وَالثَّالِث أَنه يتَخَيَّر بَينهمَا وَزَاد الشَّيْخ أَبُو عَليّ أَنه يَكْفِيهِ زِيَارَة الْقَبْر فِي مَسْجِد الْمَدِينَة
فرع
لَو نذر الصَّلَاة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة وإيلياء قطع المراوزة باللزوم وَحكى الْعِرَاقِيُّونَ طرد الْقَوْلَيْنِ فِي تعْيين الْمَسْجِد وَلَو نذر الْمَشْي إِلَى المسجدين فَفِي الْمَشْي وَجْهَان كَمَا فِي الْمَشْي من دويرة أَهله قبل الْإِحْرَام وَأما إِذا نذر إتْيَان الْمَسْجِد الْحَرَام فَيلْزمهُ حج أَو عمْرَة إِن قُلْنَا يحمل النّذر على أقل وَاجِب وَإِن قُلْنَا يحمل على مُجَرّد الإسم فَلَا بُد من إِحْرَام إِن قُلْنَا إِن ذَلِك يجب بِدُخُول مَكَّة وَإِن قُلْنَا لَا يجب نزل منزلَة المسجدين فَيخرج اللُّزُوم بِالنذرِ على قَوْلَيْنِ ثمَّ لَا فرق بَين لفظ الْمَشْي وَبَين قَوْله آتِي أَو أَسِير إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يجب إِلَّا بِلَفْظ الْمَشْي وَلَا فرق بَين أَن يَقُول إِلَى مَكَّة أَو الْحرم أَو الْمَسْجِد أَو مَسْجِد الْخيف وَجَمِيع مَوَاضِع الْحرم ثمَّ إِن قُلْنَا يجب أَن يُضَاف إِلَى الْإِتْيَان اعْتِكَاف أَو صَلَاة فها هُنَا تزيد الْعمرَة وَالْحج فَإِنَّهُمَا أخص بِهِ وَلَا يبعد أَن يكْتَفى بِمُجَرَّد طواف وَهُوَ أَيْضا أخص من الإعتكاف وَلَو قَالَ آتِي عَرَفَة لم يلْزمه شَيْء لِأَن ذَلِك لَيْسَ بقربة إِذا لم يكن فِي حج وَقَالَ القَاضِي إِن خطر لَهُ شُهُود يَوْم عَرَفَة مَعَ الحجيج لم يبعد لُزُومه لما فِيهِ من الْبركَة وَلَو نوى بِهِ الْحَج لزمَه الْحَج وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِلَى بَيت الله تَعَالَى فَلَا يلْزمه شَيْء لِأَن جَمِيع الْمَسَاجِد بَيت الله إِلَّا إِذا نوى بِهِ الْكَعْبَة
النَّوْع الرَّابِع تعْيين الْمَسَاجِد
فَإِذا قَالَ لله عَليّ أَن أُصَلِّي الْفَرَائِض فِي الْمَسْجِد لزمَه إِذا قُلْنَا إِن صفة الْفَرَائِض تفرض بالالتزام أما إِذا عين مَسْجِدا لم يتَعَيَّن إِلَّا الْمَسَاجِد الثَّلَاث وَهل يقوم بَعْضهَا مقَام بعض فِي الْمَسْجِد سوى الْمَسْجِد الْحَرَام فِيهِ خلاف مِنْهُم من قَالَ يقوم لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سوى بَينهمَا بالتعديل بِأَلف صَلَاة وعَلى هَذَا يقوم الْمَسْجِد الْحَرَام مقامهما وَمِنْهُم من قَالَ إِذا عين فَلَا بُد من التعين وَمِنْهُم من طرد هَذَا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَقَالَ لَا يقوم مقَام المسجدين وَلَا خلاف أَنه لَو نذر ألف صَلَاة لَا تكفيه صَلَاة وَاحِدَة فِي هَذِه الْمَسَاجِد وَلَو نذر صَلَاة فِي الْكَعْبَة جَازَ الصَّلَاة فِي أرجاء الْمَسْجِد
النَّوْع الْخَامِس فِي الضَّحَايَا والهدايا
وَقد ذَكرْنَاهُ فِي الْحَج ونتكلم الْآن فِي أَلْفَاظ خَمْسَة الأول لَو نذر أَن يتَقرَّب بسوق شَاة إِلَى مَكَّة لزمَه وَلم يكفه الذّبْح فِي غير مَكَّة ثمَّ يلْزمه التَّفْرِقَة بِمَكَّة لِأَن التلطيخ وَحده لَيْسَ بِقُرْبِهِ وَفِيه وَجه أَنه لَا تلْزمهُ التَّفْرِقَة بهَا بل يجوز النَّقْل لِأَنَّهُ لم يلتزمه مَقْصُودا وَأما إِذا لم يذكر لفظ الضحية وَلَا لفظا يدل على الْقرْبَة بل قَالَ لله عَليّ أَن أذبح بِمَكَّة فَالْأَظْهر أَنه يلْزمه لِأَن اقترانه بِذكر الله تَعَالَى وَمَكَّة يشْعر بِقصد التَّقَرُّب وَمِنْهُم من قَالَ لَا يلْزمه لِأَن الذّبْح الْمَذْكُور بِمُجَرَّدِهِ لَيْسَ بقربة مَا لم يُوصف بِمَا يدل عَلَيْهِ فَإِن قَالَ لله عَليّ أَن أذبح بنيسابور فَوَجْهَانِ مرتبان وَأولى بِأَن لَا يجب لِأَن لفظ مَكَّة قرينَة مَعَ ذكر اسْم الله تَعَالَى
التَّفْرِيع
إِن قُلْنَا يلْزم لَو ذكر لفظ التَّضْحِيَة بنيسابور فَهَل يتَعَيَّن تَفْرِقَة اللَّحْم بهَا فِيهِ وَجْهَان يستمدام نن جَوَاز نقل الصَّدَقَة وَيخرج عَلَيْهِ الْخلاف فِي أَن الْفَقِير هَل يتَعَيَّن للتصدق عَلَيْهِ إِذا عين فَفِي وَجه لَا يلْزم إِذْ لم تثبت قربَة فِي هَذِه الْأَعْيَان بِخِلَاف مَكَّة فَإِن قُلْنَا لَا يلْزم فَالظَّاهِر أَنه يلْزم النّذر وَيسْقط التَّعْيِين وَيحْتَمل أَن يُقَال فسد أصل النّذر فَإِن قُلْنَا تتَعَيَّن للتفرقة فَهَل يتَعَيَّن للذبح فِيهِ وَجْهَان من حَيْثُ إِن تَخْصِيص الْبِلَاد بِالزَّكَاةِ مَعْهُود أما بِالذبْحِ فَلَا إِلَّا فِي مَكَّة وَلَكِن لَا يبعد أَن يجب تَابعا للتفرقة اللَّفْظ الثَّانِي إِذا قَالَ لله عَليّ أَن أضحي بِبدنِهِ لزمَه بعير وَهل يقوم مقَامه بقرة أَو سبع من الْغنم فِيهِ طَرِيقَانِ أَحدهمَا إِن عدمت الْبَدنَة جَازَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ
وَالثَّانِي إِن وجدت لم يجز وَإِن عدمت فَوَجْهَانِ ومأخذ الْخلاف الإلتفات إِلَى مُوجب اللَّفْظ أَو وضع الشَّرْع فِي التَّعْدِيل وَلَا خلاف فِي أَنه لَو نذر دَرَاهِم فَلَا يتَصَدَّق بِجِنْس آخر
التَّفْرِيع
إِن جَوَّزنَا الْإِبْدَال فَلَا يشْتَرط المعادلة فِي الْقيمَة وَفِيه وَجه بعيد أَنه يشْتَرط وَأما الصّفة فَالصَّحِيح أَنه يتَعَيَّن من الْإِبِل الْبَعِير الثني الَّذِي يجزىء فِي الضحية بقوله عَليّ أَن أضحي وَذكر الْعِرَاقِيُّونَ وَجها أَنه ينزل على مَا يُسمى بَدَنَة وَإِن كَانَ معيبا نعم لَا يجزىء الفصيل فَإِنَّهُ لَا يُسمى بَدَنَة اللَّفْظ الثَّالِث إِذا قَالَ لله عَليّ هدي وَإِن نزلناه على أقل وَاجِب الشَّرْع فَعَلَيهِ حَيَوَان من النعم سليم من الْعُيُوب وَيلْزمهُ السُّوق إِلَى الْحرم وَفِيه وَجه أَن السُّوق لَا يجب لِأَن دم الْإِحْصَار وَدم الْحَيَوَان تجزىء فِي غير الْحرم وَإِن قُلْنَا ينزل على جَائِز الشَّرْع فَكل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْهدى والمنحة وَلَو دانق يتَصَدَّق بِهِ حَيْثُ كَانَ وَفِيه وَجه أَنه لَا بُد من تَبْلِيغ الْحرم لاسم الْهَدْي وَهُوَ بعيد اللَّفْظ الرَّابِع إِذا قَالَ لله عَليّ أَن أهدي هَذِه الظبية إِلَى مَكَّة لزمَه التَّبْلِيغ وَيتَصَدَّق بهَا حَيَّة بِمَكَّة إِذْ لَا قربَة فِي ذَبحهَا كَمَا لَو نذر عشرَة أَذْرع من كرباس لَا يخيطه قَمِيصًا وَلَو نذر بَعِيرًا معيبا لَا يجزىء فِي الضحية فَفِي وجوب ذبحه بمكه وَجْهَان لِأَنَّهُ من جنس الضحية
