فَإِن كَانَ الْأَب الْمُوسر غَائِبا وَالْجد حَاضرا فعلى القَاضِي أَن يَأْمر الْجد بِالْإِنْفَاقِ بِشَرْط الرُّجُوع إِلَّا أَن يتَبَرَّع وَإِن اسْتَقل فَالظَّاهِر أَنه لَا يرجع إِلَّا إِذا عجز عَن القَاضِي فَفِي رُجُوعه وَجْهَان الرَّابِع يجب على الام أَن ترْضع وَلَده اللبأ إِذْ يُقَال إِنَّه لَا يعِيش دونه ثمَّ الْأُجْرَة على الْأَب إِن كَانَ لَهُ أُجْرَة وَكَذَلِكَ فِي الْإِرْضَاع لِأَن النَّفَقَة على الْأَب وَلَيْسَ عَلَيْهَا الْإِرْضَاع إِن وجد غَيرهَا وَإِن لم تُوجد إِلَّا وَاحِدَة وَلَو أَجْنَبِيَّة وَجب عَلَيْهَا لِأَنَّهُ من فروض الكفايات وَمهما رغبت فَهِيَ أولى فَلَا يقدم عَلَيْهَا الْأَجْنَبِيَّة رِعَايَة لجانبها وجانب الطِّفْل لزِيَادَة شفقتها فَإِن تبرعت الْأَجْنَبِيَّة وَطلبت الْأُم الْأُجْرَة فَقَوْلَانِ حاصلهما تردد فِي أَنه هَل يجب على الْأَب تَحْصِيل زِيَادَة هَذِه الشَّفَقَة للطفل وَدفع الضَّرَر عَنْهَا بِمَال هَذَا إِذا لم تكن فِي نِكَاحه فَإِن كَانَت فِي نِكَاحه فَللزَّوْج منعهَا من الْإِرْضَاع لأجل الإستمتاع وَفِيه وَجه أَن منعهَا من الْإِرْضَاع إِضْرَار بهَا وبالطفل فَيقدم حَقّهَا وَلَا يتَّجه هَذَا إِلَّا إِذا كَانَ الْوَلَد من الزَّوْج فَإِن كَانَ لغيره فَيقدم استمتاع الزَّوْج
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي تَرْتِيب الْأَقَارِب عِنْد الإجتماع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالنَّظَر فِي أَطْرَاف أَرْبَعَة الأول فِي اجْتِمَاع الْأَوْلَاد وَفِيه طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَن التَّقْدِيم للقرب حَتَّى يقدم الْقَرِيب المحروم من الْمِيرَاث كَبِنْت الْبِنْت على الْبعيد الْوَارِث كَبِنْت ابْن الإبن فَإِن تَسَاويا فِي الْقرب وَأَحَدهمَا وَارِث كَبِنْت بنت وَابْنَة ابْن فَفِي تَقْدِيم الْوَارِث وَجْهَان فَإِن اعْتبرنَا الْإِرْث وتفاوتا فِي الْقدر فَهَل توزع على الْمَقَادِير أَو يُسَوِّي فِيهِ وَجْهَان ومثاله الإبن وَالْبِنْت الطَّرِيقَة الثَّانِيَة أَن الْإِرْث مقدم فَلَو تَسَاويا فِي الْمِيرَاث وَقضي بالتساوي لتساويهما فِي أصل الْمِيرَاث لَا فِي قدره فِي كل مَوضِع ذكرنَا التَّسَاوِي فِيهِ كَبِنْت وَابْن ابْن فَعِنْدَ ذَلِك يقدم الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب وَإِن تَسَاويا فيهمَا يوزع عَلَيْهِمَا وَفِيه وَجه أَنه يقدم بالذكورة فَيقدم الإبن على الْبِنْت لِأَنَّهُ مكتسب وَالنَّظَر إِلَى الْإِرْث ضَعِيف مَعَ وُجُوبهَا على من لَا يَرث وَعند اخْتِلَاف الدّين الطّرف الثَّانِي فِي اجْتِمَاع الْأُصُول وَالْأَب مقدم على الْأُم فِي الصغر وَبعد الْبلُوغ وَجْهَان أَحدهمَا الْأَب استصحابا
وَالثَّانِي أَنَّهُمَا أصلان وَكَأن ذَلِك كَانَ من أثر الْولَايَة فِي الصغر وعَلى هَذَا هَل يتفاوتان كتفاوت الْإِرْث أم لَا فِيهِ وَجْهَان أما الأجداد والجدات فالقريب مقدم على الْبعيد المدلي بِهِ فَإِن اخْتلفت الْجِهَة فخمسة طرق طريقتان ذكرناهما فِي الْأَوْلَاد الثَّالِثَة أَن يقدم بِولَايَة المَال وَيدل عَلَيْهِ تَقْدِيم الْأَب على الْأُم فَإِن اسْتَويَا فَمن يُدْلِي بولِي فَهُوَ أولى فَإِن اسْتَويَا فَالْأَقْرَب أولى وَهُوَ اخْتِيَار المَسْعُودِيّ الرَّابِعَة تعْتَبر الذُّكُورَة فالذكر أولى فَإِن اسْتَويَا فالمدلي بِالذكر أولى فَإِن اسْتَويَا فَالْأَقْرَب أولى وعَلى هَذَا الْأَب الْيَهُودِيّ وَإِن لم يكن وليا فَهُوَ أولى إِذْ ترعى الْجِهَة المفيدة للولاية لَا نفس الْولَايَة الْخَامِسَة النّظر إِلَى الْإِرْث والإكتساب أَعنِي الذُّكُورَة فَإِن وجد فيهمَا أَو عدم أَو وجد فِي أَحدهمَا الذُّكُورَة وَفِي الآخر الوراثة اسْتَويَا وَبعد ذَلِك يقدم بِالْقربِ وخاصية هَذِه الطَّرِيقَة جبر الذُّكُورَة وَالْإِرْث كل وَاحِد لصَاحبه وَجَمِيع هَذِه الطّرق تجْرِي بَين الْأَوْلَاد إِلَّا اعْتِبَار الْولَايَة لِأَن المرجحات أَرْبَعَة الْولَايَة والقرب وَالْإِرْث والذكورة ولنذكر ثَلَاث صور لشرح هَذِه الطّرق صُورَة الأول أَب أَب وَأم من اعْتبر الْقرب قدم الْأُم وَمن اعْتبر الْإِرْث نصر عَلَيْهِمَا إِمَّا مُتَسَاوِيا أَو متفاوتا وَمن اعْتبر الْولَايَة أَو الذُّكُورَة قدم الْجد وَقيل للشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ نَص على أَن أَب الْأَب أولى من الْأُم وَلم يُصَحِّحهُ الْأَئِمَّة صُورَة الثَّانِيَة أَب أَب وَأب أم من رَاعى الْقرب سوى وَمن رَاعى الْإِرْث أَو الْولَايَة أَو
الذُّكُورَة والإدلاء بهَا قدم أَب أَب صُورَة الثَّالِثَة أم أَب أَب وَأب أم من رَاعى الْقرب أَو الذُّكُورَة قدم أَب الْأُم وَمن رَاعى الْإِرْث قدم أم أَب الْأَب الطّرف الثَّالِث فِي اجْتِمَاع الْأُصُول وَالْفُرُوع وَفِيه مسَائِل إِحْدَاهَا للْفَقِير أَب وَابْن موسران فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا الْأَب أولى لِأَنَّهُ ولي فَهُوَ أولى بالتربية إِذْ يستصحب حَال الصغر وَالثَّانِي الإبن أولى لِأَنَّهُ أولى بِالْخدمَةِ وَالثَّالِث أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ ثمَّ هَل يتفاوتان لأجل الْإِرْث فِيهِ الْوَجْهَانِ الثَّانِيَة ابْن وجد قيل الْجد أولى لِأَنَّهُ كَالْأَبِ وَقيل الابْن أولى للْخدمَة والقرب الثَّالِثَة ابْن وَأم قيل هِيَ كَالْأَبِ لِأَنَّهَا أصل وَقيل الابْن أولى قطعا وعَلى الْجُمْلَة تعود الطّرق وَإِنَّمَا يزِيد هَا هُنَا أَن الْفَرْع بِالْخدمَةِ أولى وَالْأَصْل بالتربية أولى الطّرف الرَّابِع فِي ازدحام الآخذين للنَّفَقَة فَإِذا لم يفضل إِلَّا قوت وَاحِد اتَّفقُوا على أَن الزَّوْجَة مُقَدّمَة لِأَنَّهَا عِيَال كالأولاد وحقها آكِد إِذْ لَا يسْقط بمرور الزَّمَان وَلَا بغناها وَفِيه احْتِمَال إِذْ فِيهِ مشابه الدُّيُون وَنَفَقَة الْقَرِيب فِي مَال الْمُفلس مقدم عَلَيْهِ فِي يَوْم الْأَدَاء لَا فِي الْمُسْتَقْبل إِلَّا أَن الزَّوْجَة عِيَال فَأَما المدلون ببعضية فتعود الطّرق كلهَا فِي التَّرْجِيح بِالْقربِ أَو الوراثة وَيزِيد هَا هُنَا شَيْئَانِ
