وَالأَصَح أَنه يُحَال عَلَيْهِ لِأَن هَذَا يعد فِي الْعرف إهلاكا الثَّانِي إِذا اتبع إنْسَانا بِسَيْفِهِ فولى هَارِبا فَألْقى نَفسه فِي نَار أَو مَاء أَو بِئْر أَو مسبعَة وافترسه سبع فَلَا ضَمَان على المتبع لِأَنَّهُ مُخْتَار فِي هَذِه الْأَفْعَال وغايته أَن يكون مكْرها وَلَو قَالَ اقْتُل نَفسك وَإِلَّا قتلتك فَقتل نَفسه لم يضمن الْمُكْره إِذْ لَا معنى للخلاص عَن الإهلاك أصلا أما إِذا تردى فِي بِئْر جَاهِلا لكَونه أعمى أَو لظلام اللَّيْل أَو لكَون الْبِئْر مغطاة فَالضَّمَان على المتبع لِأَن هَذَا الإلجاء أقوى من مُجَرّد الْحفر وَلَو ألْقى نَفسه على سطح فانخسف بِهِ فيحال الضَّمَان عَلَيْهِ لاختياره إِلَّا إِذا كَانَ انخسافه لضَعْفه وَهُوَ لَا يدْرِي فَهُوَ كالبئر المغطاة الثَّالِث إِذا سلم صَبيا إِلَى سابح فغرق وَجب الضَّمَان على أستاذه لِأَنَّهُ لَا يغرق إِلَّا بتقصير بِأَن يهمله فِي غير مَحَله فَلَو قَالَ لَهُ ادخل المَاء فَدخل مُخْتَارًا فَيحْتَمل أَن يُقَال لَا ضَمَان لِأَنَّهُ لَا يضمن الْحر بِالْيَدِ وَالصَّبِيّ مُخْتَار وَلَكِن قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يجب لِأَنَّهُ مُلْتَزم للْحِفْظ وَأما الْبَالِغ فَلَا يضمن فِي هَذِه الصُّورَة وَإِن خَاضَ مَعَه اعْتِمَادًا على يَده فَأَهْمَلَهُ احْتمل إِيجَاب الضَّمَان وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا يجب لِأَنَّهُ مقصر فِي الإغترار بقوله
فَإِن قيل إِذا كَانَ حفر الْبِئْر سَببا عِنْد الْعدوان فبماذا يكون الْعدوان عُدْوانًا قُلْنَا نذْكر مَحل الْعدوان من الْبِئْر وَإِيقَاد النَّار وإشراع الْجنَاح وإلقاء قشر الْبِطِّيخ وقمامة السُّوق ورش المَاء حَتَّى يعرف بِهِ مَا عداهُ أما الْبِئْر فَلَا عُهْدَة فِيهِ على من حفره فِي ملكه أَو فِي موَات فَإِن كَانَ فِي ملك الْغَيْر فَهُوَ عدوان وَإِن كَانَ فِي الشوارع نظر فَإِن أضرّ بالطارقين فَهُوَ عدوان وَإِن لم يضر فَإِن فعله لمصْلحَة الطَّرِيق وبإذن الْوَالِي وَأحكم رَأسه فَلَا ضَمَان على الْحَافِر وَإِن كَانَ بِغَيْر إِذن الْوَالِي فَقَوْلَانِ وَوجه الْإِيجَاب أَن الإستقلال للآحاد إِنَّمَا يُبَاح بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة فَإِن فعل لمصْلحَة نَفسه فَلهُ ذَلِك وَلَكِن بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة وَكَذَلِكَ إشراع القوابيل والأجنحة جَائِز إِذا لم يضر بالمجتازين وَلكنه بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة فَهُوَ فِي عهدته دواما وَابْتِدَاء وَلَيْسَ هَذَا كَمَا لَو حفر بِئْرا فِي دَاره فنسقط جِدَار دَار جَاره فَلَا ضَمَان لِأَن تصرفه فِي نفس الْملك لَو قيد بِشَرْط السَّلامَة لأورث حرجا على النَّاس فقيد بِالْعَادَةِ وَأسْقط عهدته وَأما الإرتفاق بالاجنحة فمستغنى عَنْهَا وَمهما حفر بِئْرا فِي أَرض جوارة وَلم يحكم أطرافها بالخشب أَو وسع رَأسهَا بِحَيْثُ خرج عَن الْعَادة فَهُوَ مطَالب بعهدته وَكَذَلِكَ لَو أوقد نَارا على السَّطْح فِي يَوْم ريح كَانَ فِي عُهْدَة الشرار وَإِن كَانَ على الْعَادة فعصفت ريح بَغْتَة فَلَا ضَمَان
فرعان
أَحدهمَا لَو حفر بِئْرا فِي ملكه ودعا إِلَيْهِ إنْسَانا فِي ظلمَة فَسقط فِيهِ فَإِن لم يكن عَنهُ معدل فَفِي الضَّمَان قَولَانِ فَإِن اتَّسع الطّرق فَقَوْلَانِ مرتبان منشؤهما تعَارض الْغرُور والمباشرة وَكَذَا الْخلاف فِي تَقْدِيم طَعَام مَسْمُوم أَو أَطْعِمَة فِيهَا طَعَام مَسْمُوم الثَّانِي إِذا سقط ميزاب لإِنْسَان على رَأس إِنْسَان فَإِن كَانَ السَّاقِط هُوَ الْقدر البارز فَهُوَ كالجناح وَإِن سقط الْكل فَفِي وجوب الضَّمَان وَجْهَان وَجه الْإِسْقَاط كَونه من مرافق الْملك لَا كالجناح فَإِن قُلْنَا يجب فيقسط الضَّمَان على الْقدر البارز وَالْقدر الدَّاخِل فِي الْملك تنصيفا على أحد الْوَجْهَيْنِ وتقسيطا فِي الْوَجْه الثَّانِي على الْوَزْن بِخِلَاف مَا لَو ضربا بعمودين متفاوتين فِي الثّقل فَإِنَّهُمَا يتساويان فِي الدِّيَة لِأَن ذَلِك يخْتَلف بِقُوَّة الضَّارِب وَلَا يَنْضَبِط والجدار المائل إِلَى الشَّارِع كالقابول فَإِن مَال إِلَى ملكه وَسقط فَلَا ضَمَان وَإِن مَال إِلَى الشَّارِع وَسقط من غير إِمْكَان تدارك فَلَا ضَمَان فَإِن مَال أَولا وَأمكنهُ التَّدَارُك وَلم يفعل فَوَجْهَانِ لتعارض النّظر إِلَى أصل الْبناء وَمَا طَرَأَ من بعد فَأَما قشور الْبِطِّيخ وقمامات الْبيُوت فَفِي الْمَنْع من إلقائها على الشوارع عسر لِأَنَّهَا
من مرافق الْملك وتشبه الْمِيزَاب فَفِي ضَمَان المتعثر بهَا ثَلَاثَة أوجه يفرق فِي الثَّالِث بَين إِلْقَاء إِلَى وسط الطَّرِيق وَبَين الرَّد إِلَى الطّرف وَأما رش المَاء فَإِن كَانَ لتسكين الْغُبَار فَهُوَ لمصْلحَة عَامَّة فيضاهي حفر الْبِئْر لمصلحتهم فَإِن لم تكن مصلحَة فَهُوَ سَبَب ضَمَان فِي حق الْمَاشِي إِذا لم ير مَوضِع الرش فَإِن تخطاه قصدا فَلَا ضَمَان الطّرف الثَّالِث فِي تَرْجِيح سَبَب على سَبَب فَإِذا اجْتمع سببان مُخْتَلِفَانِ قدم الأول على الثَّانِي فَلَو حفر بِئْرا وَنصب آخر حجرا على طرف الْبِئْر أَو وضع قشرة بطيخ على طرفه فتعثر بِهِ إِنْسَان وَسقط فِي الْبِئْر فَالضَّمَان على صَاحب الْحجر لِأَن التردي نتيجته فَهِيَ الْعلَّة الأولى وَكَذَا لَو جرف السَّيْل حجرا وَتَركه على طرف الْبِئْر سقط الضَّمَان عَن الْحَافِر كَمَا لَو وَضعه آخر وَكَذَلِكَ لَو نصب سكينا وَنصب آخر أَمَامه حجرا فتعثر بِالْحجرِ وَوَقع على السكين وَكَذَا لَو حفر بِئْرا وَنصب آخر فِي قَعْر الْبِئْر سكينا وَنصب آخر أَمَامه حجرا فَالضَّمَان على الْحَافِر وَلَو حفر بِئْرا قريب العمق فعمقها غَيره وَهلك المتردي فِيهَا فَوَجْهَانِ أَحدهمَا الإحالة على الأول وَالثَّانِي أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ لتناسب الجنايتين
فروع
الأول لَو وضع حجرا فِي الطَّرِيق فتعثر بِهِ من لَا يرَاهُ ضمن وَلَو قعد على الطَّرِيق فتعثر بِهِ
غَيره وهلكا فالنص أَن ضَمَان الْقَاعِد مهدر وَضَمان الْمَاشِي على عَاقِلَة الْقَاعِد وَلَو تعثر ماش بواقف وَمَاتَا فالهلاك مُضَاف إِلَى الْمَاشِي بِالنَّصِّ وَقيل فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج أَحدهمَا أَن الإحالة على الْمَاشِي فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لانه المتحرك وَالثَّانِي على السَّاكِن لِأَن الطَّرِيق للمشي لَا للسكون وَمن قرر النَّص فرق بِأَن الْمَاشِي قد يفْتَقر إِلَى الْوُقُوف لَحْظَة فَأَما الْقعُود فَلَيْسَ من مرافق الطَّرِيق الثَّانِي إِذا تردى فِي بِئْر فِي مَحل عدوان فتردى وَرَاءه آخر فَسقط عَلَيْهِ وَمَاتَا فَالْأول مَاتَ بسببين الحفرة وَثقل الثَّانِي وَلَكِن يسْتَقرّ أَيْضا ضَمَانه على الْحَافِر لِأَن وُقُوع الثَّانِي كَانَ من الْحفر أَيْضا إِلَّا أَن لوَرَثَة الأول مُطَالبَة عَاقِلَة الثَّانِي بِنصْف الدِّيَة ثمَّ يرجع على عَاقِلَة الْحَافِر وَيحْتَمل أَن يُقَال الثَّانِي كالمكره فَلَا يتَعَلَّق بعاقلته شَيْء وَهَذَا يضاهي المتردد فِي أَن الْمُكْره على إِتْلَاف المَال هَل يُطَالب ثمَّ يرجع أم لَا يُطَالب أصلا الثَّالِث لَو انزلق على طرف الْبِئْر فَتعلق بآخر وجذبه وَتعلق ذَلِك الآخر بثالث وجذبه وَوَقع بَعضهم على بعض فَالْأول مَاتَ بِثَلَاثَة أَسبَاب بصدمة الْبِئْر وَثقل الثَّانِي وَثقل الثَّالِث وَهُوَ منتسب من جُمْلَتهَا إِلَى وَاحِد وَهُوَ ثقل الثَّانِي بجذبه إِيَّاه فَهدر ثلث الدِّيَة وثلثها على الْحَافِر وثلثها على الثَّانِي لجذبه الثَّالِث وَأما الثَّانِي فَهَلَك بجذبه الأول وَثقل الثَّالِث فَنصف دِيَته على الأول لِأَنَّهُ جذبه
