الثَّانِي عشر إِذا قَالَ أربعكن طَوَالِق إِلَّا فُلَانَة قَالَ القَاضِي لَا يَصح هَذَا الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ صرح بالأربع وأوقع عَلَيْهِنَّ وَلَو قَالَ أربعكن إِلَّا فُلَانَة طَوَالِق قَالَ يَصح الِاسْتِثْنَاء والمسالة مُحْتَملَة إِذْ لَيْسَ يلوح الْفرق بَين عدد المطلقات وَبَين عدد الطلقات وَلَا بَين التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَيلْزمهُ أَن يَقُول لَو قَالَ لفُلَان أَرْبَعَة أعبد إِلَّا وَاحِدًا يلْزمه الثَّلَاثَة وَلَا شكّ فِي أَنه لَو قَالَ لفُلَان هَؤُلَاءِ الْأَعْبد الْأَرْبَع إِلَّا هَذَا لم يَصح الِاسْتِثْنَاء لِأَن الاستناء فِي الْمعِين لَا يعْتَاد ويتأيد بذلك كَلَام القَاضِي الثَّالِث عشر إِذا قَالَ من يلْتَمس من غَيره أَن يُطلق زَوجته أطلقت زَوجتك فَقَالَ نعم فَإِن نوى وَقع الطَّلَاق وَإِن لم ينْو فَقَوْلَانِ
أَحدهمَا لَا لِأَن قَوْله نعم لَيْسَ فِيهِ لفظ الطَّلَاق فَكيف يصير صَرِيحًا وَالثَّانِي أَن الْخطاب كالمعاد فِي الْجَواب إِمَّا إِذا كَانَ فِي معرض الاستخبار فَقَوله نعم فِي صَرِيح الْإِقْرَار وَلَو قَالَت الْمَرْأَة طَلَاق ده مرا فَقَالَ دادم قَالَ الْأَصْحَاب لَا يَقع شَيْء لِأَن هَذِه اللَّفْظَة لَا تصلح للإيقاع وَقَالَ القَاضِي يَقع لِأَن الْمُبْتَدَأ يصير معادا فِي الْجَواب وَهُوَ مَذْهَب أبي يُوسُف وَلَو قَالَ الدَّلال لمَالِك الْمَتَاع أبعت فَقَالَ نعم لم يصلح هَذَا أَن يكون إِيجَابا وَقَالَ بِعْت لم يصلح أَيْضا أَن يكون خطابا للْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ خطاب مَعَ الدَّلال وَلَو قيل لَهُ أَلَك زَوْجَة فَقَالَ لَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ هَذَا كِنَايَة فِي الْإِقْرَار وَقَالَ القَاضِي هُوَ صَرِيح فِي الْإِقْرَار ثمَّ إِن كَانَ كَاذِبًا لم تطلق زَوجته فِي الْبَاطِن الرَّابِع عشر لَو قَالَ إِن لم تذكري عدد الجوزات الَّتِي فِي الْبَيْت فَأَنت طَالِق فطريقها أَن تذكر كل عدد يحْتَمل أَن يكون فَلَا يزَال يجرى على لسانها الْوَاحِد بعد الآخر
وَلَو قَالَ إِن لم تعرفيني عدد الجوزات لَا يكفيها ذَلِك فَإِن التَّعْرِيف لَا يحصل بذلك وَقيل إِنَّه يكفيها وَهُوَ بعيد وَلَو قَالَ إِن لم تميزي نوى مَا أكلت عَن نوى مَا أكلت وَقد اخْتلطت النَّوَى فَأَنت طَالِق فسبيلها أَن تبدد النَّوَى بِحَيْثُ لَا يتماس اثْنَتَانِ فَيكون قد حصل التَّمْيِيز هَكَذَا قَالَه الْأَصْحَاب وَفِيه نظر لِأَنَّهُ لَا يظْهر إِطْلَاق التَّمْيِيز المفرق وَلَكِن إِذا لم يكن لَهُ نِيَّة اتبعُوا مُجَرّد وضع اللُّغَة وَلَو كَانَ فِي فِيهَا تَمْرَة فَقَالَ أَنْت طَالِق إِن بلعتيها أَو قذفتيها أَو أمسكتيها فطريقها أَن تَأْكُل النّصْف وتقذف النّصْف وَهَذَا بَين وَلَو قَالَ وَهِي على سلم أَنْت طَالِق إِن مكثت أَو صعدت أَو نزلت فطريقها أَن تطفر طفرة أَو تحمل أَو يوضع بجنبها سلم فتنتقل إِلَيْهِ وَلَو قَالَ إِن أكلت هَذِه الرمانة فَأَنت طَالِق فلتأكلها إِلَّا حَبَّة وَلَو حلف على رغيف فلتأكل إِلَّا الفتات وَالضَّابِط فِي هَذَا الْجِنْس أَن نَنْظُر إِلَى الْعرف واللغة جَمِيعًا فَإِن تطابقا فَذَاك وَإِن اخْتلفَا فميل الْأَصْحَاب إِلَى اللَّفْظ وميل الإِمَام رَحمَه الله إِلَى أَن اتِّبَاع الْعرف أولى الْخَامِس عشر إِذا شافهته بِمَا يكره من شتيمة وَسَب فَقَالَ إِن كنت كَذَلِك فَأَنت طَالِق فَإِن قصد الْمُكَافَأَة أَي إِن كنت كَذَلِك فَأَنت طَالِق طلقت فِي الْحَال كَانَت تِلْكَ الصّفة مَوْجُودَة أَو لم تكن فَإِن قصد التَّعْلِيق فَطلب وجود تِلْكَ الصّفة وَعدمهَا بِالرُّجُوعِ إِلَى الْعرف فَإِن أطلق وَقد ظهر فِي الْعرف ذكر ذَلِك للمكافأة احْتمل وَجْهَيْن لِأَن اللَّفْظ بِالْوَضْعِ للتعليق وبالعرف للمكافأة وَلَعَلَّ اتِّبَاع اللَّفْظ أولى فَإِنَّهُ الأَصْل الْمَوْضُوع
وَالْعرْف يخْتَلف ويضطرب وَقد وَقع فِي الْفَتَاوَى أَن امْرَأَة قَالَت لزَوجهَا يَا جهود روى فَقَالَ إِن كنت كَذَلِك فَأَنت طَالِق فَطلب الْمفْتُون تَحْقِيق هَذِه الصِّيغَة فَقيل إِنَّه يحمل على صفار الْوَجْه وَقيل هُوَ ذلة وخساسة وَقَالَ الإِمَام هَذِه الصّفة لَا تتَصَوَّر فِي الْمُسلم فَلَا يَقع الطَّلَاق وَهَذَا فِيهِ نظر لِأَن الخيال قد يتَصَوَّر وَصفا لَا محَالة حَتَّى يصف بِهِ الْمُسلم فَتَارَة يصدق وَتارَة يكذب وَوَقع أَيْضا أَن قَالَ رجل لزوج ابْنَته فِي مخاصمته كم تحرّك لحيتك فقد رَأَيْت مثل هَذِه اللِّحْيَة كثيرا فَقَالَ إِن رَأَيْت مثل هَذِه اللِّحْيَة كثيرا فابنتك طَالِق وَقد قصد التَّعْلِيق فَقلت لَا شكّ أَن اللِّحْيَة لَيست من ذَوَات الْأَمْثَال إِن نظر إِلَى شكلها ولونها وَعدد شعورها وَذَلِكَ هُوَ الْمثل الْمُحَقق وَلَكِن ذكر اللِّحْيَة فِي مثل هَذَا الْموضع كِنَايَة عَن الرجولية والجاه وَذَلِكَ مِمَّا يكثر أَمْثَاله فالبحري أَن نَمِيل هَاهُنَا إِلَى الْعرف ونوقع الطَّلَاق وَلَيْسَ يبعد أَيْضا الْميل إِلَى مُوجب اللَّفْظ وَنفي الطَّلَاق السَّادِس عشر إِذا قَالَ إِن لم أطلقك الْيَوْم فَأَنت طَالِق الْيَوْم وَلم يطلقهَا حَتَّى انْقَضى الْيَوْم قَالَ ابْن سُرَيج لَا يَقع لِأَنَّهُ عِنْد تحقق الصّفة فَاتَ وَقت الطَّلَاق وَهَذَا يرد على قَوْله إِن لم أطلقك فَأَنت طَالِق فَإنَّا نتبين عِنْد مَوته وُقُوع الطَّلَاق فِي آخر الْعُمر والعمر فِي هَذَا الْمَعْنى كَالْيَوْمِ إِذْ فِيهِ يتَحَقَّق الطَّلَاق وَالصّفة جَمِيعًا وَلَا فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِع عشر إِذا قَالَ أَنْت طَالِق بِمَكَّة وَأَرَادَ التَّعْلِيق بِدُخُولِهَا جَازَ وَإِن أطلق حمل على التَّعْلِيق على وَجه وَحكم بالتنجيز على وَجه إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَدَاة التَّعْلِيق الثَّامِن عشر لَو قَالَ إِن خَالَفت أَمْرِي فَأَنت طَالِق ثمَّ قَالَ لَا تكلمي زيدا فكلمت
