نعم لَو دفنُوا قبل الصَّلَاة خَرجُوا وَلَكِن تصح صلَاتهم وَصَلَاة الطَّائِفَة الثَّانِيَة صَحِيحَة عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة وَلَيْسَ ذَلِك تَطَوّعا بل هُوَ كَمَا لَو التحقوا بِالْجَمَاعَة الأولى وَإِنَّمَا التَّطَوُّع أَن يُعِيد الْإِنْسَان صَلَاة الْجِنَازَة وَذَلِكَ غير مُسْتَحبّ ثمَّ فِي مُدَّة جَوَاز الصَّلَاة بعد الدّفن خَمْسَة أوجه أَحدهَا أَنه إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام وَالثَّانِي إِلَى شهر وَالثَّالِث إِلَى انمحاق أَجْزَائِهِ وَالرَّابِع أَن من كَانَ للصَّلَاة أَهلا يَوْم مَوته يصلى عَلَيْهِ وَمن لَا فَلَا الْخَامِس أَنه يجوز أبدا وعَلى هَذَا فَلَا تجوز الصَّلَاة على قبر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لعن الله الْيَهُود اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد
الْأَمر الثَّالِث أَن هَذِه الصَّلَاة فرض على الْكِفَايَة وَيسْقط الْفَرْض بِصَلَاة أَرْبَعَة من الرِّجَال صلوا جمَاعَة أَو آحادا وَهل يسْقط بِجِنْس النِّسَاء فِيهِ خلاف وَقيل يَكْفِي شخص وَاحِد وَقيل لَا بُد من ثَلَاث وَقيل لَا بُد من أَربع
القَوْل فِي الدّفن
الدّفن من فروض الكفايات وَأقله حُفْرَة توارى بدن الْمَيِّت وتحرسه من السبَاع وتكتم رَائِحَته وأكمله قبر على قامة رجل ربع واللحد أولى من الشق قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الشق لغيرنا واللحد لنا وَليكن اللَّحْد فِي جِهَة الْقبْلَة ثمَّ تُوضَع الْجِنَازَة على رَأس الْقَبْر بِحَيْثُ يكون رَأس الْمَيِّت عِنْد مُؤخر الْقَبْر فيسل الْوَاقِف دَاخل الْقَبْر الْمَيِّت من قبل رَأسه ويضعه فِي اللَّحْد وَقَالَ أَبُو حنيفَة تُوضَع الْجِنَازَة بَين الْقبْلَة والقبر عرضا ثمَّ ترد قهقرى إِلَى الْقَبْر ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَا يدْخل الْمَيِّت قَبره إِلَّا الرجل فَإِن كَانَ الْمَيِّت امْرَأَة فيتولى ذَلِك زَوجهَا أَو محارمها فَإِن لم يَكُونُوا فعبيدها فَإِن لم يَكُونُوا فخصيان فَإِن لم يَكُونُوا فأرحام فَإِن لم يَكُونُوا فالأجانب وَذَلِكَ لِأَنَّهُنَّ يضعفن عَن مُبَاشرَة هَذَا الْأَمر ثمَّ إِن كَانَ المدفون صَبيا اسْتَقل بِهِ وَاحِد فَإِن زَاد فَلْيَكُن عَددهمْ وترا
ثمَّ يضجعون الْمَيِّت على جنبه الْأَيْمن فِي اللَّحْد قبالة الْقبْلَة بِحَيْثُ لَا ينكب وَلَا يستلقي وَحسن أَن يُفْضِي بِوَجْهِهِ إِلَى تُرَاب أَو لبنة مَوْضُوعَة تَحت رَأسه وَلَا يوضع رَأسه على مخدة ثمَّ ينصب اللين على فتح اللَّحْد ويسد الْفرج بِمَا يمْنَع انهيار التُّرَاب عَلَيْهِ ثمَّ يحثو كل من دنا ثَلَاث حثيات من التُّرَاب ثمَّ يهال التُّرَاب عَلَيْهِ بِالْمَسَاحِي وَلَا يرفع نعش الْقَبْر إِلَّا بِمِقْدَار شبر وَلَا يجصص وَلَا يطين وَلَو صب الْحَصَى عَلَيْهِ فَلَا بَأْس وَلَو وضع حجر على رَأس الْقَبْر للعلامة فَلَا بَأْس ثمَّ تَسْتَطِيع الْقُبُور عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أفضل من تسنيمها لَكِن التسنيم الْآن أفضل مُخَالفَة لشعار الروافض حَتَّى ظن ظانون أَن الْقُنُوت إِن صَار شعارا لَهُم كَانَ الأولى تَركه هَذَا بعيد فِي أبعاض الصَّلَاة وَإِنَّمَا نخالفهم فِي هيئات مثل التَّخَتُّم فِي الْيَمين وَأَمْثَاله ثمَّ الْأَفْضَل أَن يمْكث المشيع للجنازة إِلَى أَن يواري الْمَيِّت قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من صلى على ميت وَانْصَرف فَلهُ قِيرَاط من الْأجر وَمن صلى وَاتبع الْجِنَازَة وَشهد الدّفن فَلهُ قيراطان
فرعان