وَنصفه مهدر لِأَن الثَّالِث سقط بجذبه وَأما الثَّالِث فَكل دِيَته على الثَّانِي فَلَو زَاد رَابِع فيجتمع لهلاك الأول أَرْبَعَة أَسبَاب فالمهدر ربع الدِّيَة وَلَا يخفى طَرِيقه هَذَا مَذْهَب عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه وَاخْتِيَار الْجُمْهُور وَفِيه وُجُوه أخر مزيفة ذَكرنَاهَا فِي الْبَسِيط الطّرف الرَّابِع فِي الْأَسْبَاب المتشابهة الَّتِي تثبت بهَا شركَة من غير تَرْجِيح وَلها صور الأولى إِذا اصطدم حران فِي الْمَشْي وَمَاتَا فَكل وَاحِد شريك فِي قتل نَفسه وَقتل صَاحبه فَفِي تَركه كل وَاحِد مِنْهُمَا كفارتان لِأَن الشَّرِيك فِي قتل نفسين يلْتَزم كفارتين لِأَنَّهَا لَا تتجزأ وَفِي تَرِكَة كل وَاحِد نصف دِيَة صَاحبه إِن كَانَ التصادم عمدا وَإِلَّا فعلى
الْعَاقِلَة فَإِن كَانَا راكبين فَفِي تَركه كل وَاحِد نصف قيمَة دَابَّة صَاحبه فَأَما حكم نفسيهما فَكَمَا سبق وَإِن غلبت الدَّابَّة راكبها فاصطدما قهرا فَقَوْلَانِ أَحدهمَا أَن هَلَاك النَّفس وَالدَّابَّة مهدر لحصوله بِفعل الدَّابَّة وَالثَّانِي أَنه مَنْسُوب إِلَى اختيارهما فِي الرّكُوب وهما مخطئان فَإِن كَانَا صبيين ركبا بأنفسهما فكالبالغين إِلَّا إِذا قُلْنَا لَا عمد للصَّبِيّ فيخالف الْبَالِغ فِيهِ فَإِن أركبهما أَجْنَبِي وَاحِد مُتَعَدِّيا فَعَلَيهِ كفارتان وَقِيمَة الدابتين وعَلى عَاقِلَته دِيَة النفسين وَإِن أركبهما أجنبيان فَنصف الْهَلَاك فِي الْكل مُضَاف إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا فَإِن أركبه الْوَلِيّ عِنْد مَسِيس الْحَاجة من غير تَفْرِيط فَهُوَ كَمَا لَو ركب الصَّبِي بِنَفسِهِ وَلَا عُهْدَة على الْوَلِيّ وَإِن لم تكن حَاجَة وَلَكِن أركبه لغَرَض التفرج والزينة حَيْثُ يغلب الْأَمْن فَفِي إِحَالَة الضَّمَان على الْوَلِيّ ووجهان الْحِوَالَة أَن مثل ذَلِك يجوز بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة وَلَو تعدى الْمركب وتعدى الصَّبِي فقد قيل الإحالة على الْمركب وَيحْتَمل الإحالة على الصَّبِي فَإِذا قُلْنَا لَهُ عمد إِذْ الْمُبَاشرَة أولى من السَّبَب لَكِن لما لم تكن مُبَاشَرَته عُدْوانًا لصباه أمكن أَن يَجْعَل كالمتردي مَعَ الْحفر فَإِن كَانَا عَبْدَيْنِ فهما مهدران وَإِن كَانَ أَحدهمَا عبدا فَنصف قيمَة العَبْد فِي تَرِكَة الْحر أَو على عَاقِلَته على قَول وَنصف دِيَة الْحر تتَعَلَّق بِتِلْكَ الْقيمَة لِأَنَّهُ كَانَ يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ لَو بَقِي فَيتَعَلَّق بِقِيمَتِه وَإِن كَانَتَا حاملين فَفِي تَرِكَة كل وَاحِدَة أَربع كَفَّارَات بِنَاء على أَن قَاتل نَفسه تلْزمهُ
الْكَفَّارَة وَأَن الشَّرِيك تلْزمهُ كَفَّارَة كَامِلَة وَأَن الْجَنِين فِيهِ كَفَّارَة وَفِي تَرِكَة كل وَاحِدَة نصف غرَّة جَنِينهَا وَنصف دِيَة صاحبتها وَنصف غرَّة جَنِين صاحبتها فَتجب غرتان كاملتان فِي التركتين ودية وَاحِدَة ويهدر النّصْف مِنْهُمَا لَا من الْجَنِين وَإِن كَانَتَا مستولدتين حاملتين وتساوت قيمتهمَا فقد تقاصا وَإِن كَانَت إِحْدَاهمَا تَسَاوِي مِائَتَيْنِ وَالْأُخْرَى مائَة فَصَاحب الْمِائَتَيْنِ يسْتَحق مائَة وَصَاحب الْمِائَة يسْتَحق خمسين فَبَقيَ لصَاحب النفيسة خَمْسُونَ على صَاحب الخسيسة لِأَن جِنَايَة الْمُسْتَوْلدَة تجب على السَّيِّد لانه بالإستيلاد السَّابِق صَار مَانِعا بِخِلَاف الْقِنّ وَكَانَ يحْتَمل هَا هُنَا أَن لَا تلْزمهُ لانه إِنَّمَا يكون مَانِعا إِذا بَقِي الْمحل حَيا قَابلا للتفويت وَقد كَانَ مَوته مَعَ الْجِنَايَة لَا بعْدهَا وَإِن كَانَتَا حاملتين وَالْقيمَة بِحَالِهَا وَقِيمَة كل غرَّة أَرْبَعُونَ فَصَاحب النفيسة يسْتَحق مائَة وَعشْرين من جملَة مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَلَكِن قيمَة الخسيسة مائَة وَهِي أقل من الْأَرْش فَلَا يجب على السَّيِّد إِلَّا أقل الْأَمريْنِ فَالْوَاجِب على صَاحب الخسيسة مائَة وَيسْتَحق صَاحب الخسيسة سبعين خَمْسُونَ لمستولدته وَعشر للغرة فَيبقى عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ الصُّورَة الثَّانِيَة إِذا اصطدمت سفينتان بأجراء ملاحين فالسفينة كالدابة والملاح كالراكب وَغَلَبَة الرِّيَاح كغلبة الدَّابَّة حَتَّى يخرج على الْقَوْلَيْنِ ونزيد هَا هُنَا إِن كَانَ فِي كل سفينة عشرَة أنفس مثلا فهما شريكان فِي قتل الْعشْرين وَكَذَلِكَ فِي إِتْلَاف المَال الَّذِي فِي السَّفِينَة فَإِن هلك المَال وَتَنَازَعُوا فَقَالَ الملاح حصل بِغَلَبَة الرّيح وَقَالَ الْمَالِك بل بفعلكما فَالْقَوْل قَول الملاح إِذْ الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة
وَلَو ثقب الملاح السَّفِينَة وغرق أَهلهَا فقد يكون عمدا مَحْضا وَقد يكون شبه الْعمد وَقد يكون خطأ وَلَا يخفى حكمه
فرع
إِذا أشرفت السَّفِينَة على الْغَرق وَكَانَ النجَاة فِي إِلْقَاء الْأَمْتِعَة فَقَالَ من احْتَاجَ إِلَى النجَاة ألق متاعك وَأَنا ضَامِن فَيلْزمهُ الضَّمَان لمسيس الْحَاجة إِلَى الْفِدَاء كَمَا إِذا قَالَ طلق زَوجتك وَأَنا ضَامِن للمهر وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الْحَاجة لغيره فَلهُ الإلتزام بِسَبَبِهِ بل عَلَيْهِ إِلْقَاء مَتَاعه لنَفسِهِ وَإِن كَانَت الْحَاجة عَامَّة للملتمس وَصَاحب الْمَتَاع فِيهِ وَجْهَان النَّص أَنه يجب ضَمَانه لِأَن الملتمس مُحْتَاج فحاجة الْمَالِك لَا تَمنعهُ من الْبَذْل وَالثَّانِي أَنه يسْقط بِحِصَّة الْمَالِك فَإِن كَانُوا عشرَة سقط الْعشْر اَوْ خَمْسَة فالخمس وَلَو قَالَ ألق متاعك وَلم يتَعَرَّض للضَّمَان فَفِيهِ وَجْهَان كَمَا إِذا قَالَ اقْضِ ديني وَلم يشْتَرط الرُّجُوع وَلَو قَالَ أَنا وركبان السَّفِينَة ضامنون كل وَاحِد وَاحِد على الْكَمَال فَيلْزمهُ وركبان السَّفِينَة لَا يلْزمهُم إِذا أنكروه وَلَو قَالَ أَنا وهم ضامنون كل بِحِصَّتِهِ فحصته تلْزمهُ وَالْبَاقِي يرجع إِلَيْهِم فَإِن قَالُوا رَضِينَا بِمَا قَالَ لَزِمَهُم وَإِن كُنَّا لَا نقُول بوقف الْعُقُود لِأَن هَذَا مَبْنِيّ على الْمُصَالحَة والتساهل وَلَو أطلق قَوْله أَنا وركبان السَّفِينَة ضامنون ثمَّ قَالَ أردْت التقسيط فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه حَتَّى لَا يلْزمه إِلَّا نصِيبه وَإِن قَالَ أَنا ضَامِن وركبان السَّفِينَة ضامنون ثمَّ فسر بالتقسيط فاختيار الْمُزنِيّ رَحمَه الله أَنه يقبل مَعَ يَمِينه وَظَاهر النَّص أَنه لَا يقبل لِإِضَافَتِهِ الضَّمَان إِلَى نَفسه أَولا ثمَّ ذكره الركْبَان بعده