قَالُوا لَا يَقع لِأَنَّهَا خَالَفت النهى دون الْأَمر لَو قَالَ إِن خَالَفت نهيي ثمَّ قَالَ قومِي فَقَعَدت قَالُوا وَقع لِأَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن أضداده فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا تقعدي فَقَعَدت وَهَذَا فَاسد إِذْ لَيْسَ الْأَمر بالشَّيْء نهيا عَن ضدده فِيمَا نختاره وَإِن كَانَ فاليمين لَا يبْنى عَلَيْهِ بل على اللُّغَة أَو الْعرف نعم فِي الْمَسْأَلَة الأولى نظر من حَيْثُ الْعرف التَّاسِع عشر إِذا قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق ثمَّ قَالَ نجزت تِلْكَ الطَّلقَة الْمُعَلقَة ثمَّ دخلت الدَّار فَفِي الْوُقُوع وَجْهَان حَاصله يرجع إِلَى أَن الْمُعَلقَة هَل يُمكن تَعْجِيلهَا بِعَينهَا الْعشْرُونَ إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِلَى حِين أَو زمَان فَإِذا مضى لَحْظَة طلقت فَإِن اللحظة حِين وزمان وَلَو قَالَ إِذا مضى حقب فَأَنت طَالِق أَو عصر قَالَ الْأَصْحَاب يَقع بِمُضِيِّ لَحْظَة وَهَذَا بعيد وَتوقف أَبُو حنيفَة رَحمَه الله فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ مَحل التَّوَقُّف وَلَكِن إِيقَاعه بلحظة لَا وَجه لَهُ وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق الْيَوْم إِذا جَاءَ الْغَد قَالَ صَاحب التَّقْرِيب لَا يَقع غَدا لتصرم الْيَوْم وَلَا الْيَوْم لعدم مَجِيء الْغَد قَالَ الإِمَام يحْتَمل أَن يُقَال إِذا جَاءَ الْغَد تبين وُقُوع الطَّلَاق كَمَا إِذا قَالَ إِذا مَاتَ فلَان فَأَنت طَالِق قبله الْحَادِي وَالْعشْرُونَ قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِذا قَالَ إِن قدم فلَان فَأَنت طَالِق فَقدم بِهِ مَيتا لم تطلق وَهَذَا يلْتَفت على أَن الصّفة إِذا حصلت بِالْإِكْرَاهِ أَو مَعَ النسْيَان فَهَل يحصل الْحِنْث فِيهِ قَولَانِ وَاخْتَارَ الْقفال أَن الْيَمين بِاللَّه يُؤثر فِيهِ النسْيَان وَالْإِكْرَاه دون الطَّلَاق لِأَن ذَلِك تَعْلِيق بهتك حُرْمَة وَهَذَا يتَعَلَّق بِوُجُود الصُّورَة وَلَا خلاف فِي أَنه لَو قصد منعهَا عَن الْمُخَالفَة وعلق على فعلهَا فنسيت لَا تطلق وَإِن أكرهت فَيحْتَمل الْخلاف لِأَنَّهَا مختارة وَأما مَسْأَلَة الْقدوم على كل حَال فَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله
عَنهُ لِأَن الْمَوْت يُنَافِي الْقدوم وَلَو قَالَ إِن رَأَيْت فلَانا فَأَنت طَالِق فرأته مَيتا وَقع الطَّلَاق وَلَو رَأَتْهُ فِي مَاء يَحْكِي لَونه وَقع وَإِن رَأَتْهُ فِي الْمرْآة فَفِيهِ احْتِمَال وَلَو قَالَ ذَلِك لامْرَأَته العمياء فَالظَّاهِر أَنَّهَا لَا تطلق بمجالسته وَلَو قَالَ إِن مَسسْته طلقت بمسه حَيا وَمَيتًا وَلَا تطلق بالمس على حَائِل وَلَا بِمَسّ الشّعْر وَالظفر وَإِذا علق بِالضَّرْبِ لم يَحْنَث بضربه مَيتا وَلَا يَحْنَث بِضَرْب الْحَيّ بأنملته حَيْثُ لَا إيلام فِيهِ أصلا وَلَو قَالَ إِن قذفت فلَانا حنث بقذفه مَيتا وَلَو قَالَ إِن قذفت فِي الْمَسْجِد مَعْنَاهُ كَون الْقَاذِف فِي الْمَسْجِد وَلَو قَالَ إِن قتلت فِي الْمَسْجِد فَمَعْنَاه كَون الْمَقْتُول فِي الْمَسْجِد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ إِذا قَالَ إِن كلمت فلَانا فَأَنت طَالِق فكلمته وَلَكِن لم يسمع لعَارض لغط وَذُهُول قَالَ الْأَصْحَاب طلقت وَلَو كَانَ المكلم أَصمّ فَلم يسمع فَفِيهِ وَجْهَان وَلَا خلاف انه لَو كَلمته بهمس بِحَيْثُ لَا يسمع لَا يكون كلَاما نعم لَو كَانَ وَجههَا إِلَى الْمُتَكَلّم وَعلم أَنَّهَا تكَلمه وَكَانَ بِحَيْثُ لَو فرضت الإصاحة لسمعها فَيَنْبَغِي أَن يَقع الطَّلَاق وَلَو كَلمته على مَسَافَة بعيدَة لَا يحصل الِاسْتِمَاع بِمثلِهِ لم يَحْنَث فَلَو حمل الرّيح الصَّوْت فَالظَّاهِر أَنه لَا يَحْنَث وَلَو كَلمته فِي جنونها فَذَلِك كالنسيان وَالْإِكْرَاه الثَّالِث وَالْعشْرُونَ إِذا قَالَ إِذا رَأَيْت الْهلَال فَأَنت طَالِق طلقت بِرُؤْيَة غَيرهَا وَلَو فسر بالعيان فَهَل يقبل ظَاهرا فِيهِ وَجْهَان قَالَ الْقفال هَذَا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة إِذْ الرُّؤْيَة يُرَاد بِهِ الْعلم أما فِي الفارسية فَلَا وَفِيه نظر إِذْ يُقَال بِالْفَارِسِيَّةِ رَأينَا الْهلَال ببلدة كَذَا وَلَا يُرَاد بِهِ العيان ولنقتصر على هَذِه الْفُرُوع فَإِن هَذَا الْجِنْس لَا يتناهى إِنَّمَا ذكرنَا هَذَا الْقدر ليحصل التَّنْبِيه بِحسن التَّصَرُّف فِي تَحْقِيق الصِّفَات وَالله أعلم
كتاب الرّجْعَة وَفِيه بَابَانِ
الْفَصْل الأول فِي الْأَركان
وَهِي ثَلَاثَة المرتجع وَالْمَرْأَة والصيغة الأول المرتجع وَلَا يشْتَرط فِيهِ إِلَّا أَهْلِيَّة الاستحلال وَالْعقد كَمَا فِي أَهْلِيَّة النِّكَاح وَقد سبق الرُّكْن الثَّانِي الصِّيغَة فَنَقُول كل منطلق زَوجته طَلَاقا مستعقبا للعدة وَلم يكن بعوض وَلم يسْتَوْف عدد الطَّلَاق ثبتَتْ لَهُ الرّجْعَة بِنَصّ قَوْله تَعَالَى ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ وبنص قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مره فَلْيُرَاجِعهَا فِي حَدِيث ابْن عمر وبإجماع الْأمة
وصريح صِيغَة الرّجْعَة بالِاتِّفَاقِ ثَلَاثَة قَوْله رجعت وراجعت وارتجعت وترددوا فِي ثَلَاثَة أَلْفَاظ أَحدهَا قَوْله رددت أخذا من قَوْله تَعَالَى ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن فِي ذَلِك﴾ فَمنهمْ من قَالَ هُوَ صَرِيح لوُرُود الْقُرْآن بِهِ وَمِنْهُم من قَالَ لَا لِأَنَّهُ لَا يتَكَرَّر ثمَّ إِذا جَعَلْنَاهُ صَرِيحًا فَالظَّاهِر أَنه لَا بُد من صلَة وَهُوَ أَن يَقُول رَددتهَا إِلَيّ أَو إِلَى النِّكَاح لِأَنَّهُ من غير صلَة يشْعر بِالرَّدِّ المضاد للقبول وَأما قَوْله راجعت وارتجعت فَلَا يحْتَاج إِلَى الصِّلَة وَكَذَلِكَ قَوْله رجعت لِأَنَّهُ يسْتَعْمل لَازِما ومتعديا الثَّانِي لفظ الْإِمْسَاك وَفِيه ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه صَرِيح لقَوْله تَعَالَى ﴿فأمسكوهن﴾ وَالثَّانِي أَنه كِنَايَة لِأَنَّهُ لَا يتَكَرَّر وَالثَّالِث أَنه لَيْسَ بكناية أَيْضا لِأَنَّهُ يشْعر بالاستصحاب لَا بالاستدراك
الثَّالِث لفظ التَّزْوِيج والإنكاح وَفِيه ثَلَاثَة أوجه
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لم يرد الْقُرْآن بِهِ فِي الرّجْعَة وَهُوَ مَأْخَذ الصَّرِيح فَهُوَ كِنَايَة وَالثَّالِث أَنه لَيْسَ بكناية أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يشْعر بِهِ فَإِن قيل وَهل تَنْحَصِر صرائح الرّجْعَة بالتعبد كَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاح أم لَا تَنْحَصِر حَتَّى تحصل بِمَا يدل على الْمَقْصُود كَقَوْلِه رفعت التَّحْرِيم الْعَارِض بِالطَّلَاق وأعدت الْحل الْكَامِل وَمَا يجْرِي مجْرَاه قُلْنَا حكم الْعِرَاقِيُّونَ بالانحصار وَزَعَمُوا أَن الْخلاف فِي لفظ الْإِمْسَاك وَالرَّدّ كالخلاف فِي لفظ المفاداة فِي الطَّلَاق وَالْخلاف فِي لفظ
