الوسيط في المذهبصفحات 202-243
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين

صفحات 202-243

الْفَصْل الْخَامِس فِي تَزْوِيج العبيد

وَالنَّظَر فِيهِ فِي الْمهْر وَالنَّفقَة وهما لازمان متعلقان بأكساب العَبْد مهما نكح بِالْإِذْنِ وَإِن كَانَ فِي يَده مَال التِّجَارَة تعلق بالأرباح وَهل يتَعَلَّق بِرَأْس المَال فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ من كَسبه فَصَارَ كرقبته وَسَائِر أَمْوَال السَّيِّد وَالثَّانِي أَنه يتَعَلَّق لِأَن الأطماع تمتد إِلَى مَا فِي يَده وَالْقَوْل الْجَدِيد أَن السَّيِّد لَا يصير ضَامِنا للمهر بِمُجَرَّد الْإِذْن فِي العقد إِذْ الْإِذْن لَا يَقْتَضِي إِلَّا تَمْكِينه من أَدَاء لَوَازِم النِّكَاح فَيجب عَلَيْهِ ترك الِاسْتِخْدَام وَتمكن العَبْد حَتَّى يكْسب مِقْدَار الْمهْر أَولا ثمَّ يكْسب للنَّفَقَة وَالْقَوْل الْقَدِيم فِي العَبْد الَّذِي لَيْسَ بكسوب أوجه وَهُوَ مستمد من قَوْلنَا إِن عُهْدَة عُقُود الْمَأْذُون ترجع إِلَى السَّيِّد وَإِن لم يُصَرح بِالضَّمَانِ نعم اخْتلفُوا على الْجَدِيد فِي أَنه هَل يمْتَنع على السَّيِّد المسافرة بِهِ واستخدامه فَقَالَ المراوزة لَهُ ذَلِك ثمَّ عَلَيْهِ لَوَازِم

النِّكَاح وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا بل تعلّقت اللوازم بِكَسْبِهِ فَلَيْسَ لَهُ استيفاءه ثمَّ مهما استخدم يَوْمًا وَاحِدًا مثلا محقا أَو مُبْطلًا فَفِيمَا يلْزمه قلولان أَحدهمَا أقل الْأَمريْنِ من أُجْرَة الْمثل أَو لَوَازِم النِّكَاح وَالثَّانِي أَنه يلْزمه جَمِيع لَوَازِم النِّكَاح لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ يكْتَسب بالِاتِّفَاقِ فِي هَذَا الْيَوْم مَا يَفِي بِالْجَمِيعِ ثمَّ على هَذَا القَوْل ترددوا فِي أَنه هَل يجب كَمَال النَّفَقَة إِلَى آخر الْعُمر أم يقْتَصر على الْمهْر وَنَفَقَة مُدَّة الِاسْتِخْدَام لِأَن الْعُمر مَجْهُول الآخر وَلَا خلاف فِي أَنه لَو استخدمه أَجْنَبِي لم يلْزمه إِلَّا أُجْرَة الْمثل لِأَنَّهُ لَيْسَ عاقدا حَتَّى يُخَاطب بلوازم العقد وَالسَّيِّد كالعاقد فرع إِذا نكح العَبْد حرَّة فاشترته انْفَسَخ النِّكَاح وَكَذَلِكَ إِذا اتهبت وَلَكِن يُضَاف الْفَسْخ إِلَى قبُولهَا أَو إِلَى ايجاب السَّيِّد حَتَّى يظْهر أَثَره فِي التشطير قبل الْمَسِيس إِن أضيف إِلَى