وَإِن لم يكن بِصفتِهِ فَلَو عين مَالا وَقَالَ عَليّ أَن أهديه إِلَى مَكَّة لزمَه النَّقْل بِعَيْنِه إِلَّا أَن يكون عقارا أَو حجر رحى مِمَّا لَا يُمكن النَّقْل فيبيع وينقل الْقيمَة وَخرج من هَذَا أَن مَكَّة تتَعَيَّن فِي الصَّدَقَة وَالصَّلَاة إِذا عينت وَهل تتَعَيَّن للصَّوْم الظَّاهِر أَنه لَا تتَعَيَّن إِذْ لم يثبت لَهَا اخْتِصَاص فِي الصَّوْم بِخِلَاف الصَّلَاة وَالصَّدَََقَة اللَّفْظ الْخَامِس إِذا قَالَ عَليّ أَن أستر الْكَعْبَة أَو أطيبها لزمَه لِأَن السّتْر عهد فِي الْعَصْر الأول وَلم يُنكر وَهَذَا يدل على أَن مَا لَيْسَ بقربة مَقْصُودَة أَيْضا يلْزم بِالنذرِ وَيجوز ستر الْكَعْبَة بالحرير لِأَن ذَلِك محرم على الرِّجَال أَن يلبسوه بِأَنْفسِهِم لَا فِي التزين وَفِي إلتزام تطييب المسجدين الآخرين تردد وَالله تَعَالَى أعلم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي التَّوْلِيَة والعزل وَفِيه فصلان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
الْفَصْل الأول فِي التَّوْلِيَة
وَفِيه سِتّ مسَائِل الأولى فِي فَضِيلَة الْقَضَاء وَالْقِيَام بمصالح الْمُسلمين والإنتصاف للمظلومين من أفضل القربات وَهُوَ من فروض الكفايات وَهُوَ أفضل من الْجِهَاد وأهم مِنْهُ لِأَن الْجِهَاد لطلب الزِّيَادَة وَالْقَضَاء لحفظ الْمَوْجُود وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليَوْم وَاحِد من إِمَام عَادل أفضل من عبَادَة سِتِّينَ سنة وحد يُقَام فِي أَرض بِحقِّهِ أزكى من مطر أَرْبَعِينَ خَرِيفًا فلأجل فَضِيلَة الْولَايَة وَكَونهَا مهما لنظام الدّين وَالدُّنْيَا تجب الْإِجَابَة على من دعِي إِلَى الحكم وَالْمُسْتَحب أَن يَقُول إِذا دعِي سمعا وَطَاعَة الثَّانِيَة فِي جَوَاز طلب الْقَضَاء والولايات وَقد ورد فِيهِ التحذير مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ من الْفضل فقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ولي الْقَضَاء فقد ذبح بِغَيْر سكين وَقَالَ لعبد الرحمن بن سَمُرَة لَا تسْأَل الْإِمَارَة فَإنَّك إِن أعطيتهَا عَن
مَسْأَلَة وكلت إِلَيْهَا وَإِن أعطيتهَا من غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا وَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ مَا من أَمِير وَلَا وَال إِلَّا وَيُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة مغلولة يَدَاهُ إِلَى عُنُقه أطلقهُ عدله أَو أوبقه جوره وَإِنَّمَا هَذِه التحذيرات لِأَن هَذِه الْولَايَة تستخرج من النَّفس خفايا الْخبث حَتَّى يمِيل على الْعَدو وينتقم مِنْهُ وَينظر للصديق وَيتبع الْأَغْرَاض وَقد يظنّ بِنَفسِهِ التَّقْوَى فَإِذا ولي تغير فَنَقُول للطَّالِب أَرْبَعَة أَحْوَال إِحْدَاهَا أَن يكون مُتَعَيّنا بِأَن لَا يُوجد غَيره مِمَّن يصلح فالطب فرض عَلَيْهِ وَإِن كَانَ خاملا فَعَلَيهِ أَن يشهر نَفسه عِنْد الإِمَام حَتَّى يُولى ثمَّ إِن كَانَ يخَاف على نَفسه الْخِيَانَة والميل لم يكن هَذَا عذارا بل عَلَيْهِ أَن يُجَاهد نَفسه ويلازم سمت التَّقْوَى فَإِن تولى وَمَال عصى وَإِن امْتنع من الْقبُول خوفًا من الْميل عصى وَهُوَ مُتَرَدّد بَين إِحْدَى معصيتين لَا محَالة الثَّانِيَة أَن يكون فِي النَّاحِيَة من هُوَ أصلح مِنْهُ فَفِي انْعِقَاد إِمَامَة الْمَفْضُول خلاف
فَإِن منعنَا فَفِي انْعِقَاد قَضَاء الْمَفْضُول وتوليته خلاف وَالأَصَح أَنه ينْعَقد لِأَن مَا يفوت من مزية الْإِمَامَة لَا جبر لَهَا ونقصان القَاضِي يجْبرهُ نظر الإِمَام من وَرَائه فَإِن قُلْنَا لَا ينْعَقد حرم عَلَيْهِ الْقبُول وَحرم على الإِمَام التَّوْلِيَة فَإِن قُلْنَا ينْعَقد جَازَ للمفضول الْقبُول إِن ولي بِغَيْر مسأله وَأولى أَن لَا يقبل وَأما الطّلب فمكروه وَلَا يَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيم وَقيل إِنَّه يحرم وَهَذَا كُله فِي الواثق بِنَفسِهِ الَّذِي اختبر ورعها وتقواها فَإِن كَانَ مَعَه استشعار خِيَانَة فَيحرم الطّلب الثَّالِثَة أَن يكون فِي الْبَلَد من هُوَ دونه فَإِن قُلْنَا لَا تَنْعَقِد ولَايَة الْمَفْضُول الْتحق بالصورة الأولى وَإِن قُلْنَا تَنْعَقِد جَازَ الْقبُول بل هُوَ الأولى لتَحْصِيل تِلْكَ المزية للْمُسلمين وَأما الطّلب فَهُوَ جَائِز وَإِن قلد بِغَيْر سُؤال فَهَل يلْزمه الْقبُول فِيهِ وَجْهَان وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ واثقا بِنَفسِهِ فَإِن كَانَ خَائفًا فَهَذَا لَا يوازيه مزية الْفَضِيلَة فليمتنع الرَّابِعَة أَن يكون فِي النَّاحِيَة مثله فالقبول جَائِز وَإِن ولي بِغَيْر سُؤال فَلَا يجب الْقبُول على الْأَظْهر لِأَنَّهُ غير مُتَعَيّن لَكِن الأولى الْقبُول لِأَنَّهُ أَتَاهُ من غير مَسْأَلَة فيعان عَلَيْهِ وَأما الطّلب فَيحْتَمل أَن يكره للخطر وَيحْتَمل أَن يسْتَحبّ للفضيلة وكل هَذَا إِذا لم يخف على نَفسه فَإِن خَافَ خوفًا ظَاهرا فَعَلَيهِ الحذر وَإِن كَانَ لَا يستشعر ميلًا وَلكنه لم يجرب نَفسه فِي الولايات فَإِن كَانَ لَهُ حَاجَة لطلب رزق وكفاية فَلَا تطلق لَهُ الْكَرَاهِيَة بالتوهم مَعَ الْحَاجة فَلهُ الطّلب وَإِن لم تكن حَاجَة فَيكْرَه لَهُ الطّلب بِمُجَرَّد هَذَا الإستشعار وَلَا يَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيم الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي صِفَات الْقُضَاة وَلَا بُد أَن يكون حرا ذكرا مفتيا بَصيرًا إِذْ لَا ولَايَة للْعَبد وَلَا للْمَرْأَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يجوز تَوْلِيَة الْمَرْأَة فِيمَا لَهَا فِيهِ شَهَادَة
