرِي فَمَاذَا يصنع بِهِ وَفِي مثله خلاف مَشْهُور فَإِن كذب الْوَكِيل نَفسه أَيْضا وَقَالَ صدق الْمُوكل لم يكن لَهُ أَن يُطَالب إِلَّا بِأَقَلّ الْأَمريْنِ من الثّمن أَو الْقيمَة ليجبر حق نَفسه مِمَّا غرم
الثَّانِي إِذا اشْترى جَارِيَة عشْرين فَقَالَ الْمُوكل مَا أَذِنت إِلَّا فِي عشرَة فَالْقَوْل قَوْله فَإِن كَانَ اشْترى بِعَين مَاله فَهُوَ بَاطِل وَإِن اشْترى فِي الذِّمَّة واعترف البَائِع بِالْوكَالَةِ فكمثل فَإِن أنكر الْوكَالَة لم يقبل قَوْله على البَائِع وَيغرم الْوَكِيل للْمُوكل مَاله مهما حلف على أَنه لم يَأْذَن وَتبقى الْجَارِيَة فِي يَد الْوَكِيل فيتلطف الْحَاكِم بالموكل وَيَقُول لَهُ لَا يَضرك أَن تَقول للْوَكِيل بِعْتُك الْجَارِيَة بِعشْرين حَتَّى تسلم لَك الْعشْرُونَ فَإِن قَالَ ذَلِك حصل الْغَرَض فَإِن قَالَ إِن كنت قد أَذِنت لَك فَلَو بِعْتُك فَفِي هَذِه الصِّيغَة وَجْهَان أصَحهمَا وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْمُزنِيّ الصِّحَّة لِأَن هَذَا من مُقْتَضى الشَّرْع وَإِن لم يُصَرح وَإِن أَبى الْمُوكل ذَلِك قَالَ الْمُزنِيّ يَبِيع الْوَكِيل الْجَارِيَة وَيَأْخُذ مَا غرم من ثمنهَا وَقَالَ الْإِصْطَخْرِي وَجْهَان أَحدهمَا مَا قَالَه الْمُزنِيّ وَالثَّانِي أَنه يملك ظَاهرا وَبَاطنا بِنَاء على مَا إِذا ادّعى على غَيره أَنَّك اشْتريت دَاري فَأنْكر وَحلف فَيُسْتَحَب للْمُشْتَرِي أَن يَقُول إِن كنت اشْتَرَيْته فقد فسخت فَإِن لم يقل فالبائع على قَول يَبِيع الدَّار وَيَأْخُذ ثمنهَا وعَلى قَول يملكهُ وَيكون إِنْكَاره كإفلاسه فَهُوَ أَحَق بِعَين مَاله قَالَ أَبُو إِسْحَاق لَا يملك الْجَارِيَة قولا وَاحِدًا وَهُوَ الصَّحِيح بِخِلَاف مسالة
الدَّار فَإِن تعذر الثّمن ثَبت الرُّجُوع إِلَى الْمَبِيع وَهَاهُنَا لَا مُعَاملَة بَين الْوَكِيل وَالْمُوكل فعلى هَذَا الْوَجْه أَن يُقَال قد ظفر بِغَيْر جنس حَقه فَيَأْخذهُ بِحقِّهِ وَيقطع بِهَذَا القَوْل هَاهُنَا لِأَن من لَهُ الْحق لَا يَدعِيهِ لنَفسِهِ بِخِلَاف مَا إِذا ظفر بِغَيْر جنس حَقه من مَال من يَدعِي المَال لنَفسِهِ
النزاع الثَّانِي فِي التَّصَرُّف الْمَأْذُون فِيهِ
فَإِذا قَالَ الْوَكِيل بِعْت أَو أعتقت أَو اشْتريت وَأنكر الْمُوكل فَقَوْلَانِ أَحدهمَا القَوْل قَول الْوَكِيل لِأَنَّهُ مَأْذُون أَمِين قَادر على الْإِنْشَاء وَهُوَ أعرف بِهِ وَالثَّانِي أَن القَوْل قَول الْمُوكل إِذا الأَصْل عَدمه وَقَوله بِعْت إِقْرَار على الْمُوكل فَلَا يلْزمه وَكَذَا الْخلاف إِذا وَكله بِقَضَاء الدّين فَقَالَ قضيت أما إِذا ادّعى الْوَكِيل تلف المَال فِي يَده فَالْقَوْل قَوْله لِأَنَّهُ أَمِين فإقامة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ غير مُمكن وَلَو ادّعى الرَّد على الْمُوكل فَكَذَلِك القَوْل قَوْله لِأَنَّهُ يَبْغِي دفع الْعهْدَة عَن نَفسه لَا إِلْزَام الْمُوكل شَيْئا وطرد المراوزة هَذَا فِي كل يَد هِيَ أَمَانَة فِي حق من صدر مِنْهُ إِثْبَات الْيَد كيد الرَّهْن وَالْإِجَارَة وَالْوَكِيل بالجعل وَذكر الْعِرَاقِيُّونَ فِي كل ذَلِك وَجْهَيْن هَذَا مَعَ الْقطع بِأَن الْوَكِيل لَو مَاتَ فَادّعى وارثة الرَّد لم يصدق لِأَنَّهُ لَيْسَ مؤتمنا من جِهَته وَكَذَا الْوَلِيّ وَالْوَصِيّ إِذا ادّعَيَا رد المَال إِلَى الطِّفْل بعد الْبلُوغ وَفِي الْوَلِيّ وَجه أَنه يصدق نعم أشهر بِالْخِلَافِ فِي أَن مَا صرفه إِلَى نَفَقَته فِي صغره هَل يُطَالب بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ أم يصدق بِمُجَرَّد يَمِينه لِأَن فِي إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ نوع عسر والملتقط وَمن طير الرّيح ثوبا فِي دَاره هَؤُلَاءِ لَا يصدقون فِي دَعْوَى الرَّد