التَّزْوِيج من حَيْثُ الأولى وَإِلَّا فَإِذا كَانَ الطَّلَاق لَا يَقع بقوله قطعت النِّكَاح ورفعته واستأصلته من غير نِيَّة الطَّلَاق فَلَا تحصل الرّجْعَة أَيْضا بقوله رفعت التَّحْرِيم بل أولى لِأَن الرّجْعَة اجتلاب حل فَهُوَ بالتعبد أَحْرَى وميل الشَّيْخ أبي عَليّ إِلَى أَنه لَا تَنْحَصِر صرائحه بِخِلَاف الطَّلَاق وَوجه أَن الرّجْعَة حكم ينبىء عَنهُ لفظ من حَيْثُ اللِّسَان فَيقوم مقَامه مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ وَأما النِّكَاح وَالطَّلَاق فأحكامهما غَرِيبَة لَيْسَ فِي اللُّغَة مَا يدل عَلَيْهِمَا لِأَن للشَّرْع فِيهِ مَوْضُوعَات غَرِيبَة فَلَا تُؤْخَذ صرائحهما إِلَّا من الشَّرْع فَإِن قيل هَل تتطرق الْكِنَايَة إِلَى الرّجْعَة قُلْنَا الصَّحِيح الْجَدِيد أَن الْإِشْهَاد لَا يشْتَرط فِي الرّجْعَة وَأَن الزَّوْج يسْتَقلّ بِهِ فتتطرق إِلَيْهِ الْكِنَايَة بِخِلَاف النِّكَاح وَإِن قُلْنَا يشْتَرط الْإِشْهَاد فالشاهد لَا يطلع على النِّيَّة فَيحْتَمل أَن يُقَال لَا بُد من الصَّرِيح وَيحْتَمل خِلَافه أَيْضا لِأَن الْقَرِينَة قد تفهم فرع فَإِن قَالَ مهما طَلقتك فقد رَاجَعتك فَطلقهَا لم تحصل الرّجْعَة وَلَو قَالَ مهما رَاجَعتك فقد طَلقتك فَرَاجعهَا حصل الطَّلَاق لِأَن الرّجْعَة فِي حكم الْخِيَار فَلَا تقبل التَّعْلِيق وَإِن كَانَ يسْتَقلّ بِهِ وَاعْلَم أَن الْفِعْل لَا يقوم مقَام اللَّفْظ فِي الرّجْعَة عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تحصل الرّجْعَة بِالْوَطْءِ وباللمس وبالنظر إِلَى الْفرج بالشهوة وَقَالَ
مَالك رَحمَه الله إِن قصد بِالْوَطْءِ الرّجْعَة حصل وَإِلَّا فَلَا الرُّكْن الثَّالِث الْمحل وَهِي الْمَرْأَة وَشَرطهَا أَمْرَانِ أَن تكون مُعْتَدَّة وَأَن تكون محلا للاستحلال الشَّرْط الأول أَن لَا تحرم بردتها فَإِذا ارْتَدَّت فَرَاجعهَا ثمَّ عَادَتْ إِلَى الْإِسْلَام فقد نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه لَا بُد من اسْتِئْنَاف الرّجْعَة لِأَن الْمَقْصُود الْحل وَالْمحل غير قَابل وَقَالَ الْمُزنِيّ رَحمَه الله نتبين بعودها صِحَة الرّجْعَة إِذْ نتبين بِهِ بَقَاء النِّكَاح وَيشْهد لمذهبه أَن الظَّاهِر أَن إحرامها وإحرامه لَا يمْنَع الرّجْعَة بِخِلَاف ابْتِدَاء النِّكَاح إِلَّا أَن نقُول الْإِحْرَام عَارض منتظر الزَّوَال كَالصَّوْمِ وَالْحيض بِخِلَاف الرِّدَّة الشَّرْط الثَّانِي بَقَاء الْعدة وَمهما انْقَضتْ الْعدة قبل الرّجْعَة انْقَطَعت وَإِذا رَأينَا الْخلْوَة
مُوجبَة للعدة على الْمَذْهَب الضَّعِيف ثبتَتْ الرّجْعَة فِي عدتهَا وَفِيه وَجه ضَعِيف أَنه لَا تثبت نعم إِذا أثبتنا الْعدة بالإتيان فِي غير المأتى فَفِي الرّجْعَة وَجْهَان لِأَن إِيجَاب الْعدة بِهِ نوع تَغْلِيظ
ثمَّ انْقِضَاء الْعدة يخْتَلف باخْتلَاف أَنْوَاع الْعدة وَهِي ثَلَاثَة
الأول الْحمل وتنقضي الْعدة بِوَضْع الْوَلَد حَيا وَمَيتًا وناقصا وكاملا إِن كَانَت الصُّورَة والتخطيط قد ظهر عَلَيْهِ فَإِن كَانَ قِطْعَة لحم فَفِي انْقِضَاء الْعدة بِهِ قَولَانِ وَالْقَوْل قَول الْمَرْأَة إِذا ادَّعَت الْوَضع على أظهر الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي يلْزمهَا الْبَيِّنَة لِأَن القوابل يشهدن الْولادَة وَرُبمَا صدقهَا فِي إجهاض السقط النَّاقِص إِذْ القوابل لَا يشهدن ثمَّ نَحن إِذا صدقناها فَإِنَّمَا نصدق فِي مَظَنَّة الْإِمْكَان وَإِن كَانَ الْوَلَد الْكَامِل بعد سِتَّة أشهر من وَقت إِمْكَان الْوَطْء وَإِمْكَان الصُّورَة بعد مائتة وَعشْرين يَوْمًا وَإِمْكَان قِطْعَة لحم بعد ثَمَانِينَ يَوْمًا وَذَلِكَ لما رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ بَدَأَ خلق أحدكُم فِي بطن أمه أَرْبَعُونَ يَوْمًا نُطْفَة وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا علقَة وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا مُضْغَة ثمَّ يبْعَث إِلَيْهِ ملك فينفخ فِيهِ الرّوح وَيكْتب أَجله ورزقه وَيكْتب أشقي هُوَ أم سعيد
النَّوْع الثَّانِي الْعدة بِالْأَشْهرِ وَذَلِكَ لَا يتَصَوَّر فِيهِ نزاع فَإِن فرض النزاع فَيرجع إِلَى وَقت الطَّلَاق وَيكون القَوْل فِيهِ قَول الرجل النَّوْع الثَّالِث الْحيض فَإِن طَلقهَا فِي الطُّهْر فَأَقل مُدَّة تصدق فِيهَا اثْنَان وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وساعتان لأَنا نقدر كَأَن لم يبْق من الطُّهْر إِلَّا سَاعَة فَيحصل قرء بِتِلْكَ السَّاعَة وَإِن قُلْنَا مُجَرّد الإنتقال قرء فَلَا تعْتَبر هَذِه السَّاعَة ونقدر اقتران الطَّلَاق بآخر جُزْء من الطُّهْر وَأما ثَلَاثُونَ يَوْمًا فلطهرين آخَرين لِأَن أقل مُدَّة الطُّهْر خَمْسَة عشر يَوْمًا ويومان وَلَيْلَتَانِ بحيضتين والساعة الثَّانِيَة للشروع فِي الْحيض حَتَّى نتبين تَمام الْقُرْء لَا من نفس الْعدة وَإِن طَلقهَا فِي الْحيض لم تحسب بَقِيَّة الْحيض فلنقدر أَنه وَقع فِي آخر جُزْء فَأَقل مَا تحْتَاج إِلَيْهِ ثَلَاثَة أطهار وَهِي خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وحيضتان وَهِي فِي يَوْمَيْنِ وليلتين وَلَا بُد من ساعتين كَمَا سبق وَجُمْلَته سَبْعَة وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا ولحظتان وَإِن طَلقهَا وَهِي صبية لم تَحض بعد وَادعت الْحيض فَأَقل مدَّتهَا اثْنَان وَثَلَاثُونَ يَوْمًا ولحظتان إِلَّا إِذا قُلْنَا إِن الْقُرْء هُوَ طهر محتوحش بدمين فَتكون أقل مدَّتهَا ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا ولحظتين إِذْ لَا بُد من ثَلَاث حيض وَثَلَاثَة أطهار هَذَا كُله فِي المضطربة الْعَادة أَو المستقيمة على الْأَقَل فَإِن كَانَت لَهَا عَادَة مُسْتَقِيمَة على
غير الْأَقَل فَهَل تصدق فِيمَا ينقص من عَادَتهَا فِيهِ وَجْهَان وَالظَّاهِر أَنه يقبل لِأَن تغير الْعَادة مُمكن وَهِي مؤتمنة على مَا فِي رَحمهَا
فرع
إِذا وَطئهَا قبل الرّجْعَة لَزِمَهَا اسْتِئْنَاف عدَّة وتندرج بَقِيَّة الْعدة تَحْتَهُ فَإِن كَانَ قد بَقِي قرء وَاحِد فَلهُ الرّجْعَة إِلَى تَمام ذَلِك الْقُرْء وَإِن أحبلها بِالْوَطْءِ فَفِي اندراج بَقِيَّة الْعدة تَحت عدَّة الْحمل خلاف فَإِذا ادرجنا امتدت الرّجْعَة إِلَى وضع الْحمل وَإِن لم تندرج شرعت فِي عدَّة الْحمل إِذْ لم يقبل ذَلِك تَأْخِيرا فَإِذا وضعت الْحمل شرعت فِي عدَّة الرّجْعَة بِبَقِيَّة الْأَقْرَاء وَتثبت فِيهِ الرّجْعَة وَهل تثبت فِي مُدَّة الْحمل فِيهِ وَجْهَان