وَقَوْلنَا مفتي أردنَا الْمُجْتَهد الَّذِي تقبل فتواه وَيخرج عَنهُ الصَّبِي وَالْفَاسِق إِذْ لَا تقبل فتواهما نعم الفاص مفت فِي حق نَفسه حَتَّى لَا يجوز لَهُ تَقْلِيد غَيره وَلَكِن لَا يوثق بفتواه ونعني الْمُجْتَهد المتمكن من دَرك أَحْكَام الشَّرْع اسْتِقْلَالا من غير تَقْلِيد غَيره ويستقصى تَفْصِيل ذَلِك فِي علم الْوُصُول أما الْمُقَلّد فَلَا يصلح للْقَضَاء وَأما من بلغ مبلغ الإجتهاد فِي مَذْهَب إِمَام لَا فِي أصل الشَّرْع فَفِي جَوَاز الْفَتْوَى لَهُ خلاف مَبْنِيّ على أَن من قَلّدهُ كَانَ قد قلد إِمَامه الْمَيِّت أم قَلّدهُ فِي نَفسه فَمن جوز تَقْلِيد الْمَيِّت وَهُوَ الصَّحِيح جوز لَهُ
الْفَتْوَى وَمَعَ هَذَا فَلَا تجوز تَوليته مَعَ الْقُدْرَة على مُجْتَهد مُسْتَقل وَإِذا لم يُوجد غَيره وَجب تَقْدِيمه على الْجَاهِل وَالَّذِي لم يبلغ مبلغ الإجتهاد فِي الْمَذْهَب وَيَنْبَغِي أَن يعْتَبر مَعَ هَذِه الْخِصَال الْكَفَاءَة اللائقة بِالْقضَاءِ فمجرد الْعلم لَا يَكْفِي لهَذِهِ الْأُمُور وَفِي تَوْلِيَة الْأُمِّي الَّذِي لَا يحسن الْكِتَابَة وَجْهَان أصَحهمَا الْجَوَاز إِذْ كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُمِّيا وَأما الْعَمى فمينع الْقَضَاء لِأَنَّهُ لَا يُمَيّز بَين الْخُصُوم وَالشُّهُود ثمَّ هَذِه الشُّرُوط أطلقها أَصْحَابنَا وَقد تعذر فِي عصرنا لِأَن مصدر الولايات خَال عَن هَذِه الصِّفَات وَقد خلا الْعَصْر أَيْضا عَن الْمُجْتَهد المستقل وَالْوَجْه الْقطع بتنفيذ قَضَاء من ولاه السُّلْطَان ذُو الشَّوْكَة كَيْلا تتعطل مصَالح الْخلق فَإنَّا ننفذ قَضَاء أهل الْبَغي للْحَاجة فَكيف يجوز تَعْطِيل الْقَضَاء الْآن نعم يَعْصِي السُّلْطَان بتفويضه إِلَى الْفَاسِق وَالْجَاهِل وَلَكِن بعد أَن ولاه فَلَا بُد من تَنْفِيذ أَحْكَامه للضَّرُورَة الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة فِي الإستخلاف وَالْأولَى بِالْإِمَامِ أَن يُصَرح بِالْإِذْنِ فِيهِ فَإِن نهى
امْتنع وَإِن أطلق فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يمْتَنع لِأَنَّهُ لم يُفَوض إِلَيْهِ وَولَايَة الْقَضَاء عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ تتجزأ حَتَّى لَو فوض إِلَيْهِ قَضَاء الرِّجَال دون النِّسَاء أَو قَضَاء الْأَمْوَال دون النُّفُوس أَو اسْتثْنى شخصا وَاحِدًا عَن ولَايَته نفذ عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله فَكَذَلِك إِذا لم يُفَوض إِلَيْهِ الإستخلاف وَالثَّانِي أَن الْمُطلق ينزل على الْمُعْتَاد فَيجوز لَهُ الإستخلاف وَالثَّالِث أَنه إِن اتسعت خطة الْولَايَة بِحَيْثُ لَا يقدر على الْقيام بِنَفسِهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وتشترط صِفَات الْقُضَاة فِي النَّائِب إِلَّا إِذا لم يُفَوض إِلَيْهِ إِلَّا تعْيين الشُّهُود أَو التَّزْكِيَة فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط من الْعلم إِلَّا مَا يَلِيق بِهِ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد نَائِب القَاضِي فِي الْقرى إِذا لم يُفَوض إِلَيْهِ إِمْضَاء الحكم بل سَماع الْبَيِّنَة ونقلها فَلَا يشْتَرط منصب الإجتهاد بل الْعلم اللَّائِق بِأَحْكَام الْبَينَات
فرع
لَيْسَ لَهُ أَن يشْتَرط على النَّائِب الحكم بِخِلَاف اجْتِهَاده أَو بِخِلَاف اعْتِقَاده حَيْثُ يجوز تَوْلِيَة الْمُقَلّد للضَّرُورَة بل اعْتِقَاد الْمُقَلّد فِي حَقه كالإجتهاد فِي حق الْمُجْتَهد فَإِن شَرط حَنَفِيّ على نَائِبه الشَّافِعِي الحكم بِمذهب أبي حنيفَة رَحمَه الله جَازَ لَهُ الحكم فِي كل مَسْأَلَة توَافق فِيهَا المذهبان وَمَا فِيهِ خلاف لَا يحكم فِيهِ أصلا لَا بِمذهب أبي حنيفَة رَحمَه
الله فَإِنَّهُ خلاف اعْتِقَاده وَلَا بِمذهب الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ لم يُفَوض إِلَيْهِ الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة إِذا نصب فِي بَلْدَة قاضيين على أَن لَا يسْتَقلّ أَحدهمَا دون الآخر لم يجز لِأَن الإختلاف يكثر فِي الإجتهاد فَيُؤَدِّي إِلَى بَقَاء الْخُصُومَات ناشئة وَلَو خصص كل قَاض بِطرف من أَطْرَاف الْبَلَد جَازَ كَمَا يعْتَاد فِي بَغْدَاد وَإِن أثبت لكل وَاحِد الإستقلال فِي جَمِيع الْبَلَد فَوَجْهَانِ أَحدهمَا لَا إِذْ يتنازع الخصمان فِي اخْتِيَار أَحدهمَا وَكَذَلِكَ فِي إِجَابَة داعيهما بِخِلَاف دَاعِي الإِمَام وَالْقَاضِي أَو خَلِيفَته فَإِن دَاعِي الأَصْل يقدم وَكَذَلِكَ من اخْتَارَهُ وَالثَّانِي أَنه يجوز وَيحكم عِنْد النزاع بِالْقُرْعَةِ فِي التَّقْدِيم الْمَسْأَلَة السَّادِسَة فِي التَّحْكِيم إِذا حكم رجلَانِ اخْتَصمَا فِي مَال هَل ينفذ حكمه عَلَيْهِمَا فِيهِ قَولَانِ وَالنِّكَاح مُرَتّب على المَال وَأولى بِأَن لَا ينفذ والعقوبات مرتبَة على النِّكَاح وَأولى بِأَن لَا تنفذ ثمَّ اخْتلف فِي مَحل الْقَوْلَيْنِ قيل إِنَّه إِذا لم يكن فِي الْبَلَد قَاض فَإِن كَانَ لم يجز وَقيل إِن لم
يكن فَهُوَ جَائِز وَإِن كَانَ فَقَوْلَانِ وَقيل بطرد الْقَوْلَيْنِ مُطلقًا وَالأَصَح الْمَنْع بِكُل حَال وَقد ذكرنَا تَوْجِيه ذَلِك فِي مَسْأَلَة مُفْردَة التمس بعضه الْفُقَهَاء بِالشَّام
التَّفْرِيع
إِن جَوَّزنَا ذَلِك فَلْيَكُن الْمُحكم على صفة تجوز للْقَاضِي تَوليته ثمَّ لَا ينفذ إِلَّا على من رَضِي فَلَو تعلق بثالث كَمَا إِذا كَانَ فِي قتل الْخَطَأ لم يضْرب الدِّيَة على الْعَاقِلَة إِذا لم يرْضوا بِحكمِهِ وَفِيه وَجه أَن رضَا الْقَاتِل كَاف فِيهِ لأَنهم تبع لَهُ وَهُوَ بعيد لِأَن إِقْرَار الْقَاتِل لَا يلْزمهُم فَكيف يلْزمهُم رِضَاهُ وَالْمذهب أَنه لَا يحكم فِي الإستيفاء بل لَيْسَ إِلَيْهِ إِلَّا الْإِثْبَات وَفِيه وَجه وَلَا شكّ أَنه مَمْنُوع من اسْتِيفَاء الْعُقُوبَات لِأَنَّهُ يخرم أبهة الْولَايَة ثمَّ للمحكم أَن يرجع عَن التَّحْكِيم قبل تَمام الحكم وَبعده فَلَا ينفع وَإِن لم يجدد رضَا بعد الحكم فَهَل يلْزم بِمُجَرَّد الرِّضَا السَّابِق ذكر الْعِرَاقِيُّونَ وَجْهَيْن
الْفَصْل الثَّانِي فِي الْعَزْل وَحكمه
وَفِيه خمس مسَائِل الأولى فِي الإنعزال وينعزل بِكُل صفة لَو قارنت التَّوْلِيَة لامتنع كالعمى وَالْجُنُون وَالنِّسْيَان أما الْفسق فالإمام الْأَعْظَم لَا يَنْعَزِل بطرآنه إِذْ فِيهِ خطر ويجر ذَلِك فَسَادًا أما القَاضِي إِذا فسق وَجب على الإِمَام عَزله وَقطع الْفُقَهَاء المعتبرون بانعزاله وَقَالَ بعض الْأُصُولِيِّينَ لَا يَنْعَزِل إِلَّا أَن يعْزل