الصُّورَة الثَّالِثَة إِذا رَجَعَ حجر المنجنيق على الرُّمَاة وَكَانُوا عشرَة فهلكوا فيهدر من دم كل وَاحِد عشره وَيتَعَلَّق تِسْعَة أعشار بعاقلة البَاقِينَ إِذْ مَا من وَاحِد إِلَّا وَهُوَ قتل نَفسه بمشاركة تِسْعَة وَإِن أصَاب غير الرامين فَالدِّيَة على عاقلتهم إِلَّا إِذا قصد شخصا بِعَيْنِه وقدروا على الْإِصَابَة غَالِبا فَإِن قصدُوا جمعا وَعَلمُوا أَنهم يصيبون وَاحِدًا وَلَكِن لَا بِعَيْنِه فَهُوَ خطأ فِي حق ذَلِك الْوَاحِد وَلِهَذَا قُلْنَا الْمُكْره إِذا قَالَ اقْتُل زيدا اَوْ عمرا فَقتل زيدا فَلَا قصاص على الْمُكْره لِأَنَّهُ مَا قصد زيدا بِعَيْنِه وَيجب على الْمُكْره لِأَنَّهُ ذُو خيرة فِي تَعْيِينه بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ اقتلهما وَإِلَّا قتلتك فَإِن خيرته فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير لَا تُؤثر الصُّورَة الرَّابِعَة إِذا جرح الدَّافِع ثَلَاث جراحات أَولهَا عِنْد قَصده وَالثَّانيَِة بعد إعراضه وَالثَّالِثَة بعد عوده إِلَى الْقَصْد فالمتوسطة مَضْمُونَة والأخريان مهدران فَعَلَيهِ ثلث الدِّيَة وَلَو ضربه فِي الدّفع ضربتين وَبعد الْإِعْرَاض وَاحِدَة فَعَلَيهِ نصف الدِّيَة جمعا لما جرى فِي حَالَة الإهدار بِخِلَاف مَا إِذا توسطت حَالَة بَين حالتين وَلَو جرح مُرْتَدا وَأسلم فَعَاد الْجَارِح مَعَ ثَلَاثَة من الجناة فجرحوه قَالَ ابْن الْحداد الجناة أَرْبَعَة فعلى كل وَاحِد ربع الدِّيَة إِلَّا أَن الْجَانِي فِي الْحَالَتَيْنِ لزمَه الرّبع بجراحتين إِحْدَاهمَا مهدرة فَيَعُود نصِيبه إِلَى الثّمن وَقَالَ بعض الْأَصْحَاب لَا بل توزع على الْجِرَاحَات لَا على الجارحين وَيُقَال الْجِرَاحَات خَمْسَة وَالْوَاحد مِنْهَا مهدر فَسقط الْخمس وَيبقى
على كل وَاحِد من الْأَرْبَعَة خمس الدِّيَة وَيدخل نُقْصَان الإهدار على الْكل وَلَو جنى أَرْبَعَة فِي الرِّدَّة ثمَّ عَاد مِنْهُم وَاحِد مَعَ ثَلَاثَة آخَرين وجنوا فِي الْإِسْلَام فعلى مَذْهَب ابْن الْحداد رَحمَه الله الجناة سَبْعَة فعلى كل من لم يجن فِي الْإِسْلَام سبع كَامِل وَمن جنى فِي الْحَالَتَيْنِ رَجَعَ سبعه إِلَى النّصْف وعَلى الْوَجْه الآخر يُقَال الْجِنَايَات ثَمَانِيَة أَرْبَعَة فِي الرِّدَّة مهدرة فَيبقى أَرْبَعَة أَثمَان الدِّيَة على الْأَرْبَعَة الَّذين جنوا فِي الْإِسْلَام ولنقس على هَذَا مَا إِذا جنى خطأ ثمَّ عَاد مَعَ غَيره وجنيا مَعًا عمدا وَلَكِن يكون التَّوْزِيع هَاهُنَا النَّقْل إِلَى الْعَاقِلَة فِي الْبَعْض كَمَا كَانَ ثمَّ للإهدار فرعان الأول جنى عبد على حر فجَاء إِنْسَان وَقطع يَد العَبْد ثمَّ قطع العَبْد بعده يَد حر وماتوا فتؤخذ قيمَة العَبْد من الْجَانِي عَلَيْهِ وَيخْتَص الْمَجْنِي عَلَيْهِ بِالْأَرْشِ بِقدر أرش الْيَد وَالْبَاقِي يكون مُشْتَركا بَينه وَبَين الْمَجْنِي عَلَيْهِ ثَانِيًا لِأَنَّهُ حَيْثُ قطع يَده لم يكن للثَّانِي حق ونعني بِالْأَرْشِ قيمَة النُّقْصَان على الْأَصَح إِذْ لَو أردنَا نصف الدِّيَة فَلَو فَرضنَا بدله قطع الْيَدَيْنِ لم يبْق للْمَجْنِيّ عَلَيْهِ ثَانِيًا شَيْء الثَّانِي إِذا تقَاتل رجلَانِ بسيفهما فأصبحا قَتِيلين فَادّعى ولي كل وَاحِد أَن صَاحبه كَانَ دافعا لَا قَاصِدا تحَالفا فَإِن نكل وَاحِد حصل الْغَرَض وَإِن حلفا تساقطا وَحكم كل شَخْصَيْنِ التقيا فِي بادية واستشعر كل وَاحِد من صَاحبه الْقَصْد أَنه إِن غلب على ظَنّه قَصده حل لَهُ الْبِدَايَة بِالدفع وَإِلَّا فَلَا فَإِن قَتله وَمَات الدَّافِع وَأقر وليه بِأَنَّهُ كَانَ مخطئا فِي ظَنّه أخذت الدِّيَة من التَّرِكَة
فَإِن قيل الْقَاتِل بِالسحرِ لم يذكروه قُلْنَا لَا يعرف ذَلِك إِلَّا بِإِقْرَار السَّاحر فَإِن قَالَ سحرِي يقتل غَالِبا فَهُوَ عمد يجب بِهِ الْقصاص وَإِن قَالَ قصدت الْإِصْلَاح فَهُوَ شبه عمد وَإِن قَالَ قصدت غَيره فَأَصَبْت اسْمه فَهُوَ خطأ مَحْض وَلَا يَنْبَغِي أَن يتعجب من هَذَا فَإِن السحر حق
الْقسم الثَّالِث فِي بَيَان من تجب عَلَيْهِ الدِّيَة
وَهُوَ الْجَانِي إِن كَانَ عمدا والعاقلة إِن كَانَ خطأ أَو شبه عمد لما رُوِيَ أَن جاريتين اختصمتا فَضربت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى بعمود فسطاط فقتلتها وَمَا فِي بَطنهَا فَقضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالدِّيَةِ على الْعَاقِلَة وَفِي الْجَنِين بغرة عبد أَو أمة وَالنَّظَر فِي الْعَاقِلَة يتَعَلَّق بأركان الأول فِي تعيينهم وَالدية تضرب على ثَلَاث جِهَات الْعُصُوبَة وَالْوَلَاء وَبَيت المَال أما المحالفة والموالاة فَلَا توجب تحمل الْعقل خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله الْجِهَة الأولى الْقَرَابَة وَهُوَ كل عصبَة وَاقع على طرف النّسَب فَلَا تضرب على أَب الْجَانِي وَابْنه كَمَا لَا تضرب على نَفسه وَقد ورد فِي الحَدِيث وَكَانَ الْعصبَة أَحَق بِهِ وَاخْتلفُوا فِي ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا أَن ابْنهَا لَو كَانَ ابْن ابْن عَمها أَو مُعْتقه فَهَل تضرب عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَا لِأَن الْبُنُوَّة مَانِعَة وَالثَّانِي تضرب لِأَنَّهَا لَيست مَانِعَة وَلَا مُوجبَة كَمَا فِي ولَايَة النِّكَاح فتجعل كَالْعدمِ الثَّانِي أَن الْأَخ للْأَب وَالأُم هَل يقدم على الْأَخ للْأَب فِيهِ قَولَانِ كَمَا فِي ولَايَة النِّكَاح الثَّالِث أَن التَّرْتِيب يرْعَى وَلَا يرقى إِلَى الْأَعْمَام مَا لم يفصل عَن الْإِخْوَة ويرعى من لم يثبت لَهُ الْمِيرَاث وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يسوى بَينهم الْجِهَة الثَّانِيَة الْوَلَاء فَإِذا لم نصادف عصبَة ضربنا على مُعتق الْجَانِي فَإِن لم يكن فعصباته ثمَّ مُعتق الْمُعْتق ثمَّ عصباته ثمَّ مُعتق أَب أَب الْمُعْتق ثمَّ عصباته ثمَّ مُعتق جد الْمُعْتق ثمَّ عصباته على هَذَا التَّرْتِيب كَمَا فِي الْمِيرَاث وَهل يدْخل ابْن الْمُعْتق وَأَبوهُ وَمن على عَمُود نسبه فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا كَمَا فِي النّسَب وَلما رُوِيَ أَن مولى صَفِيَّة بنت عبد المطلب رَضِي الله عَنْهَا جنى فَقضى عمر رَضِي الله عَنهُ بِأَرْش الْجِنَايَة على عَليّ رَضِي الله عَنهُ ابْن عَمها وَقضى بِالْمِيرَاثِ لابنها الزبير رَضِي الله عَنهُ وَالثَّانِي أَنه يضْرب لِأَن الْمُعْتق عَاقِلَة فَيضْرب على ابْنه كَمَا يضْرب على ابْن الْأَخ بِخِلَاف الْجَانِي نَفسه