الأول أَنه لَا يدْفن فِي قبر وَاحِد ميتان مَا أمكن وَإِن اجْتمع موتى فِي قحط وموتان جعلنَا الرجلَيْن وَالثَّلَاثَة فِي قبر وَاحِد وَقدمنَا الْأَفْضَل إِلَى جِدَار اللَّحْد فَيقدم الْأَب على الابْن وَالِابْن على الْأُم لمَكَان الذُّكُورَة وَلِأَنَّهُ الْأَحْسَن فِي هَيْئَة الْوَضع وَلَا يجمع بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء فَإِن ظَهرت الضَّرُورَة جعلنَا بَينهمَا حاجزا من التُّرَاب الثَّانِي الْقَبْر مُحْتَرم فَيكْرَه الْجُلُوس وَالْمَشْي والاتكاء عَلَيْهِ وليخرج الزائر مِنْهُ إِلَّا حد كَانَ يقرب مِنْهُ لَو كَانَ حَيا وَلَا يحل نبش الْقُبُور إِلَّا إِذا انمحق أثر الْمَيِّت بطول الزَّمَان أَو دفن من غير غسل فَالظَّاهِر أَنه ينبش الْقَبْر وَيغسل أَو دفن فِي أَرض مَغْصُوبَة وَترك الْمَالِك إِخْرَاجه فَإِن حق الْحَيّ أولى بالمراعاة وَلَو دفن قبل الصَّلَاة صلي عَلَيْهِ فِي الْقَبْر وَلَو دفن قبل التَّكْفِين فَوَجْهَانِ أظهرهمَا أَنه لَا ينبش لِأَن الْقَبْر ستره بِخِلَاف الْغسْل فَإِن مَقْصُوده لَا يحصل بالدفن وَلَو دفن فِي كفن مَغْصُوب فَثَلَاثَة أوجه
أظهرهمَا أَنه ينبش كالأرض الْمَغْصُوبَة وكما لَو ابتلع لؤلؤة فَإِنَّهُ يشق بَطْنه لأجل ملك الْغَيْر وَالثَّانِي أَنه فِي حكم الْهَالِك فَيغرم الْقيمَة إِن أمكن وَإِلَّا فالنبش عِنْد الْعَجز عَن الْقيمَة لَا بُد مِنْهُ وَالثَّالِث أَنه إِن تغير الْمَيِّت وَأدّى إِلَى هتك حرمته فَلَا ينبش وَهُوَ الأقيس وَإِلَّا فينبش
القَوْل فِي التَّعْزِيَة والبكاء
والتعزية سنة قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من عزى مصابا فَلهُ مثل أجره ومقصوده الْحمل على الصَّبْر بوعد الْأجر والتحذير من الْوزر بإفراط الْجزع وتذكير الْمُصَاب رُجُوع الْأَمر كُله إِلَى الله تَعَالَى ثمَّ يعزى الْكَافِر بقريبه الْمُسلم وَالدُّعَاء للْمَيت ويعزى الْمُسلم بقريبه الْكَافِر وَيكون الدُّعَاء للحي فَيَقُول جبر الله مصيبتك وألهمك الصَّبْر وَيسْتَحب تهيئة طَعَام لأجل أهل الْمَيِّت وَلَا يُؤثر التَّعْزِيَة بعد ثَلَاث لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث أما الْبكاء فَجَائِز من غير ندبة ونياحة وشق جيب وَضرب خد فَكل ذَلِك حرَام لِأَنَّهُ يُخَالف الانقياد لقَضَاء الله تَعَالَى بَكَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على بعض أَوْلَاده فَقَالَ سعد مَا هَذَا فَقَالَ إِنَّهَا رَحْمَة وَإِن الله
يرحم من عباده الرُّحَمَاء فَإِن قيل أَلَيْسَ قَالَ إِن الْمَيِّت ليعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ هَكَذَا رَوَاهُ عمر قُلْنَا قَالَ ابْن عمر مَا قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذَا إِنَّمَا قَالَ يُزَاد الْكَافِر عذَابا ببكاء أَهله عَلَيْهِ حسبكم قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾
وَكَانَ الْكفَّار يوصون بالبكاء والنياحة فَلذَلِك زيد فِي عَذَابهمْ وَقَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا مَا كذب عمر وَلكنه أَخطَأ وَنسي إِنَّمَا مر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على يَهُودِيَّة مَاتَت ابْنَتهَا وَهِي تبْكي فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِنَّهُم يَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا تعذب فِي قبرها
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب تَارِك الصَّلَاة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَارِك الصَّلَاة يقتل قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من ترك صَلَاة مُتَعَمدا فقد كفر مَعْنَاهُ عِنْد الشَّافِعِي اسْتوْجبَ عُقُوبَة الْكَافِر وَحكم أَحْمد بِكُفْرِهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة بخلى وَلَا قتل عَلَيْهِ ثمَّ الصَّحِيح أَنه يقتل بِصَلَاة وَاحِدَة إِذا تَركهَا عمدا وأخرجها عَن وَقت الضَّرُورَة فَلَا يقتل بِصَلَاة الظّهْر إِلَّا إِذا غربت الشَّمْس