فرع
لَو جنالقاضي ثمَّ أَفَاق فَهَل يعود قَضَاؤُهُ فِيهِ وَجْهَان وَالأَصَح أَنه لَا يعود كَالْوكَالَةِ لِأَن الْقَضَاء أَيْضا جَائِز إِذْ للْقَاضِي أَن يعْزل نَفسه الثَّانِيَة فِي جَوَاز الْعَزْل فللإمام عزل القَاضِي إِذا رابه مِنْهُ أَمر وَيَكْفِي غَلَبَة الظَّن فَإِن لم يظْهر سَبَب فَعَزله بِمن هُوَ أفضل نفذ وَإِن عَزله بِمن هُوَ دونه لم ينفذ على الْأَظْهر وَإِن عَزله بِمثلِهِ فَوَجْهَانِ وَاخْتَارَ الإِمَام نُفُوذ عَزله بِكُل حَال إِذْ رُبمَا يرى من هُوَ دونه أصلح لَهُم مِنْهُ نعم عَلَيْهِ فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى أَن لَا يعْزل إِلَّا لمصْلحَة الْمُسلمين فَإِن خَالف الْمصلحَة عصى وَلَكِن يَنْبَغِي أَن ينفذ عَزله فَإِن ذَلِك يجر فَسَادًا فِي الْأَقْضِيَة
فرع حَيْثُ ينفذ الْعَزْل فَهَل يقف على بُلُوغ الْخَبَر إِلَيْهِ طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَنه على قَوْلَيْنِ كَالْوَكِيلِ وَالثَّانِي الْقطع بِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِل لما فِيهِ من الضَّرَر
أما إِذا كتب إِذا قَرَأت كتابي هَذَا فينعزل عِنْد الْقِرَاءَة وَكَذَلِكَ إِذا قرىء عَلَيْهِ بِخِلَاف الطَّلَاق فَإِن ذَلِك يَنْبَنِي على اللَّفْظ وَهَذَا يَنْبَنِي على الْمَقْصُود وَلَا يقْصد الإِمَام الجاد فِي الْعَزْل قِرَاءَته بِنَفسِهِ وَفِيه وَجه أَن هَذَا كَالطَّلَاقِ الثَّالِثَة إِذا انْعَزل الإِمَام لم يَنْعَزِل الْقُضَاة وَكَذَا إِذا مَاتَ إِذْ يعظم الضَّرَر فِي خلو الخطة عَن الْقُضَاة وَلَو انْعَزل القَاضِي بعزل أَو موت أَو غَيره انْعَزل كل من فوض إِلَيْهِ شغلا معينا كمن يصغي إِلَى شَهَادَة مُعينَة وَأما خَلِيفَته ونوابه فِي الْقرى وقيم الْأَطْفَال فَفِي انعزالهم ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنهم لَا ينعزلون كَمَا لَا يَنْعَزِل القَاضِي بِمَوْت الإِمَام الثَّانِي ينعزلون كَمَا يَنْعَزِل الْوَكِيل وَالثَّالِث أَنه إِن اسْتخْلف بِالْإِذْنِ الصَّرِيح لم ينعزلوا وَإِن اسْتَقل بالإستخلاف انعزلوا الرَّابِعَة إِذا قَالَ القَاضِي بعد الْعَزْل كنت قضيت لفُلَان لم يقبل قَوْله كَالْوَكِيلِ بعد الْعَزْل وَيقبل بِمُجَرَّد قَوْله قبل الْعَزْل وَإِن لم تكن بَيِّنَة وَإِن قضينا بِأَنَّهُ لَا يحكم بِمُجَرَّد علمه وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أهل الْإِنْشَاء فِي الْحَال وَلَو شهد عَدْلَانِ بعد الْعَزْل على قَضَائِهِ ثَبت وَإِن كَانَ هُوَ أحد العدلين وَقَالَ أشهد أَنِّي قضيت لم يقبل وَلَو قَالَ أشهد أَن قَاضِيا قضى فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا تقبل كَمَا تقبل شَهَادَة الْمُرضعَة كَذَلِك
وَالثَّانِي لَا لِأَن نِسْبَة الْقَضَاء إِلَيْهِ ظَاهر فَكَأَنَّهُ صرح بِهِ الْخَامِسَة من ادّعى على قَاض مَعْزُول أَنه أَخذ مِنْهُ رشوة حمله إِلَى القَاضِي الْمَنْصُوب ليفصل بَينهمَا الْخُصُومَة بطريقها وَإِن ادّعى أَنه أَخذ مني المَال بِشَهَادَة عَبْدَيْنِ أَو معلنين بِالْفِسْقِ فَكَذَلِك وَإِن ادّعى مُجَرّد الحكم دون أَخذ المَال فَفِي قبُول الدَّعْوَى وَجْهَان ينبنيان على أَن القَاضِي إِذا أقرّ على نَفسه بذلك هَل يغرم أم يخْتَص الْغرم بالشهود لَو حاسب الصَّارِف الْأُمَنَاء فَادّعى وَاحِد مِنْهُم أَنه أَخذ مِنْهُ أُجْرَة قدرهَا لَهُ الْمَعْزُول فَلَا أثر لتصديق الْمَعْزُول وَلَكِن الزَّائِد على أُجْرَة الْمثل يسْتَردّ وَهل تصدق يَمِينه فِي قدر أُجْرَة الْمثل فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ مُدع وَالثَّانِي نعم لِأَن الظَّاهِر أَنه لَا يعْمل مجَّانا وَقد فَاتَت مَنَافِعه فَلَا بُد من عوض
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي جَامع آدَاب الْقَضَاء وَفِيه فُصُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
الْفَصْل الأول فِي آدَاب مُتَفَرِّقَة
وَهِي عشرَة الأول أَن من قبل الْولَايَة فِي الحضرة فليقدم إِلَى الْبَلَد من يشيع ولَايَته فَإِن انْصَرف على الْفَوْر وَقدم فَجْأَة وَلم يستفض فَادّعى أَنه قَاض فَلهم الإمتناع من الطَّاعَة إِن لم يكن مَعَه كتاب وَإِن كَانَ كتاب من غير استفاضة وَلَا شَهَادَة عَدْلَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يجب اعْتِمَاد الْكتاب مَعَ مخايل الصدْق وَبعد الجرأة على التلبيس فِي مثل هَذَا على السُّلْطَان وَالثَّانِي أَن ابْتِدَاء الْأُمُور الْعَظِيمَة لَا بُد من الإحتياط فِيهَا فَلَا بُد من عَدْلَيْنِ يخبران عَن التَّوْلِيَة وَإِن لم تكن على صِيغَة الشَّهَادَة فَإِنَّهُ لَيْسَ لذَلِك خصم معِين حَتَّى تُقَام عَلَيْهِ وَلَا ثمَّ قَاض آخر تثبت عِنْده وَإِن ظَهرت مخايل الْخِيَانَة فَلَا حرج على النَّاس فِي التَّوَقُّف أصلا الْأَدَب الثَّانِي أَنه كَمَا قدم فَيَنْبَغِي أَن لَا يشْتَغل بِشَيْء حَتَّى يفتش عَن المحبوسين
فَمن كَانَ مَحْبُوسًا ظلما أَو فِي تَعْزِير أطلقهُ وَمن أقرّ بِأَنَّهُ مَحْبُوس بِحَق رده إِلَى الْحَبْس فَإِن لم يعْتَرف سَأَلَهُ عَن خَصمه فَإِن ذكر خصما حَاضرا أحضرهُ فطالبه بابتداء الْخُصُومَة فَإِن أَقَامَ الْحجَّة على أَن القَاضِي الأول حكم عَلَيْهِ رده إِلَى الْحَبْس وَإِلَّا خلاه حَتَّى يسْتَأْنف الْخُصُومَة فَإِن قَالَ الْمَحْبُوس حبست ظلما قَالَ بَعضهم يخلى فَإِن إمسكانه من غير حجَّة لَا وَجه لَهُ وخصمه يحْتَاج إِلَى ابْتِدَاء الْخُصُومَة لَا محَالة وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ لَا بُد أَن يحضر خَصمه أَولا وَيسْأل فَإِن لم يظْهر لَهُ خصم أطلق فَإِن قَالَ لَا أَدْرِي لم حبست يُنَادى عَلَيْهِ إِلَى حد الإشاعة فَإِن لم يظْهر لَهُ خصم أطلق وَفِي مُدَّة الإشاعة لَا يحبس وَلَا يخلى بل يراقب وَهل يُطَالب بكفيل بِبدنِهِ فِيهِ وَجْهَان وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه لَا يلْزمه ذَلِك فَإِن ذكر خصما غَائِبا وَقَالَ أَنا مظلوم فَمنهمْ من قطع بِأَنَّهُ يخلى وَمِنْهُم من ذكر وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه يكْتب إِلَى خَصمه حَتَّى يجْتَهد فِي التَّعْجِيل ويحضر فَإِن تخلف أطلق وَالثَّانِي أَنه يُطلق لِأَن انْتِظَار الْغَائِب يطول بِخِلَاف الْحَاضِر ثمَّ يَنْبَغِي أَن يُبَادر بعد الْفَرَاغ من المحبوسين إِلَى النّظر فِي أَمْوَال الْأَيْتَام والأوصياء ومحاسبتهم فَإِنَّهَا وقائع لَا رَافع لَهَا إِلَيْهِ فَإِن وَقعت حَادِثَة فِي أثْنَاء ذَلِك وَلم يتَفَرَّع لفصلها مَعَ شغل الأوصياء اسْتخْلف من يقوم بِأحد المهمين وَالْغَرَض مبادرة هَذِه الْأُمُور الْأَدَب الثَّالِث أَن يتروى بعد ذَلِك فِي تَرْتِيب الْكتاب والمزكين والمترجمين أما الْكَاتِب