أَحدهمَا أَن هُنَاكَ الذُّكُورَة جِهَة فِي التَّقْدِيم وَهَا هُنَا الْأُنُوثَة هِيَ المرعية إِذْ تشعر بِضعْف وَالْآخر أَنا فِي الإلتزام نَنْظُر إِلَى مقادير الْإِرْث على رَأْي وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ فِي الْأَخْذ لَا ينظر إِلَيْهِ فَإِن اسْتَووا وزع عَلَيْهِم وَإِن كَانَ لَا يسد التَّوْزِيع من كل وَاحِد مسدا أَقرع بَينهم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي أَحْكَام الْحَضَانَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه فُصُول
الأول فِي الصِّفَات الْمَشْرُوطَة
والحضانة عبارَة عَن حفظ الْوَلَد وتربيته وَتجب مئونة الْحَضَانَة على من عَلَيْهِ النَّفَقَة وَعند الإزدحام يسْلك بهَا مَسْلَك الْولَايَة لِأَنَّهَا سلطنة على الْحِفْظ والتربية لَكِن تفارق الْولَايَة فِي أَن الْإِنَاث أولى بالحضانة لِأَن الْأُنُوثَة تناسب هَذِه الْولَايَة لزِيَادَة الرقة والشفقة وَلَو عضل الْأَقْرَب أَو غَابَ انْتقل إِلَى الْأَبْعَد لَا إِلَى السُّلْطَان لِأَن هَذَا يعْتَمد الشَّفَقَة الْمُجَرَّدَة بِخِلَاف ولَايَة النِّكَاح وَلَو امْتنعت الْأُم فأمها أولى من أَب الطِّفْل لِأَن شفقتها كشفقة الْأُم وَقيل ينْتَقل الْحق بعضلها إِلَى الْأَب وَكَأَنَّهُ فِي دَرَجَة السلطنة فِي الْولَايَة وَهُوَ بعيد وَمهما اجْتمع الْأَب وَالأُم فالأم أَحَق بالحضانة بِشَرْط اتصاف الْأُم بِخمْس صِفَات الْإِسْلَام وَالْعقل وَالْحريَّة وَالْأَمَانَة بالفراغ أما الْإِسْلَام فَإِنَّمَا يشْتَرط فِي ولد الْمُسلم لِأَن تَسْلِيمه إِلَى الْكَافِر يعرض دينه للفتنة وَأما الْعقل فَهُوَ الأَصْل فَلَا ثِقَة بِحِفْظ المعتوهة
وَأما الْحُرِّيَّة فَلَا بُد مِنْهَا لِأَن هَذِه ولَايَة وَلَا ولَايَة مَعَ الرّقّ وَلَا يُؤثر رضَا السَّيِّد وَكَذَلِكَ من نصفهَا حر وَنِصْفهَا رَقِيق إِذْ لَا ولَايَة لمثلهَا وَلَكِن عَلَيْهَا نَفَقَة الْقَرِيب لِأَن ذَلِك من قبيل الغرامات وَأما الْأَمَانَة فَلَا بُد مِنْهَا إِذْ الفاسقة لايؤمن من جَانبهَا وَأما الْفَرَاغ فنعني بِهِ أَن لَا تكون فِي نِكَاح غَيره فَإِذا نكحت سقط حَقّهَا من الْحَضَانَة لِأَنَّهُ نوع رق وَلَا يُؤثر رضَا الناكح إِلَّا إِذا نكحت من لَهُ حق الْحَضَانَة كعم الْوَلَد فَالْمَشْهُور أَنه لَا يسْقط حَقّهَا من الْحَضَانَة وَفِيه وَجه أَن الْأَب أولى من الْأُم وَإِن نكحت الْعم وَمهما طلقت قبل الْمَسِيس عَاد حَقّهَا كَمَا إِذا أفاقت من جُنُون أَو عتقت من رق أَو تابت من فسق أَو أسلمت بعد كفر فَإِن كَانَت رَجْعِيَّة فالمنصوص رُجُوع حَقّهَا لِأَنَّهَا الْآن فارغة معتزلة وَفِيه قَول مخرج وَهُوَ اخْتِيَار الْمُزنِيّ أَنه لَا حق لَهَا لاستمرار سلطنة الزَّوْج أما الْمُعْتَدَّة البائنة فَيَعُود حَقّهَا لَكِن إِن كَانَت فِي مسكن الزَّوْج فَللزَّوْج أَن لَا يرضى بِإِدْخَال الْوَلَد ملكه فَإِن رَضِي رَجَعَ حَقّهَا لَا كرضاه فِي صلب النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا يُؤثر لِأَن هَذَا كرضا الْمُعير للدَّار
الْفَصْل الثَّانِي فِيمَن يسْتَحق الْحَضَانَة
وَهُوَ كل من لَا يسْتَقلّ إِمَّا لصِغَر أَو جُنُون لَكِن الْأُم أولى بِالصَّبِيِّ قبل التَّمْيِيز فَإِذا ميز خير بَينهَا وَبَين الْأَب وَسلم إِلَى من يختاره غُلَاما كَانَ أَو جَارِيَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله الْأَب بالغلام أولى وَالأُم بالجارية أولى وَقد روى أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خير غُلَاما
وَلَا نَنْظُر إِلَى سبع سِنِين بل نتبع التَّمْيِيز فَإِن استمرت الغباوة إِلَى مَا بعد الْبلُوغ فالأم أولى وَكَذَلِكَ إِن اتَّصل بِهِ جُنُون وَكَأن حَقّهَا لَا يَنْقَطِع إِلَّا بِاخْتِيَار الصَّبِي عَن تَمْيِيز وَلَو اخْتَار أَحدهمَا ثمَّ رَجَعَ رد إِلَى الآخر لِأَن الْحَال قد يتَغَيَّر فِي الرِّفْق بِهِ إِلَّا إِذا كثر تردده حَتَّى دلّ على قلَّة التَّمْيِيز فَيرد إِلَى الْأُم وَكَذَلِكَ إِذا سكت عَن الإختيار هَذَا فِي حق الصَّبِي أما الْبَالِغ إِذا كَانَ غير رشيد فَهُوَ كَالصَّبِيِّ وَإِن كَانَ رشيدا وَهُوَ ذكر اسْتَقل وَإِن كَانَت جَارِيَة وَهِي بكر فَالظَّاهِر أَن للْأَب أَن يسكنهَا موضعا وَلَيْسَ لَهَا الإستقلال وَإِن كَانَت رَشِيدَة كَمَا يجبرها على حبس النِّكَاح وَهُوَ أعظم من حبس الْمسكن ثمَّ هَذَا يخْتَص بِالْأَبِ وَالْجد وَمن لَهُ ولَايَة الْإِجْبَار وَفِيه وَجه أَنَّهَا تستقل وَإِنَّمَا التَّزْوِيج بالجبر أما الْبِنْت فَإِنَّهَا تستقل إِذا تمّ رشدها بالممارسة لَكِنَّهَا إِن كَانَت تتهم بريبة فلعصباتها ولَايَة إسكانها وملاحظتها دفعا للعار عَن النّسَب وَلَا يثبت هَذَا إِلَّا لمن لَهُ ولَايَة التَّزْوِيج وَلَو ادّعى الرِّيبَة فأنكرت فتبعد مُطَالبَته بالإثبات بِالْبَيِّنَةِ فَإِن ذَلِك افتضاح يجر الْعَار والإحتكام على عَاقِلَة أَيْضا بِمُجَرَّد الدَّعْوَى بعيد وَلَكِن إِقَامَة الْبَيِّنَة أبعد مِنْهُ