الْفَصْل الثَّانِي فِي أَحْكَام الرَّجْعِيَّة
وَهِي مترددة بَين الْمَنْكُوحَة والبائنة لِأَن الطَّلَاق أوجب خللا فِي الْملك وَلم يُوجب زَوَاله فلاختلاله قُلْنَا إِنَّه يحرم وَطْؤُهَا وَقَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ يلزما الْمهْر بِالْوَطْءِ رَاجعهَا أَو لم يُرَاجِعهَا وَنَصّ فِي الْمُرْتَدَّة إِذا وَطئهَا ثمَّ عَادَتْ إِلَى الْإِسْلَام أَنه لَا مهر فَقيل قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج وَالْفرق مُشكل وغايته أَن الرّجْعَة فِي حكم ابْتِدَاء أَو اسْتِدْرَاك وعودها إِلَى الْإِسْلَام يُعِيد الْحل السَّابِق وَلَيْسَ فِي حكم الِابْتِدَاء وَالصَّحِيح أَنه لَا يجب الْحَد وَإِن وَجب الْمهْر لِأَن الْملك بِالْكُلِّيَّةِ لم يزل وشبب بعض الْأَصْحَاب بِخِلَاف فِي وعَلى الْجُمْلَة يحرم الْوَطْء وَقطع الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ بِوُجُوب الْمهْر يدل على اختلال أصل الْملك إِن لم يدل على زَوَاله وَيدل على بَقَاء أصل الْملك صِحَة الطَّلَاق وَصِحَّة الْخلْع وَالظِّهَار وَالْإِيلَاء وَاللّعان وجريان الْمِيرَاث وَلُزُوم النَّفَقَة وَفِي الْخلْع قَول قديم أَنه لَا يَصح وَلَو قَالَ زوجاتي طَوَالِق اندرجت الرَّجْعِيَّة تَحْتَهُ وَطلقت على الْأَصَح لِأَنَّهَا زوجه فِي خمس آي من كتاب الله تَعَالَى هَذَا لفظ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَأَرَادَ بِهِ آياة الْإِيلَاء وَالظِّهَار وَغَيرهمَا
وَلَا خلاف فِي لَو أَنه اشْترى زَوجته الرَّجْعِيَّة لزمَه الِاسْتِبْرَاء لِأَنَّهَا كَانَت مُحرمَة وَإِن استبرئها فِي صلب النِّكَاح فَلَا اسْتِبْرَاء على الْأَظْهر وَقيل إِنَّه يجب لتبدل جِهَة الْحل وَقد قَالَ بعض الْأَصْحَاب تردد قَول الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الْخلْع يدل على اخْتِلَاف قَول الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي أَن الْملك زائل أم لَا وَقَول بعض الْأَصْحَاب إِنَّه إِن رَاجع بعد الْوَطْء فَلَا مهر وَإِن لم يُرَاجع يجب الْمهْر يدل على أَن الْملك مَوْقُوف فَتحصل فِي زَوَال الْملك ثَلَاثَة أَقْوَال
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي النزاع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَله صور خمس الأولى أَن يتَّفقَا على انْقِضَاء الْعدة يَوْم الْجُمُعَة لَكِن الزَّوْج قَالَ راجعت يَوْم الْخَمِيس وَقَالَت بل يَوْم السبت فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا وَهُوَ الَّذِي ذكره المراوزة من عِنْد آخِرهم وَهُوَ الْقيَاس أَن القَوْل قَوْلهَا لِأَنَّهُمَا إِذا اتفقَا على الطَّلَاق وانقضاء الْعدة فَالْأَصْل انْقِطَاع النِّكَاح وَالزَّوْج يُرِيد دَفعه بِدَعْوَى الرّجْعَة فَعَلَيهِ الْإِثْبَات وَالْوَجْه الثَّانِي ذكره الْعِرَاقِيُّونَ أَن القَوْل قَوْله لِأَن الأَصْل بَقَاء النِّكَاح وَالرَّجْعَة إِلَى الزَّوْج وَلَيْسَ لَهَا قَول إِلَّا فِي انْقِضَاء صُورَة الْأَقْرَاء وَالزَّوْج يُنكر بَقَاء الْعدة بعد يَوْم الْخَمِيس إِذْ الرّجْعَة تقطع الْعدة ويحققه أَن الزَّوْج لَو ادّعى الْوَطْء فِي مُدَّة الْعنَّة يصدق مَعَ أَن الأَصْل عَدمه لتقرير النِّكَاح فَهَذَا أولى وَالثَّالِث ذكره صَاحب التَّقْرِيب أَن الْمُصدق هُوَ السَّابِق إِلَى الدَّعْوَى فَإِذا سبقت بِدَعْوَى الإنقضاء الِانْقِضَاء فقد حكم الشَّرْع بقولِهَا بِالتَّحْرِيمِ فَلَا يرْتَفع بِدَعْوَاهُ من غير بَيِّنَة وَكَذَلِكَ إِذا سبق الزَّوْج فعلى هَذَا إِن تساوقا رَجَعَ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ زَالَ الْمُرَجح لَهُ الصُّورَة الثَّانِيَة أَلا يَقع التَّعَرُّض لوقت الْعدة وَالرَّجْعَة وَلَكِن اتفقَا على جَرَيَان الْأَمريْنِ وَاخْتلفَا فِي التَّقَدُّم فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه الْمُصدق لِأَن الأَصْل بَقَاء النِّكَاح
وَالثَّانِي أَنَّهَا المصدقة لِأَنَّهَا مؤتمنة على مَا فِي رَحمهَا عاجزة عَن الْإِشْهَاد وَالزَّوْج على قَادر على الْإِشْهَاد على الرّجْعَة الصُّورَة الثَّالِثَة أَن يَقع الْوِفَاق على أَن الرّجْعَة جرت يَوْم الْجُمُعَة وَلَكِن قَالَت كَانَت الْعدة قد انْقَضتْ يَوْم الْخَمِيس وَقَالَ الزَّوْج بل يَوْم السبت فَهَذَا كصورة الأولى فترجع الْوُجُوه الثَّلَاثَة الصُّورَة الرَّابِعَة أَن يَقع الْوِفَاق من وَقت انْقِضَاء الْعدة ويدعى الزَّوْج رَجْعَة قبلهَا وَأنْكرت أصل الرّجْعَة قَالَ صَاحب التَّقْرِيب هِيَ المصدقة بِلَا خلاف وَالْأَظْهَر جَرَيَان الْأَوْجه إِذْ لم تفارق هَذِه الصُّورَة مَا قبلهَا إِلَّا أَنَّهَا أنْكرت لفظ الرّجْعَة وَهُنَاكَ إِنَّمَا أقرَّت بِلَفْظ الرّجْعَة لَا بِحَقِيقَة الرّجْعَة الصُّورَة الْخَامِسَة النزاع مَعَ قيام الْعدة فَإِذا قَالَ رَاجَعتك أمس فأنكرت فَالْقَوْل قَوْله لِأَنَّهُ قَادر على الْإِنْشَاء فَيقبل قَوْله كَقَوْل الْوَكِيل قبل الْعَزْل وَقيل الأَصْل عدم الرّجْعَة فَالْقَوْل قَوْلهَا فَإِن أَرَادَ الْإِنْشَاء فلينشأ وَالصَّحِيح أَن إخْبَاره لَا يَجْعَل إنْشَاء وَحكي عَن الْقفال إِنَّه إنْشَاء وَهُوَ بعيد لِأَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ قَالَ إِن من أقرّ بِالطَّلَاق كَاذِبًا لم يكن إِن شَاءَ فرع إِذا أنْكرت الرّجْعَة ثمَّ أقرَّت قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لم تمنع عَنهُ فَهُوَ كمن أقرّ بِحَق بعد الْجُحُود وَهَذَا فِيهِ إِشْكَال لِأَنَّهَا أقرَّت بِالتَّحْرِيمِ على نَفسهَا ثمَّ رجعت وَلَو أقرَّت بِتَحْرِيم رضَاع أَو نسب لم تمكن من الرُّجُوع وَلَكِن الْفرق أَن الرّجْعَة تصح دونهَا
فلعلها أنْكرت إِذْ لم تعرف وَلَا تقر بِالرّضَاعِ وَالنّسب وَهُوَ إِثْبَات إِلَّا على بَصِيرَة نعم من قَالَ مَا أتلف فلَان مَالِي ثمَّ رَجَعَ إِلَى الدَّعْوَى لم يُمكن لِأَنَّهُ أقرّ على نَفسه وَهَاهُنَا جحدت حق الزَّوْج فَإِذا توافقا لم يبطل حق الزَّوْج وَلَو قَالَت مَا رضيت فِي النِّكَاح ثمَّ رجعت فَهَذَا مُحْتَمل لِأَنَّهَا تحقق رضَا نَفسهَا وَلذَلِك تحلف على الْبَتّ وَلكنهَا جحدت حق الزَّوْج فَالْأَظْهر أَنه يغلب جَانب الزَّوْج وَتمكن الْمَرْأَة من الرُّجُوع