بِمُجَرَّد الْيَمين أما إِذا ادّعى الْوَكِيل الرَّد على رَسُول الْمُوكل وَالْمُودع فَالظَّاهِر أَنه لَا يصدق وَفِيه وَجه أَن الرَّسُول كالمرسل فَيجب على الْمُوكل التَّصْدِيق لِأَنَّهُ أَمِين فرع من يصدق فِي دَعْوَى الرَّد فَلَو طُولِبَ بِالرَّدِّ هَل لَهُ التَّأْخِير بِعُذْر الْإِشْهَاد وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ مُصدق يَمِينه والودائع تخفى غَالِبا وَالثَّانِي نعم لِأَنَّهُ يُرِيد أَن يتورع عَن الْيَمين الصادقة وَأما من عَلَيْهِ الدّين فَلهُ أَن يُؤَخر الْإِشْهَاد إِن كَانَ دينه ثَابتا بِبَيِّنَة وَإِن لم يكن قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ هُوَ كَالْوَدِيعَةِ إِذْ يُمكنهُ أَن يَقُول لَا يلْزَمنِي شَيْء فَيصدق بِيَمِينِهِ مِمَّا ادعِي عَلَيْهِ وَقَالَ المراوزة لَهُ تَكْلِيف الْإِشْهَاد وَلَو قَالَ لوَكِيله لتقض ديني فليشهد على الْقَضَاء ليَكُون مراعيا الْغِبْطَة فَإِن لم يشْهد وَكَانَ فِي غيبَة الْمُوكل ضمن مهما أنكر الْمُسْتَحق وَإِن كَانَ فِي حَضْرَة الْمُوكل فَوَجْهَانِ وَإِذا قَالَ سلم وديعتي إِلَى وَكيلِي فَإِن سلم بِحَضْرَتِهِ وَلم يشْهد لم يضمن وَإِن كَانَ فِي غيبته فَوَجْهَانِ فَإِن قيل فَمن فِي يَده المَال أَو عَلَيْهِ الْحق إِذا اعْترف لشخص بِأَنَّهُ وَكيل الْمُسْتَحق بِالِاسْتِيفَاءِ فَهَل يجب عَلَيْهِ التَّسْلِيم دون الْإِشْهَاد
قُلْنَا يجوز التَّسْلِيم وَلَا يجب لِأَن الْمُوكل لَو أنكر وكَالَته لم تحصل بَرَاءَة من عَلَيْهِ الْحق وَقَالَ الْمُزنِيّ يلْزمه لِأَنَّهُ اعْترف بِكَوْنِهِ مُسْتَحقّا للاستيفاء بِالْوكَالَةِ فَصَارَ كَمَا لَو كَانَ فِي يَده مَال ميت اعْترف لشخص بِأَنَّهُ وَارثه لَا وراث لَهُ سواهُ لَا يُطَالِبهُ بِالْإِشْهَادِ بل يجب عَلَيْهِ التَّسْلِيم وَالْفرق بَينهمَا أَنه اعْترف للْوَارِث بِالْملكِ وَلَا يتَوَقَّع من غير الْمَالِك دَعْوَى يعْتد بِهِ أما هَاهُنَا فالإنكار من جِهَة الْمُوكل الْمَالِك متوقع نعم لَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف من جِهَة حِوَالَة أحالها عَليّ رجل آخر فَفِيهِ وَجْهَان أَنه أَحدهمَا بِهِ يجب التَّسْلِيم دون إِقَامَة حجَّة على الْحِوَالَة لِأَنَّهُ اعْترف بِالِاسْتِحْقَاقِ بِخِلَاف صُورَة الْوكَالَة وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لم يَجعله متأصلا فِي الِاسْتِحْقَاق بل زعم أَنه تحول إِلَيْهِ من جِهَة مُسْتَحقّ فَلَعَلَّ الْمُسْتَحق يُنكر
النزاع الثَّالِث فِي اسْتِيفَاء الثّمن
وَقد أطلق الْعِرَاقِيُّونَ فِيهِ قَوْلَيْنِ كَمَا فِي البيع وَالْعِتْق وَالتَّفْصِيل فِيهِ عِنْد المراوزة أَنه إِن ادّعى الْمُوكل الثّمن على المُشْتَرِي فَقَالَ الْوَكِيل قبضت وَتلف فِي يَدي فَلَا يجب تَصْدِيقه لِأَنَّهُ لَيْسَ يَدعِي على الْوَكِيل شَيْئا فَلَا يتَعَرَّض الْوَكِيل لغرم بِسَبَب دَعْوَاهُ إِلَّا إِذا نسبه إِلَى تَسْلِيم الْمَبِيع دون إِذْنه فَالْقَوْل قَوْله حَتَّى لَا يتَعَرَّض للغرم فَإِن حلف فَهَل يبرأ المُشْتَرِي بحلفه وَجْهَان أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ صدق