فرعان أَحدهمَا هَل يجْرِي التَّخْيِير بَين الْأُم وَمن يَقع على حَاشِيَة النّسَب كالعم وَالْأَخ فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم كَالْأَبِ وَالْجد وَالثَّانِي أَن الْأُم أولى وَإِنَّمَا التَّخْيِير مَعَ الْأَب وَالْجد لِأَن لَهُم دَرَجَة الْولَايَة والإجبار وَيجْرِي هَذَا الْخلاف فِي التَّخْيِير بَين الْأَب وَالْأُخْت وَالْخَالَة إِذا قُلْنَا إِن الْأَب مقدم عَلَيْهِمَا فِي الْحَضَانَة الثَّانِي أَنه إِذا اخْتَار الْأَب لم يمْنَعهَا من الزِّيَارَة وَإِذا اخْتَار الام لم يسْقط عَن الْأَب مئونة الْحَضَانَة وَالْقِيَام بتأديبه وتسليمه إِلَى الحرفة أَو الْمكتب وَكَذَلِكَ الْمَجْنُون الَّذِي لَا تستقل الْأُم بضبطه يجب على الْأَب رعايته وَمهما سَافر الْأَب سفر نقلة بَطل تَقْدِيم الْأُم وَكَانَ لَهُ اسْتِصْحَاب الْوَلَد كَيْلا يَنْقَطِع النّسَب سَوَاء كَانَ قبل التَّمْيِيز أَو بعده إِذْ فِيهِ ضرار نعم لَو رافقته الْأُم فَهِيَ أولى وَلَيْسَ لَهُ استصحابه فِي سفر النزهة وَلَا فِي سفر التِّجَارَة وَإِن طَالَتْ الْمدَّة وَفِيه وَجه لطول الْمدَّة وَلَو انْتقل إِلَى مَا دون مرحلَتَيْنِ فَفِي جَوَاز انتزاع الْوَلَد وَجْهَان لِأَن تتَابع الرفاق يمْنَع اندراس النّسَب
الْفَصْل الثَّالِث فِي التزاحم والتدافع
وَالنَّظَر فِي أَطْرَاف الأول فِي اجْتِمَاع النسْوَة فَإِن تدافعن فالحاضنة على من عَلَيْهَا النَّفَقَة وَإِن تزاحموا وَطلبت كل وَاحِدَة الْحَضَانَة فالنص فِي الْجَدِيد أَن الْأُم أولى ثمَّ أمهاتها المدليات بالإناث لَا بالذكور ثمَّ أم الْأَب وجداته المدليات بالإناث وَإِن علون ثمَّ أم الْجد وجداته على التَّرْتِيب الْمُقدم فِي الْأَب ثمَّ أم أَب الْجد وجداته كَذَلِك ثمَّ الْأَخَوَات ثمَّ الخالات ثمَّ بَنَات الْإِخْوَة لِأَن الْخَالَة أم وشفقتها أَكثر من شَفَقَة العمات وَهن بعد الخالات لِأَن قرَابَة الْأُم أقوى فِي الْحَضَانَة وَالْقَدِيم يُوَافق الْجَدِيد فِي جَمِيع هَذَا التَّرْتِيب إِلَّا أَنه فِي الْقَدِيم قدم الْأَخَوَات والخالات على أُمَّهَات الْأَب لإدلائهن بِالْأُمِّ وَهُوَ ضَعِيف لِأَن شَفَقَة الْأُصُول أعظم
وَيبقى النّظر فِي ثَلَاث مسَائِل إِحْدَاهَا أَن الْأُخْت من الْأَب مُقَدّمَة على الْأُخْت من الْأُم فِي الْجَدِيد وَذكر وَجه فِي التَّخْرِيج على الْقَدِيم أَن الْأُخْت للْأُم مُقَدّمَة لقرابة الْأُم وَعلة الْجَدِيد أَنَّهُمَا يستويان فِي الشَّفَقَة وَلَا تُؤثر جِهَة الْأُم فِي زِيَادَة الشَّفَقَة لَكِن هَذِه لَهَا قُوَّة فِي الْمِيرَاث وَيصْلح ذَلِك فِي التَّرْجِيح لَكِن هَذَا لَا يطرد فِي خَالَة لأَب وَأُخْرَى لأم وَكَذَلِكَ لعمات إِذْ لَا مِيرَاث فَمنهمْ من قدم الْخَالَة للْأَب لِأَن الْمِيرَاث بَين لنا قُوَّة هَذِه الْجِهَة فَلَا يرْعَى غير الْمِيرَاث وَمِنْهُم من قدم الْخَالَة للْأُم إِذْ لَا مِيرَاث وقرابة الْأُم آكِد الثَّانِيَة نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه لَا مدْخل فِي الْحَضَانَة لكل جدة سَاقِطَة فِي الْمِيرَاث وَهِي كل جدة تدلي بِذكر بَين الْأُنْثَيَيْنِ وَهُوَ مُشكل لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت ساطقه فِي الْمِيرَاث فالخالة والعمة أَيْضا كَذَلِك وَلَعَلَّ سَببه أَن الذّكر الَّذِي لَيْسَ بوارث لَيْسَ لَهُ ولَايَة الْحَضَانَة وَهِي تدلي بِهِ وَلِهَذَا الْإِشْكَال ذكر أَصْحَابنَا وَجْهَيْن آخَرين أَحدهمَا أَنَّهُنَّ لَو انفردن فَلَهُنَّ الْحَضَانَة ولكنهن مؤخرات عَن الخالات وَجَمِيع الْمَذْكُورَات وَالثَّانِي أَنَّهُنَّ مؤخرات عَن الْجدَّات الوارثات مُقَدمَات على الاخوات والخالات الثَّالِثَة الْقَرِيبَة الْأُنْثَى الَّتِي لَا محرمية لَهَا كبنات الخالات وَبَنَات العمات فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه لَا حضَانَة لَهُنَّ إِذْ الْحَضَانَة تستدعي خبْرَة ببواطن الْأُمُور فتستدعي الْمَحْرَمِيَّة وَالثَّانِي أَنه تثبت وَذكر الفوراني ذَلِك وَقَالَ الخالات مُقَدمَات على بَنَات الْإِخْوَة وَبَنَات الْإِخْوَة مُقَدمَات على العمات كَمَا يقدم ابْن الْأَخ فِي الْإِرْث على الْعم وَقَالَ بَنَات الخالات مُقَدمَات على بَنَات العمات الطّرف الثَّانِي فِي اجْتِمَاع الذُّكُور وهم أَرْبَعَة أَقسَام الأول محرم وَارِث فَلهُ حق الْحَضَانَة ويترتبون ترَتّب الْعَصَبَات فِي الْولَايَة إِلَّا الْأَخ من الْأُم فَإِنَّهُ لَيْسَ بولِي وَهُوَ مُتَأَخّر عَن الْأُصُول وعو الْإِخْوَة للْأَب مَعَ أَنه محرم وَارِث وَهل يُؤَخر عَن الْعم فِيهِ وَجْهَان مِنْهُم من أخر للولاية وَمِنْه من قدم للقرب والشفقة وَهُوَ الْأَظْهر الثَّانِي الْوَارِث الَّذِي لَيْسَ بِمحرم كبني الْأَعْمَام لَهُم حق حضَانَة فِي الصَّبِي وَفِي الصَّغِيرَة الَّتِي لَا تشْتَهي دون الَّتِي تشْتَهى الثَّالِث الْمحرم الَّذِي لَيْسَ بوارث كالخال وَأب الْأُم وَالْعم من الْأُم وَبني الْأَخَوَات فهم مؤخرون عَن الْوَرَثَة وَهل لَهُم حق عِنْد فقدهم فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا تثبت للمحرمية كَمَا تثبت للخالة وَإِن لم تكن وارثة وَالثَّانِي لَا لِأَن الْخَالَة أُنْثَى وانضمام الْأُنُوثَة إِلَى الْقَرَابَة مُؤثر ثمَّ لَا خلاف أَن الْمُسْتَحبّ للسُّلْطَان أَن يسلم إِلَيْهِم الرَّابِع قريب لَيْسَ بِمحرم وَلَا وَارِث كَابْن الْخَالَة وَالْخَال فَالصَّحِيح أَنه لَا حق لَهُم وَإِن ظهر الْخلاف فِي بَنَات الخالات لأجل الْأُنُوثَة وَفِيه وَجه الطّرف الثَّالِث فِي اجْتِمَاع الذُّكُور وَالْإِنَاث وَلَا شكّ أَن الْأُم وأمهاتها مُقَدمَات إِذا كن من جِهَة الْإِنَاث ثمَّ بعدهن فِي الْأَب والجدات من قبل الْأَب قَولَانِ