وَفِي مهلة الاستتابة ثَلَاثَة أَيَّام خلاف كَمَا فِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَد وَقد قيل إِنَّه لَا يقتل إِلَّا إِذا صَار التّرْك عَادَة لَهُ وَقيل إِذا ترك صَلَاتَيْنِ أَو ثَلَاثَة فَكل ذَلِك تحكم ثمَّ يقتل بِالسِّين وَيصلى عَلَيْهِ كَمَا يصلى على الْمُسلمين وَقَالَ صَاحب التَّلْخِيص لَا يرفع نعشه وَلَا يصلى عَلَيْهِ وَهُوَ تحكم لَا أصل لَهُ وَالله أعلم
الأَصْل فِيهَا من الْكتاب قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتوا الزَّكَاة﴾ وَمن السّنة قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام بني الْإِسْلَام على خمس الحَدِيث وَقَوله مَانع الزَّكَاة فِي النَّار وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على وجوب الزَّكَاة وَهِي بِالْإِضَافَة إِلَى متعلقاتها سِتَّة زَكَاة النعم والنقدين وَالتِّجَارَة والمعشرات والمعادن والفطرة
النَّوْع الأول الزَّكَاة النعم وَالنَّظَر فِي وُجُوبهَا وآدائها
الطّرف الأول فِي الْوُجُوب وَله ثَلَاثَة أَرْكَان من يجب عَلَيْهِ وَمَا يجب فِيهِ وَهُوَ السَّبَب وَالْوَاجِب أما من يجب عَلَيْهِ فَلَا يشْتَرط فِيهِ عندنَا إِلَّا الْحُرِّيَّة وَالْإِسْلَام فَتجب الزَّكَاة على الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَلَا تجب على الْكَافِر وَالرَّقِيق أَعنِي الْكَافِر الْأَصْلِيّ وَأما صفة الْوَاجِب وَقدره فيتبين بِبَيَان مقادير النّصاب وَإِنَّمَا يطول النّظر فِي الرُّكْن الثَّالِث وَهُوَ مَا يجب فِيهِ وَله سِتَّة شَرَائِط أَن يكون نعما نِصَابا مَمْلُوكا متهيئا لكَمَال التَّصَرُّف سَائِمَة بَاقِيا حولا
الشَّرْط الأول أَن يكون نعما
فَلَا زَكَاة إِلَّا فِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَلَا زَكَاة فِي البغال وَالْحمير وَالْخَيْل والرقق وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي كل فرس أُنْثَى سَائِمَة دِينَار وَلَا زَكَاة فِي المتولدة من الظباء وَالْغنم وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِن كَانَت الْأُمَّهَات من الْغنم وَجب الزَّكَاة
الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون نِصَابا
أما الْإِبِل فَفِي أَربع وَعشْرين من الْإِبِل فَمَا دونهَا الْغنم فِي كل خمس شَاة فَإِذا بلغت خمْسا وَعشْرين إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بنت مَخَاض فَإِن لم يكن فِيهَا بنت مَخَاض فَابْن لبون ذكر وَلَيْسَ مَعَه شَيْء فَإِذا بلغت سِتا وَثَلَاثِينَ إِلَى خمس وَأَرْبَعين فَفِيهَا بنت لبون فَإِذا بلغت سِتا وَأَرْبَعين إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حقة وَإِذا بلغت إِحْدَى وَسِتِّينَ إِلَى خمس وَسبعين فَفِيهَا جَذَعَة
فَإِذا بلغت سِتا وَسبعين إِلَى تسعين فَفِيهَا بنت لبون فَإِذا بلغت إِحْدَى وَتِسْعين إِلَى مائَة وَعشْرين فَفِيهَا حقتان فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة فَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون وَفِي كل خمسين حقة كل ذَلِك لفظ أبي بكر رَضِي الله عَنهُ وأرضاه كتبه فِي كتاب الصَّدَقَة لأنس بن مَالك وَبنت الْمَخَاض لَهَا سنة وَبنت اللَّبُون لَهَا سنتَانِ وللحقة ثَلَاث وللجذعة أَربع أما الْبَقر فَلَا شَيْء فِيهِ حَتَّى تبلغ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا تبيع وَهُوَ الَّذِي لَهُ سنة ثمَّ لَا شَيْء حَتَّى تبلغ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا مُسِنَّة ثمَّ لَا شَيْء حَتَّى تبلغ سِتِّينَ فَفِيهَا تبيعان ثمَّ اسْتَقر الْحساب فَفِي كل ثَلَاثِينَ تبيع وَفِي كل أَرْبَعِينَ مُسِنَّة وَهِي الَّتِى لَهَا سنتَانِ وَأما الْغنم فقد روى ابْن عمر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتب كتاب الصَّدَقَة وَفِيه فِي الْغنم فِي كل أَرْبَعِينَ شَاة إِلَى عشْرين وَمِائَة فَإِذا