فِي اسْتِيفَاء الثّمن وَالثَّانِي لَا لِأَن يَمِينه حجَّة دافعة عَنهُ لَا يصلح لتبرئة ذمَّة المُشْتَرِي أما إِذا ادّعى الْمُوكل على الْوَكِيل أَنه قبض الثّمن فَأنْكر الْوَكِيل فَالْقَوْل قَوْله فَلَو أَقَامَ الْمُوكل بَينه على الْقَبْض فَادّعى الْوَكِيل تلفا أَو ردا قبل الْجُحُود لم يصدق لِأَنَّهُ صَار خائنا بالجحود فَإِن أَقَامَ بَيِّنَة فَالْأَصَحّ أَنه لَا يقبل لِأَن الْبَيِّنَة تبتنى على الدعْوَة ودعواه مناقضة لقَوْله الأول وجحوده فَلَا يسمع وَلَو أَقَامَ الْبَيِّنَة على تلف بعد الْجُحُود فَكَذَلِك على أحد الْوَجْهَيْنِ وَلَو أَقَامَ الْبَيِّنَة على رده بعد الْجُحُود قبل لِأَنَّهُ إِذا ثَبت كَونه غَاصبا فأقصى مَا عَلَيْهِ أَن يرد وَيشْهد فَكيف تكلفه أمرا يزِيد عَلَيْهِ
الرُّكْن الأول الْمقر
وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ مُطلق ومحجور عَلَيْهِ ونعني بالمطلق الْمُكَلف الَّذِي لَا حجر عَلَيْهِ فَيقبل إِقْرَاره على نَفسه بِكُل مَا يتَصَوَّر مِنْهُ الْتِزَامه لَهُ لقَوْله تَعَالَى ﴿كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله وَلَو على أَنفسكُم﴾ وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قُولُوا الْحق وَلَو على أَنفسكُم وَأما الْمَحْجُور عَلَيْهِ فأسباب الْحجر سِتَّة الصِّبَا وَالْجُنُون والتبذير وَالرّق والفلس وَالْمَرَض أما الصِّبَا وَالْجُنُون فيقتضيان حجرا مُطلقًا عَن سَائِر الأقارير نعم لَو أقرّ الصَّبِي بالتبذير وَالْوَصِيَّة قيل إِن جعلناهما من أَهلهَا وَلَو قَالَ بلغت بالاحتلام صدق لِأَنَّهُ لَا يقدر على إِقَامَة بَيِّنَة وَلم يحلف إِذْ لَا فَائِدَة فِي تَحْلِيفه فَإِنَّهُ إِن كذب فالصبي لَا يَأْثَم بِالْحلف وَإِن قَالَ بلغت بِالسِّنِّ لم يقبل لِأَن تَارِيخ المواليد يعرف إِلَّا الصَّبِي
الْمَجْهُول الخامل فَفِيهِ تردد وَاحْتِمَال وَلَعَلَّ الْأَظْهر الِاعْتِمَاد على الْإِثْبَات فِي حَقه كَمَا فَعَلْنَاهُ فِي صبيان الْكفَّار لأجل الضَّرُورَة أما التبذير فَلَا يُوجب حجرا عَن الْإِقْرَار بموجبات الْعُقُوبَات لِأَنَّهُ قَادر على التزامها وَإِقْرَاره بالأموال غير مَقْبُول كَمَا مضى فِي كتاب الْحجر وَفِي إِقْرَاره بِالْإِتْلَافِ لِلْمَالِ خلاف وَلَا يقبل إِقْرَاره بِالنِّكَاحِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيد بِهِ وَفِيه الْتِزَام مَال ويقر بِالطَّلَاق لِأَنَّهُ يسْتَقلّ بِهِ وَكَذَا بِالْعَفو عَن الْقصاص وبالنسب والسفيهة إِذا أقرَّت بِالنِّكَاحِ فَفِيهِ تردد من حَيْثُ إِنَّهَا بالسفه رُبمَا ترق نَفسهَا فِي غير مَوضِع أما الْفلس فَلَا يُوجب حجرا إِلَّا فِي الْإِقْرَار بِمَا يفوت حق الْغُرَمَاء وَفِي إِقْرَاره بدين مُسْتَند إِلَى مَا قبل الْحجر أَو بِإِتْلَاف مَال فِي الْحَال إِذا قُلْنَا إِن الْمُتْلف عَلَيْهِ يضارب الْغُرَمَاء لَو ثَبت إِتْلَافه بِالْحجرِ فِيهِ قَولَانِ سبق ذكرهمَا فِي كتاب التَّفْلِيس ثمَّ مَا يرد من إِقْرَاره لحق الْغُرَمَاء فِي الْحَال فَالصَّحِيح أَنه يُطَالب بِهِ بعد فك الْحجر لَا محَالة أما الرّقّ فَلَا يُوجب حجرا عَن الْإِقْرَار بالعقوبات لِأَنَّهُ مُكَلّف قَادر على التزامها وَلَا نظر إِلَى إِبْطَاله حق السَّيِّد لِأَنَّهُ غير مُتَّهم فِيهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَزفر والمزني رَحِمهم الله لَا يقبل إِقْرَاره