ظَاهر النَّص تَقْدِيم الْأَب فَلَا يقدم على الْأَب إِلَّا الْأُم وأمهاتها كَذَلِك قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَالثَّانِي أَنَّهُنَّ مُقَدمَات وَإِن أدلين بِهِ لشفقة الْأُنُوثَة فعلى هَذَا فِي تَقْدِيم الْأَخَوَات على الْأَب ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا التَّقْدِيم للأنوثة وَالثَّانِي لَا لِأَن الْأَب أصل وَالثَّالِث أَنه يقدم على الْأُخْت للْأَب فَإِنَّهَا فَرعه دون الْأُخْت للْأُم وَالْأُخْت للْأَب وَالأُم وَهَذَا الْوَجْه لَا يجْرِي فِي الْخَالَة لِأَنَّهَا لَيست فرعا وَلَكِن يجْرِي الْوَجْهَانِ فِي تَقْدِيم الْخَالَة على الْأَب بل تَقْدِيم الْخَالَة عَلَيْهِ أولى من تَقْدِيم الْأُخْت وكل جدة لَيست فَاسِدَة فَهِيَ مُقَدّمَة على كل عصبَة تقع على حَوَاشِي النّسَب وَأما الذُّكُور وَالْإِنَاث على الْحَوَاشِي إِذا اسْتَووا فِي الْقرب وَالْإِرْث فالأنثى أولى وَالْأُخْت أولى من الْأَخ وَلَو كَانَت الْأُنْثَى بعيدَة وَالذكر قَرِيبا فَوَجْهَانِ لتعارض الْأُنُوثَة والقرابة
السَّبَب الثَّالِث للنَّفَقَة ملك الْيَمين
وَفِيه مسَائِل الأولى أَن نَفَقَة الْمَمْلُوك إمتاع وَهُوَ على الْكِفَايَة وَلَا تسْقط إِلَّا بِزَوَال الْملك أَو الْكِتَابَة وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَن يطعمهُ ويكسوه من جنس مَا يطعم ويكتسي وَلَكِن مَا يَلِيق بِهِ وَلَو اقْتصر من الْكسْوَة على مَا يستر بِهِ الْعَوْرَة لم يجز ذَلِك فِي بِلَادنَا لِأَنَّهُ إِضْرَار وَإِن لم يكن يتَأَذَّى بَحر وَبرد وَهل يجب تَفْضِيل النفيس على الخسيس فِي الْكسْوَة فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يجب إِذْ الْعَادة تَقْتَضِي ذَلِك وَالثَّانِي لَا لِأَن الرَّقِيق يَلِيق بِهِ الخشن وَإِن كَانَ نفيسا وَالثَّالِث أَنه لَا يفرق فِي العبيد أما الْجَوَارِي فيفضل السّريَّة على الخادمة الثَّانِيَة قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا كفى أحدكُم طَعَامه خادمه حره ودخانه فليجلسه مَعَه فَإِن أَبى فليروغ لَهُ لقْمَة وليناولها إِيَّاه فترددوا وَفِي ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَن ذَلِك وَاجِب على التَّرْتِيب وَالثَّانِي أَنه يجب إِمَّا الإجلاس اَوْ ترويغ اللُّقْمَة وَلَا يجب التَّرْتِيب وَالثَّالِث وَهُوَ الْأَظْهر أَن ذَلِك مُسْتَحبّ وَهُوَ من مَكَارِم الْأَخْلَاق الثَّالِثَة الرقيقة أَو أم الْوَلَد إِذا أَتَت بِولد فعلَيْهَا الْإِرْضَاع بِخِلَاف الزَّوْجَة فَإِنَّهَا رقيقَة وَلَا يفرق بَينه وَبَينهَا وَلَا تكلّف أَن ترْضع غير وَلَدهَا مَعَ وَلَده فَإِنَّهُ إِضْرَار بهَا وَبِوَلَدِهَا نعم لَهُ أَن يسْتَمْتع بهَا وَيضم الْوَلَد إِلَى غَيرهَا فِي وَقت الإستمتاع الرَّابِعَة لَيْسَ لَهَا فطام وَلَدهَا قبل الْحَوْلَيْنِ وَلَا الزِّيَادَة على الْحَوْلَيْنِ إِلَّا بِرِضَاهُ والمتبع رضَا السَّيِّد فِيهِ إِلَّا إِذا كَانَ إِضْرَارًا بِالْوَلَدِ وَأما الْحرَّة فحقها مُؤَكد فِي إِرْضَاع وَلَدهَا فَيتَوَقَّف الْفِطَام على توافقهما فَإِن أَرَادَت الْفِطَام فَلهُ الْمَنْع وَإِن أَرَادَت الْإِرْضَاع بِالْأُجْرَةِ وَأَرَادَ الْأَب الْفِطَام فَعَلَيهِ الْأُجْرَة وَلَيْسَ لَهُ الْمَنْع الْخَامِسَة لَا أصل للمخارجة وَهُوَ ضرب خراج مُقَدّر على العَبْد كل يَوْم بل على العَبْد بذل المجهود وعَلى السَّيِّد أَن يحملهُ على مَا يطيقه فَلَو امْتنع السَّيِّد عَن الْإِنْفَاق يُبَاع عَلَيْهِ فَإِن لم يرغب أحد فِي شِرَائِهِ فَهُوَ من محاويج الْمُسلمين السَّادِسَة يجب عَلَيْهِ علف الدَّوَابّ لِأَن أرواحها مُحْتَرمَة وَلذَلِك لَا يجوز تعذيبها وَلَا ذَبحهَا إِلَّا لمأكله وَكَذَلِكَ لَا ينزف أَلْبَانهَا بِحَيْثُ يستضر بنتاجها
وَيجوز غصب الْعلف والخبط لحاجتها إِذا أشرفت على الْهَلَاك على الْمَذْهَب الظَّاهِر وَالْمُسَافر يقدم حَاجَة الدَّابَّة إِلَى المَاء على الْوضُوء فيتيمم وَإِذا أجدبت الأَرْض فَعَلَيهِ علف السَّائِمَة وَلَا يجب عَلَيْهِ عمَارَة دَاره وقناته وعقاره وَإِن أشرفت على الإنهدام لِأَن الْحُرْمَة لذِي الرّوح فَإِن امْتنع من الْعلف فللقاضي أَن يجْبرهُ على البيع أَو يَبِيع عَلَيْهِ وَالله تَعَالَى أعلم وَأحكم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
اعْلَم أَن أَدِلَّة الشَّرِيعَة من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع متظاهرة على أَن الْقَتْل كَبِيرَة متفاحشة مُوجبَة للعقوبة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وموجباته فِي الدُّنْيَا ثَلَاثَة الْقصاص وَالدية وَالْكَفَّارَة أما الْقصاص فالنظر فِي حكمه عِنْد الْعَفو والإستيفاء وَفِي مُوجبه أما الْمُوجب فالنظر فِيهِ يتَعَلَّق بالطرف وَالنَّفس أما النَّفس فالنظر فِيهَا يتَعَلَّق بأركان وَهُوَ الْقَاتِل والقتيل وَنَفس الْقَتْل
الرُّكْن الأول الْقَتْل نَفسه
والموجب للْقصَاص مِنْهُ كل فعل عمد محص عدوان مزهق للروح وَقَوْلنَا مزهق يتَنَاوَل الْمُبَاشرَة وَالسَّبَب فَلَزِمَ تَمْيِيز الْعمد الْمَحْض عَن غَيره وتمييز السَّبَب عَن غَيره وينكشف بِالنّظرِ فِي أَطْرَاف خَمْسَة
الطّرف الأول فِي تَمْيِيز الْعمد عَن شبه الْعمد
وَالْقَصْد لَهُ ثَلَاث متعلقات أَحدهَا بِالْفِعْلِ فَمن تزلق رِجْلَاهُ فَسقط على غَيره فَمَاتَ فَهُوَ خطأ مَحْض الثَّانِي التَّعَلُّق بالشخص فَمن رمى إِلَى صيد فَأصَاب إنْسَانا فَهُوَ خطأ مَحْض وَإِن كَانَ الْفِعْل بِاخْتِيَارِهِ الثَّالِث الْقَصْد الْمُتَعَلّق بزهوق الرّوح وَبِهَذَا يتَمَيَّز الْعمد عَن شبه الْعمد وَفِي ضَبطه طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَن مَا علم حُصُول الْمَوْت بِهِ بعد وجود قصد الْفِعْل والشخص فَهُوَ عمد مَحْض سَوَاء كَانَ قصد الْفَاعِل إزهاق الرّوح أَو لم يكن قصد وَسَوَاء كَانَ حُصُول الْمَوْت بِهِ غَالِبا أَو نَادرا كَقطع الْأُنْمُلَة الطَّرِيقَة الثَّانِيَة أَن الضَّابِط مَا يقْصد بِهِ الْقَتْل غَالِبا فِي المثقل فَأَما فِي