زَادَت وَاحِدَة فَفِيهَا شَاتَان إِلَى مِائَتَيْنِ فَإِذا زَادَت وَاحِدَة على الْمِائَتَيْنِ فَفِيهَا ثَلَاث شِيَاه إِلَى ثَلَاثمِائَة فَإِن كَانَت الْغنم أَكثر من ذَلِك فَفِي كل مائَة شَاة وَالشَّاة الْوَاجِبَة فِي الْغنم هِيَ الْجَذعَة من الضَّأْن أَو الثَّنية من الْمعز والجذعة هِيَ الَّتِي لَهَا سنة وَاحِدَة وَقيل سِتَّة أشهر والثنية الَّتِى لَهَا سنتَانِ ثمَّ يتَصَدَّى النّظر فِي زَكَاة الْإِبِل فِي
سِتَّة مَوَاضِع النّظر الأول فِي إِخْرَاج الشَّاة عَن خمس من الْإِبِل وَفِيه ثَلَاث مسَائِل الأولى أَن الْوَاجِب من حَيْثُ السن جَذَعَة من الضَّأْن أَو الثَّنية من الْمعز وَمن حَيْثُ النَّوْع أَعنِي تعْيين الضَّأْن من الْمعز فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يعْتَبر غَالب غنم الْبَلَد فَإِن كَانَ الْغَالِب الضَّأْن أخرج الضَّأْن كَمَا تعْتَبر زَكَاة الْفطر بغالب الْقُوت على الْأَصَح خلاف الشَّاة الْوَاجِبَة فِي أَرْبَعِينَ فَإِنَّهُ يعْتَبر بالمخرج مِنْهُ لِأَنَّهُ من جنسه وَالثَّانِي أَنه يخرج مَا شَاءَ فَإِنَّهُ ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الشَّاة وَلم يجب إِلَّا شَاة كَمَا يجْرِي فِي الرَّقَبَة الْمُطلقَة فِي الْكَفَاءَة مَا ينْطَلق الِاسْم عَلَيْهِ وَكَذَا الشَّاة الْمَذْكُورَة فِي الْمَنَاسِك وَقيل إِنَّه يعْتَبر جنس غنم صَاحب الْإِبِل وَهُوَ بعيد الثَّانِيَة لَو أخرج جدعا ذكرا أَو ثنيا ذكرا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا يُجزئ اتبَاعا للاسم وَالثَّانِي لَا تَنْزِيلا للمطلق هَاهُنَا على الْمفصل فِي زَكَاة الْغنم وَهِي الْأُنْثَى وَهَذَا الْخلاف جَاءَ فِي شَاة الْجبرَان الثَّالِثَة لَو أخرج بَعِيرًا عَن الْعشْرين فَمَا دونه يُجزئ لِأَنَّهُ يُجزئ عَن خمس وَعشْرين فَهُوَ بِأَن يُجزئ عَن الْأَقَل أولى وَلَا بَأْس وَإِن كَانَت قِيمَته أقل من الشَّاة
وَقَالَ الْقفال لَا يُؤْخَذ نَاقص الْقيمَة وَهُوَ بعيد لِأَنَّهُ الْتِفَات إِلَى الْبَدَل وَلم يُوجد هَذَا بطرِيق الْبَدَلِيَّة وَقيل إِنَّه لَا يُجزئ بعير عَن عشرَة بل لَا بُد من حيوانين إِمَّا بعير وشَاة وَإِمَّا بعيران وَهُوَ أَيْضا بعيد لما ذَكرْنَاهُ من طَرِيق الأولى وترددوا فِي أَن الْبَعِير الْمخْرج من الْخمس هَل كُله فرض أَو الْفَرْض خمسه النّظر الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الْعُدُول عَن بنت مَخَاض عِنْد فقدها إِلَى ابْن لبون وَفِيه أَربع مسَائِل الأولى إِن لم يكن فِي مَاله بنت مَخَاض وَلَا ابْن لبون تخير فِي الشِّرَاء لِأَنَّهُ مهما اشْترى ابْن لبون فقد صَار مَوْجُودا دون بنت مَخَاض وَيلْزم أَخذه وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب يتَعَيَّن شِرَاء بنت مَخَاض لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْفَقْد كاستوائهما فِي الْوُجُود الثَّانِيَة لَو كَانَ فِي مَاله بنت مَخَاض مَعِيبَة فَهِيَ كالمعدومة فَيُؤْخَذ مِنْهُ ابْن لبون وَإِن كَانَت كَرِيمَة فَلَا يُطَالب بهَا قَالَ الْقفال يلْزمه شِرَاء بنت مَخَاض لِأَنَّهَا مَوْجُودَة فِي مَاله وَإِنَّمَا نزل نظرا لَهُ فَلَا يُؤْخَذ ابْن لبون وَقَالَ غَيره يُؤْخَذ لِأَنَّهَا كالمعدومة إِذْ لَا يجب تَسْلِيمهَا