فروع
الأول الْمَرْأَة إِذا أعتقت فَلَا تضرب عَلَيْهَا بل يحمل عَنْهَا جِنَايَة عتقهَا من يحمل جنايتها من عصباتها كَمَا يُزَوّج عتيقها من يُزَوّجهَا الثَّانِي لَو أعتق جمَاعَة عبدا فهم كشخص وَاحِد لَا يلْزم جَمِيعهم أَكثر من حِصَّة وَاحِدَة وَهُوَ نصف دِينَار فَإِن كَانُوا ثَلَاثَة فحصة كل وَاحِد السُّدس فَلَو مَاتَ وَاحِد وَله
إخْوَة فَلَا يجب على كل وَاحِد من إخْوَته أَكثر من السُّدس إِذْ غَايَته أَن يكون وَحده نازلا منزله مُوَرِثه لَو كَانَ حَيا الثَّالِث إِذا فضل من الْمُعْتق نصيب فَلَا يترقى إِلَى عصباته فِي حَيَاته لِأَن تحملهم بِالْوَلَاءِ وَلَيْسَ لَهُم وَلَاء فِي حَيَاة الْمُعْتق بِخِلَاف مَا إِذا مَاتَ وَله إخْوَة وأعمام ففضل من إخْوَته شَيْء فَيُطَالب الْأَعْمَام كَمَا فِي النّسَب لِأَن الْوَلَاء يُورث بِهِ فَهُوَ لحْمَة كلحمة النّسَب وَلَكِن يكون كَذَلِك بعد موت الْمُعْتق وَلَا يَخْلُو الْفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ عَن احْتِمَال الرَّابِع الْعَتِيق هَل يتَحَمَّل الْعقل عَن مُعْتقه وَفِيه قَولَانِ أَحدهمَا نعم لِأَن الْمِنَّة عَلَيْهِ أعظم فَهُوَ بالنصرة أَجْدَر وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَا يَرث بِخِلَاف الْمُعْتق فَإِن قُلْنَا يتَحَمَّل فَلَو اجْتمع الْمولى الْأَعْلَى والأسفل فَلَعَلَّ تَقْدِيم الْأَعْلَى أولى الْخَامِس المستولد من عَتيق وعتيقة يثبت الْوَلَاء عَلَيْهِ لموَالِي الْأَب تَرْجِيحا لجَانب الْأُبُوَّة فَلَو تولد من عتيقة ورقيق فَالْولَاء لموَالِي الْأُم لانسداد جِهَة الْأَب إِذْ لَا وَلَاء عَلَيْهِ بعد فَلَو أعتق الْأَب انجر الْوَلَاء إِلَى موَالِي الْأَب وَسقط وَلَاء موَالِي الْأُم فَلَو جنى هَذَا الْوَلَد قبل جر الْوَلَاء فالعقل على موَالِي الْأُم أَعنِي إِذا مَاتَ الْمَجْنِي عَلَيْهِ قبل الْجَرّ فَإِن مَاتَ بعده فَقدر أرش الْجِنَايَة على موَالِي الْأُم مَعَ السَّرَايَة إِلَى وَقت الْجَرّ وَمَا حصل بعد الْجَرّ فعلى الْجَانِي فَإِنَّهُ كَيفَ تضرب على موَالِي الْأَب وَهُوَ نتيجة جِنَايَة قبل الْجَرّ وَكَيف تضرب على موَالِي الْأُم مَعَ السَّرَايَة وَإِنَّمَا حصل بعد الْجَرّ وَكَيف تضرب على بَيت المَال وَفِي الْحَالَتَيْنِ قد وجد من هُوَ
أولى مِنْهُ وَبِالْجُمْلَةِ الضَّرْب على الْعَاقِلَة بِخِلَاف الْقيَاس فَتسقط بِالشُّبْهَةِ كَالْقصاصِ وَلَو قيل تضرب على بَيت المَال لم يكن بَعيدا فَلَو قطع الْيَدَيْنِ قبل الْجَرّ أَو قطع الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ ثمَّ مَاتَ بعد الْجَرّ فعلى موَالِي الْأُم دِيَة كَامِلَة وَلَا يُبَالِي بقَوْلهمْ إِن هَذِه دِيَة نفس ذهبت بعد الْجَرّ لِأَن الْمَقْصُود أَن لَا نزيد عَلَيْهِم لما بعد الْجَرّ شَيْئا وَمِقْدَار الدِّيَة كَانَ لَازِما قبل الْجَرّ وَلم يرد بعده شَيْء الْجِهَة الثَّالِثَة بَيت مَال الْمُسلمين فَإِنَّهُ مصب الْمَوَارِيث فَإِذا لم نجد من عصبات النّسَب وَالْوَلَاء محلا أَو فضل مِنْهُم ضربنا على بَيت المَال إِلَّا إِذا كَانَ الْجَانِي ذِمِّيا فَإِن لم يكن فِي بَيت المَال شَيْء رَجعْنَا إِلَى الْجَانِي وضربنا عَلَيْهِ هَذَا حكم الْجِهَات أما الصِّفَات يشْتَرط فِيمَن تضرب عَلَيْهِ التَّكْلِيف والذكورة والموافقة فِي الدّين واليسار وَلَا تضرب على مَجْنُون وَصبي وَامْرَأَة وَإِن كَانَت مُعتقة لأَنهم لَيْسُوا أهل النُّصْرَة بِالسَّيْفِ وَفِي الزَّمن الْمُوسر وَجْهَان لِأَنَّهُ بِحكم عجز الْحَال يضاهي النِّسَاء ونعني بموافقة الدّين أَنه لَا يتَحَمَّل مُسلم عَن كَافِر وَلَا كَافِر عَن مُسلم وَهل يتَحَمَّل الْيَهُودِيّ عَن النَّصْرَانِي فعلى قَوْلَيْنِ منشؤهما أَن التَّوَارُث مَوْجُود والتناسل مَعْدُوم وتضرب جِنَايَة الذِّمِّيّ على عَاقِلَته الذميين دون أهل الْحَرْب فَإِنَّهُم كالمعدومين وتضرب على المعاهدين فَإِن زَادَت عهودهم على أجل الدِّيَة فَإِن بَقِي سنة أَخذنَا حِصَّة تِلْكَ
السّنة فَإِن لم نجد أَوجَبْنَا على الْجَانِي دون بَيت المَال لِأَن بَيت المَال لَا يَرِثهُ وَيَرِث الْمُسلم نعم الذِّمِّيّ إِذا مَاتَ فَمَاله من الْخمس وَأما الْيَسَار فَشرط وَلَا تضرب على فَقير وَإِن كَانَ معتملا وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يُكَلف المعتمل الْكسْب ثمَّ على الْغَنِيّ نصف دِينَار وَلَا يُزَاد عَلَيْهِ وَهُوَ أول دَرَجَة الْمُوَاسَاة فِي الزَّكَاة وعَلى الْمُتَوَسّط نصف ذَلِك وَهُوَ ربع دِينَار ونعني بالغني من ملك عشْرين دِينَارا عِنْد آخر السّنة الَّتِي هِيَ أصل الدِّيَة وَليكن ذَلِك فَاضلا عَن مَسْكَنه وثيابه وكل مَا لَا يحْسب فِي الْغنى فِي الْكَفَّارَات الْمرتبَة والمتوسط من جَاوز حد الْفَقِير وَهُوَ الَّذِي ملك شَيْئا فَاضلا عَن حَاجته نَاقِصا عَن عشْرين دِينَار وَليكن ذَلِك أَكثر من ربع دِينَار حَتَّى لَا يردهُ أَخذه مِنْهُ إِلَى حد الْفقر وَإِنَّمَا يعْتَبر الْيَسَار آخر السّنة فَلَو طَرَأَ الْيَسَار بعْدهَا أَو كَانَ قبلهَا فَلَا الْتِفَات إِلَيْهِ
الرُّكْن الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الضَّرْب على الْعَاقِلَة
وَالنَّظَر فِي الْقدر وَالتَّرْتِيب وَالْأَجَل أما الْقدر فَلَا يُزَاد على النّصْف وَالرّبع فِي حق الْغَنِيّ والمتوسط وَلكنه حِصَّة سنة وَاحِدَة أَو حِصَّة للسنين الثَّلَاث فِيهِ وَجْهَان وكل مَا قل وَكثر مَضْرُوب على الْعَاقِلَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله مَا دون أرش الْمُوَضّحَة لَا يعقل وَفِي الْقَدِيم قَول أَنه لَا يحمل مَا دون ثلث الدِّيَة وَقَول أَنه لَا يحمل إِلَّا بدل النَّفس وهما مهجوران فَإِن كَانَ أرش الْجِنَايَة نصف دِينَار والعاقلة مائَة مثلا فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَن القَاضِي يعين وَاحِدًا بِرَأْيهِ إِذْ توزيعه يُؤَدِّي إِلَى مُطَالبَة كل وَاحِد بِمَا لَا يتمول وَالثَّانِي أَنه يوزع عَلَيْهِم وَعَلَيْهِم تَحْصِيل نصف دِينَار مُشْتَركا بَينهم وَإِن كثر الْوَاجِب وَقلت الْعَاقِلَة بدأنا بالإخوة فَإِن فضل مِنْهُم شَيْء بعد أَدَاء كل وَاحِد مِنْهُم النّصْف أَو الرّبع ترقينا إِلَى بني الْإِخْوَة ثمَّ إِلَى الْأَعْمَام على التَّرْتِيب فَإِن فضل عَن الْعَصَبَات طالبنا الْمُعْتق فَإِن فضل عَنهُ شَيْء لم يضْرب على عصباته فِي جِنَايَة إِذْ لَا وَلَاء لَهُم وَفِي مَوته يسْلك بعصباته مَسْلَك عصبات الْجَانِي فَإِن لم نجد من جِهَة الْوَلَاء والقرابة أَخذنَا الْبَقِيَّة آخر السّنة من بَيت المَال ونفعل كَذَلِك بِحِصَّة السّنة الثَّانِيَة وَلَا يبعد أَن يتَحَمَّل فِي السّنة الثَّانِيَة من لم يتَحَمَّل فِي السّنة الأولى لعذر صغر أَو فقر