الْجِرَاحَات فَكل جرح سَار ذِي غور لِأَن قطع الْأُنْمُلَة لَا يقْصد بِهِ الْقَتْل غَالِبا ثمَّ هُوَ مُوجب للْقصَاص وَهَذَا ضَعِيف لِأَن معنى الْعمد لَا يخْتَلف بِالْجرْحِ والمثقل وللمثقل أَيْضا تَأْثِير فِي الْبَاطِن وغور فِي الترضيص والطريقة الأولى أَيْضا مدخولة لِأَنَّهُ لَو ضرب كوعه بعصا فتورم ودام الْأَلَم حَتَّى مَاتَ علم حُصُول الْمَوْت بِهِ وَلَا قصاص فِيهِ لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام قَتِيل السَّوْط والعصا فِيهِ مائَة من الْإِبِل وَأي فرق بَينه وَبَين مَا لَو غرز إبرة فأعقبت ألما وورما حَتَّى مَاتَ إِذْ يجب الْقصاص بِهِ وَلَو أعقبت ألما دون الورم فَوَجْهَانِ فَإِن أمكن أَن يُقَال الْمَضْرُوب بالعصا لَعَلَّه مَاتَ فَجْأَة بِسَبَب فِي بَاطِنه أمكن ذَلِك فِي غرز الإبرة كَيفَ وَقد نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه لَو أبان بعض الْأَصَابِع فتأكل الْبَاقِي فَلَا قصاص فِي الْبَاقِي وَقد علم حُصُول السَّرَايَة بِهِ وَنَصّ على أَنه لَو ضرب رَأسه فَأذْهب ضوء عَيْنَيْهِ وَجب الْقصاص فِي الضَّوْء لِأَن اللطائف تقصد بِالسّرَايَةِ دون الْأَجْسَام وَقد علم حُصُول السَّرَايَة فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَعَن هَذَا تصرف بعض الْأَصْحَاب فِي النصين بِالنَّقْلِ والتخريج وَقَالُوا فيهمَا قَولَانِ فَتخرج الطريقتان على الْقَوْلَيْنِ
وَلما عسر الضَّبْط على أبي حنيفَة رَحمَه الله إِذْ رأى الْقَصْد خفِيا عول على الْجَارِح فَلَزِمَهُ إِسْقَاط الْقصاص فِي التَّفْرِيق والتخنيق وَالتَّحْرِيق فَالْأولى فِي تَعْلِيل مَذْهَب الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَن نَتْرُك الضَّبْط ونقول حُصُول الْمَوْت بِالسَّبَبِ إِمَّا أَن يكون نَادرا أَو كثيرا أَو غَالِبا وَلَيْسَ كل كثير غَالِبا فَإِن الْمَرَض كثير وَلَيْسَ بنادر وَلَا غَالب بل الْغَالِب الصِّحَّة والجذام نَادِر لَا كثير وَلَا غَالب فَكل مَا كَانَ حُصُول الْمَوْت بِهِ نَادرا فَلَا قصاص فِيهِ كالعصا وَالسَّوْط وغرز إبرة لَا تعقب ورما وَلما كَانَ
سُقُوط الْأَطْرَاف بِالسّرَايَةِ نَادرا نَص على سُقُوط الْقصاص فِيهِ بِخِلَاف زَوَال اللطائف كالعقل وَالْبَصَر ويقابل هَذِه الرُّتْبَة مَا كَانَ حُصُول الْمَوْت بِهِ غَالِبا كالجراحات الْكَبِيرَة والمثقلات فتلحق بِمَا يكون حُصُول الْمَوْت بِهِ ضَرُورِيًّا كالتخنيق وحز الرَّقَبَة والمتوسط الَّذِي يكون حُصُول الْمَوْت بِهِ كثيرا لَا غَالِبا كالجراحات الواسعة فَوق غرز الإبرة وكقطع الْأُنْمُلَة وكالعصا وَالسَّوْط فَفِي هَذَا ينظر إِلَى السَّبَب الظَّاهِر وَهُوَ الْجرْح مزهقا فَيجب الْقصاص بِهِ لِأَن الْجرْح طَرِيق سالك إِلَى الإزهاق غَالِبا وَإِن لم يكن قدر هَذَا الْجرْح مزهقا غَالِبا وَمَا لَا يجرح فَلَيْسَ طَرِيقا غَالِبا فَاعْتبر فِيهِ أَن يتَحَقَّق كَونه بِالْإِضَافَة إِلَى الشَّخْص وَالْحَال مهْلكا غَالِبا ثمَّ ذَلِك يخْتَلف بالأشخاص وَالْأَحْوَال فليحكم فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ فَإِن قيل لَو ضرب شخصا ضربا يقتل الْمَرِيض غَالِبا لَكِن ظَنّه صَحِيحا قُلْنَا يجب الْقصاص لِأَن هَذَا الظَّن إِذا لم ينف الْعدوان فِي الْفِعْل وَهُوَ فِي نَفسه قَاتل فَلَا يكون
مَعْذُورًا بجهله بِخِلَاف مَا لَو صدر هَذَا من مؤدب أَو أَب أَو من طَبِيب سقَاهُ شَيْئا يقتل ذَلِك الْمَرِيض إِلَّا أَنه لم يعرف مَرضه فَلَا يجب الْقصاص لِأَنَّهُ جهل أَبَاحَ الْفِعْل فَإِن قيل إِذا سقِِي غَيره دَوَاء يقتل كثيرا لَا غَالِبا فَهُوَ كالجراحات أَو المثقلات قُلْنَا ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب أَنه كغرز الإبرة فَإِن أعقب تغيرا أَو تألما وَجب الْقصاص لِأَن أغشية الْبَاطِن رقيقَة فَيَنْقَطِع بالدواء فَكَانَ إِلْحَاقه بِالْجرْحِ أولى
الطّرف الثَّانِي فِي تَمْيِيز السَّبَب عَن الْمُبَاشرَة
وَمَا يحصل الْمَوْت عقبه يَنْقَسِم إِلَى شُرُوط وَعلة وَسبب أما الشَّرْط فَهُوَ الَّذِي يحصل عِنْده لِأَنَّهُ كحفر الْبِئْر مَعَ التردية فَإِن الْمَوْت بالتردية لَكِن الْحفر شَرط وَكَذَا الْإِمْسَاك مَعَ الْقَتْل وَالشّرط لَا يتَعَلَّق الْقصاص بِهِ وَأما الْعلَّة فَمَا تولد الْمَوْت إِمَّا بِغَيْر وَاسِطَة كحز الرَّقَبَة وَإِمَّا بِوَاسِطَة كالرمي فَإِنَّهُ يُولد الْجرْح وَالْجرْح يُولد السَّرَايَة والسراية تولد الْمَوْت وَهَذَا يتَعَلَّق الْقصاص بِهِ أما السَّبَب فَمَا لَهُ أثر فِي التولد وَلكنه يشبه الشَّرْط من وَجه فَهَذَا على ثَلَاث مَرَاتِب الأولى الْإِكْرَاه على الْقَتْل وَهُوَ مُوجب للْقصَاص فَإِنَّهُ شَدِيد الشّبَه بِالْعِلَّةِ لِأَنَّهُ يُولد فِي الْمُكْره دَاعِيَة الْقَتْل غَالِبا الثَّانِيَة شَهَادَة الزُّور فَإِنَّهَا تولد فِي القَاضِي دَاعِيَة الْقَتْل لكنه دون الْإِكْرَاه فَإِن هَذَا إلجاء شرعا والاول حسا لَكِن لما كَانَ كل وَاحِد يُفْضِي إِلَى الْقَتْل غَالِبا فِي شخص معِين لم نفرق بَينهمَا وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله لم يلْحق الشَّهَادَة بِالْإِكْرَاهِ الثَّالِثَة مَا يُولد الْمُبَاشرَة توليدا عرفيا لَا حسيا وَلَا شَرْعِيًّا كتقديم الطَّعَام المسموم إِلَى