نعم اخْتلف قَول الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه لَو أقرّ بِسَرِقَة فَقطعت يَده فَإِنَّهُ غير مُتَّهم فَهَل يتَعَلَّق الْمَسْرُوق بِرَقَبَتِهِ على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ يرجع إِلَى المَال وَالثَّانِي بلَى وَأما إِقْرَاره بِإِتْلَاف مَال يُوجب التَّعَلُّق بِرَقَبَتِهِ وَلَا يُوجب عُقُوبَة فَهُوَ مَرْدُود إِن لم يصدق السَّيِّد ثمَّ الصَّحِيح أَنه يُطَالب بِهِ بعد الْعتْق أما إِقْرَاره بدين الْمُعَامَلَة فَلَا يقبل فِي حق سَيّده إِلَّا إِذا كَانَ مَأْذُونا فِي التَّصَرُّف فَيتَعَلَّق مَا أقرّ بِهِ بِمَالِه وَإِن أقرّ الْمَأْذُون بِمَال مُطلق فَالظَّاهِر أَنه لَا يقبل إِذا لم يسْندهُ إِلَى الْمُعَامَلَة وَمِنْهُم من نزل الْمُطلق على الْمُعَامَلَة ثمَّ لَو حجر السَّيِّد علية فَأقر بِأَنَّهُ كَانَ لزمَه دين قبل الْحجر فَالظَّاهِر انه لَا يقبل لِأَنَّهُ لَا يقدر على الْإِنْشَاء فِي هَذِه الْحَالة وَحكي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد وَجها أَنه يقبل فَأَنَّهُ لَا يُؤمن ان الْحجر السَّيِّد عَلَيْهِ لما عرف إحاطة الدُّيُون بِهِ وَهَذَا يُعَارضهُ أَنه لَا يُؤمن أَن يكذب العَبْد على سَيّده مهما حجر عَلَيْهِ أَبَد الدَّهْر
أما الْمَرَض فَلَا يُوجب الْحجر عَن الْإِقْرَار فِي حق الْأَجَانِب بِالْإِجْمَاع وَفِي حق الْوَارِث قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ من أَجَارَ إِقْرَار الْوَارِث أجَازه وَمن أَبى رده فَمن الْأَصْحَاب من قَالَ هَذَا ترديد قَول من الشَّافِعِي رَضِي الله فَفِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ وَمِنْهُم من قطع بِالصِّحَّةِ وَهُوَ الصَّحِيح خلافًا لأبي حنيفَة لِأَنَّهُ لَا مَأْخَذ للرَّدّ أَلا التُّهْمَة وَحَالَة الْمَرَض حَاله انْتِفَاء التهم كَيفَ وَلَو تبنى ولدا وَحرم بِهِ ابْن عَمه المكاشح لقبل وَكَلَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ مَحْمُول على حِكَايَة مَذْهَب الْغَيْر ثمَّ إِن قُلْنَا إِنَّه مَرْدُود فَلَو أقرّ لِأَخِيهِ وَله أبن ثمَّ مَاتَ وَلَا أبن لَهُ أَو أقرّ وَلَا ابْن لَهُ ثمَّ ولد لَهُ أبن فالاعتبار بِحَال الْإِقْرَار أَو بِحَال الْمَوْت فِيهِ خلاف مَشْهُور
فروع ثَلَاثَة أَحدهَا لَو أقرّ فِي الْمَرَض بِأَنَّهُ وهب من الْوَارِث قبل الْمَرَض وَسلم فَمنهمْ من قَالَ لَا يقبل قولا وَاحِد لِأَنَّهُ أقرّ بِمَا لَا يقدر على إنشائه فِي الْحَال وَاخْتِيَار القَاضِي أَنه يقبل لِأَنَّهُ لَو ثَبت صدقه لنفذ فَلْيَكُن لَهُ طَرِيق الى الْخَلَاص بِالصّدقِ على نَفسه الثَّانِي لَو أقرّ بِعَين مَا فِي يَده لغيره ثمَّ اقر بدين فالإقرار بِالْعينِ مقدم لِأَنَّهُ أقرّ بِالدّينِ وَلَا مَال لَهُ وَلَو قدم الْإِقْرَار بِالدّينِ فَوَجْهَانِ أَحدهمَا تَقْدِيم الْعين لِأَنَّهُ مَاتَ وَلَا مَال لَهُ وَالْإِقْرَار بِالدّينِ لم يحْجر عَلَيْهِ فِي مَاله فِي حَال حَيَاته وَلذَلِك كَانَ ينفذ تَصَرُّفَاته فِيهِ وَالثَّانِي أَنَّهُمَا يتزاحمان على التَّسَاوِي إِذْ لاحدهما قُوَّة التَّقَدُّم وَللْآخر قُوَّة الْإِضَافَة الى الْعين وَكَذَلِكَ لَو أقرّ فِي حَيَاته بدين مُسْتَغْرق وَأقر وَارثه عَلَيْهِ بعد مَوته بدين آخر