ثمَّ إِن لم يكن فِي بَيت المَال شَيْء فَفِي الرُّجُوع إِلَى الْجَانِي وَجْهَان ينبنيان على أَن الْوُجُوب يلاقيه أم لَا وَقيل إِنَّه يَنْبَنِي على أَنه إِن ظهر يسَار لبيت المَال بعد الْمدَّة فَهَل يُؤْخَذ مِنْهُ وَهَذَا الْبناء أولى فَإنَّا لَو قُلْنَا لَا يتَعَلَّق بِبَيْت المَال وَلَا يرجع إِلَى الْجَانِي كَانَ ذَلِك تعطيلا وَقطع القَاضِي بِأَنَّهُ لَا يضْرب على الْجَانِي وَذكر فِي فطْرَة الزَّوْجَة الموسرة عِنْد إعسار الزَّوْج وَجْهَيْن وَالْفرق عسير وَالْوَجْه التَّسْوِيَة فِي الْوُجُوب عِنْد الْعَجز عَن التَّحَمُّل كَيفَ وَقد قطع الْأَصْحَاب بِالرُّجُوعِ إِلَى الْجَانِي فِي مَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهمَا الذِّمِّيّ إِذا لم يكن لَهُ عَاقِلَة وَالثَّانيَِة إِذا أقرّ الْجَانِي بالْخَطَأ وَأنكر الْعَاقِلَة ولَايَته طُولِبَ الْجَانِي وَالْفرق عسير وَغَايَة الْمُمكن توقع يسَار بَيت المَال فِي حق الْمُسلم الَّذِي تثبت عَلَيْهِ الْجِنَايَة بِالْبَيِّنَةِ بِخِلَاف مَا إِذا أنكر الْعَاقِلَة فَإِن إقرارهم بعيد وَالذِّمِّيّ لَا يتَوَقَّع لَهُ متحمل إِذْ لَا تتَعَلَّق جِنَايَته بِبَيْت المَال
فرع
لَو اعْترف الْعَاقِلَة بعد أَدَاء الْجَانِي فَإِن قُلْنَا الْوُجُوب يلاقيه رَجَعَ على الْعَاقِلَة وَإِن قُلْنَا لَا يلاقيه اسْتردَّ مَا أَدَّاهُ وطالب الْمَجْنِي عَلَيْهِ الْعَاقِلَة أما الْأَجَل فمائة من الْإِبِل إِذا وَجَبت فِي النَّفس مَضْرُوبَة فِي ثَلَاث سِنِين وفَاقا يُؤْخَذ فِي آخر كل سنة ثلثهَا فَمنهمْ من قَالَ علته أَنه بدل النَّفس حَتَّى زَاد عَلَيْهِ فِي عبد قِيمَته مِائَتَان من الْإِبِل وَقُلْنَا تحمل اَوْ نقص فِي عبد خسيس أَو غرَّة جَنِين فَتضْرب أَيْضا فِي ثَلَاث سِنِين وَمِنْهُم من قَالَ علته الْقدر فقيمة العَبْد إِذا كَانَ مِائَتَيْنِ من الْإِبِل
تضرب فِي ثَلَاث سِنِين ودية الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ فِي سنة وَاحِدَة ودية الْمَرْأَة فِي سنتَيْن ودية الْمَجُوسِيّ وغرة الْجَنِين فِي سنة وَاحِدَة لِأَن السّنة لَا تتجزأ
فروع
الأول لَو قتل وَاحِد ثَلَاثَة وَاجْتمعَ على عَاقِلَته ثَلَاثمِائَة من الْإِبِل فَمنهمْ من قَالَ إِن نَظرنَا إِلَى الْقدر فَتضْرب هُنَا فِي تسع سِنِين وَإِن نَظرنَا إِلَى النَّفس فَوَجْهَانِ إِذْ لَا يبعد أَن تزيد النُّفُوس المتعددة على نفس وَاحِدَة وَمِنْهُم من عكس وَقَالَ إِن نَظرنَا إِلَى النَّفس فَفِي ثَلَاث سِنِين وَإِن نَظرنَا إِلَى الْقدر فَوَجْهَانِ وَوجه الإقتصار أَن كل دِيَة متميزة عَن غَيرهَا وآجال الدُّيُون الْمُخْتَلفَة تتساوى وَلَا تتعاقب فَإِن ضربنا فِي تسع سِنِين فَإِذا تمت السّنة الأولى أَخذ ثلث دِيَة وَاحِدَة ووزع على أَوْلِيَاء الْقَتْلَى وَكَذَا آخر كل سنة فَإِن اخْتلف ابْتِدَاء التواريخ فَإِذا تمّ حول الأول أَخذ ثلث الدِّيَة وَسلم إِلَى ولي الْقَتِيل الأول فَإِذا ثمَّ حول الثَّانِي ثمَّ حول الثَّالِث فَكَذَلِك يفعل فَيتم ثلث دِيَة وَاحِدَة فِي ثَلَاثَة أَوْقَات وَهَكَذَا نَفْعل فِي تسع سِنِين الثَّانِي ثَلَاثَة قتلوا وَاحِدًا فَالصَّحِيح أَن الدِّيَة تضرب على العواقل على كل عَاقِلَة ثلثهَا ويؤدى ذَلِك الثُّلُث فِي ثَلَاث سِنِين وَكَأَنَّهُم عَاقِلَة وَاحِدَة لِأَن الْمُسْتَحق وَاحِد وَقيل تضرب فِي سنة نظرا إِلَى الْمُسْتَحق عَلَيْهِ الثَّالِث دِيَة إِحْدَى يَدي الْمُسلم تضرب فِي سنتَيْن إِذْ لم يكمل الْقدر وَلَا هُوَ بدل النَّفس ودية الْيَدَيْنِ كدية النَّفس من كل إِنْسَان ودية يَدي الْمَرْأَة كنفسها وَلَو قطع يَدي رجل وَرجلَيْهِ فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا أَنه تضرب فِي سِتّ سِنِين وَهُوَ نظر إِلَى الْقدر وَمن نظر إِلَى النَّفس شبه هَذَا بنفسين وَقد ذكرنَا فِيهِ وَجْهَيْن وَفِي الْأَطْرَاف وَجه أَن بدلهَا كَيْفَمَا كَانَ تضرب فِي سنة وَاحِدَة وَهُوَ بعيد الرَّابِع من مَاتَ فِي أثْنَاء السّنة أَو أعْسر فِي آخر السّنة فَكَأَنَّهُ لم يكن وَلَا يلْزمه شَيْء من حِصَّة تِلْكَ السّنة تَشْبِيها لَهُ بِتَلف نِصَاب الزَّكَاة فِي أثْنَاء الْحول وَالذِّمِّيّ إِذا مَاتَ فِي أثْنَاء الْحول فَفِي حِصَّته من الْجِزْيَة وَجْهَان لِأَن فِيهِ مشابه الْأُجْرَة الْخَامِس غيبَة بعض الْعَصَبَات فِي آخر الْحول هَل يكون كعدمهم فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا نعم إِذْ يعسر تَحْصِيلهَا مِنْهُم فَتضْرب على البَاقِينَ وعَلى هَذَا تعْتَبر غيبَة لَا يُمكن تَحْصِيل المَال بالمكاتبة إِلَى القَاضِي فِي مُدَّة سنة وَالثَّانِي أَنه تضرب عَلَيْهِ وَتحصل على حسب الْإِمْكَان وَهُوَ الْقيَاس السَّادِس أول الْحول يحْسب من وَقت الرّفْع إِلَى القَاضِي سَوَاء شعر بِهِ الْعَاقِلَة أَو لم تشعر وَلم يحْسب من وَقت الْجِنَايَة لِأَن هَذِه مُدَّة تناط بالإجتهاد وَلَو رفعت جِنَايَة إِلَى القَاضِي ثمَّ تولد سرَايَة بعد الرّفْع فأرش السَّرَايَة وَلَا يحْسب من وَقت الْجِنَايَة بل من وَقت السَّرَايَة
السَّابِع إِذا جنى العَبْد فأرشه يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ وَلَا يتَعَلَّق بسيده وَلَا بعاقلته وَهل يتَعَلَّق بِذِمَّتِهِ حَتَّى يُطَالب بعد الْعتْق فِيهِ قَولَانِ والأقيس أَن يتَعَلَّق بِهِ ثمَّ هَل يَصح ضَمَانه فِيهِ وَجْهَان منشؤهما ضعف هَذَا التَّعَلُّق وَالأَصَح صِحَّته كَمَا فِي الْمُعسر وَمعنى التَّعَلُّق بِرَقَبَتِهِ أَن يُبَاع وَيصرف ثمنه إِلَى الْجِنَايَة فَلَو منع السَّيِّد وَاخْتَارَ الْفِدَاء فَلهُ ذَلِك وَفِي الْوَاجِب عَلَيْهِ قَولَانِ أَحدهمَا أقل الْأَمريْنِ من الْأَرْش أَو قيمَة العَبْد لِأَنَّهُ لم يمْنَع إِلَّا من العَبْد وَالثَّانِي يلْزمه كَمَال الْأَرْش لِأَن الْمَجْنِي عَلَيْهِ رُبمَا يَقُول رُبمَا أجد زبونا يَشْتَرِي بِالزِّيَادَةِ فعلى هَذَا لَو قَتله السَّيِّد أَو أعْتقهُ اقْتصر مِنْهُ على الْقيمَة فِي أحد الْوَجْهَيْنِ كَمَا لَو قَتله الْأَجْنَبِيّ إِذْ فَاتَ الطمع فِي الزبون وَقيل يلْزمه كَمَال الْأَرْش كَمَا إِذا أمْسكهُ وَإِن جنت الْمُسْتَوْلدَة فالسيد يمانع بالاستيلاد السَّابِق فَعَلَيهِ أقل الْأَمريْنِ إِذْ لَا طمع فِي زبون يَشْتَرِي وَقيل بطرد الْقَوْلَيْنِ فَلَو جنت الْمُسْتَوْلدَة مرَارًا وَلم يَتَخَلَّل الْفِدَاء فَهِيَ كجناية وَاحِدَة فتجمع وَيلْزم السَّيِّد أقل الْأَمريْنِ وَإِن تخَلّل الْفِدَاء فَهَذَا فِي الْقِنّ يَقْتَضِي فدَاء جَدِيدا لِأَنَّهُ مَانع بِمَنْع جَدِيد وَفِي الْمُسْتَوْلدَة قَولَانِ لِأَن الْمَنْع مُتحد فَإِن قُلْنَا لَا يتَكَرَّر الْفِدَاء فيسترد مَا سلم إِلَى الأول ويوزع