الثَّالِثَة الْخُنْثَى من بَنَات لبون تُؤْخَذ بَدَلا عَن بنت مَخَاض عِنْد فَقده لِأَنَّهُ بَين أَن يكون ذكرا أَو أُنْثَى وَكِلَاهُمَا مأخوذان وَقيل إِنَّه لَا يُؤْخَذ بَدَلا عَن بنت مَخَاض لتشوه الْخلقَة بِهَذَا النُّقْصَان الرَّابِعَة لَو أخرج حَقًا بَدَلا عَن بنت لبون عِنْد فقدها أَخذ جبرا لفَوَات الْأُنُوثَة بِزِيَادَة السن وَقِيَاسًا على ابْن لبون بِالنِّسْبَةِ إِلَى بنت مَخَاض وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب يحْتَمل أَنه لَا يُؤْخَذ لِأَنَّهُ بدل وَلَيْسَ مَنْصُوصا عَلَيْهِ النّظر الثَّالِث فِي الِاسْتِقْرَار فَإِذا زَادَت وَاحِدَة على مائَة وَعشْرين فَفِيهَا ثَلَاث بَنَات
لبون وَفِي انبساط الْوَاجِب على الْوَاحِدَة وَجْهَان أَحدهمَا الْقيَاس أَنه ينبسط وَالثَّانِي أَنه لَا ينبسط حَتَّى يكون فِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون وعَلى هَذَا بنى أَنه لَو زَاد نصف بعير على مائَة وَعشْرين وَجب ثَلَاث بَنَات لبون وَهُوَ بعيد وَأما أَبُو حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ يسْتَأْنف الْحساب عِنْد ذَلِك فَيجب فِي كل خمس شَاة وَقَالَ ابْن خيران يتَخَيَّر بَين مَذْهَب الشَّافِعِي وَمذهب أبي حنيفَة رَضِي الله عَنْهُمَا
النّظر الرَّابِع فِي اجْتِمَاع بَنَات اللَّبُون والحقاق فَإِذا ملك مِائَتَيْنِ من الْإِبِل فَهِيَ أَربع خمسينيات وَخمْس أربعينيات فَإِن لم يُوجد فِي مَاله إِلَّا أحد السنين أَخذ وَإِن فقد فَلهُ أَن يَشْتَرِي مَا شَاءَ على الصَّحِيح وَإِن وجدا جَمِيعًا فَالْوَاجِب إِخْرَاج الأغبط للْمَسَاكِين لِأَنَّهُمَا متساويان فِي الْوُجُوب والوجود وَلَا بُد من تَرْجِيح فغرض
الْمَسَاكِين أولى مَا يرجح بِهِ بِخِلَاف الشاتين وَالدَّرَاهِم فِي الْجبرَان فَإِن لفظ الْخَبَر دلّ على أَن الْخيرَة للمعطي فِيهِ وَخرج ابْن سُرَيج قولا أَنه يتَخَيَّر هَاهُنَا كَمَا فِي الْجبرَان وَنقل الْعِرَاقِيُّونَ قولا أَن الحقة تتَعَيَّن لِأَن رَغْبَة الشَّرْع فِي زِيَادَة السن أَكثر مِنْهُ فِي زِيَادَة الْعدَد فَإِنَّهُ لم يزدْ فِي الْعدَد إِلَّا بعد انْقِطَاع الْأَسْنَان الْمُعْتَبرَة التَّفْرِيع على النَّص إِذا أخرج غير الأغبط فَأخذ السَّاعِي عمدا لم يَقع الْموقع وَإِن أَخذه بِاجْتِهَادِهِ فَوَجْهَانِ
فَإِن قُلْنَا يَقع الْموقع فَفِي وجوب قدر التَّفَاوُت وَجْهَان فَإِن قُلْنَا يجب فَإِن لم يجد بِهِ شِقْصا أَخذنَا الدَّرَاهِم فَإِن وجد فَهَل يجب شِرَاء شقص فَوَجْهَانِ فَإِن قُلْنَا يجب فيشتري من جنس الأغبط أَو من جنس الْمخْرج فَوَجْهَانِ
فروع ثَلَاثَة
الأول لَو أخرج حقتين وبنتي لبون وَنصف وَلم يجز للتشقيص فَلَو ملك أَرْبَعمِائَة فَأخْرج أَربع حقاق وَخمْس بَنَات لبون فَالْأَظْهر الْجَوَاز وَفِيه وَجه أَنه لَا يجوز التَّفْرِيق فِي جنس الْمخْرج
الثَّانِي لَو جعل الحقاق الْأَرْبَع أصلا وَنزل إِلَى بَنَات الْمَخَاض وَضم ثَمَانِيَة جبرانات وَاتخذ بَنَات اللَّبُون أصلا ورقي إِلَى الجذاع وَطلب عشر جبرانات لَا يجوز لِأَنَّهُ تخطى فِي الصُّورَتَيْنِ سنا وَاجِبا هُوَ أصل فِي نَفسه وتكثير الْجبرَان بِغَيْر حَاجَة لَا يجوز الثَّالِث لَو كَانَ فِي مَاله حقة وَأَرْبع بَنَات لبون فَجعل بَنَات اللَّبُون أصلا وَأخذ جبرانا للحقة جَازَ وَلَو جعل الحقة أصلا وَأخرج مَعهَا ثَلَاث بَنَات لبون وَثَلَاث جبرانات فَالْمَذْهَب جَوَازه وَقيل يمْتَنع لِأَنَّهُ يبْقى فِي مَاله بنت لبون وَهُوَ مستغن عَن الْجبرَان فِيهِ النّظر الْخَامِس فِي الْجبرَان وجبران كل مرتبَة فِي السن عِنْد فقد السن الْوَاجِب شَاتَان أَو عشرُون درهما مَنْصُوص عَلَيْهِ وَإِن رقي بسنين جمع بَين جبرانين