فَقَوْلَانِ أَحدهمَا يستبد الأول وَإِقْرَار الْوَارِث إِقْرَار بعد الْحجر وَهَذَا يقرب من الْقَوْلَيْنِ فِي إِقْرَار الْمُفلس وَكَذَا الْخلاف فِيمَا يَتَجَدَّد من دين بعد مَوته بتردي إِنْسَان فِي بِئْر حفره فِي حَيَاته أَنه هَل يَقْتَضِي مُضَارَبَة مَا ثَبت فِي الْحَيَاة من الدُّيُون فَكَذَا الْخلاف فِي الْوَارِث إِذا أقرّ بإقرارين متواليين أَن اللَّاحِق هَل يزاحم السَّابِق الثَّالِث إِذا ادّعى إِنْسَان أَنه أوصى لَهُ بِالثُّلثِ وَآخر أَنه أقرّ لَهُ بِأَلف وَالْمِيرَاث ألف فصدقهما الْوَارِث قَالَ الصيدلاني يصرف إِلَى الدّين لِأَن قَوْله كَقَوْل الْمُورث وَقَالَ أَكثر الْأَصْحَاب إِن أقرّ بِالْوَصِيَّةِ أَولا يسلم للْمُوصى لَهُ الثُّلُث وَالْبَاقِي للدّين وَإِن جَاءَا مَعًا قسم الْألف بَينهمَا على نِسْبَة الأرباح كَمَا إِذا أقرّ لوَاحِد بِالْألف وَلآخر بِثلث الْألف
الرُّكْن الثَّانِي الْمقر لَهُ
وَله شَرْطَانِ الأول أَن يكون محلا للاستحقاق فَلَو قَالَ لهَذَا الْحمار عَليّ ألف بَطل إِقْرَاره وَلَو قَالَ بِسَبَبِهِ عَليّ ألف جعل إِقْرَارا لمَالِكه كَأَنَّهُ اسْتَأْجر مِنْهُ وَلَو قَالَ لهَذَا العَبْد عَليّ ألف فَهُوَ إِقْرَار لسَيِّده وَلَو تقال للْحَمْل الَّذِي فِي بطن فُلَانَة عَليّ ألف عَن جِهَة وَصِيَّة لَهُ أَو عَن إِرْث لَهُ صَحَّ فَإِنَّهُ مَقْصُور وَإِن أطلق وَلم يذكر السَّبَب فَظَاهر النَّص أَنه لَا يقبل لِأَنَّهُ يبعد الِاسْتِحْقَاق للْحَمْل فَيحمل على الْوَعْد وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ الأقيس وَمذهب أبي حنيفَة رَحمَه الله أَنه يَصح وَينزل على مَا يُمكن وَلَو أَضَافَهُ إِلَى جِهَة مُعَاملَة وَقُلْنَا لَا يقبل الْمُطلق فَهَذَا أولى وَإِن قبلنَا الْمُطلق فَهَذَا كَقَوْلِه لفُلَان عَليّ ألف من ثمن الْخمر وَسَيَأْتِي وَقيل إِن هَذَا هزل مَحْض فَلَا يقبل قولا وَاحِدًا فرعان أَحدهمَا لَو خرج الْحمل مَيتا طُولِبَ بتفسير إِقْرَاره حَتَّى إِن كَانَ وَصِيَّة رد إِلَى وَرَثَة الْمُوصى وَإِن كَانَ إِرْثا صرف إِلَى بَقِيَّة وَرَثَة الْمُورث وَهَذِه مُطَالبَة لَيْسَ يتَعَيَّن مستحقها إِذْ لَا يدرى أَنَّهَا لمن هِيَ فَلَعَلَّ القَاضِي ذَلِك بطرِيق الْحِسْبَة
وَإِن خرج حَيا وَزَاد على وَاحِد سوي فِي الْوَصِيَّة بَين الذّكر وَالْأُنْثَى وَفضل فِي الْمِيرَاث الذّكر على الْأُنْثَى الثَّانِي لَو انْفَصل لما دون سِتَّة أشهر من وَقت الْإِقْرَار فَهُوَ لَهُ وَلَو انْفَصل لما فَوق أَربع سِنِين فَلَا يصرف إِلَيْهِ وَلَو كَانَ لما بَينهمَا فَقَوْلَانِ أظهرهمَا الصّرْف اعْتِمَادًا على الظَّاهِر الشَّرْط الثَّانِي أَن لَا يكذب الْمقر لَهُ فَإِن كذب لم يكن تَسْلِيم المَال إِلَيْهِ فيقرر فِي يَد الْمقر أَو يَأْخُذهُ القَاضِي على رَأْي فَإِن رَجَعَ الْمقر لَهُ يسلم إِلَيْهِ وَإِن رَجَعَ الْمقر لم يُؤثر لِأَنَّهُ ثَبت بِإِقْرَارِهِ اسْتِحْقَاق القَاضِي أَو الْمقر لَهُ وَقيل أَنا إِذا قُلْنَا يُقرر فِي يَده فرجوعه مَقْبُول بِشَرْط أَن لَا يرجع الْمقر لَهُ تعده فَإِن رَجَعَ تَبينا بطلَان رُجُوعه وَبطلَان تَصَرُّفَاته
الرُّكْن الثَّالِث الْمقر بِهِ
وَشَرطه أَن يكون مِمَّا يسْتَحق جنسه وَأَن يكون فِي يَد الْمقر وولايته وتختص بِهِ وَلَا يشْتَرط كَونه مَعْلُوما وَلَو أقرّ بِمَا فِي يَد غَيره فَهُوَ دَعْوَى أَو شَهَادَة وَلَيْسَ بِإِقْرَار وَلَا يشْتَرط أَن يكون فِي ملكه لِأَن الْإِقْرَار لَيْسَ بمزيل بل شَرطه أَن لَا يكون فِي ملكه حَتَّى لَو شهد بِأَنَّهُ أقرّ وَكَانَ ملكه إِلَى أَن أقرّ بطلت الشَّهَادَة وَلَو قَالَ هَذِه الدَّار ملكي وَهِي الْآن لفُلَان فَهُوَ إِقْرَار بَاطِل وَلَو قَالَ هَذِه الدَّار لفُلَان وَكَانَت ملكي إِلَى الْإِقْرَار أخذناه بصدر كَلَامه وألغينا آخِره المناقض لَهُ وَلَو قَالَ دَاري لفُلَان أَو مَالِي لفُلَان فَهُوَ بَاطِل نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَلم يحمل على أَن قَوْله دَاري أَرَادَ بِهِ إِضَافَة السّكُون أَو الْمعرفَة وَإِن كَانَ لذَلِك اتجاه فرع لَو شهد بحريّة عبد فِي يَد غَيره فَلم تقبل شَهَادَته فَأقبل على شِرَائِهِ