عَلَيْهِمَا وَلَا يستبعد هَذَا كَمَا لَو حفر بِئْرا فتردى فِيهِ إِنْسَان فصرفت تركته إِلَى ضَمَانه فتردى فِيهِ إِنْسَان آخر فَإِنَّهُ يسْتَردّ ويوزع فرع لَو قَالَ السَّيِّد اخْتَرْت فدَاء العَبْد فَهَل يلْزمه أم يبْقى على حُرِّيَّته فِيهِ وَجْهَان وَلَو وطىء الْجَارِيَة الجانية هَل يكون اخْتِيَار للْفِدَاء كَالْوَطْءِ فِي زمَان الْخِيَار فِيهِ وَجْهَان وَالأَصَح أَنه يبْقى على خيرته مَا لم يرد الْفِدَاء وَأَن الوطأ لَا يكون اخْتِيَارا
الْقسم الرَّابِع من الْكتاب فِي دِيَة الْجَنِين
وَقد قضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بغرة عبد أَو أمة على الْعَاقِلَة فَقَالُوا كَيفَ نفدي من لَا شرب وَلَا أكل وَلَا صَاح وَلَا اسْتهلّ وَمثل ذَلِك يطلّ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام أسجعا كسجع الْجَاهِلِيَّة وَقضى بالغرة وَالنَّظَر فِيهِ فِي ثَلَاثَة أَطْرَاف الْمُوجب والموجب فِيهِ وَالْوَاجِب الطّرف الأول فِي مُوجب الْغرَّة وَهِي جِنَايَة توجب انْفِصَال الْجَنِين مَيتا فَإِن انْفَصل حَيا ثمَّ مَاتَ من أثر الْجِنَايَة وَجب دِيَة كَامِلَة سَوَاء كَانَت الْحَيَاة مُسْتَقِرَّة أَو كَانَ حَرَكَة الْمَذْبُوح سَوَاء كَانَ قبل سِتَّة أشهر وَلَا تدوم تِلْكَ الْحَيَاة أَو بعده لِأَن الْحَيَاة صَارَت مستيقنة بل نزيد فَنَقُول من حز رَقَبَة مثل هَذَا الْجَنِين وَهُوَ فِي حَرَكَة المذبوحين أَو أجهض لدوّنَ سِتَّة أشهر فَعَلَيهِ الْقصاص إِلَّا إِذا كَانَ ذَلِك من أثر جِنَايَة سَابِقَة وَهُوَ كفرقنا بَين الْمَرِيض المشرف على الْهَلَاك وَبَين قتل من أشرف على الْهَلَاك بِجِنَايَة وَمهما صَار إِلَى حَرَكَة المذبوحين بِجِنَايَة فحز غير الْجَانِي رقبته فَالدِّيَة على الْجَانِي وَقَالَ
الْمُزنِيّ رَحمَه الله لَا تتمّ الدِّيَة فِي جَنِين انْفَصل قبل سِتَّة أشهر وَلَا يجب فِيهِ الْقصاص لِأَنَّهُ منع للحياة لَا قطع لَهَا فَإِن هَذِه الْحَيَاة لَا يتَوَهَّم استقرارها وَلَو مَاتَت الْأُم وَلم ينْفَصل الْجَنِين فَلَا غرَّة إِذْ لَا تتيقن حَيَاة الْجَنِين وَلَا وجوده وَلَو انْفَصل مَيتا وَهِي حَيَّة أَو ميتَة وَجب الْغرَّة وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يُحَال مَوته على موت الْأُم وَعِنْدنَا يُحَال كِلَاهُمَا على الْجِنَايَة ثمَّ اخْتلفُوا فِي أَن الْمُعْتَبر انكشاف الْجَنِين أَو انْفِصَاله حَتَّى لَو خرج رَأسه وَمَاتَتْ الْأُم كَذَلِك فَفِي وجوب الْغرَّة وَجْهَان أَحدهمَا تجب إِذْ تحقق وجوده بالإنكشاف وَالثَّانِي لَا إِذْ لم ينْفَصل وَكَذَا لَو قدت الْمَرْأَة بنصفين وشاهدنا الْجَنِين فِي بَطنهَا فَهُوَ على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وعَلى هَذَا لَو خرج رَأسه وَصَاح فحزت رقبته فَفِي وجوب الْقصاص وَجْهَان بِنَاء على أَن هَذَا الإنفصال هَل يعْتد بِهِ وَلَو أَلْقَت يدا وَاحِدَة وَمَاتَتْ وَلم تلق شَيْئا آخر وَجَبت الْغرَّة إِذْ تَيَقنا وجود الْجَنِين بانفصال الْعُضْو وَلَو أَلْقَت رَأْسَيْنِ أَو أَرْبَعَة أيد لم نزد على غرَّة وَاحِدَة لاحْتِمَال أَن يكون الْجَنِين وَاحِدًا وَلَو أَلْقَت بدنين فغرتان وَقد أخبر الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ بِامْرَأَة لَهَا رأسان فنكحها بِمِائَة دِينَار وَنظر إِلَيْهَا وَطَلقهَا وَلَو أَلْقَت يدا ثمَّ أَلْقَت
جَنِينا مَيتا سليم الْيَدَيْنِ لم نزد على غرَّة لاحْتِمَال انها كَانَت زَائِدَة فَسَقَطت وانمحى أَثَرهَا وَلَو انْفَصل جَنِين حَيا سَاقِط الْيَدَيْنِ وَجَبت دِيَة تَامَّة وَإِن كَانَ صَحِيح الْيَدَيْنِ وَأَلْقَتْ مَعَه يدا وَجَبت حُكُومَة لتِلْك الْيَد فَإِن قيل فَلَو تنَازع الْمَرْأَة والجاني قُلْنَا إِن تنَازعا فِي أصل الْجِنَايَة أَو الإجهاض فَالْقَوْل قَوْله وَلَا يثبت الإجهاض إِلَّا بِشَهَادَة القوابل وَإِن اعْترف بهَا وَلَكِن قَالَ لم يكن الإجهاض بِالْجِنَايَةِ فَإِن كَانَت متألمة ذَات فرش إِلَى الإجهاض فَالْقَوْل قَوْلهَا وَإِلَّا فَهُوَ نزاع فِي سرَايَة الْجراحَة وَلَو سلم جَمِيع ذَلِك وَلَكِن قَالَت الْمَرْأَة انْفَصل حَيا ثمَّ مَاتَ فَعَلَيْك كَمَال الدِّيَة وَقَالَ الْجَانِي بل انْفَصل مَيتا فعلي غرَّة فَالْقَوْل قَوْله وَعَلَيْهَا إِثْبَات الْحَيَاة وَتثبت بِشَهَادَة النسْوَة وَإِن لم تدم الْحَيَاة لِأَن شَهَادَة الرِّجَال لَا تمكن وَلَو سلم الإنفصال حَيا بِالْجِنَايَةِ وَلَكِن قَالَ مَاتَ بِسَبَب آخر أَو مَاتَ بالطلق فَإِن لم يكن على الْجَنِين أثر الْحَيَاة القو قَوْله إِذْ الطلق سَبَب ظَاهر وَإِن كَانَ عَلَيْهِ أثر الْحَيَاة فَالْقَوْل قَوْلهَا الطّرف الثَّانِي فِي الْمُوجب فِيهِ وَهُوَ الْجَنِين ونعني بِهِ مَا بَدَأَ فِيهِ التخطيط والتخليق وَلَو فِي طرف من الْأَطْرَاف على وَجه تُدْرِكهُ القوابل وَإِن لم يُدْرِكهُ غَيْرهنَّ فَإِن أسقط قبل التخطيط مُضْغَة أَو علقَة لم يلْزمه بِهِ شَيْء على الْأَصَح هَذَا فِي أصل الْجَنِين
أما صفته فَإِن كَانَ حرا مُسلما فَفِيهِ غرَّة إِذْ فِيهِ ورد الْخَبَر وَإِن كَانَ كَافِرًا فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا يجب شَيْء إِذْ فِي إِيجَابه تَسْوِيَة بَينه وَبَين الْمُسلم والتجزئة غير مُمكن لِأَن قيمَة الْغرَّة غير مقدرَة وَالثَّانِي أَنه يجب ثلث الْغرَّة وَفِي الْجَنِين الْمَجُوسِيّ ثلث خمس الْغرَّة وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ ولتكن قيمَة الْغرَّة مَا تَسَاوِي خمْسا من الْإِبِل أَو خمسين دِينَار وَالثَّالِث أَنه تجب الْغرَّة وَلَا نبالي بالتسوية
فرعان على قَوْلنَا بالتفاوت
أَحدهمَا الْمُتَوَلد من نَصْرَانِيّ أَو مَجُوسِيّ فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنا نَأْخُذ بأخف الديتين وَالْآخر أَنا نَأْخُذ بالأغلظ وَالثَّالِث أَنا نعتبر جَانب الْأَب الْفَرْع الثَّانِي أَن المرعي حَالَة الإنفصال فِي الْمِقْدَار فَلَو جنى على ذِمِّيَّة فَأسْلمت وأجهضت فَالْوَاجِب غرَّة كَامِلَة وَكَذَلِكَ فِي طرآن الْعتْق وَلَو جنى على بطن حربية فَأسْلمت وأجهضت فَفِي أصل ضَمَان الْجَنِين وَجْهَان يضاهي الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذا رمى إِلَى حَرْبِيّ فَأسلم قبل الْإِصَابَة وَكَأن وُصُول الْجِنَايَة إِلَى الْجَنِين بالانفصال أما الْجَنِين الرَّقِيق فَلَا يكون إِلَّا فِي بطن الرقيقة وَفِيه إِذا سقط مَيتا بِالْجِنَايَةِ عشر قيمَة الْأُم فَإِن بدل الْغرَّة خمس من الْإِبِل وَهِي عشر الْخمسين الَّتِي هِيَ دِيَة الْأُم وجراح الرَّقِيق من قِيمَته كجراح الْحر من دِيَته وَهَذَا قد يُفْضِي إِلَى تَفْضِيل الْمَيِّت على الْحَيّ إِذْ لَو أسقط حَيا ثمَّ مَاتَ رُبمَا لم يلْزم إِلَّا دِينَار وَهُوَ قِيمَته وَإِذا سقط مَيتا فعشر قيمَة الْأُم وَرُبمَا كَانَ مائَة لَكِن سلك فِي هَذَا الِاعْتِبَار بِهِ مَسْلَك الْأَعْضَاء فَلَا يُقَاس بِحَال الإستقلال وَمَعَ هَذَا فَالْوَاجِب مثل عشر قيمَة الْأُم لَا عشر قيمَة الْأُم وَلذَلِك يصرف إِلَى وَرَثَة الْجَنِين وَلَا تخْتَص الْأُم باستحقاقها ثمَّ إِنَّمَا يرْعَى قيمَة الْأُم عِنْد الْجِنَايَة لِأَنَّهُ أغْلظ الْأَحْوَال كَمَا إِذا جنى على عبد فَمَاتَ بِالسّرَايَةِ إِذْ يلْزم أقْصَى الْقيم من وَقت الْجِنَايَة إِلَى الْمَوْت وَقَالَ الْمُزنِيّ رَحمَه الله يعْتَبر وَقت الإنفصال كَمَا فِي حُرِّيَّته وإسلامه