وَلَا مدْخل للجبران فِي زَكَاة الْبَقر وَفِيه أَربع مسَائِل الأولى أَن الْخيرَة إِلَى الْمُعْطى فِي تعْيين الشَّاة أَو الدَّرَاهِم وَفِي الانخفاض لتسليم الْجبرَان أَو الِارْتفَاع لأخذ الْجبرَان قيل الْخيرَة فِيهِ إِلَى الْمَالِك وَمن أَصْحَابنَا من نقل نصا عَن الْإِمْلَاء أَن المتبع الأغبط للْمَسَاكِين كَمَا فِي اجْتِمَاع الحقاق وَبَنَات اللَّبُون
وَهُوَ بعيد لِأَنَّهُ أثبت ترفيها للْمَالِك كَيْلا يحْتَاج إِلَى الشِّرَاء فَلَا يَلِيق بِهِ إِلَّا التَّخْيِير نعم لَو كَانَت إبِله مراضا فَوَجَبَ بنت لبون فَأخْرج بنت مَخَاض مَعَ جبران قبل وَلَو ارْتقى إِلَى حقة وَطلب جبرانا لم يجز لِأَنَّهُ رُبمَا يزِيد قيمَة الْجبرَان على الْمَرِيضَة الثَّانِيَة لَو وَجب بنت مَخَاض فَنزل إِلَى فصيل مَعَ جبران لم يجز لِأَنَّهُ لَيْسَ ذَلِك سنا وَلَو وَجَبت جَذَعَة فَأخْرج ثنية وَطلب جبرانا فَوَجْهَانِ أَحدهمَا لَهُ ذَلِك كَسَائِر الْأَسْنَان وَالثَّانِي لَا لِأَن الثَّنية لَيست من أَسْنَان الزَّكَاة
الثَّالِثَة لَو كَانَ عَلَيْهِ بنت لبون فَلم يجد وَفِي مَاله حقة وجذعة فرقي إِلَى الْجَذعَة وَطلب جبرانين فَفِي جَوَازه وَجْهَان وَجه الْمَنْع أَنه مستغن عَن الْجبرَان الثَّانِي بِوُجُود الحقة وَكَذَا الْخلاف إِذا نزل من الحقة إِلَى بنت الْمَخَاض مَعَ وجود بنت اللَّبُون وَلَو رقي من بنت لبون إِلَى الْجَذعَة مَعَ وجود بنت مَخَاض فَوَجْهَانِ مرتبان وَأولى بِالْجَوَازِ لِأَن الْقَرِيب الْمَوْجُود لَيْسَ فِي جِهَة الترقي الرَّابِعَة لَا يجوز تَفْرِيق الْجبرَان الْوَاحِد بِإِخْرَاج شَاة وَعشرَة دَرَاهِم وَلَو رقي سِنِين
أَو نزل وَجمع بَين عشْرين درهما وشاتين جَازَ كَمَا فِي كفاءة يمينين النّظر السَّادِس فِي صفة الْمخْرج من حَيْثُ النُّقْصَان والكمال وَالنُّقْصَان خَمْسَة الْمَرَض وَالْعَيْب والذكورة والصغر ورداءة النَّوْع كالمعز بِالنِّسْبَةِ إِلَى الضَّأْن فَإِن كَانَ كل المَال كَامِلا فِي هَذِه الصِّفَات لم يُؤْخَذ إِلَّا الْكَامِل وَإِن كَانَ كل المَال نَاقِصا فَيُؤْخَذ من جنسه إِلَّا فِي نُقْصَان الذُّكُورَة وَالسّن فَإِن فِيهَا وَجْهَيْن أَحدهمَا يُؤْخَذ قِيَاسا على غَيره وَالثَّانِي لَا لِأَن اسْم الشَّاة أَو بنت لبون ينْطَلق على الْمَرِيضَة والمعيبة والرديئة وَلَا ينْطَلق على الذّكر والفصيل وَقد وَجب بِلَفْظ بنت لبون مثلا وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي أَخذ الذّكر وَالصَّغِير إِلَى التَّسْوِيَة بَين الْقَلِيل وَالْكثير فَيُؤْخَذ من إِحْدَى وَسِتِّينَ وَاحِدَة وَمن خمس وَعشْرين وَاحِدَة
وَيُؤْخَذ من سِتّ وَثَلَاثِينَ ابْن لبون وَمن خمس وَعشْرين وَهَذَا محَال وَفِيه وَجه ثَالِث أَنه حَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى التَّسْوِيَة فَلَا يَأْخُذ إِلَّا أُنْثَى وكبيرة وَإِن جَاوز هَذَا الْمِقْدَار وَأخذ من الصغار صَغِيرَة أما إِذا اخْتلف المَال فِي هَذِه الصِّفَات أما فِي صفة الذُّكُورَة والصغر فَلَا يَأْخُذ إِلَّا الْأَكْمَل فَإِذا كَانَ فِي المَال أُنْثَى وكبيرة فَلَا يَأْخُذ إِلَّا الْأُنْثَى والكبيرة لِأَنَّهُ قَالَ فِي خمس وَعشْرين بنت مَخَاض وَالْغَالِب أَن كل المَال لَا يَنْفَكّ عَن الصَّغِير وَالذكر وَلما رُوِيَ أَن عمر قَالَ لمصدقه اعْتد عَلَيْهِم بالسخلة الَّتِي يروح بهَا الرَّاعِي على يَدَيْهِ وَلَا تأخذها وَلَا تَأْخُذ الأكولة وَلَا الربى وَلَا الماخض وَلَا فَحل الْغنم وَخذ الْجَذعَة من الضَّأْن والثنية من الْمعز فَذَلِك عدل بَين غذَاء المَال