الضَّيْف فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا لَا قصاص على الْمُقدم لِأَن الْأكل لَيْسَ ملجئا لَا حسا وَلَا شرعا وَالثَّانِي يجب لِأَن هَذَا التَّغْرِير يُفْضِي إِلَى الْقَتْل غَالِبا فِي معِين ثمَّ الصَّحِيح أَن الدِّيَة تجب وَقيل بطرد الْقَوْلَيْنِ وَلَو وضع الطَّعَام المسموم فِي دَاره اعْتِمَادًا على أَن الدَّاخِل الْمَقْصُود سيأكله انبساطا فَلَا قصاص عَلَيْهِ وَقيل بطرد الْقَوْلَيْنِ فَلَو دَعَا الضَّيْف وحفر فِي الدهليز بِئْرا فتردى فِيهِ فَفِي الْقصاص قَولَانِ فَإِن قيل لَو جرى سَبَب وَقدر الْمَقْصُود على دَفعه وَلم يدْفع قُلْنَا هَذَا على مَرَاتِب الأولى أَن لَا يكون السَّبَب مهْلكا كَمَا لَو فتح عرقه بِغَيْر إِذْنه وَلم يعصب حَتَّى نزف الدَّم أَو أَلْقَاهُ فِي مَاء قَلِيل فَبَقيَ مُسْتَلْقِيا حَتَّى غرق أَو حَبسه فِي بَيت فَلم يطْلب طَعَاما مَعَ الْقُدْرَة حَتَّى مَاتَ فَهُوَ الَّذِي أهلك نَفسه فَلَا دِيَة لَهُ وَلَا قصاص الثَّانِيَة أَن يكون السَّبَب مهْلكا وَالدَّفْع عسيرا كَتَرْكِ مداواة الْجرْح فالقصاص وَاجِب الثَّالِثَة أَن يكون السَّبَب مهْلكا وَكَانَ الدّفع سهلا كَمَا لَو أَلْقَاهُ فِي مَاء مغرق فَترك السباحة وَهُوَ يحسنها فَفِيهِ وَجْهَان وَوجه الْإِيجَاب أَنه قد يدهش عَن السباحة وَالسَّبَب فِي نَفسه مهلك وَفِي الدِّيَة وَجْهَان مرتبان وَأولى بِالْوُجُوب
وَلَو أَلْقَاهُ فِي نَار فَوقف فَوَجْهَانِ مرتبان وَالظَّاهِر وجوب الْقصاص لِأَن النَّار بِأول اللِّقَاء تشنج الْأَعْضَاء فتعسر الْحَرَكَة بِهِ فَإِن قيل لَو كَانَ بِهِ بعض الْجُوع فحبسه وَمنعه الطَّعَام حَتَّى مَاتَ قُلْنَا إِن علم وَجب الْقصاص كَمَا لَو قصد مَرِيضا بِضَرْب خَفِيف وَإِن كَانَ جَاهِلا بجوعه فَفِي الْقود قَولَانِ أَحدهمَا يجب كَمَا لَو ضرب مَرِيضا على ظن أَنه صَحِيح فالجوع السَّابِق وَإِن كَانَ معينا فَهُوَ كالمرض وَالثَّانِي لَا يحب لِأَن هَذَا الْقدر من الْجُوع لَيْسَ مهْلكا وَزِيَادَة الْجُوع الأول هُوَ الَّذِي أهلك بِخِلَاف الضَّرْب فَإِنَّهُ لَيْسَ زِيَادَة فِي الْمَرَض لِأَنَّهُ لَيْسَ من جنسه فَلم يُمكن إِحَالَة الْهَلَاك عَلَيْهِ وَحَيْثُ لَا نوجب الْقصاص فَلَا بُد من الدِّيَة وَفِي قدرهَا قَولَانِ أَحدهمَا الْكل إِذْ سُقُوط الْقصاص كَانَ بِالشُّبْهَةِ وَالثَّانِي النّصْف لِأَن الْهَلَاك حصل بالجوعين فَهُوَ كَمَا لَو وضع فِي السَّفِينَة المثقلة زِيَادَة مغرقة فَفِي قدر الضَّمَان ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا الْكل وَالثَّانِي النّصْف وَالثَّالِث التَّوْزِيع لِأَن تَأْثِير المثقلات فِي الإغراق متناسب بِخِلَاف تَأْثِير الْجُوع وَالْجرْح
الطّرف الثَّالِث فِي اجْتِمَاع السَّبَب والمباشرة
أما الشَّرْط فَلَا يخفى سُقُوطه مَعَهُمَا كالممسك مَعَ الْقَاتِل والحافر مَعَ المردي إِذْ لَا قصاص عَلَيْهِمَا وَلَا ضَمَان خلافًا لمَالِك رَضِي الله عَنهُ فَإِنَّهُ جعل الممسك شَرِيكا وَأما الْمُبَاشرَة مَعَ السَّبَب فعلى مَرَاتِب الأولى أَن يغلب السَّبَب الْمُبَاشرَة وَذَلِكَ إِذا لم تكن الْمُبَاشرَة عُدْوانًا كَقَتل القَاضِي والجلاد مَعَ شَهَادَة الزُّور فالقصاص على الشُّهُود فَإِن كَانَ عُدْوانًا بِأَن اعْترف ولي الْقصاص بِكَوْنِهِ عَالما بالتزوير فَلَا قصاص على الشُّهُود وَلَا دِيَة لِأَنَّهُ لم يلجأ حسا وَلَا شرعا فَصَارَ قَوْلهم شرطا مَحْضا كالإمساك الثَّانِيَة أَن يصير السَّبَب مَغْلُوبًا بِالْمُبَاشرَةِ كَمَا إِذا أَلْقَاهُ من شَاهِق الْجَبَل فَتَلقاهُ إِنْسَان بِسَيْفِهِ فَقده بنصفين فَلَا قصاص على الملقي عرف أَو لم يعرف لِأَن إلقاءه صَار شرطا مَحْضا لما ورد عَلَيْهِ مُبَاشرَة مُسْتَقلَّة
الثَّالِثَة أَن يعتدل السَّبَب والمباشرة كالإكراه على الْقَتْل فالأقوى لَا يحبط مُبَاشرَة الْمُكْره خلافًا لزفَر وَأبي يُوسُف وَهل تصير الْمُبَاشرَة مغلوبة بِهِ حَتَّى لَا يجب الْقصاص على الْمُكْره فِيهِ قَولَانِ فَإِن لم نوجب الْقصاص فَفِي الدِّيَة قَولَانِ مرتبان وَأولى بِالْوُجُوب لِأَنَّهَا تثبت مَعَ الشُّبْهَة وَوجه الْإِسْقَاط نقل الْفِعْل عَن الْمُكْره وَجعله كالآلة وَإِن أَوجَبْنَا الدِّيَة فَفِي طريقها وَجْهَان أَحدهمَا تجب عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ثمَّ يرجع على الْمُكْره وَالثَّانِي يجب النّصْف لِأَن إِيجَاب الْقصاص عَلَيْهِمَا كالتشريك فَإِن قُلْنَا لَا دِيَة فَفِي الْكَفَّارَة وَجْهَان وَجه إِثْبَاتهَا أَنه آثم بِالْقَتْلِ وفَاقا وَقد تجب الْكَفَّارَة حَيْثُ لَا دِيَة كَمَا فِي الرَّمْي إِلَى صف الْكفَّار وَإِن قُلْنَا لَا تجب فَفِي حرمَان الْمِيرَاث وَجْهَان وَالظَّاهِر الحرمان لِأَنَّهُ آثم بِالْقَتْلِ وَالْكَفَّارَة وَالدية غرم يُمكن نَقله إِلَى الْمُكْره بِخِلَاف الحرمان فَإِن قيل فَمَا قَوْلكُم فِي أَمر السُّلْطَان قُلْنَا فِي نُزُوله منزلَة الْإِكْرَاه وَجْهَان وَجه إِلْحَاقه بِهِ أَمْرَانِ أَحدهمَا أَنه يعلم من عَادَة السُّلْطَان السطوة عِنْد الْمُخَالفَة وَإِن لم يُصَرح بِهِ وعَلى هَذِه الْعلَّة يلْتَحق بِهِ كل متغلب هَذِه عَادَته وَإِن لم يكن سُلْطَانا ثمَّ وَجه التَّرَدُّد أَن الْمَعْلُوم من عَادَته