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي أَرْكَانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَصورته أَن يَقُول لزوجته وَالله لَا أجامعك وَلَقَد كَانَ هَذَا طَلَاقا فِي الْجَاهِلِيَّة ثمَّ غير الشَّرْع حكمه وَقضى بِأَن الزَّوْج بعد مُضِيّ أَرْبَعَة أشهر يجْبر على الْوَطْء أَو الطَّلَاق وَالْإِيلَاء فِي اللُّغَة مُشْتَقّ من الألية وَهِي الْحلف وَلَكِن عرف الشَّرْع خصصه بِالْيَمِينِ الْمَعْقُود على الإمتناع من وَطْء الْمَنْكُوحَة وأركانه أَرْبَعَة الْحَالِف والمحلوف بِهِ والمحلوف عَلَيْهِ والمدة الْمَحْلُوف فِيهَا
الرُّكْن الأول الْحَالِف
وَهُوَ كل زوج يتَصَوَّر مِنْهُ الْجِمَاع فقولنا زوج يَشْمَل أَصْنَاف الْأزْوَاج من الْمُسلم وَالْكَافِر وَالْحر وَالْعَبْد وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله وَإِن خَالف فِي ظِهَار الذِّمِّيّ فقد وَافق فِي صِحَة إِيلَاء الذِّمِّيّ ثمَّ إِذا رفع الذِّمِّيّ إِلَيْنَا حكمنَا عَلَيْهِ بِحكم الْإِسْلَام حَتَّى فِي إِيجَاب الْكَفَّارَة وَيخرج عَن الضَّابِط قَول الرجل لأجنبية وَالله لَا أجامعك أبدا فَإِنَّهُ إِذا نَكَحَهَا لم يكن
مؤليا وَإِن كَانَ الضرار حَاصِلا وَلَكِن الْإِيلَاء كَانَ طَلَاقا وتصرفا فِي النِّكَاح فَغير حكمه دون أَصله فَلَا يَصح من الْأَجْنَبِيّ وَلَيْسَ كل ضَرَر يدْفع وَإِنَّمَا الْمَدْفُوع إِضْرَار من الزَّوْج فِي حَالَة الزَّوْجِيَّة وَقد ذكر صَاحب التَّقْرِيب وَجها غَرِيبا أَن هَذَا إِيلَاء وَلَا يتَّجه إِلَّا على قَول غَرِيب حَكَاهُ أَيْضا فِي تَعْلِيق الطَّلَاق بِالْملكِ على مُوَافقَة أبي حنيفَة رَحمَه الله وَهُوَ غير صَحِيح وَأما الْإِيلَاء عَن الرَّجْعِيَّة فَصَحِيح وَإِنَّمَا يُفِيد إِذا رَاجعهَا لِأَن الْعَائِد هُوَ حل النِّكَاح الأول فَهِيَ فِي حكم الزَّوْجَات وَأما قَوْلنَا يتَصَوَّر مِنْهُ الْجِمَاع فَيدْخل فِيهِ الْمَرِيض المدنف والخصي والمجبوب بعض ذكره فَيصح إِيلَاء جَمِيعهم لِإِمْكَان الْوَطْء مِنْهُم على حَال فَأَما الَّذِي جب تَمام ذكره فقد اخْتلف فِيهِ النُّصُوص وللأصحاب فِيهِ طرق وَمِنْهُم من قَالَ قَولَانِ وَوجه صِحَّته أَنه إِضْرَار بِاللِّسَانِ فيمكنه الْفَيْئَة بِاللِّسَانِ والإعتذار بِالْعَجزِ كَمَا فِي الْمَرِيض وَمِنْهُم من قطع بِالْبُطْلَانِ وَقَالَ الْقَوْلَانِ فِيهِ إِذا حلف ثمَّ جب
وَمِنْهُم من قطع القَوْل بِأَنَّهُ وَإِن جب بعد الْحلف أَنه يبطل الْإِيلَاء لِأَنَّهُ أَيْضا حصل الْيَأْس من الْحِنْث فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ إِن وَطئتك فَعَبْدي حر فَمَاتَ العَبْد فَإِنَّهُ يبطل الْإِيلَاء لحُصُول الْيَأْس ثمَّ إِيلَاء الرتقاء والقرناء كإيلاء الْمَجْبُوب فَيخرج على الْخلاف
الرُّكْن الثَّانِي الْمَحْلُوف بِهِ
وَالنَّظَر فِيهِ فِي سِتَّة أَقسَام الْقسم الأول الْحلف بِاللَّه أَو بِصفة من صِفَاته وَهِي الأَصْل وَفِيه مَسْأَلَتَانِ إِحْدَاهمَا أَنه لَو وطىء هَل يلْزمه كَفَّارَة الْيَمين الْجَدِيد وَهُوَ الْقيَاس أَنه يلْزمه لانه حنث فِي يَمِين بِاللَّه تَعَالَى وَفِي الْقَدِيم قَولَانِ وَوَجهه أَن الْإِيلَاء كَانَ طَلَاق الْجَاهِلِيَّة فَغَيره الشَّرْع وَجعله مُوجبا للطَّلَاق بعد مُدَّة فَكَانَ حكمه بِضَرْب الْمدَّة وَإِيجَاب الطَّلَاق بدل عَن الْكَفَّارَة وَيشْهد لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أشهر فَإِن فاؤوا فَإِن الله غَفُور رَحِيم﴾ فَإِن هَذَا لَا يشْعر بِلُزُوم الْكَفَّارَة بل يشْعر بِأَنَّهُ يُوجب الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة نعم لَو حلف على أَن لَا يَطَأهَا ثَلَاثَة أشهر تلْزمهُ كَفَّارَة الْيَمين إِذا حنث لِأَن هَذَا لَيْسَ بإيلاء وَقيل بطرد القَوْل الْقَدِيم فِيهِ أَيْضا وَهُوَ بعيد الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَن صِحَة الْإِيلَاء هَل تخْتَص بِالْيَمِينِ بِاللَّه تَعَالَى أم يَصح بِالْتِزَام الْعِبَادَات وَتَعْلِيق الطَّلَاق وَغَيره الْجَدِيد أَنه لَا يخْتَص لِأَنَّهُ مَنُوط بالإضرار والإضرار لانْقِطَاع رَجَاء الْمَرْأَة ورجاؤها يَنْقَطِع إِذا ظهر مَانع للزَّوْج وكما أَن خوف الْكَفَّارَة يمْنَع فَكَذَلِك خوف هَذِه اللوازم وتوجيه الْقَدِيم أَن الْإِيلَاء مَأْخُوذ من عَادَة
الْعَرَب وَهِي الْيَمين بِاللَّه تَعَالَى عِنْدهم فَلَا يَنْبَغِي أَن يتَصَرَّف فِيهِ بِالْمَعْنَى وَلَا تَفْرِيع بعد هَذَا على هَذَا القَوْل أصلا فرع لَو كرر الْإِيلَاء بعد تخَلّل فصل وَقَالَ أردْت التَّأْكِيد قبل على أحد الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ إِخْبَار فَأشبه الْإِقْرَار دون الْإِنْشَاء وَكَذَا فِي تَعْلِيق الطَّلَاق خلاف مُرَتّب وَأولى بِأَن لَا يقبل لِأَنَّهُ بالإنشاء أشبه الْقسم الثَّانِي فِي الْحلف بِالْتِزَام الْعِبَادَات فَإِذا قَالَ إِذا جامعتك فَللَّه عَليّ صَوْم أَو صَلَاة أَو عتق رَقَبَة أَو تصدق بِمَال فَهُوَ مؤل فَإِذا حنث فَفِيمَا يلْزمه الْأَقْوَال الْمَعْرُوفَة فِي يَمِين الْغَضَب واللحجاج نعم لَو قَالَ إِن وَطئتك فَللَّه عَليّ صَوْم هَذَا الشَّهْر لم يَصح الْإِيلَاء لِأَن الْمُطَالبَة تتَوَجَّه بعد انْقِضَاء الشَّهْر وانحلال الْيَمين الْقسم الثَّالِث الْحلف بِالْعِتْقِ وَفِيه مسَائِل الأولى إِذا قَالَ إِن جامعتك فَعَبْدي حر فَمَاتَ العَبْد أَو بَاعه أَو أعْتقهُ انحل الْإِيلَاء بعد انْعِقَاده لِأَنَّهُ خرج عَن التَّعَرُّض لالتزام شَيْء بِالْوَطْءِ وَلَو قَالَ إِن جامعتك فَعَبْدي حر قبله بِشَهْر صَار مؤليا وَلَكِن تحسب مُدَّة الْإِيلَاء بعد مُضِيّ شهر فَتكون الْمُطَالبَة فِي الشَّهْر السَّادِس إِذْ لَو وطىء فِي الشَّهْر الأول لم يلْزمه شَيْء فَإِن الْعتْق لَا يُمكن تَقْدِيمه على اللَّفْظ فَبعد تَمام الشَّهْر يتَعَرَّض للالتزام فَلَو بَاعَ العَبْد فِي منتصف الْخَامِس طُولِبَ فِي