صحت الْمُعَامَلَة وَفِي حَقِيقَتهَا ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه شِرَاء وَالْآخر أَنه فدَاء وَالثَّالِث أَنه بيع من جَانب البَائِع فدَاء من جَانب المُشْتَرِي وَهُوَ الْأسد ويبتنى عَلَيْهِ ثُبُوت الْخِيَار لَهما جَمِيعًا وَالأَصَح أَن لَا يثبت للْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَيْسَ يثبت لَهُ ملك فِيهِ بِمُوجب قَوْله لَا كَشِرَاء الْقَرِيب فَإِن الأودني ذكر أَنه يثبت الْخِيَار للْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ يملك أَولا ثمَّ يعْتق عَلَيْهِ أما العَبْد إِذا اشْترى نَفسه فَلَا خِيَار لَهُ وَلَا لبَائِعه مِنْهُ قطعا لِأَنَّهُ عقد عباقة فَهُوَ كَقَوْلِه أَنْت حر على مَالِي
وَنقل الرّبيع قولا أَن هَذِه الْمُعَامَلَة لَا تصح من السَّيِّد وَعَبده وَهُوَ بعيد وَإِن شهد أَنه غصبه من فلَان ثمَّ اشْتَرَاهُ لم يَصح الشِّرَاء إِن صححنا بطرِيق الْفِدَاء إِذْ لَيْسَ فِيهِ تَخْلِيص العَبْد ثمَّ الْوَلَاء فِي الْمَشْهُود بحريَّته مَوْقُوف لَا للْبَائِع وَلَا للْمُشْتَرِي فَلَو مَاتَ العَبْد قَالَ الْمُزنِيّ لَهُ أَن يَأْخُذ من مَاله مِقْدَار الثّمن الَّذِي بذله لِأَنَّهُ إِن كذب فِي الشَّهَادَة فَالْمَال إكساب عَبده فجميعها لَهُ وَإِن صدق فَهُوَ للْبَائِع بِحكم الْوَلَاء وَقد ظلمه بِأخذ الثّمن مِنْهُ وَقد ظفر بِمَالِه فَيَأْخذهُ وَمن الْأَصْحَاب من خالفهم لِأَنَّهُ يَأْخُذهُ على تَقْدِير أَنه مظلوم وَهُوَ غير مُصدق فِي الْجِهَة وَمَا ذكره الْمُزنِيّ أقوم
الرُّكْن الرَّابِع صِيغَة الْإِقْرَار
فَإِذا قَالَ عَليّ لفُلَان أَو عِنْدِي لفُلَان ألف فَكل ذَلِك الْتِزَام فَلَو قَالَ الْمُدَّعِي لي عَلَيْك ألف فَقَالَ زن أَو زنه أَو خُذ أَو خُذْهُ لم يكن إِقْرَارا وَقَالَ صَاحب التَّلْخِيص قَوْله زنه إِقْرَار دون قَول زن وَهُوَ بعيد وَلَو قَالَ بلَى أَو أجل أَو نعم أَو صدقت فَكل ذَلِك إِقْرَار وَلَو قَالَ أَنا مقرّ بِهِ فَهُوَ إِقْرَار وَلَو قَالَ أَنا مقرّ وَلم يقل بِهِ فَلَا لِأَنَّهُ رُبمَا يكون مقرا بِبُطْلَان قَوْله وَلَو قَالَ أَنا أقرّ بِهِ قَالَ الْأَصْحَاب هُوَ إِقْرَار قَالَ القَاضِي صِيغَة للوعد بِالْإِقْرَارِ فَلَيْسَ بِإِقْرَار بِخِلَاف قَول الشَّاهِد أشهد فَإِنَّهُ صَنِيعَة تَعْتَد بهَا ودلت الْقَرِينَة على أَنه للْحَال لَا للوعد وَمِنْهُم من قَالَ وَإِن سلم أَنه وعد فالوعد بِالْإِقْرَارِ إِقْرَار فرع لَو قَالَ أَلَيْسَ لي عَلَيْك ألف فَقَالَ بلَى فَهُوَ إِقْرَار وَلَو قَالَ نعم فَلَيْسَ