المَال وجباره الأكولة مَا اتخذ للْأَكْل والربى الَّتِى تربي وَلَدهَا والماخض الْحَامِل وكل ذَلِك لَا يُؤْخَذ نظرا للْمَالِك فَإِن تبرع بِهِ قبل وَأما صفة الْمَرَض فَإِذا انقسم المَال إِلَى صَحِيح ومريض لم يُؤْخَذ إِلَّا الصَّحِيح نعم يُؤْخَذ صَحِيح فِي أقل الدَّرَجَات حَتَّى بَالغ بعض أَصْحَابنَا وَقَالَ لَو كَانَ الصَّحِيح وَاحِدَة وَالْوَاجِب شَاتَان صَحِيح فأخرجها مَعَ مَرِيضَة لم يجز لِأَن الْمَرِيضَة تزكّى الْمخْرج مَعهَا وَهِي صَحِيحَة وَهَذَا سرف بل يقْضى بِأَنَّهُ إِذا لم يستبق شَيْئا من الصَّحِيح جَازَ ثمَّ يكْتَفى بصحيحة بِقرب قيمتهَا من ربع عشر مَاله إِذا كَانَ الْمَمْلُوك أَرْبَعِينَ من الْغنم كَيْلا يُؤَدِّي إِلَى الإجحاف بِهِ أما صفة الْعَيْب فَإِذا انقسم المَال إِلَى معيب وصحيح فَليخْرجْ بِاعْتِبَار الْقيمَة مَا يكون مُسَاوِيا ربع عشر مَاله فِي صُورَة الْأَرْبَعين وَإِن كَانَ الْكل معيبا وَبَعضه أردأ قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ يخرج أَجود مَا عِنْده وَقَالَ الْأَصْحَاب يَأْخُذ الْوسط بَين الدرجتين وَهُوَ الْأَصَح وَأما اخْتِلَاف النَّوْع كالمعز والضأن والأرحبية
والمهرية فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا الْأَخْذ بالأغلب لِأَن تَمْيِيز ذَلِك عسير وَإِن اسْتَويَا فَهُوَ كاجتماع الحقاق وَبَنَات اللَّبُون وَالثَّانِي أَنه يَأْخُذ من كل بِقسْطِهِ حَتَّى لَو ملك عشرَة أرحبية وَعشرَة مجيدية وخمسا مهرية فَإنَّا نَأْخُذ قيمَة خمس ببنت مَخَاض أرحبية وَخمْس مجيدية وَخمْس مهرية ويشترى بِهِ صنفا من هَذِه الْأَصْنَاف فَخرج من هَذَا أَنه مهما اخْتلف المَال فِي الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة وَالصَّغِيرَة والكبيرة لَا يَأْخُذ إِلَّا الْكَبِيرَة وَالْأُنْثَى وَإِن اخْتلف فِي الْمَرَض وَالْعَيْب والسلامة فَيَأْخُذ بِالنِّسْبَةِ من كل وَاحِد وَإِن اخْتلف فِي النَّوْع فَقَوْلَانِ هَذَا بَيَان النّصاب وَلَا زَكَاة على من لم يملك نِصَابا إِلَّا إِذا تمّ بالخلطة نِصَابا
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب صَدَقَة الخلطاء - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه خَمْسَة فُصُول
الأول فِي حكم الْخلطَة وَشَرطهَا
وَحكم الْخلطَة تَنْزِيل الْمَالَيْنِ منزلَة ملك وَاحِد فِي وجوب الزَّكَاة وَقدره وَأَخذه ثمَّ قد يُفِيد ذَلِك تقليلا كمن خلط أَرْبَعِينَ بِأَرْبَعِينَ لغيره فَلَا يلْزمه إِلَّا نصف شَاة وَقد يُفِيد تثقيلا كمن خلط عشْرين بِعشْرين لغيره فَيلْزمهُ نصف شَاة وَأنكر أَبُو حنيفَة أثر الْخلطَة وَنفى مَالك أَثَره فِيمَا دون النّصاب وَدَلِيل تَأْثِير الْخلطَة قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لَا يجمع بَين مفترق وَلَا يفرق بَين مُجْتَمع خشيَة الصَّدَقَة وَمَا كَانَ من خليطين فَإِنَّهُمَا يتراجعان بَينهمَا بِالسَّوِيَّةِ والخليطان مَا اجْتمعَا على الرَّعْي والفحولة والحوض
وللخلطة سِتَّة شُرُوط اتَّفقُوا على اثْنَيْنِ مِنْهَا الأول أَن يكون الخليط أَهلا لوُجُوب الزَّكَاة فَلَا أثر للخلطة مَعَ الْمكَاتب وَالذِّمِّيّ الثَّانِي اتِّحَاد المسرح والمراح والمرعى والمشرع فَإِن التَّفْرِيق فِي شئ من ذَلِك يُنَافِي الْخلطَة فِي نفس المَال الثَّالِث اشْتِرَاك الرَّاعِي والفحل والمحلب وَفِيه وَجْهَان من حَيْثُ إِن الاستبداد بِهِ لَيْسَ تفريقا فِي نفس المَال بل فِي تصرف مُتَعَلق بِالْمَالِ ثمَّ من شَرط الِاشْتِرَاك فِي المحلب لم يشْتَرط على الصَّحِيح خلط اللَّبن بل يَكْتَفِي أَن تكون المحالب بَينهم فوضى