فَلْيَكُن عدلا عَاقِلا نزها عَن الطمع وَيَكْفِي كَاتب وَاحِد وَلَا أقل من مزكيين وَسَتَأْتِي صفاتهم وَأما المترجم فَلَا بُد أَيْضا من عَددهمْ وَأما المسمع وَهُوَ الَّذِي يسمع القَاضِي الْأَصَم فَفِي اشْتِرَاط الْعدَد ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يشْتَرط كالمترجم فَإِنَّهُ ينْقل عين اللَّفْظ كَمَا أَن ذَلِك ينْقل معنى اللَّفْظ وَالثَّانِي لَا لِأَن المسمع لَو غير عرفه الخصمان والحاضرون بِخِلَاف التَّرْجَمَة وَالثَّالِث أَن الْعدَد لَا يشْتَرط إِلَّا أَن يكون الخصمان أصمين فَإِن الْقَوْم قد يغفلون عَن تَغْيِيره والخصم هُوَ الَّذِي يعتني بِهِ
التَّفْرِيع
إِن لم نشترط الْعدَد فَلَا نرعى لفظ الشَّهَادَة وَهل تشْتَرط الْحُرِّيَّة فِيهِ خلاف كَمَا فِي شَهَادَة رُؤْيَة الْهلَال لرمضان وَالصَّحِيح أَنه يسْلك بِهِ مَسْلَك الرِّوَايَة وَإِن شَرط الْعدَد فَفِي لفظ الشَّهَادَة وَجْهَان وعَلى الْجُمْلَة لَيست هَذِه شَهَادَة مُحَققَة وَلَكِن لَا يبعد الإستظهار فِيهَا بِالْعدَدِ وَاللَّفْظ وَقد حصل أَن الْعدَد شَرط فِي الشَّاهِد والمزكى والمترجم والمقوم وَلَا يشْتَرط فِي الْقَائِف
للْخَبَر وَهل يشْتَرط فِي الخارص وَالقَاسِم والمسمع فِيهِ وَجْهَان ثمَّ إِن شرطنا الْعدَد فِي المسمع فَلَا بُد من رجلَيْنِ وَإِن كَانَت الْخُصُومَة فِي مَال وَكَذَا فِي الشَّهَادَة على الْوكَالَة بِالْمَالِ لِأَن الْمَشْهُود عَلَيْهِ لَيْسَ بِمَال فِي نَفسه وَإِن كَانَ إِلَيْهِ يَئُول
فرع
إِذا طلب المسمع أُجْرَة فَهِيَ على صَاحب الْحق أم هِيَ من بَيت المَال على وَجْهَيْن الْأَدَب الرَّابِع أَن يتَّخذ القَاضِي مَجْلِسا رفيقعا يكون مهب الرِّيَاح فِي الصَّيف وَفِي الشتَاء كَمَا كسا وَالْمَقْصُود أَن لَا يتسارع إِلَيْهِ الْملَل فيستضر الْخُصُوم وَلَا يَنْبَغِي أَن يتَّخذ الْمَسْجِد مَجْلِسا للْقَضَاء فَإِن فعل ذَلِك فَهُوَ مَكْرُوه وَلَيْسَ بِمحرم وَسبب الْكَرَاهَة إفضاؤه إِلَى رفع الْأَصْوَات وَدخُول النِّسَاء الْحيض وَالصبيان وَقَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِذا كنت
أكره ذَلِك فإقامة الْحُدُود أكره وَلَا بَأْس بفصل قَضِيَّة أَو قضايا فِي أَوْقَات مُتَفَرِّقَة وَقد فعل ذَلِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَكِن لم يَتَّخِذهُ مَجْلِسا وَكَلَام الْمُزنِيّ يُشِير إِلَى أَن اتِّخَاذه مَجْلِسا لَا يكره لَكِن الأولى تَركه وَالصَّحِيح الْكَرَاهِيَة
فرع
ذكر الصيدلاني وَجْهَيْن فِي أَن القَاضِي هَل يتَّخذ حاجبا وبوابا وَالْوَجْه أَن يُقَال لَهُ ذَلِك إِن كَانَ فِي خلْوَة وَإِن جلس للْحكم وخشي الرَّحْمَة فَلهُ ذَلِك وَإِلَّا فَلْينْظر إِلَى الْمصلحَة نعم ينقدح التَّرَدُّد إِن لم يخمش الزحمة من حَيْثُ إِن فِيهِ توقفا لصَاحب الْحق إِلَى الإستئذان فَيجوز أَن يمْنَع مِنْهُ وَيجوز أَن يحْتَمل ذَلِك ليستعد القَاضِي وَيتْرك انبساطه فِي الْبَيْت ويتصدى لَهُ الْأَدَب الْخَامِس أَن لَا يقْضِي فِي حَال غضب وحزن بَين وألم مبرح وجوع غَالب إِذْ يسوء خلقه فيمتد غَضَبه قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان وَفِي
مَعْنَاهُ كل مَا يمْنَع من التؤدة وَاسْتِيفَاء الْفِكر الْأَدَب السَّادِس أَن لَا يخرج حَتَّى يجْتَمع عُلَمَاء الْفَرِيقَيْنِ ليشاورهم فَيكون أبعد من التُّهْمَة قَالَ تَعَالَى ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ رَحمَه الله كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مستغنيا عَن مشاورتهم وَلَكِن أَرَادَ أَن تصير سنة للحكام الْأَدَب السَّابِع أَن لَا يَبِيع وَلَا يَشْتَرِي بِنَفسِهِ وَلَا بوكيل مَعْرُوف لِأَنَّهُ يستحيا مِنْهُ أَو يخَاف فيحابى فَيكون مرتشيا بِقدر الْمُسَامحَة الْأَدَب الثَّامِن إِذا أَسَاءَ وَاحِد أدبه فِي مَجْلِسه بمجاوزة حد الشَّرْع فِي الْخِصَام أَو مشافهة الشُّهُود بالتكذيب زَجره بِاللِّسَانِ فَإِن عَاد عزره وراعى التدريج فِيهِ فَإِن ظهر لَهُ شَهَادَة زور عزّر المزور على مَلأ من النَّاس ونادى عَلَيْهِ حَتَّى لَا يحمل الشَّهَادَة بعده الْأَدَب التَّاسِع أَن لَا يقْضِي لوَلَده وَلَا على عدوه بِعِلْمِهِ وَإِن قُلْنَا يقْضِي بِالْعلمِ وَهل يقْضِي بِالْبَيِّنَةِ فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ أَسِير شَاهِدين فَلَيْسَ إِلَيْهِ شَيْء بِخِلَاف الشَّاهِد فَإِنَّهُ يقدر على الْكَذِب وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَح أَنه لَا يقْضِي إِذْ إِلَيْهِ الإستقصاء فِي دقائق أَدَاء الشَّهَادَة وَالرَّدّ بالتهمة وَإِلَيْهِ التسامح فِيهِ فولده كنفسه فيرفع إِلَى الإِمَام فَإِن رفع إِلَى نَائِبه وَحكم بِهِ فَفِيهِ وَجْهَان يلتفتان على أَنه هَل يَنْعَزِل بِمَوْتِهِ فَإِنَّهُ إِن لم يَنْعَزِل يشابه قَاضِيا مُسْتقِلّا ووصى الْيَتِيم إِذا ولي الْقَضَاء فَلَا يقْضِي لَهُ لِأَنَّهُ خصم فِي حَقه كَمَا فِي حق نَفسه