فرعان
الأول إِذا انْفَصل جَنِين الرَّقِيق سليما وَالأُم مَقْطُوعَة الْأَطْرَاف فَوَجْهَانِ أَحدهمَا انا نوجب عشر قيمَة الْأُم سليمَة الْأَطْرَاف ونكسوها صفة السَّلامَة تَقْديرا كَمَا نكسوها الْحُرِّيَّة وَالْإِسْلَام إِذا كَانَ الْجَنِين حرا مُسلما وَالثَّانِي أَن السَّلامَة لَا تقدر لِأَنَّهُ أَمر خلقي وَلِأَن سَلامَة أَطْرَاف الْجَنِين لَا يوثق بهَا بِخِلَاف الْحُرِّيَّة وَالْإِسْلَام فَلَو كَانَ الْجَنِين نَاقص الْأَطْرَاف فتقدير نُقْصَان الْأُم أبعد إِذْ رُبمَا نقص الْجَنِين بِالْجِنَايَةِ الثَّانِي خلف رجل زوجه حَامِلا وأخا لأَب وعبدا قِيمَته عشرُون دِينَارا فجنى العَبْد على بَطنهَا فأجهضت وَتعلق بِرَقَبَتِهِ غرَّة قيمتهَا سِتُّونَ دِينَار فالمرأة تسْتَحقّ من الْغرَّة ثلثا وَهُوَ عشرُون فقد ضَاعَ مِنْهُ الرّبع إِذْ ربع الْجَانِي ملكهَا وَلَا يسْتَحق الْمَالِك على ملك نَفسه شَيْئا وَثَلَاثَة أَربَاع حَقّهَا وَهُوَ خَمْسَة عشر تتَعَلَّق بِنَصِيب الْأَخ ونصيبه يساوى خَمْسَة عشر فَإِن لَهُ ثَلَاثَة أَربَاع العَبْد وَأما الْأَخ اسْتحق ثُلثي الْغرَّة وَهِي أَرْبَعُونَ وَضاع ثَلَاثَة أَرْبَاعه لِأَن ثَلَاثَة أَربَاع الْجَانِي ملكه فَيبقى سدس الْغرَّة مُتَعَلقَة بِنَصِيب الْمَرْأَة ونصيبها ربع العَبْد وَهُوَ خَمْسَة فَإِذا سلم العَبْد ضَاعَ الْخَمْسَة الفاضلة وعَلى هَذَا تقاس جِنَايَة العَبْد الْمُشْتَرك على المَال الْمُشْتَرك بَين سيديه إِذا كَانَ بَين الحصتين تفَاوت إِمَّا فِي العَبْد وَالْمَال أَو فِي أَحدهمَا الطّرف الثَّالِث فِي صفة الْغرَّة ويرعى فِيهِ ثَلَاثَة أُمُور
الأول السَّلامَة من كل عيب يثبت الرَّد فِي البيع وَلَا تراعي خِصَال الضَّحَايَا وَالْكَفَّارَة لِأَن هَذَا جبر مَال الثَّانِي السن وَلَا يقبل مَا دون سبع أَو ثَمَان لانه كل على آخذه وَفِي جِهَة الْكبر لَا يُؤْخَذ مَا جَاوز الْعشْرين فِي الْجَارِيَة وَجَاوَزَ الْخَمْسَة عشر فِي الْغُلَام لِأَنَّهُ لَا يعد من الْخِيَار الغر وَالْوَاجِب غرَّة عبد أَو أمة وَقيل الْمَانِع فِي جِهَة الْكبر هُوَ الْهَرم المضعف للمنة الثَّالِث نفاسة الْقيمَة وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا لَا يعْتَبر بل السَّلِيم من هَذَا السن يقبل وَإِن كَانَ قِيمَته دِينَارا وَالثَّانِي لَا يقبل إِلَّا مَا تعدل قِيمَته خمْسا من الْإِبِل أَو خمسين دِينَار فَإِن الْخمس من الْإِبِل يرجع إِلَيْهِ عِنْد عدم الْغرَّة وَلَا ينقص الْمُبدل عَن الْبَدَل وَلِأَنَّهُ لَو لم يتَقَدَّر لعسر الْفرق بَين الْمُسلم وَالْكَافِر كَمَا سبق فَإِن قيل فَلَو فقدت الْغرَّة قُلْنَا فِي بدلهَا قَولَانِ الْجَدِيد أَنه خمس من الْإِبِل وَلَا يُمكن أَن يعرف هَذَا إِلَّا بالتوقيف وَلَعَلَّه ورد إِذْ هُوَ مَأْخَذ ومعتمد الْفَرِيقَيْنِ فِي النِّسْبَة فِي الْجَنِين الرَّقِيق فَإِن فقدت الْإِبِل أَيْضا فَهُوَ كإبل الدِّيَة وَالْقَوْل الْقَدِيم أَن بدل الْغرَّة قيمتهَا فَإِن قيل فالغرة لمن وعَلى من قُلْنَا لوَارث الْجَنِين وَهُوَ الْأُم والعصبة وعَلى عَاقِلَة الْجَانِي وَلَا يُمكن أَن تكون على الْجَانِي لِأَن الْعمد غير مُتَصَوّر فِيهِ إِذْ لَا يتَيَقَّن جِنَايَة بِحَال فَإِن كَانَ عدد الْعَاقِلَة لَا يَفِي إِلَّا بِالنِّصْفِ فَعَلَيْهِم نصف قيمَة الْغرَّة لَا قيمَة نصف الْغرَّة وَبَينهمَا فرق إِذْ الْغرَّة رُبمَا تسوى ألفا وَالنّصف يُؤْخَذ بأربعمائة فَالْوَاجِب خَمْسمِائَة كَامِلَة وَهُوَ نصف الْكل
فرع
إِذا بَقِي على الْأُم شين وجراحة ضم إِلَى الْغرَّة حُكُومَة لَهَا فَإِن لم يكن إِلَّا الْأَلَم اندرج تَحت الْغرَّة هَذَا تَمام النّظر فِي الدِّيَة وَالْقصاص من مُوجبَات الْقَتْل فلنذكر الْمُوجب الثَّالِث وَهِي الْكَفَّارَة
وَهِي تَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة فَإِن لم يجد فصوم شَهْرَيْن وَلَا مدْخل للطعام فِيهِ وَلَا يُقَاس على كَفَّارَة الظِّهَار لِأَن الْآيَة فصلت الْأَمريْنِ جيمعا وَفرق بَينهمَا لَا كالرقبة فِي الظِّهَار فَإِنَّهَا اطلقت فَجَاز أَن يُقَاس على النَّص فِي الْقَتْل وَحكى صَاحب التَّقْرِيب وَجها فِي الْقَتْل أَن الْإِطْعَام يثبت فِيهِ قِيَاسا على الظِّهَار ثمَّ على الْمَذْهَب لَو مَاتَ قبل الصَّوْم فَيخرج عَن كل يَوْم مد لَا بطرِيق كَون الْإِطْعَام بَدَلا لَكِن كَمَا يخرج عَن صَوْم رَمَضَان هَذَا صفة الْوَاجِب فَأَما الْمُوجب فأركانه ثَلَاثَة الْقَتْل وَالْقَاتِل والقتيل أما الْقَتْل فَهُوَ كل قتل غير مُبَاح فَتجب بِالسَّبَبِ والمباشرة وحفر الْبِئْر وَالْخَطَأ والعمد وَلَا تجب فِي قتل الصَّائِل والباغي وَمن عَلَيْهِ الْقصاص وَالرَّجم لِأَنَّهُ مُبَاح وَالْخَطَأ لَيْسَ بمباح وَإِن لم يكن محرما أَيْضا وَأما الْقَاتِل فشرطه أَن يكون مُلْتَزما حَيا فَلَا تجب على الْحَرْبِيّ وَتجب على الذِّمِّيّ وَالصَّبِيّ وَالْمَجْنُون وَلَو جَامع الصَّبِي فِي نَهَار رَمَضَان فَلَا كَفَّارَة إِذْ لَا عدوان والعدوان لَيْسَ بِشَرْط فِي الْقَتْل وَفِي كَفَّارَات الْإِحْرَام وَجْهَان لِأَنَّهَا نتيجة عبَادَة بدنية وَقد صحت مِنْهُ الْعِبَادَة
الْبَدَنِيَّة وَفِي صِحَة صَوْمه عَن الْكَفَّارَة قبل الْبلُوغ وَجْهَان لِأَنَّهَا عبَادَة بدنية وَلَكِن لزم فِي الصَّبِي وَأما الْحَيّ فاحترزنا بِهِ عَمَّن حفر بِئْرا فتردى فِيهَا بعد مَوته إِنْسَان فَفِي وجوب الْكَفَّارَة فِي تركته وَجْهَان وَوجه الْإِسْقَاط أَن الْكَفَّارَة عبَادَة بدنية فَلَا ينشأ وُجُوبهَا بعد الْمَوْت وَعَلِيهِ يَنْبَنِي الْخلاف فِي أَن من قتل نَفسه هَل تخرج كَفَّارَته من تركته ولغلبة شَائِبَة الْعِبَادَة قضينا بِأَن جمَاعَة إِذا اشْتَركُوا فِي قتل وَاحِد فعلى كل وَاحِد كَفَّارَة كَامِلَة وَفِيه وَجه أَنَّهَا تتجزأ كَمَا فِي جَزَاء الصَّيْد أما الْقَتِيل فشرطه أَن يكون آدَمِيًّا مَعْصُوما والجنين آدَمِيّ وَخرج مِنْهُ الْأَطْرَاف والبهائم وَدخل تَحت الْمَعْصُوم الذِّمِّيّ والمعاهد وَالْعَبْد إِذا قَتله السَّيِّد لَزِمته الْكَفَّارَة وَخرج مِنْهُ الْحَرْبِيّ وَالنِّسَاء والذراري من الْكفَّار إِذْ لَا عَاصِم والامتناع من قَتلهمْ لمصْلحَة المَال وَدخل تَحْتَهُ الْمُسلم فِي دَار الْحَرْب كَيْفَمَا قتل نعم الدِّيَة قد تسْقط قطعا مهما رمى إِلَى الْكفَّار وَلم يعلم أَن فيهم مُسلما فَأصَاب مُسلما وَلَو علم أَن فيهم مُسلما وَقصد الْكَافِر فَأصَاب الْمُسلم وَجَبت الدِّيَة قطعا وَلَو قصد شخصا معينا ظَنّه كَافِرًا وَكَانَ قد أسلم قبله وَبَقِي على زِيّ الْكفَّار فَفِي الدِّيَة قَولَانِ وطرد الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذا علم أَن فيهم مُسلما وَلَكِن مَال السهْم إِلَى غير من قصد هَذَا تَمام النّظر فِي مُوجبَات الْقَتْل فلنخص فِي الْحجَج المثبتة لَهُ كتاب دَعْوَى الدَّم والقسامة وَالشَّهَادَة فِيهِ