هَل يكون كالملفوظ بِهِ على الإقتران الْعلَّة الثَّانِيَة أَن طَاعَة السُّلْطَان وَاجِبَة على الْجُمْلَة كَيْلا تُؤدِّي مُخَالفَته إِلَى إثارة الْفِتْنَة وَلذَلِك نقُول لَا يَنْعَزِل بِالْفِسْقِ وَلَو كَانَ الإستبدال بِهِ يثير الْفِتْنَة فَلَا يسْتَبْدل فتزاحم على الْفِعْل مُوجب ومحرم فَإِن لم نبح انتهض شُبْهَة كالإكراه بِخِلَاف أَمر السَّيِّد عَبده فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ مُخَالفَة السَّيِّد إِذْ لَو عاقبه دفع السُّلْطَان ظلمه وَلَيْسَ وَرَاء السُّلْطَان يَد دافعة فمخالته تحرّك الْفِتْنَة نعم لَو كَانَ العَبْد من طباعه الضراوة فَإِذا أغراه بِإِنْسَان فالقصاص على السَّيِّد كَمَا لَو أغرى سبعا وَكَذَا لَو أغرى مَجْنُونا هَذِه حَاله هَل يتَعَلَّق الضَّمَان بِرَقَبَة هَذَا العَبْد وبمال هَذَا الْمَجْنُون أم ينزل منزلَة الْبَهِيمَة فِيهِ وَجْهَان من حَيْثُ إِنَّه إِنْسَان صُورَة لكنه بَهِيمَة فِي الْمَعْنى فَإِن قيل وَمَا حد الْإِكْرَاه قُلْنَا قد ذكرنَا صورته فِي الطَّلَاق لَكنا نتعرض لصور إِحْدَاهَا أَنه لَو أكره إنْسَانا على أَن يكره ثَالِثا على قتل الرَّابِع فعلى الأول قصاص وفيمن بعده قَولَانِ الثَّانِيَة لَو قَالَ اقْتُل زيدا أَو عمرا وَإِلَّا قتلتك فَقتل زيدا فَهُوَ مُخْتَار لِأَن ميله إِلَى زيد لَيْسَ إِلَّا عَن شَهْوَة وَيظْهر ذَلِك إِذا قَالَ اقْتُل من أهل الدَّار وَاحِدًا وَإِلَّا قتلتك الثَّالِثَة أَن يَقُول اقْتُل نَفسك وَإِلَّا قتلتك فَهَذَا لَيْسَ بإكراه وَلَو قَالَ اقتلني وَإِلَّا قتلتك فَهَذَا إِكْرَاه وَإِذن فَهَل يُؤثر الْإِذْن فِي سُقُوط الْقصاص وَالدية فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَصَحهَا أَنه يسْقط لِأَنَّهُ صَاحب الْحق كَمَا إِذا قَالَ اقْتُل عَبدِي وَالثَّانِي لَا لِأَن الْقصاص وَالدية تثبت للْوَرَثَة ابْتِدَاء لَا إِرْثا
وَالثَّالِث لَا يجب الْقصاص للشُّبْهَة وَتجب الدِّيَة فَإِن قيل إِذا رَأَيْتُمْ إِيجَاب الْقصاص عَلَيْهِمَا فَإِن لم يكن أَحدهمَا كُفؤًا للمقتول قُلْنَا يجب الْقصاص على الْكُفْء لِأَن شريك غير الْكُفْء يجب الْقصاص عَلَيْهِ كشريك الْأَب وَشريك العَبْد فِي قتل السَّيِّد وَإِن كَانَ أَحدهمَا صَبيا وَقُلْنَا إِن فعل الصَّبِي خطأ فالآخر شريك خاطىء لَكِن إِن كَانَ الْمَحْمُول صَبيا فَيحْتَمل أَن يجب الْقصاص على الْحَامِل لِأَن خطأه نتيجة الْإِكْرَاه فَهُوَ كَمَا لَو أكره إنْسَانا على أَن يَرْمِي إِلَى طلل عرفه الْمُكْره إنْسَانا وظنه الرَّامِي جرثومة فَفِي وجوب الْقصاص وَجْهَان وَجه الْإِيجَاب جعل الْمُكْره مباشرا وَجعل الْمُكْره آلَة لَهُ لِأَنَّهُ تولد من إكراهه وَعَن هَذَا اختبط الْأَصْحَاب فِي الْمُكْره على إِتْلَاف المَال هَل يُطَالب بِالضَّمَانِ فعلى وَجه لَا يُطَالب أصلا لِأَنَّهُ كالآلة وَلَو أكرهه على صعُود شَجَرَة فزلقت رجله فَمَاتَ وَجب الْقصاص على الْمُكْره وَلم يَجْعَل كشريك الخاطىء لِأَن هَذَا الْخَطَأ وَلَده إكراهه بِخِلَاف جهل الْمُكْره وصباه فَإِن فِيهِ وَجْهَيْن
فَإِن قيل فَمَا الَّذِي يُبَاح بِالْإِكْرَاهِ قُلْنَا لَا يُبَاح بِهِ الْقَتْل وَالزِّنَا وَيُبَاح بِهِ إِتْلَاف المَال بل يجب وتباح بِهِ الرِّدَّة وَفِي وجوب التَّلَفُّظ بِهِ وَجْهَان مِنْهُم من لم يُوجب للتصلب فِي الدّين وَيُبَاح شرب الْخمر بِالْإِكْرَاهِ وَفِي وُجُوبه خلاف مُرَتّب على الرِّدَّة وَأولى بِالْوُجُوب والإفطار فِي الصَّوْم يَنْبَغِي أَن يقْضى بِوُجُوبِهِ
الطّرف الرَّابِع أَن يكون السَّبَب من الْآدَمِيّ والمباشرة من بَهِيمَة
كَمَا إِذا أَلْقَاهُ فِي تيار بَحر فالتقمه الْحُوت قبل الْغَرق فَيلْزمهُ الْقصاص وَينزل فعل الْحُوت منزلَة جرح السكين وَلَو أَلْقَاهُ فِي بِئْر عميق وَكَانَ فِي عمقه نصل مَنْصُوب فَمَاتَ بِهِ وَجب الْقصاص وَخرج الرّبيع قولا أَن الدِّيَة تجب دون الْقصاص اعْتِبَارا بِاخْتِيَار الْحَيَوَان وَكَونه شُبْهَة فِي الدّفع وَإِن أَلْقَاهُ فِي مَاء لَا يغرق فالتقمه الْحُوت من حَيْثُ لم يشْعر الملقي فَلَا يجب عَلَيْهِ إِلَّا الدِّيَة وَإِن عرف حُضُور الْحُوت لزمَه الْقصاص وَلَو أمسك إنْسَانا وَعرضه للسبع حَتَّى افترسه وَجب الْقصاص وَالْمَجْنُون الضاري بطبعه كالسبع والحوت وَإِن لم يكن ضاريا اعْتبر اخْتِيَاره فِي قطع السَّبَب فروع أَرْبَعَة الأول لَو أنهشه حَيَّة أَو عقربا يقتل مثله غَالِبا لزمَه الْقصاص وَنزلت الْحَيَّة منزلَة السكين وَلَو كَانَ لَا يقتل غَالِبا كَانَ كغرز الإبرة الثَّانِي لَو ألْقى عَلَيْهِ عقربا أَو حَيَّة فنهشته فَلَا قَود لِأَن الْغَالِب أَنه يفر وَإِن كَانَ ضاريا فَهُوَ كالإنهاش الثَّالِث لَو جمع بَينه وَبَين سبع فِي بَيت فافترسه وَجب الْقصاص وَإِن كَانَ بدله حَيَّة فَلَا قصاص لِأَن الْحَيَّة تَفِر والسبع فِي الْمضيق يثب بطبعه فَإِن لم يكن الطَّبْع كَذَلِك لم يكن الحكم كَذَلِك
الرَّابِع لَو أغرى بِهِ كَلْبا أَو سبعا فِي صحراء فَلَا قصاص بِخِلَاف الْبَيْت فَإِن السَّبع فِي الْمضيق يقْصد وَفِي الصَّحرَاء يتوحش فَإِن كَانَ ضاريا فِي الصَّحرَاء وَلم يكن الْهَرَب مُمكنا لزم الْقصاص فَإِن كَانَ الْهَرَب مُمكنا فتخاذل فَهُوَ كَتَرْكِ السباحة
الطّرف الْخَامِس فِي طرآن الْمُبَاشرَة على الْمُبَاشرَة أَو السَّبَب على السَّبَب
وَالْحكم فِيهِ تَقْدِيم الْأَقْوَى فَإِن اعتدلا جَمعنَا بَينهمَا فَلَو جرح الأول وحز الثَّانِي الرَّقَبَة فالقاتل هُوَ الثَّانِي لانْقِطَاع أثر الأول بِخِلَاف مَا إِذا قطع هَذَا من الْكُوع وَالثَّانِي من الْمرْفق فَمَاتَ فَإِن الْقصاص عَلَيْهِمَا لِأَن ألم الأول ينتشر إِلَى الْأَعْضَاء الرئيسية وَيبقى وَلَو قطع الأول حلقومه وَلم يبْق إِلَّا حَرَكَة المذبوحين فَقده الثَّانِي بنصفين فالقصاص على الأول وَلَا نظر إِلَى حَرَكَة المذبوحين بِخِلَاف مَا لَو حز رَقَبَة الْمَرِيض المشرف على الْمَوْت لِأَن مَوته غير مَقْطُوع بِهِ وَبِخِلَاف مَا لَو نزع أحشاءه وَإِن كَانَ بِحَيْثُ يعلم أَنه يَمُوت بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ وَلكنه فِي الْحَال يعقل بحياة مُسْتَقِرَّة فَإِن الْقصاص يجب على من حز الرَّقَبَة لِأَن عمر رَضِي الله عَنهُ شاور فِي الْخلَافَة فِي هَذِه الْحَالة فَكيف لَا تعْتَبر حَيَاته وَقَالَ مَالك رَحمَه الله هُوَ كحركة المذبوحين فَأَما إِذا جرح كل وَاحِد جِرَاحَة فَمَاتَ بِالسّرَايَةِ أَو حز أَحدهمَا الرَّقَبَة وَالْآخر قد بنصفين مَعًا فهما شريكان فقد تنخل من هَذَا أَن الْعمد الْمَحْض الْعدوان المزهق للروح سَبَب الْقصاص وَلَا يرد على