السَّيِّد وَإِسْقَاط الْجَمِيع إِن أضيف إِلَيْهَا فِيهِ قَولَانِ مأخذهما طلب التَّرْجِيح بَين الْإِيجَاب وَالْقَبُول فِي السَّبَبِيَّة مَعَ أَن السَّبَب وَاحِد وَهُوَ مركب فيهمَا جَمِيعًا وَيُمكن أَن يُقَال أصل الْفَسْخ إِسْقَاط جَمِيع الْمهْر إِلَّا إِذا كَانَ السَّبَب من جَانب من يسْتَحق عَلَيْهِ الْمهْر خَاصَّة وَهَذَا لَيْسَ من جَانِبه خَاصَّة فَسقط الْجَمِيع وَهَذَا هُوَ الْأَوْجه فعلى هَذَا لَو اشترته بِالصَّدَاقِ الَّذِي ملكته عَن السَّيِّد بِصَرِيح ضَمَانه فَإِن كَانَ قبل الْمَسِيس قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَا يَصح الشِّرَاء إِذْ لَو صَحَّ لسقط الْمهْر ولعري الشِّرَاء عَن الْعِوَض فَيُؤَدِّي إثْبَاته إِلَى نَفْيه فَيبْطل من أَصله إِذْ يعود الْمهْر إِلَى السَّيِّد بِحكم الْفَسْخ لَا بِحكم البيع وَهَذَا من قبيل الدّور الْحكمِي وَإِن فرعنا على قَول التشطير بَطل الدّور فِي النّصْف وَيخرج فِي الْبَاقِي على قولي تَفْرِيق الصَّفْقَة فَإِن رَأينَا تَفْرِيق الصَّفْقَة أَو اشترته بعد الْمَسِيس حَيْثُ يَتَقَرَّر الْمُسَمّى كُله فيبتنى على أَن من اسْتحق دينا على عبد ثمَّ اشْتَرَاهُ هَل يسْقط دينه بِالْملكِ الطَّارِئ كَمَا يسْقط بالمقارن وَفِيه وَجْهَان فَإِن قُلْنَا إِنَّه يسْقط فَيُؤَدِّي بَرَاءَته إِلَى بَرَاءَة الْكَفِيل وَهُوَ السَّيِّد فَيُؤَدِّي إِلَى خلو الشِّرَاء عَن الْعِوَض وَيعود إِلَى الدّور الْحكمِي

وَإِن قُلْنَا لَا يسْقط بَقِي السَّيِّد ضَامِنا فَيصح الشِّرَاء وينفسخ النِّكَاح

ولنذكر هَا هُنَا مسَائِل خمْسا فِي الدّور الْحكمِي

إِحْدَاهَا أَنه لَو أعتق أمته فِي مَرضه وَتَزَوجهَا وَكَانَت ثلث مَاله وَمَات وَلَو يزدْ مَاله لم يكن لَهَا طلب الْمهْر لِأَن ذَلِك يلْحق دينا بِالتَّرِكَةِ وَيُوجب در الْعتْق وَالنِّكَاح وَالْمهْر من أَصله فَطلب الْمهْر يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال أصل الْمهْر الثَّانِيَة الْمَرِيض إِذا زوج أمته عبدا ثمَّ قبض صَدَاقهَا وأتلفه ثمَّ أعْتقهَا فَلَا خِيَار لَهَا إِذْ لَو فسخت لارتد الْمهْر وَلما خرجت من الثُّلُث فَيبْطل الْعتْق وَيبْطل الْخِيَار الثَّالِثَة لَو مَاتَ وَخلف أَخا وعبدين فأعتقهما الْأَخ ثمَّ شَهدا على أَن للْمَيت ابْنا من زَوجته فُلَانَة ثبتَتْ الزَّوْجِيَّة وَالنّسب وَلَا يثبت الْمِيرَاث للْوَلَد بقولهمَا إِذْ لَو ثَبت لحجب الْأَخ وَبَطل إِعْتَاقه وشهادتهما وَإِن شَهدا بِأَن لَهُ بِنْتا لم يثبت الْإِرْث لَهَا لِأَن فِي توريثها رد عتق الْأَخ فِي الْبَعْض وإرقاق بعض الْعَبْدَيْنِ وَذَلِكَ يبطل الشَّهَادَة هَذَا إِذا كَانَ مُعسرا فَإِن كَانَ مُوسِرًا يثبت الْإِرْث إِذْ لَيْسَ من ضَرُورَة الْإِرْث إرقاق العَبْد بل ينفذ فِي نصيب الْأَخ ويسري إِلَى الْبَاقِي الرَّابِعَة لَو أوصى لَهُ بِابْنِهِ فَمَاتَ وَخلف أَخا فَلهُ الْقبُول فَإِذا قبل عتق الابْن وَلم يَرث لِأَنَّهُ ورث لحجب الْأَخ وأبطل قبُوله فَإِنَّهُ قبل لكَونه وَارِثا