فَهَذِهِ ثَلَاثَة أُمُور الأول الدَّعْوَى وَلها خَمْسَة شُرُوط الأول أَن تكون مُتَعَلقَة بشخص معِين فَلَو قَالَ قتل أبي لم تسمع وَلَو قَالَ قتل هَؤُلَاءِ جَمِيعًا وتصور اجْتِمَاعهم على الْقَتْل قبل وَلَو قَالَ أحد هَؤُلَاءِ الْعشْرَة وَلَا أعرف عينه فَوَجْهَانِ أَحدهمَا لَا تسمع للإبهام وَالثَّانِي تسمع للْحَاجة وَلَا ضَرَر على الْمُدعى عَلَيْهِ بل كل وَاحِد يقدر على يَمِين
صَادِقَة لكِنهمْ لَو نكلوا باجمعهم أشكل الْيَمين الْمَرْدُودَة على الدَّعْوَى المبهمة والوجهان يجريان فِي دَعْوَى الْغَصْب والإتلاف وَالسَّرِقَة وَلَا يجْرِي فِي الْإِقْرَار وَالْبيع إِذا قَالَ نسيت لِأَنَّهُ مقصر وَقيل يجْرِي فِي الْمُعَامَلَات وَقيل لَا يجْرِي إِلَّا فِي الدَّم الثَّانِي أَن تكون الدعولا مفصلة فِي كَون الْقَتْل عمدا أَو خطأ انفرادا أَو شركَة فَإِن أجمل دَعْوَاهُ استفصل القَاضِي وَقيل يعرض عَنهُ لِأَن الاستفصال تلقين وَهُوَ ضَعِيف
فرع
لَو قَالَ قتل هَذَا أبي مَعَ جمَاعَة وَلم يذكر عَددهمْ فَإِن كَانَ مَطْلُوبه المَال لم تصح الدَّعْوَى لِأَن حِصَّة الْمُدعى عَلَيْهِ إِنَّمَا تبين بِحِصَّة الشُّرَكَاء وَإِن كَانَ مَطْلُوبه الدَّم وَقُلْنَا يُوجب الْعمد الْقود الْمَحْض فَالظَّاهِر صِحَّته وَإِن قُلْنَا أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه فَوَجْهَانِ الثَّالِث أَن يكون الْمُدَّعِي مُكَلّفا مُلْتَزما حَاله الدَّعْوَى وَكَونه صَبيا أَو مَجْنُونا أَو جَنِينا حَالَة الْقَتْل لَا يضرّهُ إِذْ يعرف ذَلِك بِالتَّسَامُعِ الرَّابِع أَن يكون الْمُدعى عَلَيْهِ مُكَلّفا فَلَا دَعْوَى على صبي وَلَا مَجْنُون وَتَصِح الدَّعْوَى على السَّفِيه فِيمَا ينفذ بِهِ إِقْرَاره كَالْقصاصِ وبإقراره بِإِتْلَاف المَال قَولَانِ
فَإِن رددناه سمعنَا الدَّعْوَى لينكر فيقيم الْبَيِّنَة وَهل تعرض الْيَمين إِذا أنكر إِن قُلْنَا إِن الْيَمين الْمَرْدُودَة كالبينة تعرض عَلَيْهِ رَجَاء النّكُول وَإِن قُلْنَا كَالْإِقْرَارِ فَلَا فَائِدَة فِي نُكُوله وَلَكِن هَل تعرض الْيَمين فعساه يحلف فتنقطع الْخُصُومَة فِي الْحَال فِيهِ وَجْهَان الْأَصَح أَنه تعرض الْخَامِس أَن تنفك الدَّعْوَى عَمَّا يكذبها فَلَو ادّعى على شخص أَنه مُنْفَرد بقتل أبي ثمَّ ادّعى على غَيره بِأَنَّهُ شريك لم تسمع الثَّانِيَة لِأَن الأولى تكذبه فَإِن أقرّ الثَّانِي وَقَالَ الْمُدَّعِي كذبت فِي الأولى أَو أَخْطَأت فَالصَّحِيح أَن لَهُ مؤاخذته لِأَن الْغَلَط مُمكن وَالْحق لَا يعدوهما وَلَو ادّعى الْعمد واستفسر فَذكر مَا لَيْسَ بعمد فَفِي بطلَان دَعْوَاهُ لأصل الْقَتْل وَجْهَان الْأَظْهر أَنه لَا تبطل لِأَن الْكَذِب فِي التَّفْصِيل لَيْسَ من ضروره الْكَذِب فِي الأَصْل وَلَو قَالَ ظلمته فِيمَا أخذت فنستفصله فَإِن قَالَ كنت كَاذِبًا فِي دعواي اسْتردَّ المَال وَإِن قَالَ اخذت بالقسامة وَأَنا حَنَفِيّ لَا يسْتَردّ إِذْ لَا يعْتَبر فِي الْأَحْكَام رَأْي الْخَصْمَيْنِ بل رَأْي الْحَاكِم
النّظر الثَّانِي فِي الْقسَامَة
وَالنَّظَر فِي أَرْبَعَة أَرْكَان الأول بَيَان مظنته وَهُوَ قتل الْحر فِي مَحل اللوث فَلَا قسَامَة فِي الْأَمْوَال والأطراف لِأَن الْبِدَايَة بالمدعي وتعديد الْيَمين خمسين خَارج عَن الْقيَاس ثَبت لحُرْمَة الدَّم فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ الطّرف وَالْمَال وَفِي قتل العَبْد قَولَانِ لتردده بَين الدَّم وَالْمَال وَإِذا جرح مُسلما فَارْتَد وَمَات وَقُلْنَا الْوَاجِب بعض الدِّيَة جرت الْقسَامَة فِيهِ لِأَنَّهُ بعض بدل الدَّم وَأما اللوث فنعني بِهِ عَلامَة تغلب على الظَّن صدق الْمُدَّعِي وَهُوَ نَوْعَانِ قرينَة حَال وإخبار أما الْحَال فَهُوَ أَن يُصَادف قَتِيلا فِي محلّة بَينه وَبينهمْ عَدَاوَة أَو دخل عَلَيْهِم ضيفا فَوجدَ قَتِيلا أَو تفرق جمَاعَة محصورون عَن قَتِيل أَو تفرق صفان متقاتلان عَن قَتِيل فِي صف الْخصم أَو وجد قَتِيل فِي الصَّحرَاء وعَلى رَأسه رجل وَمَعَهُ سكين متضمخ بِالدَّمِ فَهَذَا وَأَمْثَاله هُوَ اللوث وَقَول الْمَجْرُوح قتلني فلَان لَيْسَ بلوث لِأَنَّهُ مُدع خلافًا لمَالِك رَحمَه الله وَأما الْإِخْبَار فشهادة عدل وَاحِد تقبل شَهَادَته لوث وَكَذَا من تقبل رِوَايَته على الأقيس وَقيل لَا بُد فِي النسوان وَالْعَبِيد من عدد
وَأما الْعدَد من الصبية والفسقة ففيهم خلاف لِأَنَّهُ يحصل بقَوْلهمْ ظن لَكِن الشَّرْع لَا يلْتَفت إِلَيْهِ فيضاهي من أوجه قرينَة عَدَالَة الْمُدَّعِي فِي صدق لهجته وَأما مسقطات اللوث فخمسة الأول أَن يتَعَذَّر إِظْهَاره عِنْد القَاضِي فَلَا فَائِدَة فِيمَا ينْفَرد الْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ نعم لَو ظهر عِنْد القَاضِي لوث على جمع فللمدعي أَن يعين شخصا مِنْهُم إِذْ يعسر إِثْبَات اللوث فِي الْمعِين وَلَو كَانَ اللوث فِي قَتِيل خَيْبَر مُتَعَلقا بِجَمِيعِ الْيَهُود نعم لَو قَالَ الْقَاتِل وَاحِد مِنْهُم وَلست أعرفهُ لم تمكنه الْقسَامَة فَإِن حلفوا إِلَّا وَاحِدًا كَانَ نُكُوله لوثا فَيجوز لَهُ أَن يحلف على تَعْيِينه فَلَو نكل جَمِيعهم وَأَرَادَ أَن يعين وَاحِدًا وَزعم أَنه ظهر لَهُ الْآن لوث معِين فَفِي تَمْكِينه مِنْهُ وَجْهَان وَجه الْمَنْع أَنه سبق الِاعْتِرَاف مِنْهُ فِي الْجَهْل الثَّانِي إِذا ثَبت اللوث فِي أصل الْقَتْل دون كَونه خطأ أَو عمدا فَفِي الْقسَامَة على أصل الْقَتْل وَجْهَان وَجه الْمَنْع أَن الْقَتْل الْمُطلق لَا مُوجب لَهُ فَإِن الْعَاقِلَة لَا يلْزمهَا شَيْء مَا لم يكن خطأ والجاني لَا يلْزمه مَا لم يكن عمدا الثَّالِث أَن يَدعِي الْمُدعى عَلَيْهِ كَونه غَائِبا عَن الْبَلَد عِنْد الْقَتْل فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه وَتسقط يَمِينه أثر اللوث فَإِن تَعَارَضَت بينتان فِي حُضُوره وغيبته تساقطتا إِلَّا إِذا تعرض بَيِّنَة الْغَيْبَة لعدم الْحُضُور فَقَط فَيكون ذَلِك شَهَادَة النَّفْي بِخِلَاف مَا إِذا ذكر مَكَانَهُ الَّذِي غَابَ إِلَيْهِ وَلَو كَانَ وَقت الْقَتْل مَحْبُوسًا أَو مَرِيضا مدنفا وَلم يُمكن كَونه قَاتلا إِلَّا على بعد فَفِي