وَولده وَقَالَ الْقفال يقْضِي لِأَن كل قَاض فَهُوَ ولي الْأَيْتَام وَهُوَ الصَّحِيح الْأَدَب الْعَاشِر أَن لَا ينْقض قَضَاء نَفسه وَلَا قَضَاء غَيره بِظَنّ واجتهاد يُقَارب ظَنّه الأول قضى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِإِسْقَاط الْأَخ من الْأَب وَالأُم فِي مَسْأَلَة المشركة بعد أَن شرك فِي الْعَام الأول فروجع فِيهِ فَقَالَ ذَاك على مَا قضينا وَهَذَا على مَا نقضي وينقض فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع الأول أَن يُخَالف نَص الْكتاب أَو سنة متواترة أَو إِجْمَاعًا وَهَذَا ظَاهر الثَّانِي أَن يُخَالف قِيَاسه واجتهاده خبر الْوَاحِد الصَّحِيح الصَّرِيح الَّذِي لَا يحْتَمل إِلَّا تَأْوِيلا
بَعيدا ينبو الْفَهم عَن قبُوله فينقض قَضَاء الْحَنَفِيّ فِي مَسْأَلَة خِيَار الْمجْلس والعرايا وذكاة الْجَنِين وَألْحق الْأَصْحَاب بِهِ النِّكَاح بِلَا ولي وَالْحكم بِشَهَادَة الْفَاسِق وَبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَأَمْثَاله وَقَالُوا لَا نبالي بتنزيل الْمُتَبَايعين فِي خِيَار الْمجْلس على المتقاولين وتنزيل الْمَرْأَة فِي النِّكَاح بِلَا ولي على الْأمة وَالصَّغِيرَة فَإِنَّهُ جلي الْبطلَان الثَّالِث أَن يُخَالف الْقيَاس الْجَلِيّ فينقض قَضَاء أَصْحَاب الظَّاهِر المعتقدين بطلَان
الْقيَاس لِأَنَّهُ بَاطِل بِدَلِيل أصولي قَاطع وينقض قَضَاء الْحَنَفِيّ إِن قضى بالإستحسان الْمُخَالف للْقِيَاس الْجَلِيّ إِلَّا أَن يعْنى بِهِ اتِّبَاع الْخَبَر أَو الْقيَاس الْخَفي فَمن اسْتحْسنَ بِغَيْر ذَلِك فقد شرع نعم قد اسْتحْسنَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ الْحلف بالمصحف وَلكنه مصلحَة من غير مُخَالفَة خبر وَقِيَاس فَهُوَ جَائِز وينقض مَذْهَب الْحَنَفِيّ فِي مَسْأَلَة الْقَتْل بالمثقل ومعظم مسَائِل الْحُدُود وَالْغَصْب لِأَنَّهُ على خلاف القانون الْكُلِّي وَقَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أنقض قَضَاء من حكم لزوجة الْمَفْقُود بِأَن تنْكح بعد تربص أَربع سِنِين وَإِن كَانَ ذَلِك مَذْهَب عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الرَّابِع أَن يُقَاوم الْقيَاس الْجَلِيّ قِيَاس خَفِي يسْتَند إِلَى وَاقعَة شَاذَّة لَا يُمكن تلفيقه إِلَّا بتكلف كَقَوْل أبي حنيفَة رَحمَه الله إِن الْمَأْذُون فِي التِّجَارَة لَا يقْتَصر على الْإِذْن بل يتَعَدَّى لقياس يتَكَلَّف استنباطه من مَسْأَلَة الْعهْدَة بالحيلة وَقَوْلنَا إِنَّه يتبع إِذن الْمَالِك قِيَاس جلي يعلم الأصولي سُقُوط خيالهم بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وعَلى الْجُمْلَة فَإِذا لم ينقدح عِنْده إِمْكَان الْإِصَابَة عِنْد الله عز وَجل بعد إِحَالَة وَقع فينقضه
وَهَذَا مِمَّا يخْتَلف بالمجتهدين والوقائع وَإِنَّمَا لَا ينْقض الْقَضَاء حِين يتقارب النظران تقاربا لَا يبعد وهم الْإِصَابَة أَو الْمصير إِلَى أَن كل وَاحِد مُصِيب ثمَّ الْقَضَاء وَإِن لم ينْقض فَلَا يتَغَيَّر بِهِ الحكم بَاطِنا وَإِنَّمَا ينفذ الْقَضَاء عندنَا ظَاهرا وَإِن وَقع فِي مَحل الإجتهاد وَقَالَ الْقفال يحل بَاطِنا وَقطع الأصوليون بِأَنَّهُ لَا يتَغَيَّر أَمر الْبَاطِن وَهُوَ الصَّحِيح فَلَا يحل للشفعوي شُفْعَة الْجَار وَإِن قضى لَهُ الْحَنَفِيّ بهَا وَهل يمنعهُ الْحَنَفِيّ عَن طلبه على خلاف اعْتِقَاده فِيهِ تردد وَالظَّاهِر أَنه لَا يمْنَع إِذْ القَاضِي لَا يلْتَفت إِلَى مَذْهَب غَيره فرع لَو ظهر لَهُ خطأ فِي وَاقعَة فليتتبع وَإِن لم ترفع إِلَيْهِ وَإِن ظهر لَهُ خطأ القَاضِي الْمَعْزُول لَا يلْزمه التتبع مَا لم ترفع إِلَيْهِ
الْفَصْل الثَّانِي فِي مُسْتَند قَضَائِهِ
وَلَا يخفى استناده إِلَى الْحجَج وَالْغَرَض الْقَضَاء بِالْعلمِ والخط أما الْقَضَاء بِمَا ينْفَرد بِعِلْمِهِ فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يقْضِي بِهِ وَهُوَ أقوى من شَاهِدين وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ يتَعَرَّض للتُّهمَةِ ويوغر الصُّدُور وَلَا يَلِيق بالإيالة فتح هَذَا الْبَاب فَيصير أَيْضا وَسِيلَة لقضاة السوء وَفِي الْعُقُوبَات قَولَانِ مرتبان وَأولى بِأَن لَا يقْضِي وَالصَّحِيح أَنه لَا معنى للتَّرْتِيب مَعَ حُصُول حَقِيقَة الْعلم والعقوبات فِيهِ كَالْمَالِ فَإِن قُلْنَا يقْضِي فَلَا خلاف أَنه لَا يقْضِي بظنه الَّذِي لَا يسْتَند إِلَى بَيِّنَة وَيَقْضِي بِعِلْمِهِ كَيفَ كَانَ وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يقْضِي إِلَّا بِعلم حصل فِي زمَان ولَايَته وَمَكَان ولَايَته وَإِن قُلْنَا لَا يقْضِي فيستثنى عَنهُ أَرْبَعَة أُمُور
الأول أَنه يتَوَقَّف عَن الْقَضَاء إِذا علم كذب الشُّهُود يَقِينا بل يجب عَلَيْهِ التَّوَقُّف عِنْد الرِّيبَة فَكيف يقْضِي على خلاف معلومه الثَّانِي أَنه يقْضِي بِهِ فِي عَدَالَة الشُّهُود وَمِنْهُم من قَالَ يحْتَاج إِلَى مزكين على هَذَا القَوْل لِأَنَّهُ يتهم وَكَيف لَا وَالْعَدَالَة لَا تعلم يَقِينا الثَّالِث يقْضِي على من أقرّ فِي مجْلِس الْقَضَاء وَإِن رَجَعَ الْمقر فَإِنَّهُ أقوى الْحجَج وَأما إِن أقرّ عِنْده سرا فَيخرج على الْقَوْلَيْنِ وَمِنْهُم من جوز أَيْضا على الْإِقْرَار سرا قولا وَاحِدًا الرَّابِع أَنه لَو شهد شَاهد وَاحِد فَهَل يُغني علمه عَن الشَّاهِد الثَّانِي حَتَّى يكون هُوَ كشاهد آخر فِيهِ وَجْهَان وَالأَصَح أَنه لَا يَكْفِي أما الْخط فَإِذا رأى القَاضِي خطه بِأَنِّي قضيت بِكَذَا لم يجز لَهُ إمضاؤه وَكَذَا الشَّاهِد
بل لَا بُد وَأَن يتَذَكَّر الْوَاقِعَة بِجَمِيعِ حُدُودهَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف يجوز الإعتماد على الْخط كَمَا فِي الْيَمين فَإِنَّهُ رأى خطّ أَبِيه جَازَ لَهُ أَن يحلف على الْبَتّ فِي طلب الْحُقُوق وإسقاطها إِذا وثق بِهِ وَقطع أَصْحَابنَا بِالْفرقِ لِأَن التزوير على الْخط بِحَيْثُ لَا يخْتَلف مُمكن وَفِي فتح هَذَا الْبَاب خطر عَام بِخِلَاف الْيَمين فَإِنَّهُ يُبَاح بغالب الظَّن وَلَا تُؤدِّي إِلَى ضَرَر عَام فَإِذن الإعتماد على ثَلَاث دَرَجَات أوسعها الْحلف وأضيقها الْقَضَاء وَالشَّهَادَة فَإِنَّهُ لَا يعْتَمد فِيهِ مُجَرّد الْخط دون التَّذَكُّر وَبَينهمَا رِوَايَة الْأَحَادِيث فَإِنَّهُ لَا يعْتَمد فِيهِ مُجَرّد الْخط إِن أمكن التحريف لَكِن إِن صحت النُّسْخَة وحفظها بِنَفسِهِ وَأمن من التَّغَيُّر جَازَت الرِّوَايَة على الْأَظْهر وَعَلِيهِ عمل عُلَمَاء الْأَمْصَار وَسوى الصيدلاني بَينهمَا وَقَالَ لَا يحل للمحدث إِلَّا رِوَايَة مَا حفظ وتذكر فليرو كَذَلِك أَو ليترك الرِّوَايَة وَسوى الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد على الْعَكْس من هَذَا وَقَالَ الشَّاهِد إِذا نسخ الْوَاقِعَة وَحفظ النُّسْخَة فِي خزانَة ووثق بِأَنَّهُ لم تحرف جَازَ لَهُ الشَّهَادَة وَإِن لم يذكر وَالْمَشْهُور بَين الْأَصْحَاب الْفرق بَين دَرَجَة الشَّهَادَة وَالرِّوَايَة فِي صُورَة حفظ النُّسْخَة وَمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد أقرب مِمَّا ذكره الصيدلاني