الْخَامِسَة لَو اشْترى الْمَرِيض ابْنه أَو أَبَاهُ عتق من ثلثه ثمَّ لَا يَرث أَنه لَو ورث لصار التَّسَبُّب إِلَى عتقه بِالشِّرَاءِ وَصِيَّة لَهُ فَيبْطل الْعتْق وَلَا يَرث وَهَا هُنَا دقيقة فِي طَرِيق قطع الدّور فَإِنَّهُ تَارَة يقطع من أَوله كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي إبِْطَال شِرَاء الزَّوْجَة زَوجهَا وَتارَة من وَسطه كَمَا ذكرنَا فِي إِثْبَات النّسَب وَنفي الْمِيرَاث وَإِنَّمَا ذكرنَا ذَلِك لأجل تَأَكد بعض الْأَسْبَاب وَبعدهَا عَن قبُول الدّفع كالنسب وَضعف بَعْضهَا وقبولها للدَّفْع كَالْبيع وسر ذَلِك قد حققناه فِي كتاب غَايَة الْغَوْر فِي دراية الدّور فليطلب مِنْهُ

الْفَصْل السَّادِس فِي التَّنَازُع فِي النِّكَاح

وَالدَّعْوَى إِمَّا أَن تكون مِنْهُ أَو مِنْهَا فَأَما دَعْوَاهُ فصحيحه لِأَنَّهُ مُسْتَحقّ الْحق وَعَلَيْهَا تتَوَجَّه الدَّعْوَى بِنَاء على الصَّحِيح فِي قبُول إِقْرَارهَا أما الْمَرْأَة إِذا ادَّعَت فَإِن ادَّعَت الْمهْر صحت الدَّعْوَى وَإِن ادَّعَت الزَّوْجِيَّة وَلم تتعرض للوازم الدَّعْوَى فَالظَّاهِر قبُول دَعْوَاهَا فَإِن الزَّوْجِيَّة وَإِن كَانَ حَقًا عَلَيْهَا وَلكنهَا منَاط حُقُوق لَهَا وَفِيه وَجه أَنه لَا يقبل لفساد صِيغَة الدَّعْوَى إِذْ تَدعِي أَنَّهَا رقيقَة لغَيْرهَا وَهُوَ ضَعِيف بِدَلِيل أَنه تفِيد دَعْوَاهَا إِذا سكت الزَّوْج إِذْ لَو أقرّ بعد ذَلِك أَو ادّعى الزَّوْجِيَّة قبل لِأَنَّهُ مَا ثَبت التَّحْرِيم فَلَو أنكر وَجَعَلنَا إِنْكَاره طَلَاقا على أحد المذهبين