الرَّابِع أَن الِاخْتِلَاط فِي جمع السّنة هَل يشْتَرط فِيهِ قَولَانِ كَمَا سَيَأْتِي ذكرهَا الْخَامِس أَن الْقَصْد هَل يُرَاعى فِي الْخلطَة حَتَّى لَو اخْتلفت الْمَوَاشِي بِنَفسِهَا أَو تَفَرَّقت بِنَفسِهَا من غير قصد الْمَالِك فَهَل يُؤثر فِيهِ وَجْهَان كَمَا سَيَأْتِي فِي الْعلف والإسامة السَّادِس أَن يكون مَا فِيهِ الْخلطَة نعما أما الثِّمَار والزروع فَهَل تقاس الْخلطَة فِيهَا على الْمَوَاشِي فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا نعم لِأَنَّهُ مَال زَكَاة يحصل الرِّفْق فِيهِ بالخلطة كالمواشي وَالثَّانِي لَا لِأَن الْخلطَة فِي الْمَوَاشِي قد تزيد فِي الزَّكَاة وَقد تنقص وَهَاهُنَا لَا يُفِيد إِلَّا مزيدا فَلم يكن فِي مَعْنَاهُ الثَّالِث أَنه يثبت خلْطَة الشُّيُوع دون خلْطَة الْجوَار إِذْ لَا تتحد الْمرَافِق بالتجاور وَغَايَة الْمُمكن فِيهِ اتِّحَاد الناطور وَالنّهر
وَأما الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فَالْمَذْهَب أَن خلْطَة الْجوَار لَا تُؤثر فِيهَا إِذْ لَا وَقع لِاتِّحَاد الْحَانُوت والحارس وَفِي خلْطَة الشُّيُوع قَولَانِ
الْفَصْل الثَّانِي فِي التراجع
فَإِن كَانَت الْأَمْوَال شائعة فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ وَإِن كَانَت متجاورة مختلطة فالساعي يَأْخُذ من عرض المَال مَا ينْفق ثمَّ يرجع الْمَأْخُوذ مِنْهُ بِقِيمَة حِصَّة خليطه فَلَو خلط أَرْبَعِينَ من الْبَقر بِثَلَاثِينَ لغيره فَأخذ السَّاعِي كِلَاهُمَا من صَاحب الْأَرْبَعين رَجَعَ على الآخر بِقِيمَة ثَلَاثَة أَسْبَاع تبيع ومسنة وَإِن أخذهما من صَاحب ثَلَاثِينَ رَجَعَ على الآخر بأَرْبعَة أَسْبَاع مَا أَخذ مِنْهُ وَإِن أَخذ المسنة من صَاحب الْأَرْبَعين والتبيع من صَاحب الثَّلَاثِينَ رَجَعَ باذل المسنة بِثَلَاثَة أسباعها على خليطه وَرجع باذل التبيع بأَرْبعَة أسباعه على خليطه لِأَن جَمِيع الْمَالَيْنِ كَمَال وَاحِد
وَقَالَ أَبُو إِسْحَق الْمروزِي إِذا قدر السَّاعِي على أَن يعنيهما عَن التراجع بِأَن يَأْخُذ من كل وَاحِد واجبه لزمَه ذَلِك وَمَا ذكره قَادِح فِي فقه الْخلطَة لِأَنَّهُ يبطل حكم اتِّحَاد الْمَالَيْنِ
الْفَصْل الثَّالِث فِي اجْتِمَاع الْخلطَة والانفراد فِي حول وَاحِد
فَإِذا ملك أَرْبَعِينَ من الْغنم غرَّة الْمحرم وَملك غَيره مثله فِي ذَلِك الْوَقْت ثمَّ خلطا غرَّة صفر فَالْقَوْل الْجَدِيد أَن الْوَاجِب فِي الْحول الأول على كل وَاحِد شَاة تَغْلِيبًا للانفراد وعَلى الْقَدِيم يجب نصف شَاة نظرا إِلَى آخر الْحول فَأَما إِذا ملك الثَّانِي غرَّة صفر وخلط غرَّة ربيع الأول فقد زَاد تفرق أَوَائِل الْحَوْلَيْنِ فعلى الْجَدِيد تجب زَكَاة الِانْفِرَاد فِي السّنة الأولى إِذا تمت على كل وَاحِد ثمَّ زَكَاة الْخلطَة بعْدهَا وعَلى الْقَدِيم تجب زَكَاة الْخلطَة فِي الأولى وَالثَّانيَِة على كل وَاحِد نصف شَاة إِذا تمت سنته وَخرج ابْن سُرَيج فِي اخْتِلَاف الْحَوْلَيْنِ قولا ثَالِثا وَهُوَ أَن الْوَاجِب أبدا زَكَاة الِانْفِرَاد فَإِن الِاتِّحَاد قد تعذر بتفرق الْأَحْوَال وَكَانَ هَذَا شَرط سَابِع فِي الْخلطَة ثمَّ طرد هَذَا فِي
الْوَاحِد إِذا اشْترى أَرْبَعِينَ ثمَّ اشْترى أَرْبَعِينَ وَجب فِي كل أَرْبَعِينَ شَاة عِنْد تَمام سنته أبدا وَلَا يجْرِي فِيمَا إِذا اشْترى عشْرين ثمَّ اشْترى عشْرين لِأَن الْحول انْعَقَد عَلَيْهِمَا فِي وَقت وَاحِد
فرعان
أَحدهمَا إِذا ملك أَحدهمَا أَرْبَعِينَ وَملك الآخر بعد شهر أَرْبَعِينَ وكما ملك خلط فعلى الْقَدِيم على كل وَاحِد عِنْد كَمَال سنته نصف شَاة وعَلى الْجَدِيد على الأول شَاة وعَلى الثَّانِي نصف شَاة فَإِنَّهُ كَانَ خليطا فِي جَمِيع سنته وَذكر بعض أَصْحَابنَا أَن عَلَيْهِ شَاة لِأَن خليطه لم ينْتَفع بخلطته فَهُوَ أَيْضا لَا ينْتَفع بتسوية بَينهمَا وَهُوَ بعيد الثَّانِي إِذا ملك أَرْبَعِينَ من الْغنم وَملك آخر عشْرين بعد شهر وخلطه بِهِ فعلى الْحَدِيد يجب على الأول شَاة عِنْد كَمَال سنته وعَلى الشَّرِيك ثلث شَاة وعَلى الْقَدِيم على الأول ثلثا شَاة وعَلى الثَّانِي ثلث شَاة وعَلى التَّخْرِيج على الأول شَاة وعَلى الثَّانِي لَا يجب شئ أصلا