السَّادِس لِأَنَّهُ لَو وطىء لتبين بطلَان البيع وَتقدم الْعتْق عَلَيْهِ وَلَو تركت الْمُطَالبَة حَتَّى انْقَضى من وَقت البيع شهر كَامِل سَقَطت الْمُطَالبَة إِذْ سقط التَّعَرُّض الْتِزَام الثَّانِيَة إِذا قَالَ إِن وَطئتك فعبد حر عَن ظهاري وَكَانَ قد ظَاهر صَار مؤليا وَعند الْوَطْء يعْتق العَبْد عَن الظِّهَار وَيكون الإلتزام الْجَدِيد فِي الْإِيلَاء تعْيين العَبْد وتعجيل الْعتْق فَإِن ذَلِك لم يُوجِبهُ الظِّهَار وَفِيه وَجه أَنه يعْتق وَلَا ينْصَرف إِلَى الظِّهَار لِأَنَّهُ يتَأَدَّى بِهِ حق الْحِنْث فَلَا يتَأَدَّى بِهِ حق الظِّهَار وطردوا هَذَا فِيمَا لَو قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت حر عَن ظهاري وَهُوَ بعيد فَإِن التَّعْلِيق لَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِضَافَة الْعتْق إِلَى الزَّمَان فَهُوَ كالتنجييز أما إِذا لم يكن قد ظَاهر فَلَا يكون مؤليا بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَلَو وطىء لم يعْتق عَبده لِأَنَّهُ قَالَ أَنْت حر عَن ظهاري وَلَا ظِهَار وَلَكِن فِي الظَّاهِر يَجْعَل مقرا بالظهار وَيعتق عَبده عِنْد الْوَطْء وَيجْعَل مؤليا لذَلِك الثَّالِثَة إِذا قَالَ إِن جامعتك فَعَبْدي حر عَن ظهاري إِن تظهرت فَهَذَا تَعْلِيق لعتق العَبْد بصفتين بِالْوَطْءِ وَالظِّهَار وَحكمه أَنه لَو وطىء أَولا لم يعْتق وَلَكِن يتَعَرَّض للُزُوم لَو ظَاهر فَيعتق العَبْد لَا على جِهَة الظِّهَار لِأَنَّهُ قدم تَعْلِيقه على الظِّهَار فَلَا ينْصَرف إِلَيْهِ ثمَّ قَالُوا لَا يصير مؤليا فِي الْحَال وَلَكِن لَو ظَاهر أَولا صَار مؤليا لِأَنَّهُ صَار الْعتْق مُتَعَلقا بِالْوَطْءِ ثمَّ قَالُوا إِنَّه يعْتق لَا من جِهَة الظِّهَار وَهَذَا فِيهِ نظر لِأَنَّهُ إِذا لم ينْصَرف إِلَى الظِّهَار فَيَنْبَغِي أَن لَا يعْتق كَمَا إِذا قَالَ أَنْت حر عَن ظهاري وَلم يكن قد ظَاهر فَإِنَّهُ لَا يعْتق بَاطِنا كَمَا ذَكرْنَاهُ ثمَّ إِذا لم يعْتق لَا يصير مؤليا لِأَنَّهُ لَا الْتِزَام إِلَّا أَن يُقَال يلغى قَوْله عَن ظهاري لِأَنَّهُ جعل الْعتْق محالا وَبَقِي قَوْله أَنْت حر فَهَذَا لَهُ احْتِمَال وَلَكِن فِي
الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا أَعنِي فِي التَّعْلِيق وَفِي قَوْله أَنْت حر عَن ظهاري إِذا لم يكن قد ظَاهر الرَّابِعَة إِذا قَالَ إِن جامعتك فَللَّه عَليّ أَن أعتق هَذَا العَبْد عَن ظهاري فكونه مؤليا يَبْنِي على أَن العَبْد هَل يتَعَيَّن بِالنذرِ وَيعتق بِعِتْق سبق لُزُومه فِيهِ خلاف سَيَأْتِي فِي النذور الْقسم الرَّابِع فِي الْحلف بِالطَّلَاق وَفِيه مسَائِل إِحْدَاهَا أَنه لَو قَالَ إِن وَطئتك فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا فَهُوَ مؤل على الْجَدِيد ثمَّ يُطَالب بالفيئة أَو تَنْجِيز الطَّلَاق وَيُقَال لَهُ فِي الْفَيْئَة عَلَيْك تغييب الْحَشَفَة والنزع فِي الْحَال مُتَّصِلا بالتغييب من غير مكث فَإِنَّهُ يَقع بِهِ الثَّلَاث وَتحرم وَيَقَع النزع فِي حَال التَّحْرِيم وَلكنه كالخروج من الْمعْصِيَة فَلَا بَأْس بِهِ وَقَالَ ابْن خيران يحرم الْوَطْء إِذْ وصل النزع غير مُمكن وَيتَّجه مذْهبه أَيْضا فَإِن النزع أَيْضا نوع مماسة وَالْخُرُوج عَن الْملك الْمَغْصُوب جَائِز للضَّرُورَة وَلَكِن تَعْرِيض النَّفس لمثل ذَلِك بِالِاخْتِيَارِ غير جَائِز فرع لَو قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا إِن وَطئتك فَأَنت طَالِق فَهُوَ مؤل فَإِن وَطئهَا وَقع الطَّلَاق رَجْعِيًا وَإِن كَانَ الطَّلَاق مُقَارنًا للْوَطْء غير مُتَأَخّر عَنهُ لِأَن الْوَطْء مُقَرر وَالطَّلَاق مُبين فقد اجْتمعَا فغلب جَانب تَقْرِير النِّكَاح الثاينة إِذا قَالَ إِن وَطئتك فضرتك طَالِق فَهُوَ مؤل فَإِن أبان الضرة انْقَطع الْإِيلَاء لزوَال الإلتزام فَإِن جدد نِكَاحهَا وَقُلْنَا بِعُود الْحِنْث عَاد الْإِيلَاء فتبنى الْمدَّة على مَا مضى من الْمدَّة قبل الطَّلَاق وَمَا تخَلّل فِي مُدَّة الْإِبَانَة لَا يحْسب وَلَا تسْتَأْنف الْمدَّة بِخِلَاف الرِّدَّة وَالرَّجْعَة إِذا طرءا كَمَا سَيَأْتِي الثَّالِثَة إِذا قَالَ إِن وطِئت إِحْدَاكُمَا فالأخرى طَالِق فَهُوَ مؤل قَالَ ابْن الْحداد إِذا مَضَت الْمدَّة وجاءتا إِلَى القَاضِي طالبتين طلق القَاضِي إِحْدَاهمَا على الْإِبْهَام ثمَّ إِن كَانَ
الزَّوْج قد نوى إِحْدَاهمَا نزل على المنوية وعَلى الزَّوْج الْبَيَان وَإِن كَانَ قد أبهم بَقِي مُبْهما وَوَجَب على الزَّوْج التَّعْيِين فَلَو قَالَ قبل التَّعْيِين راجعت الَّتِي صادفها الطَّلَاق فَفِي صِحَة الرّجْعَة مَعَ الْإِبْهَام وَجْهَان وَالأَصَح أَنَّهَا إِذا لم تقبل التَّعْلِيق فَلَا تقبل الْإِبْهَام قَالَ الْقفال غلط ابْن الْحداد لِأَن الدَّعْوَى لَا تصح مُبْهما وهما معترفتان بالإشكال وهما كرجلين قَالَا عِنْد القَاضِي لِأَحَدِنَا على فلَان ألف فَإِنَّهُ لَا يسمع لَكِن يتَّجه لِابْنِ الْحداد أَن الضرار قد تحقق بهما وَلَا بُد من الرّفْع عَنْهُمَا الْقسم الْخَامِس فِي الْيَمين الَّتِي تقرب الْوَطْء من الإلتزام وَفِيه صِيغ الأولى إِذا آلى عَن نسْوَة فَقَالَ وَالله لَا أجامعكن فَإِنَّمَا تلْزمهُ الْكَفَّارَة إِذا جَامع جَمِيعهنَّ فَلَا تتَعَلَّق كَفَّارَة بِوَطْء وَاحِدَة وَلَكِن يتَعَلَّق بِهِ الْقرب من الْحِنْث بِوَطْء الْبَاقِيَات فالجديد أَنه لَا يصير مؤليا حَتَّى يطَأ ثَلَاثًا مِنْهُنَّ فَيصير مؤليا فِي حق الرَّابِعَة إِذْ تتَوَقَّف الْكَفَّارَة على وَطئهَا وَالْقَوْل الْقَدِيم أَنه مؤل لِأَن الْقرب من اللُّزُوم مَحْذُور كأصل اللُّزُوم فعلى هَذَا لَو وطىء وَاحِدَة سقط إيلاؤها دون الْبَوَاقِي وَكَذَلِكَ لَو طلق وَاحِدَة أما إِذا مَاتَت وَاحِدَة سقط إِيلَاء الْكل إِذْ حصل الْيَأْس عَن جماع جَمِيعهنَّ وَبِه يَقع الْحِنْث الصِّيغَة الثاينة أَن يَقُول وَالله لَا أجامع كل وَاحِدَة مِنْكُن فَهَذَا إِيلَاء إِذْ يتَعَلَّق الْحِنْث بِكُل وَاحِدَة وَلَو قَالَ لَا أجامع وَاحِدَة مِنْكُن فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال إِحْدَاهَا أَن يُرِيد بِهِ لُزُوم الْكَفَّارَة بِوَاحِدَة أَي وَاحِدَة كَانَت على الْعُمُوم فَهُوَ مؤل إِذْ مَا من وَاحِدَة يَطَؤُهَا إِلَّا وَتلْزَمهُ الْكَفَّارَة وَلَكِن إِذا وطىء وَاحِدَة انْقَطع إِيلَاء الْبَاقِيَات إِذْ