فروع
الأول لَو شهد شَاهِدَانِ عِنْد القَاضِي بِأَنَّهُ قضى لم يجز لَهُ الحكم إِذا لم يتَذَكَّر ويشهدان عِنْد غَيره فَيثبت قَضَاؤُهُ وَإِن لم يذكرهُ وَلم يكذبهما وَلَكِن القَاضِي يَنْبَغِي أَن يطْلب من نَفسه الْيَقِين وَلَا يُمكنهُ طلب الْيَقِين من قَاض آخر وَيجوز هَذَا فِي الرِّوَايَة فَمن الْمَشَايِخ من كَانَ يَقُول حَدثنِي فلَان عني وَقَالَ أَبُو يُوسُف يقبل ذَلِك فِي الْقَضَاء أَيْضا الثَّانِي أَنه لَو ادّعى خصم على قَاض أَنَّك قضيت لي فَأنْكر الْقَضَاء فَلَيْسَ لَهُ أَن يرفعهُ إِلَى قَاض آخر ويحلفه بل هُوَ كالشاهد لَا يحلف إِذا أنكر الشَّهَادَة وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن إِن قُلْنَا إِن الْيَمين الْمَرْدُودَة كَالْإِقْرَارِ فَلهُ ذَلِك حَتَّى إِن نكل حلف الْخصم وَكَانَ كإقرار القَاضِي وَهَذَا ضَعِيف الثَّالِث إِذا التمس صَاحب الْحق من القَاضِي أَن يُعْطِيهِ خطه بِأَنَّهُ قضى لَهُ وَيسلم إِلَيْهِ محضرا ديوانيا هَل تجب الْإِجَابَة فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يجب إِذْ بِهِ إحكام الْأَمر وإتمامه وَالثَّانِي لَا إِذْ لَا اعْتِمَاد على الْخط وَإِنَّمَا الْخط مُذَكّر فَقَط فَإِن قُلْنَا يكْتب فالكاغد على الملتمس إِن لم يُطلق الإِمَام للقراطيس شَيْئا وَذَلِكَ مُسْتَحبّ إِطْلَاقه ثمَّ اعْلَم أَنا وَإِن لم نوجب كتبة الْمحْضر فَيُسْتَحَب للْقَاضِي اسْتِحْبَابا مؤكدا مهما جرت قَضِيَّة أَن يكْتب محضرا يذكر فِيهِ الْوَاقِعَة وَأَسْمَاء الْخَصْمَيْنِ فَإِن كَانَا غريبين كتب الْحِلْية ثمَّ يجمع محَاضِر كل أُسْبُوع فِي إضبارة ومحاضر الشَّهْر فِي قمطرة
ومحاضر السّنة فِي خريطة وَيكْتب عَلَيْهِ التواريخ وَيخْتم القَاضِي على الخريطة بِنَفسِهِ ويحفظه بِنَفسِهِ أَو بِعدْل لَا يتمارى فِيهِ وَيدْفَع نُسْخَة أُخْرَى إِلَى صَاحب الْحق حَتَّى إِن ضَاعَت وَاحِدَة سهل الرُّجُوع إِلَى الْأُخْرَى وَهَذَا هُوَ الْعَادة فَإِن التَّذَكُّر من غير خطّ بعيد وَمن جوز للأمي أَن يكون قَاضِيا فَلَا يُمكنهُ إِيجَاب الكتبة وَإِن التمس صَاحب الْحق
الْفَصْل الثَّالِث فِي التَّسْوِيَة بَين الْخَصْمَيْنِ
وَفِيه مسَائِل الأولى أَن لَا يخصص أحد الْخَصْمَيْنِ بِالْإِذْنِ فِي الدُّخُول وَلَا بِجَوَاب السَّلَام وَلَا بمزيد الْبشر وَلَا بِالْقيامِ وَلَا بالبداية بالْكلَام وَلَا بِرَفْع الْمجْلس وَلَا بِالنّظرِ بل إِن نظر نظر إِلَيْهِمَا أَو أطرق وَقَالَ عَلَيْكُمَا السَّلَام وَلَو بَادر أَحدهمَا بِالسَّلَامِ صَبر حَتَّى يسلم الثَّانِي فيجيب مَعًا إِلَّا أَن يظْهر التَّقَدُّم فيعذر فِي الْجَواب وَقيل يَنْبَغِي أَن يصبر قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعَلي رَضِي الله عَنهُ سو بَين الْخَصْمَيْنِ فِي مجلسك ولحظك فيسوى بَين الشريف والوضيع فِي الْمجْلس إِلَّا أَن يكون أَحدهمَا ذِمِّيا فَيجوز أَن يرْتَفع عَلَيْهِ الْمُسلم على أحد الْوَجْهَيْنِ لما رُوِيَ أَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ دخل مَعَ خصم ذمِّي لَهُ إِلَى شُرَيْح فَقَامَ لَهُ شُرَيْح فَقَالَ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ هَذَا أول جورك ثمَّ أسْند عَليّ رَضِي الله عَنهُ ظَهره إِلَى الْجِدَار وَقَالَ أما إِن خصمي لَو كَانَ مُسلما لجلست بجنبه فَلَا بَأْس بِهَذَا الْقدر لأمر الْإِسْلَام أما التَّخْصِيص بِالْقيامِ فقد نهى عَنهُ ثمَّ لَا بَأْس أَن يَقُول القَاضِي من الْمُدَّعِي مِنْكُمَا فَإِذا
ابتدر أَحدهمَا بِدَعْوَى صَحِيحَة فَالظَّاهِر أَنه يَقُول للْآخر مَاذَا تَقول وَقيل إِنَّه يسكت حَتَّى يُجيب الآخر إِن شَاءَ ثمَّ إِن أقرّ ثَبت الْحق وَلم يفْتَقر إِلَى أَن يَقُول قضيت بِخِلَاف مَا لَو قَامَت بَيِّنَة لِأَن ذَلِك يتَعَلَّق بِاجْتِهَاد وَقيل يجب أَن يقْضِي أَيْضا فِي الْإِقْرَار وَإِن أنكر قَالَ للْمُدَّعِي أَلَك بَيِّنَة وَقيل إِنَّه لَا يَقُول ذَلِك فَإِنَّهُ كالتلقين لإِظْهَار الْحجَّة وَلَيْسَ للْقَاضِي أَن يلقن إِقْرَارا وَإِنْكَارا وَحجَّة وَهُوَ بعيد لِأَنَّهُ سُؤال لَا تلقين فَإِن قَالَ لَا بَيِّنَة لي حَاضِرَة ثمَّ بعد ذَلِك أَقَامَ قبل وَإِن قَالَ لَا بَيِّنَة لي حَاضِرَة وَلَا غَائِبَة ثمَّ أَقَامَ بعد ذَلِك فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا تقبل لمناقضة قَوْله وَالثَّانِي يقبل قَوْله فَلَعَلَّهُ تذكر وإصرار الْمُدعى عَلَيْهِ على السُّكُوت كإنكاره فِي جَوَاز إِقَامَة الْبَيِّنَة الثَّانِيَة إِذا تساوق المدعون إِلَى مَجْلِسه فالسبق لمن سبق فَإِن لم يسْبق فالقرعة وَلَا يقدم لفضله إِلَّا أَن الْمُسَافِر يجوز تَقْدِيمه إِن رأى الْمصلحَة ثمَّ من خرجت قرعته اقْتصر على خُصُومَة فَإِن أنشأ دَعْوَى أُخْرَى على ذَلِك الْخصم بِعَيْنِه فَالظَّاهِر الْمَنْع كشخص آخر وَمِنْهُم من جوز إِلَى ثَلَاث دعاوي وَيجوز تَقْدِيم الْمَرْأَة إِذا اقْتَضَت الْمصلحَة ذَلِك وَمِنْهُم من منع ذَلِك فِيهَا وَفِي الْمُسَافِر أصلا وَهُوَ بعيد وَكَذَلِكَ إِذا
ازدحموا على الْمُفْتِي والمدرس فليعول على الْقرعَة أَو السَّبق إِلَّا إِذا كَانَ مَا يطْلب مِنْهُ من الْعلم غير وَاجِب تَعْلِيمه فإليه الإختيار والإيثار
فرع