بِإِقْرَار مَعْنَاهُ نعم لَيْسَ لَك على ألف وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد لَا فرق بَينهمَا فَإِن استعمالهما فِي وضع اللِّسَان على وَجه وَاحِد شَائِع وَلَو قَالَ أَعْطِنِي عَبدِي هَذَا أَو اشْتَرِ مني عَبدِي هَذَا فَقَالَ نعم فَهُوَ إِقْرَار بِالْعَبدِ وَلَو قَالَ لي عَلَيْك ألف فَقَالَ لَعَلَّ أَو عَسى أَو أَظن أَو أقدر لم يكن إِقْرَارا لِأَن كل ذَلِك للشَّكّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي الأقارير المجملة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وألفاظها كَثِيرَة وَالَّذِي يقْصد بَيَانه عشرَة أَلْفَاظ اللَّفْظ الأول الشَّيْء فَإِذا قَالَ لفُلَان عَليّ شَيْء فَيقبل تَفْسِيره بِكُل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الشَّيْء مِمَّا هُوَ مَال فَلَو فسر بِمَا لَا يتمول وَيتَصَوَّر الْمُطَالبَة بِهِ كَجلْد الْميتَة والسرجين وَالْكَلب الْمعلم فَوَجْهَانِ أَحدهمَا لَا يقبل لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال وَالثَّانِي نعم لِأَنَّهُ شَيْء وَهُوَ عَلَيْهِ إِذْ فِيهِ اخْتِصَاصه للْمَالِك وَيجب رده فَإِن فسره بِخَمْر وخنزير فَالظَّاهِر أَنه لَا يقبل إِذْ لَا يلْزم بِهِ مُطَالبَته وَفِيه وَجه انه يقبل وَلَو فسر بحبه حِنْطَة أَو سمسم أَو فصة ثومة فَوَجْهَانِ وَظَاهر النَّص أَنه مَقْبُول لِأَنَّهُ شَيْء وَهُوَ وَاجِب الرَّد
ومهم من قَالَ لَا يقبل وبنوا عَلَيْهِ أَنه لَا يسمع الدَّعْوَى بهَا وَلَا الْمُطَالبَة بردهَا وَهُوَ بعيد أما إِذا فسره برد جَوَاب سَلام وعيادة مَرِيض فَلَا يقبل بِحَال فَإِن قيل لم صَحَّ الْإِقْرَار الْمُجْمل دون الدَّعْوَى المجملة قُلْنَا لَا فرق بَينهمَا إِذْ يُطَالب الْمُدَّعِي بِبَيَان الدَّعْوَى وَيُطَالب الْمقر أَيْضا نعم لَو امْتنع الْمُدَّعِي من الْبَيَان فَهُوَ تَارِك حق نَفسه لَو امْتنع الْمقر من البييان فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يحبس إِلَى الْبَيَان كمن أسلم على عشر نسْوَة وَالثَّانِي أَنه يَجْعَل ناكلا عَن الْجَواب وَالْيَمِين حَتَّى يحلف الْمقر لَهُ ويستفيد بِإِقْرَارِهِ تحول الْيَمين إِلَيْهِ فَيحلف على مَا يَدعِيهِ وَالثَّالِث أَنه يُقَال للْمُدَّعِي أتدعي مَا شِئْت وَتعرض الْيَمين عَلَيْهِ فَيحلف على مَا يَدعِيهِ فَإِن نكل ردَّتْ عَلَيْك وَهَذَا إبِْطَال لفائدة التَّفْسِير ثمَّ لَو فسر الْمقر بدرهم مثلا فَقَالَ الْمُدَّعِي بل أردْت بالشَّيْء عشرَة فَالْأَصَحّ أَن دَعْوَى الْإِرَادَة لَا تقبل وَكَذَا لَو ادّعى أَن فلَانا أقرّ لي بِعشْرَة دَرَاهِم لم يسمع بل يُقَال يَنْبَغِي أَن
تدعى عشرَة حَتَّى تحلف على عين الْحق لَا على إِقْرَار يحْتَمل الصدْق وَالْكذب بِخِلَاف الشَّاهِد يشْهد على الْإِقْرَار فَيسمع لِأَنَّهُ قد لَا يطلع على حَقِيقَة الْملك اللَّفْظ الثَّانِي إِذا قَالَ غصبت فلَانا على شَيْء ثمَّ قَالَ غصبت نَفسه لم يقبل وَلَو قَالَ غصبته الْخمر أَو الْخِنْزِير قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ قبلت التَّفْسِير وأرقت الْخمر وَقتلت الْخِنْزِير وَلَو قَالَ لَهُ عِنْدِي شَيْء قَالَ الْأَصْحَاب هُوَ كَمَا لَو قَالَ غصبت وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد قَوْله لَهُ إِثْبَات ملك فَلَا يقبل تَفْسِيره بِالْخمرِ وَالْخِنْزِير اللَّفْظ الثَّالِث المَال فَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ مَال قبل تَفْسِيره بِأَقَلّ مَا يتمول وَلم يقبل تَفْسِيره بالكلب والسرجين وَالْخِنْزِير وَمَا لَا يتمول وَلَو فسر بمستولدة فَالْأَظْهر أَنه يقبل لِأَنَّهُ مَال وَلَو قَالَ مَال عَظِيم أَو كَبِير فَهُوَ كَالْمَالِ وَلَا تَأْثِير لهَذِهِ الزِّيَادَة فَكل