الْيَمين لَا يتَنَاوَل إِلَّا وَاحِدَة الثَّانِيَة أَن يَقُول أردْت وَاحِدَة مُعينَة مُبْهمَة وَعلي تَعْيِينهَا اَوْ قَالَ نَوَيْت وَاحِدَة بِعَينهَا وَعلي بَيَانهَا انْعَقَد الْإِيلَاء كَذَلِك وَيُطَالب بِالْبَيَانِ أَو التَّعْيِين وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ لَا إِيلَاء لِأَن كل وَاحِدَة ترجو أَن لَا تكون هِيَ المرادة أَو الْمعينَة بالإيلاء فَكيف يُسَاوِي هَذَا الْيَأْس الْمُحَقق فِي مُعينَة وَهَذَا مُتَّجه إِن اعْترفت بالإشكال فَإِن ادَّعَت أَنه عناها وَجب عَلَيْهِ الْجَواب لَا محَالة ثمَّ إِذا لم يكن قد عين فعين فتحسب الْمدَّة من وَقت التَّعْيِين أَو من وَقت الْيَمين فِيهِ خلاف يَنْبَنِي على أَن الطَّلَاق الْمُبْهم مَتى وَقع كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الطَّلَاق الْحَالة الثَّالِثَة أَن يُطلق هَذِه الصِّيغَة فعلى أَي الْمَعْنيين يحمل فِيهِ وَجْهَان لتعارض الإحتمالين الصِّيغَة الثَّالِثَة إِذا قَالَ وَالله لَا أجامعك فِي السّنة إِلَّا مرّة وَاحِدَة فالوطء يقربهُ من الْحِنْث فَيكون مؤليا على الْقَدِيم دون الْجَدِيد وعَلى الْجَدِيد إِذا وَطئهَا صَار مؤليا فَينْظر إِلَى بَقِيَّة الْمدَّة من السّنة فَإِن كَانَت دون أَرْبَعَة أشهر فَلَيْسَ بمؤل وَإِن زَاد صَار مؤليا من وَقت الْوَطْء وَلَو قَالَ وَالله لَا أجامعك فِي السّنة إِلَّا مائَة مرّة أَو ألف مرّة فَحكمه حكم الْمرة الْوَاحِدَة لَا تخْتَلف بِالْكَثْرَةِ والقلة الصِّيغَة الرَّابِعَة إِذا قَالَ إِن جامعتك مرّة فوَاللَّه لَا أجامعك بعْدهَا فَهَذَا تَعْلِيق يَمِين بِالْوَطْءِ فَمنهمْ من قطع بِأَنَّهُ لَيْسَ مؤليا لِأَنَّهُ لَيْسَ بحالف 7 فِي الْحَال حَتَّى يَطَأهَا مرّة وَمِنْهُم من خرج على الْقَوْلَيْنِ لِأَن الْوَطْء يعرضه لِأَن يصير حَالفا
وَلَو قَالَ إِن وَطئتك فَأَنت طَالِق إِن دخلت الدَّار قَالَ القَاضِي هُوَ مؤل قطعا لِأَن الْوَطْء يصير مَانِعا لَهَا عَن الدُّخُول وَمِنْهُم من خرج على الْقَوْلَيْنِ إِذْ لَا فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ فرع إِذا قَالَ إِن وَطئتك فوَاللَّه لَا أطؤك فغيب الْحَشَفَة ثمَّ عَاد إِلَى الْإِيلَاج ثَانِيًا فَفِي لُزُوم الْكَفَّارَة خلاف والاوجه أَن الْوَطْء يتَنَاوَل جَمِيع الإيلاجات فَلَا يَحْنَث بالوطأة الأولى ويلتفت إِلَى خلاف فِي وجوب الْمهْر إِذا كَانَ الْمُعَلق بِهِ ثَلَاث طلقات الْقسم السَّادِس فِي شُرُوط لفظ الْإِيلَاء وَفِيه مسَائِل الأولى أَن الْكِنَايَة لَا تتطرق إِلَى لفظ الْيَمين من الْإِيلَاء فَلَو آلى عَن امْرَأَة ثمَّ قَالَ لأخرى أَشْرَكتك مَعهَا لم يصر مؤليا لِأَن عماد الْإِيلَاء ذكر اسْم الله تَعَالَى وَفِي مثله من الظِّهَار خلاف مَبْنِيّ على أَن الْمُغَلب فِيهِ الْيَمين أَو الطَّلَاق وَلَا خلاف فِي جَوَاز الْإِشْرَاك فِي نفس الطَّلَاق وَأما إِذا قَالَ إِن دخلت الدَّار فانت طَالِق ثمَّ قَالَ لغَيْرهَا أَشْرَكتك مَعهَا وَأَرَادَ تَعْلِيق طَلَاق الثَّانِيَة بِدُخُولِهَا فِي نَفسهَا لَا بِدُخُول الأولى فَفِي ذَلِك خلاف وَلَو قَالَ أَنْت عَليّ حرَام وَنوى الْإِيلَاء فَالظَّاهِر أَنه لَا ينْعَقد كَلَفْظِ الْإِشْرَاك وَالثَّانيَِة أَنه ينْعَقد لِأَن هَذَا اللَّفْظ ورد فِي الْقُرْآن لإِيجَاب الْكَفَّارَة الثَّانِيَة فِي تَعْلِيق الْإِيلَاء وَهُوَ صَحِيح كَقَوْلِه إِن دخلت الدَّار فوَاللَّه لَا أطؤك وَلَو
قَالَ وَالله لَا أجامعك إِن شِئْت فَقَالَت شِئْت صَار مؤليا وَهل تخْتَص الْمَشِيئَة بِالْمَجْلِسِ فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم كَمَا فِي الطَّلَاق وَالثَّانِي لَا كَمَا فِي التَّعْلِيق بِالدُّخُولِ وَقَالَ مَالك رَحمَه الله إِذا علق بمشيئتها لم يكن مؤليا لِأَنَّهَا الَّتِي أضرت بِنَفسِهَا إِلَّا أَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَيْسَ يعْتَبر ذَلِك فَإِنَّهَا لَو تركت الْمُطَالبَة بعد انْقِضَاء الْمدَّة فلهَا الْعود إِلَى الْمُطَالبَة لِأَنَّهَا تتْرك عَليّ توقع فَلذَلِك تشَاء على توقع أَن الزَّوْج يُخَالف مشيئتها ويطؤها الثَّالِثَة أَنه لَا يتشرط اقتران الْغَضَب بالإيلاء عندنَا وَقَالَ مَالك رَحمَه الله لَا يكون مؤليا إِلَّا فِي حَالَة الْغَضَب وَهُوَ بعيد إِذْ الضرار حَاصِل بِكُل حَال
الرُّكْن الثَّالِث فِي الْمدَّة الْمَحْلُوف عَلَيْهَا
وَالْمُطلق مِنْهُ قَوْله لَا اجامعك والمقيد قَوْله لَا أجامعك سنة فَإِن حلف على أَرْبَعَة أشهر فَمَا دونه لَا يكون مؤليا لِأَنَّهُ قَاصِر عَن الْمدَّة الشَّرْعِيَّة وَلَو حلف على خَمْسَة أشهر فَهُوَ مؤل وَيُطَالب فِي الشَّهْر الْخَامِس وَلَو حلف على أَرْبَعَة أشهر ولحظة فَهُوَ مؤل على معنى أَنه يَأْثَم وَلَكِن لَا تظهر فَائِدَته فِي الْمُطَالبَة وَلَو حلف على أَرْبَعَة أشهر فَلَمَّا كَانَ فِي الشَّهْر الرَّابِع حلف على أَرْبَعَة أُخْرَى وَلم يزل كَذَلِك يفعل أبدا فَلَيْسَ مؤليا وَإِن كَانَ الضرار حَاصِلا وَلَو قَالَ دفْعَة لَا أجامعك أَرْبَعَة أشهر فَإِذا انْقَضتْ فوَاللَّه لَا أجامعك أَرْبَعَة أشهر وَهَكَذَا حَتَّى استوفى مُدَّة طَوِيلَة فَالصَّحِيح أَنه لَيْسَ بمؤل لِأَنَّهُ إِذا انْقَضى أَرْبَعَة أشهر فَكيف يُطَالب بِحكم الْيَمين الأولى وَقد انْحَلَّت أَو بِحكم الْيَمين الثَّانِيَة وَلم يَنْقَضِي مِنْهَا إِلَّا لَحْظَة وَفِيه وَجه أَنه إِذا فعل ذَلِك مرّة وَاحِدَة فَهُوَ مؤل لِأَنَّهُ يصير ذَرِيعَة إِلَى الْإِضْرَار وَيلْزم عَلَيْهِ مَا لَو فعل ذَلِك آخر كل أَرْبَعَة أشهر وَهُوَ بعيد وَلَو قَالَ إِذا مَضَت خَمْسَة أشهر فوَاللَّه لَا أطؤك لَا يصير مؤليا حَتَّى تَنْقَضِي خَمْسَة أشهر فبعده تستفتح الْمدَّة وَلَو قَالَ وَالله لَا اطؤك خَمْسَة أشهر وَإِذا انْقَضتْ فوَاللَّه لَا أطؤك سنة فَإِذا انْقَضى أَرْبَعَة أشهر طُولِبَ بالفيئة فِي الشَّهْر الْخَامِس فَإِن فَاء انْقَطَعت الطّلبَة فِي الشَّهْر الْخَامِس فَإِذا انْقَضى الشَّهْر الْخَامِس استفتحنا مُدَّة أَرْبَعَة أشهر للْيَمِين الثَّانِيَة
وَلَو قَالَ لَا أطؤك حَتَّى تصعدي السَّمَاء أَو ينزل عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَو يخرج الدَّجَّال أَو يقدم فلَان وَهُوَ على مَسَافَة يعلم أَنه لَا يقدم فِي أَرْبَعَة أشهر فَهُوَ مؤل قطعا وَلَو أقت بِدُخُول دَار أَو قدوم زيد لم يكن مؤليا فِي الْحَال فَإِذا انْقَضى أَرْبَعَة أشهر فَهَل نطالبه بالفيئة فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لِأَن الْوَطْء فِي هَذِه الْحَال مُوجب لِلْكَفَّارَةِ وَالثَّانِي أَنه لَا يُطَالب لِأَن الْقدوم وَالدُّخُول منتظر فِي كل حَال وَلَو أقت بِمَوْت زيد فَمنهمْ من قَالَ هُوَ كقدوم زيد وَمِنْهُم من قطع بِأَنَّهُ مطَالب لِأَنَّهُ كالمستبعد فِي الإعتقادات وَلَو أقت بِمَوْت الزَّوْجَيْنِ فَهُوَ إِيلَاء لَا محَالة لِأَنَّهُ حصل الْيَأْس فِي الْعُمر وصيغته أَن يَقُول لَا أطؤك مَا عِشْت أَو عِشْت
الرُّكْن الرَّابِع فِي أَلْفَاظ الْمَحْلُوف عَلَيْهِ