الْحَد مَا لَو اسْتحق حز رَقَبَة إِنْسَان فَقده بنصفين لِأَنَّهُ لَا عدوان بِهِ من حَيْثُ كَونه إزهاقا بل من حَيْثُ الْإِسَاءَة فِي الطَّرِيق فَلذَلِك لم يجب الْقصاص فَإِن قيل ظن الْإِبَاحَة هَل يكون شُبْهَة قُلْنَا إِذا قتل من ظَنّه مُرْتَدا وَلم تعهد لَهُ الرِّدَّة فَيجب الْقصاص وَإِن كَانَ قد عهد مُرْتَدا وَلكنه أسلم وَلم يشْعر بِهِ فَقَوْلَانِ أَحدهمَا السُّقُوط للظن المبتنى على الإستصحاب وَالثَّانِي يجب لِأَنَّهُ غير مَعْذُور فِي هَذَا الظَّن إِذْ لَا يحل للآحاد قتل الْمُرْتَد وَكَذَلِكَ لَو ظَنّه عبدا أَو ذِمِّيا لزمَه الْقصاص على الْمَذْهَب لِأَن هَذَا ظن لَا يُبِيح فَهُوَ كَمَا لَو زنى مَعَ الْعلم بِالتَّحْرِيمِ وَالْجهل بِوُجُوب الْحَد بِخِلَاف مَا إِذا رأى مُسلما فِي دَار الْحَرْب على زِيّ الْمُشْركين وَلم يعهده مُسلما فَقتله فَإِذا هُوَ مُسلم فَلَا قَود وَتجب الْكَفَّارَة وَفِي الدِّيَة قَولَانِ لِأَن الْقَتْل مُبَاح بِهَذَا الظَّن وَهُوَ مَعْذُور أَحدهمَا تجب لِأَنَّهَا ضَمَان الْمحل وَذَلِكَ لَا يخْتَلف باخْتلَاف حَال الْمُتْلف وَالثَّانِي أَنَّهَا لَا تجب لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت عوضا فَلَيْسَتْ على مذاق الأعواض الْمَحْضَة فَإِنَّهَا بدل للنَّفس وَتجب الْكَفَّارَة قولا وَاحِدًا لِأَنَّهَا تجب من غير تَقْصِير وَلَو قتل إنْسَانا على ظن أَنه قَاتل أَبِيه فَفِي وجوب الْقصاص قَولَانِ أَحدهمَا يجب لِأَنَّهُ غير مَعْذُور فِيهِ
الثَّانِي لَا يجب لِأَن هَذَا الظَّن مِمَّا يمهد عذره لِأَن الْقَتْل مُبَاح بِهَذَا الظَّن لكنه غير مَعْذُور وَلِهَذَا نقطع بِالْوُجُوب إِذا قَالَ تبينت أَن أبي حَيّ وَمن أَصْحَابنَا من قطع بِأَنَّهُ لَو صدقه ولي الدَّم فَلَا قصاص وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ إِذا تنَازعا وَمِنْهُم من طرد الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ ظن من غير مُسْتَند شَرْعِي
الرُّكْن الثَّانِي الْقَتِيل
وَشرط كَونه مَضْمُونا بِالْقصاصِ على الْجُمْلَة كَونه مَعْصُوما والعصمة تستفاد بِالْإِسْلَامِ والجزية والأمان يتنزلان مَنْزِلَته وَالْحَرْبِيّ مهدر وَالْمُرْتَدّ كَذَلِك فِي حق الْمُسلم وَلَكِن فِي حق الْكَافِر الذِّمِّيّ وَالْمُرْتَدّ إِذا قَتله فِيهِ خلاف وَمن عَلَيْهِ الْقصاص مَعْصُوم فِي حق غير الْمُسْتَحق وَالزَّانِي الْمُحصن مَعْصُوم بِالْقصاصِ عَن الذِّمِّيّ وَعَن الْمُسلم فِيهِ وَجْهَان مثارهما التَّرَدُّد فِي أَن الْحَد للْمُسلمين وَالْإِمَام نائبهم أَو إِضَافَة الْحَد إِلَى الله تَعَالَى كإضافة الْقصاص إِلَى إِنْسَان معِين حَتَّى لَا يظْهر أَثَره فِي حق غَيره
الرُّكْن الثَّالِث الْقَاتِل
وَشرط وجوب الْقصاص عَلَيْهِ أَن يكون مُلْتَزما للْأَحْكَام فَلَا قصاص على الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَلَا على الْحَرْبِيّ وَيجب على الذِّمِّيّ وَفِي السَّكْرَان خلاف مَبْنِيّ على أَنه يسْلك بِهِ مَسْلَك الصاحي أَو الْمَجْنُون هَذَا هُوَ النّظر فِي صِفَات الْقَتْل والقتيل وَالْقَاتِل ووراء هَذِه صِفَات هِيَ نِسْبَة بَين الْقَاتِل والقتيل لَا يُمكن تَخْصِيصه بأحدها وَهُوَ أَلا يفضل الْقَاتِل الْقَتِيل بِالدّينِ وَالْحريَّة والأبوة وَقد تعْتَبر فَضِيلَة الْعدَد والذكورة وتأبد الْعِصْمَة عِنْد بعض الْعلمَاء فمجموع هَذِه الْخِصَال سِتَّة الْخصْلَة الأولى من خِصَال الْكَفَاءَة التَّسَاوِي فِي الدّين الْحق فَهَذِهِ الْفَضِيلَة فِي الْقَاتِل تمنع وجوب الْقصاص ابْتِدَاء فَلَا يقتل مُسلم بِكَافِر وَيقتل الْيَهُودِيّ بالنصراني ومعتمد هَذِه الْخصْلَة قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر
فروع أَرْبَعَة
الأول لَو قتل ذمِّي ذِمِّيا ثمَّ أسلم الْقَاتِل قبل اسْتِيفَاء الْقود اقْتصّ مِنْهُ لِأَن الْمُسَاوَاة شَرط لينعقد الْقَتْل سَببا للْوُجُوب فَمَا طَرَأَ بعد ذَلِك لَا يمْنَع الإستيفاء وَلَو أسلم الْجَارِح بَين الْمَوْت
وَالْجرْح فالنظر إِلَى حَالَة الْجرْح أَو إِلَى حَالَة الْمَوْت فِيهِ وَجْهَان الثَّانِي إِذا قتل عبد مُسلم عبدا مُسلما لكَافِر فَفِي وجوب الْقصاص وَجْهَان أَحدهمَا يجب لِأَن الْكَفَاءَة بَين الْقَتِيل وَالْقَاتِل مَوْجُودَة وَالسَّيِّد كالوارث وَلَو مَاتَ ولي الْقَتِيل الذِّمِّيّ بعد أَن أسلم الْقَاتِل بعد الْقَتْل وَقبل اسْتِيفَاء الْقود فَالْمَذْهَب ثُبُوت الْقصاص لهَذَا الذِّمِّيّ لِأَنَّهُ فِي حكم الْإِرْث والدوام الْوَجْه الثَّانِي أَنه لَا يجب لِأَن هَذَا الْقصاص يجب ابْتِدَاء للسَّيِّد وَهُوَ كَافِر وَلَا يجب للْعَبد حَتَّى يُورث مِنْهُ وَلَا يُمكن تسليط كَافِر ابْتِدَاء على مُسلم الثَّالِث لَو قتل مُسلم مُرْتَدا فَلَا قصاص فَلَو قَتله مُرْتَد فَالظَّاهِر وجوب الْقصاص للتساوي وَقيل الْمُرْتَد مهدر كالحربي وَلَا يجب قصاص الْحَرْبِيّ على الْحَرْبِيّ أما إِذا قَتله ذمِّي فَثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه يجب الْقصاص لعمده ودية لخطئه لِأَنَّهُ ساواه فِي الدّين وَالْمُرْتَدّ لَيْسَ بمهدر فِي حَقه وَالثَّانِي لَا يجب لِأَنَّهُ مهدر وَالذِّمِّيّ مَعْصُوم وَالثَّالِث قَالَه الْإِصْطَخْرِي يجب الْقصاص سياسة وَلَا تجب الدِّيَة لِأَنَّهُ غير مَعْصُوم الرَّابِع الْمُرْتَد إِذا قتل ذِمِّيا فَفِيهِ قَولَانِ