لَو سبق أَحدهمَا إِلَى الدَّعْوَى فَقَالَ الآخر كنت الْمُدَّعِي فَيُقَال لَهُ الْآن اخْرُج عَن مُوجب الدَّعْوَى فَإِنَّهُ سبق إِلَى الدَّعْوَى فَإِن ابتدءا مَعًا أَقرع بَينهمَا الثَّالِثَة يَنْبَغِي أَن لَا يقبل الْهَدِيَّة لَا من الْخَصْمَيْنِ وَلَا من أَحدهمَا بل يتْرك قبُول الْهَدَايَا أصلا وَلَا بَأْس بقبولها مِمَّن اعْتَادَ ذَلِك قبل الْقَضَاء وَلَا خُصُومَة لَهُ وَإِن كَانَ لَا يعْتَاد ذَلِك وَلَا خُصُومَة لَهُ فِي الْحَال جَازَ الْقبُول وَالْأولَى أَن يثيب أَو يضع فِي بَيت المَال وَأما من تكون لَهُ خُصُومَة فَيحرم قبُول هديته وَهل يملكهُ إِن قبله فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا يملك لِأَنَّهُ حرَام وَالثَّانِي أَنه يملك كَالصَّلَاةِ فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة تصح وَيحرم فعلهَا وَكَذَا الْخلاف فِيمَن وهب المَاء وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهِ لوضوئه من غير عطشان
الرَّابِعَة لَا يكره لَهُ حُضُور الولائم إِذا لم يخصص بالإجابة بَعضهم لِأَن فِي حُضُور الولائم أَخْبَارًا كَثِيرَة وَهَذَا فِي المأدبة الْعَامَّة أما مَا هيىء لأَجله فَلَا يحضرهُ فَإِنَّهُ كالهدية وَلَا يحضر مأدبة الْخَصْمَيْنِ أصلا فَإِنَّهُ رُبمَا يتودد أَحدهمَا بِزِيَادَة تكلّف
الْفَصْل الرَّابِع فِي التَّزْكِيَة
وَفِيه مسَائِل الأولى أَن الإستزكاء عندنَا حق الله تَعَالَى فَإِن سكت الْخصم وَجب على القَاضِي إِلَّا إِذا علم عدالتهما فَإِن الظَّاهِر أَنه يعول على الْعلم هَهُنَا وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله إِن سكت الْخصم قضى وَلَو أقرّ الْخصم بعدالتهما وَلَكِن قَالَ قد زلا فِي هَذِه الْوَاقِعَة فَفِي وجوب الإستزكاء وَجْهَان وَالظَّاهِر أَنه يقْضِي مُؤَاخذَة لَهُ بقوله وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله الثَّانِيَة فِي كَيْفيَّة الإستزكاء وَهُوَ أَن يكْتب القَاضِي إِلَى الْمُزَكي اسْم الشَّاهِدين والخصمين وَقدر المَال فَلَعَلَّهُ يعرف
بَينهمَا عَدَاوَة وَرُبمَا يعدله فِي مِقْدَار يسير من المَال دون كثير وَمن الْأَصْحَاب من قَالَ الْعدْل فِي الْيَسِير عدل فِي الْكثير فَذكر قدر المَال لَا يجب وَهُوَ الْأَشْهر وليكتب إِلَى الْمُزَكي سرا حَتَّى لَا يتوسل الشَّاهِد إِلَى الإستمالة والتعرف إِلَى الْمُزَكي بِحسن الْحَال ثمَّ يسْتَحبّ أَن يشافه القَاضِي الْمُزَكي ظَاهرا فِي آخر الْأَمر وَيسْتَحب أَن يكون لَهُ جمَاعَة من المزكين أخفياء لَا يعْرفُونَ الثَّالِثَة صِفَات المزكين كصفات الشُّهُود وَيزِيد أَمْرَانِ أَحدهمَا الْعلم بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل وَالْآخر خبرته ببواطن الشُّهُود فَلَا يجوز التَّعْدِيل بِنَاء على الظَّاهِر وَلَا بُد من الذُّكُورَة وَلَا بُد من الْعدَد إِلَّا إِذا كَانَ مَنْصُوبًا للْحكم بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل وَسَمَاع الْبَيِّنَة فللقاضي أَن يعْتَمد قَوْله وَحده إِذا قَامَت الْبَيِّنَة عِنْده وَيجب على الْمُزَكي أَن يَقُول أشهد بِأَنَّهُ عدل إِن قُلْنَا تجب المشافهة وَإِن اكتفينا بالرقعة مَعَ الرَّسُول فَفِي اشْتِرَاط كتبه لفظ الشَّهَادَة خلاف كَمَا فِي المترجم
فرع
تركيته لوَلَده أَو وَالِده فِيهِ خلاف كَمَا فِي الْقَضَاء وَالْأَظْهَر أَنه كَالشَّهَادَةِ الرَّابِعَة فِي مُسْتَند الْمُزَكي وَيَنْبَغِي أَن لَا يجرح إِلَّا بمعاينة سَبَب الْفسق أَو يَقِين وَعلم لِأَن ذَلِك يُمكن مَعْرفَته أما الْعَدَالَة فَلَا يُمكن مَعْرفَتهَا يَقِينا لِأَنَّهُ يرجع إِلَى أَنه لَيْسَ بفسق وَهُوَ نفي وَالْإِنْسَان يخفي عيوبه جهده وَإِنَّمَا يعدل إِذا خبر بَاطِنه بالصحبة مَعَه أَو شهد عِنْده
عَدْلَانِ بعدالته إِن كَانَ مَنْصُوبًا للْحكم بالتعديل وَالْأَصْل فِيهِ مَا رُوِيَ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ لمن عرف شَاهدا بالصلاح هَل كنت جارا لَهُ فتعرف إصباحه وإمساءه فَقَالَ لَا فَقَالَ هَل عاملته على الدِّينَار وَالدِّرْهَم فبهما تعرف الْأَمَانَات فَقَالَ لَا فَقَالَ هَل صحبته فِي السّفر فبه تعرف أَخْلَاق الرِّجَال فَقَالَ لَا فَقَالَ مَا أَرَاك إِلَّا رَأَيْته فِي الْمَسْجِد يهمهم فِي صلَاته يرفع رَأسه وَيخْفِضهُ هَات من يعرفك فَإِنَّهُ لَا يعرفك وَلِهَذَا يجب على القَاضِي أَن يعرف أَن الْمُزَكي هَل خبر بَاطِن الشَّاهِد أم لَا فِي كل مرّة إِلَّا إِذا علم من عَادَته أَنه لَا يُزكي إِلَّا بعد الْخِبْرَة الْخَامِسَة كَيْفيَّة التَّعْدِيل أَن يَقُول هُوَ عدل عَليّ ولي أَو عدل مَقْبُول الشَّهَادَة فَإِن الْعدْل قد لَا تقبل شَهَادَته لكَون مغفلا وَلَا يجب ذكر سَبَب الْعَدَالَة فَإِنَّهُ لَا ينْحَصر وَيجب ذكر سَبَب الْجرْح من شرب وزنا وَأكل حرَام وَغَيره وَهَذَا وَإِن كَانَ غيبَة فَهُوَ جَائِز لهَذِهِ الْحَاجة وَإِنَّمَا يجب الذّكر لِأَن للنَّاس مَذَاهِب فِي أَسبَاب الْجرْح فَمنهمْ من يفسق بِأَدْنَى خيال وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون الْمُزَكي من المتعصبين فِي الْمَذْهَب والأهواء السَّادِسَة لَا تَكْفِي الرقعة إِلَى القَاضِي بالتعديل فَإِن الْخط لَا يعْتَمد وَالْأَظْهَر أَنه يجب المشافهة وَقَالَ الْإِصْطَخْرِي يَكْفِي رَسُولا عَدْلَانِ إِذْ تَكْلِيفه الْحُضُور شهرة
وَالْمُسْتَحب إخفاء الْمُزَكي وَمن شَرط المشافهة أوجب لفظ الشَّهَادَة وَمن اكْتفى بالرسول ترددوا فِيهِ السَّابِعَة إِذا زكى المزكون لَكِن ارتاب القَاضِي أَو توهم غَلطا فِي خُصُوص الْوَاقِعَة فليفرق الشُّهُود وليراجع أَنه كَيفَ رأى وَأي وَقت رأى فَرُبمَا عثر على تفَاوت بَين كلاميهما فَيكْشف بِهِ وَجه الْغَلَط والتهمة فَإِذا كَانَ الشَّاهِد فَقِيها فَلهُ الْإِصْرَار على كلمة وَاحِدَة وَلَا يلْزمه التَّفْصِيل فَلَا يفصل وَلَا يزِيد على الْإِعَادَة وَلَيْسَ للْقَاضِي إِجْبَاره وَلَكِن ليبحث عَن جِهَات أخر فَإِن أصر الشَّاهِد وَبحث وَلم تزل الرِّيبَة وَجب الْقَضَاء فَإِنَّهُ غَايَة الْإِمْكَان وَلَو قضى قبل الْبَحْث مَعَ بَقَاء الرِّيبَة لم يجز لَهُ ذَلِك لِأَن الْبَحْث حق الله تَعَالَى