مَال عَظِيم وَكثير بِالْإِضَافَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يقبل تَفْسِير الْعَظِيم إِلَّا بِمِائَتي دِرْهَم وَمن الْأَصْحَاب من قَالَ لَا بُد وَأَن يذكر لوصفه بالعظيم وَجها من عظم فِي الجثة أَو الجرم أَو يزِيد على أقل مَا يتمول بِشَيْء ليظْهر لَهُ فَائِدَة وَذَلِكَ خلاف نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ اللَّفْظ الرَّابِع الْأَكْثَر فَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ أَكثر من مَال فلَان قبل بتفسيره بِأَقَلّ مَا يتمول على معنى أَن الْحَلَال أَكثر من الْحَرَام أَو مَا فِي الذِّمَّة أبقى وَلَو قَالَ أَكثر مِمَّا شهد بِهِ الشُّهُود على فلَان فكمثل وَمَعْنَاهُ أَن ذَلِك زور وَلَو قَالَ أَكثر مِمَّا قضى بِهِ القَاضِي فكمثل وَمِنْهُم من أَبى هَذَا فِي الْقَضَاء وَقَالَ يجب تَنْزِيله على الصدْق وَلَو قَالَ أَكثر من الدَّرَاهِم الَّتِي فِي يَد فلَان وَفِي يَده ثَلَاثَة ففسر بِثَلَاثَة يقبل
وَيكون الْأَكْثَر للمرتبة وَلَو فسر بِأَقَلّ مِنْهُ قَالَ الجماهير لَا يقبل وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد يقبل تَنْزِيلا على الْمرتبَة اللَّفْظ الْخَامِس كَذَا إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ كَذَا فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ شَيْء فيفسر بِمَا مضى وَلَو قَالَ كَذَا كَذَا فَهُوَ تكْرَار وَلَو قَالَ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ كَقَوْلِه شَيْء وَشَيْء فقد جمع بَين مبهمين أما إِذا قَالَ كَذَا دِرْهَم يلْزمه دِرْهَم وَاحِد وَكَذَا إِذا قَالَ كَذَا كَذَا دِرْهَم فَيكون تكريرا وَالْوَاجِب دِرْهَم وَلَو قَالَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَم نقل الْمُزنِيّ قَوْلَيْنِ أَحدهمَا أَن الْوَاجِب دِرْهَم فَكَأَنَّهُ عقب مبهمين بِبَيَان وَاحِد وَالثَّانِي دِرْهَمَانِ فَكَأَنَّهُ فسر كل وَاحِد مِنْهُمَا بِهِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَق الْمروزِي وَجَمَاعَة الْمَسْأَلَة على حالتين فَإِن قَالَ كَذَا وَكَذَا درهما لزمَه دِرْهَمَانِ لِأَنَّهُ نصب على التَّفْسِير فَيكون تَفْسِيرا لكل وَاحِد وَإِن قَالَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَم بِالرَّفْع لزمَه دِرْهَم وَاحِد وَقَالَ أَبُو حنيفَة يلْزمه بقول كَذَا درهما عشرُون درهما وَبِقَوْلِهِ كَذَا كَذَا درهما
لزمَه أحد عشر درهما وَبِقَوْلِهِ كَذَا وَكَذَا درهما أحد وَعِشْرُونَ درهما مُرَاعَاة لمطابقة اللَّفْظ فَأَقل الدره ينْتَصب الدِّرْهَم بعده على هَذَا النّظم وَلَو قَالَ كَذَا دِرْهَم صَحِيح فقد سلم أَنه لَا يلْزمه مائَة وَإِن كَانَ الدِّرْهَم لَا ينكسر إِلَّا بعده وَبعد نصف دِرْهَم عَنهُ احترزنا بِالصَّحِيحِ اللَّفْظ السَّادِس ذكر الْمُبين عقيب مُبْهَم كَقَوْلِه لَهُ عَليّ ألف وَدِرْهَم فَالْأول عندنَا مُبْهَم يرجع فِي تَفْسِيره إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله صَار مُفَسرًا إِذا كَانَ الْعَطف بَين المكيلات والموزونات وَسلم أَنه إِذا قَالَ ألف وثوب يبْقى الْألف مُجملا أما إِذا قَالَ ألف دِرْهَم وَخَمْسَة عشر درهما فالدرهم بَيَان لِأَنَّهُ لم يثبت بِنَفسِهِ وَخَمْسَة عشر اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا فَلَا يخْتَص بِالْبَيَانِ بالعشر عَن الْخمس وَلَو قَالَ ألف وَمِائَة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ درهما فالدرهم تَفْسِير للْكُلّ