وَهِي ثَلَاثَة أَقسَام الأول مَا هُوَ صَرِيح لَا يقبل التَّأْوِيل وَلَا يدين كَلَفْظِ النيك وإيلاج الذّكر فِي الْفرج وتغييب الْحَشَفَة فِي الْفرج وَكَذَلِكَ قَوْله للبكر لَا افتضتك فَلَو فسر بِالضَّمِّ والأعناق لم يدين على الْأَصَح الْقسم الثَّانِي مَا هُوَ صَرِيح فِي الظَّاهِر ويتطرق إِلَيْهِ التديين وَهُوَ الْوَطْء وَكَذَلِكَ الْجِمَاع لِكَثْرَة الإستعمال وَأما الْإِصَابَة فألحقه الشَّيْخ أَبُو عَليّ بِالْجِمَاعِ وَهُوَ بعيد أما الْمُبَاشرَة وَالْمُلَامَسَة والمباضعة وَمَا يجْرِي مجْرَاه فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنَّهَا صَرِيحَة كالجماع لِأَن الْعَادة فِي الْجِمَاع التحاشي عَن الصَّرِيح وَالثَّانِي أَنَّهَا كنايات لِأَنَّهَا بِالْوَضْعِ غير صَرِيح وَعَادَة الإستعمال لَيْسَ يَتَّضِح فِيهِ كَمَا فِي الْجِمَاع الْقسم الثَّالِث الْكِنَايَات قولا وَاحِدًا وَهُوَ كَقَوْلِه لأبعدن عَنْك وَلَا يجمع رَأْسِي ورأسك وسَادَة وَلَا شئونك وَفِي لفظ القربان والغشيان وَجْهَان أَحدهمَا أَنَّهُمَا كنايتان وَالثَّانِي أَنَّهُمَا فِي معنى الْمُبَاشرَة والمباضعة فَأَما إِذا قَالَ وَوَاللَّه لَا أجامعك فِي دبرك أَو فِي الْحيض وَالنّفاس فَهُوَ محسن وَلَيْسَ بمؤل
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي حكم الْإِيلَاء الصَّحِيح - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ومجموع مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَحْكَام أَولهَا ضرب الْمدَّة وَالثَّانِي الْمُطَالبَة بالفيئة وَالثَّالِث دفع الْمُطَالبَة بفيأة أَو طَلَاق وَالرَّابِع مَا تقع بِهِ الْفَيْئَة فنشرحها فِي فُصُول
الْفَصْل الأول فِي الْمدَّة
وَفِيه مسَائِل الأولى أَن الْمدَّة تحسب من وَقت الْإِيلَاء من غير حَاجَة إِلَى القَاضِي بِخِلَاف مُدَّة الْعنَّة فَإِنَّهَا تحسب من وَقت ضرب القَاضِي الْمدَّة لِأَنَّهَا مُتَعَلقَة بالإجتهاد وَهَذَا مَنْصُوص فِي الْكتاب وَسَببه أَن النسْوَة فِي غَالب الْأَمر لَا يصبرن عَن الرِّجَال مَعَ الْيَأْس عَن الوقاع فِي أَكثر من أَرْبَعَة أشهر وَإِنَّمَا يشْتَرط زِيَادَة على الْأَرْبَعَة لوُقُوع الْمُطَالبَة بعد الْمدَّة وَأَن الْمدَّة مهلة للخيرة وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله رأى الطَّلَاق وَاقعا بِمُضِيِّ الْمدَّة فَلم يشْتَرط زِيَادَة على أَرْبَعَة أشهر الثَّانِيَة لَا تخْتَلف هَذِه الْمدَّة عندنَا بِالرّقِّ وَالْحريَّة فَإِنَّهُ أَمر يتَعَلَّق بالشهوة والطبع فَهُوَ كمدة الْعنَّة وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله الْحرَّة تَتَرَبَّص أَرْبَعَة أشهر والامة شَهْرَيْن وَقَالَ
مَالك رَحمَه الله تخْتَلف برق الزَّوْج وحريته الثَّالِثَة فِي قواطع الْمدَّة فَإِن طَلقهَا طَلَاقا رَجْعِيًا قبل مُضِيّ الْمدَّة انْقَطَعت فَإِن رَاجعهَا استأنفنا الْمدَّة لِأَنَّهَا قد حرمت بِالطَّلَاق وَلَا بُد من إِصْرَار على التوالي فِي الْمدَّة وَالرِّدَّة بعد الدُّخُول كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيّ وَالطَّلَاق الرَّجْعِيّ بعد الْمدَّة يقطع الْمدَّة فَإِن جرت رَجْعَة فاستئناف الْمدَّة أولى فَإِن الطَّلَاق إِجَابَة إِلَى الْمُطَالبَة فقد اجاب مرّة فَلَا يُطَالب حَتَّى يمْتَنع أَرْبَعَة أشهر أخر وألحقوا الرِّدَّة أَيْضا بِالطَّلَاق وَهُوَ أبعد لِأَنَّهُ لَيْسَ إِجَابَة لمطالبته أما الَّذِي لَا يقطع الْمدَّة كَالصَّوْمِ وَالْإِحْرَام من جِهَته فَلَا يُؤثر لَا طارئة وَلَا مُقَارنَة وَكَذَلِكَ الْأَعْذَار الطبيعية كمرضه وَكَونه مَحْبُوسًا وكما لَو طَرَأَ الْجُنُون عَلَيْهِ فَلَا تمنع تيك الْأَعْذَار انْعِقَاد الْمدَّة وَلَا دوامها أما الْمَوَانِع فِيمَا يمْنَع احتساب الْمدَّة فكإحرامها وصغرها ونشوزها أَو كَونهَا محبوسة أَو مَجْنُونَة أَو مَرِيضَة لَا تحْتَمل الْجِمَاع
ثمَّ هَذِه الْأَحْوَال إِذا طرأت قطعت الْمدَّة فَإِن زَالَت تسْتَأْنف الْمدَّة أَو تبنى على مَا مضى فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا الإستئناف كَالطَّلَاقِ وَالرِّدَّة من الزَّوْج وَالثَّانِي أَنه تبنى لِأَن هَذَا لم يقطع النِّكَاح حَتَّى تَنْقَطِع الْمدَّة المبنية عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هَذِه أعذار تمنع الْمُطَالبَة فَإِذا زَالَت عَادَتْ الْمُطَالبَة وَالْمذهب الْقطع بِأَنَّهَا إِذا طرأت بعد الْمدَّة لم توجب الإستئناف وَقيل بطرد الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ ضَعِيف وَأما صَومهَا فَلَا يمْنَع الإحتساب لِأَن التَّمْكِين حَاصِل بِاللَّيْلِ وَفِي التَّطَوُّع بِالنَّهَارِ فَلَيْسَ ذَلِك عذرا مَانِعا الرَّابِعَة إِذا تنَازعا فِي انْقِضَاء الْمدَّة فَيرجع حَاصله إِلَى النزاع فِي وَقت الْإِيلَاء وَالْقَوْل فِيهِ قَوْله مَعَ يَمِينه
الْفَصْل الثَّانِي فِي الْمُطَالبَة
وَفِيه مسَائِل إِحْدَاهَا أَن لَهَا رفع الامر إِلَى القَاضِي فَإِن تركت الْمُطَالبَة أَو رضيت فلهَا الْعود مهما تشَاء بِخِلَاف مَا إِذا رضيت بِعَيْب الزَّوْج أَو رضيت بعد مُدَّة الْعنَّة لِأَن ذَلِك عجز وعيب فِي حكم خصْلَة وَاحِدَة فرضاؤها بِهِ يسْقط حَقّهَا وَأما هَذَا فَيحمل الرِّضَا فِيهِ على توقع الْحِنْث كَمَا يحمل رِضَاهَا عِنْد الْإِعْسَار بِالنَّفَقَةِ على توقع الْيَسَار الثَّانِيَة لَا مُطَالبَة لغير الزَّوْجَة فَإِذا رضيت لم يكن للْوَلِيّ وَلَا لسَيِّد الْأمة الْمُطَالبَة وَلَا لوَلِيّ الْمَجْنُونَة وَالصَّغِيرَة لِأَن هَذَا لَا يقبل النِّيَابَة الثَّالِثَة لَا مُطَالبَة لَهَا إِذا كَانَ فِيهَا مَانع طبعا كالمرض الْعَظِيم والرتق والقرن أَو شرعا كالحيض وَالْعجب أَن الْحيض يمْنَع الْمُطَالبَة وَلَا يقطع الْمدَّة لِأَن ذَلِك يتَكَرَّر فِي الْأَشْهر مرَارًا نعم إِذا فرعنا على قَول بعيد فِي صِحَة الْإِيلَاء عَن الرتقاء كَانَ لَهَا الْمُطَالبَة بالفيئة بِاللِّسَانِ الرَّابِعَة إِذا كَانَ الْمَانِع فِيهِ إِن كَانَ طبعا فلهَا مُطَالبَته ليفيء بِاللِّسَانِ وَيعْتَذر ويعد الْوَطْء وَذَلِكَ يدْفع الضرار فَإِن كَانَ شرعا كالظهار وَالصَّوْم وَالْإِحْرَام قطع المراوزة بِأَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ الْفَيْئَة بِاللِّسَانِ وللمرأة الْمُطَالبَة وَعَلِيهِ أَن يُطلق فَإِن وطيء اندفعت الْمُطَالبَة مَعَ كَونه حَرَامًا ونقول انت مُخَيّر بَين أَن تَعْصِي بِالْوَطْءِ أَو تطلق وَأَنت قد ورطت نَفسك فِيهِ وَقَالَ