سقط دَعْوَاهَا وَإِن لم نجعله طَلَاقا كَانَ إِنْكَاره كسكوته

فروع خَمْسَة

الأول إِذا ادّعى زيد زوجية امْرَأَة وَادعت الْمَرْأَة أَنَّهَا زَوْجَة عَمْرو وَأقَام كل وَاحِد بَيِّنَة قَالَ ابْن الْحداد بَيِّنَة زيد أولى لِأَنَّهَا استندت إِلَى صِيغَة صَحِيحَة فِي الدَّعْوَى بِخِلَاف دَعْوَى الْمَرْأَة فَاسْتحْسن مِنْهُ بعض الْأَصْحَاب وَخَالفهُ بَعضهم وَقَالَ كَيفَ تسلم لزيد وَقد كَذبته الْبَيِّنَة الْأُخْرَى الْمُقَابلَة لَهَا وَالْمَسْأَلَة الْمَفْرُوضَة فِيمَا إِذا كَانَ عَمْرو ساكتا فَإِنَّهُ لَو أنكر رُبمَا جعل إِنْكَاره طَلَاقا الثَّانِي إِذا زوج إِحْدَى ابْنَتَيْهِ وَمَات وَوَقع النزاع فِي عين الزَّوْجَة فللمسألة حالتان إِحْدَاهمَا أَن يعين الزَّوْج إِحْدَاهمَا وكل وَاحِدَة تَدعِي أَن الْمُزَوجَة صاحبتها فالتي عينهَا الزَّوْج توجه الدَّعْوَى عَلَيْهَا فتجري على منهاج الْخُصُومَات وَالثَّانيَِة لَا خُصُومَة مَعهَا الثَّانِيَة أَن تزْعم كل وَاحِدَة مِنْهُمَا أَنَّهَا الْمُزَوجَة فالتي عينهَا الزَّوْج مَنْكُوحَة بِاتِّفَاق الزَّوْجَيْنِ وَبقيت الْأُخْرَى تَدعِي الزَّوْجِيَّة وَقد سبق حكم دَعْوَاهَا وَقَالَ بعض الْأَصْحَاب لَيْسَ من شَرط الْمَسْأَلَة تَقْدِير موت الْأَب كَمَا فَرْضه ابْن الْحداد فَإِن

الْأَب وَإِن كَانَ حَيا فإقرار الْمَرْأَة يقبل على الصَّحِيح وَهَذَا مُتَّجه إِذا كَانَتَا ثيبين إِذْ لَا يقبل إِقْرَار الْأَب فَهُوَ كالميت وَأما إِذا كَانَتَا بكرين فإقرار الْأَب مَقْبُول عَلَيْهَا ويجر قبُول إِقْرَارهَا مَعَ قبُول إِقْرَاره عسرا لِأَنَّهُ رُبمَا يخْتَلف فَكيف يحكم بهَا فَيمكن أَن يُقَال يرْعَى السَّابِق من الإقرارين أَو يسْقط إِقْرَارهَا إِلَّا إِذا يكذبها الْوَلِيّ وَهُوَ الْأَوْجه الثَّالِث إِذا ادَّعَت زوجية ومهرا وَشهد الشُّهُود وَقضى بِالْمهْرِ فَرجع الشُّهُود فَفِي تغريمهم قَولَانِ مبنيان على شُهُود المَال إِذا رجعُوا أَنهم هَل يغرمون بالحيلولة وَهَا هُنَا أولى بِأَن لَا يغرم لِأَن الشُّهُود أثبتوا الْبضْع لَهُ فِي مُقَابلَة الْمهْر وَهُوَ الَّذِي فَوت بإنكاره التَّفْرِيع إِن قُلْنَا يغرمون فَإِنَّمَا يغرمون مَا أَخذ من الزَّوْج وَإِن قُلْنَا لَا يغرمون فَإِنَّمَا لَا يغرمون فَإِن زَاد الْمَأْخُوذ على قدر مهر فِي مُقَابلَته حَقًا

التَّفْرِيع

إِن قُلْنَا يغرمون فَإِنَّمَا يغرمون مَا أَخذ من الزَّوْج وَإِن قُلْنَا لَا يغرمون فَإِنَّمَا لَا يغرمون فَإِنَّمَا لَا يغرمون مَا هُوَ قدر مهر الْمثل فَإِن زَاد الْمَأْخُوذ على قدر مهر الْمثل غرموا الزَّائِد لأَنهم لم يثبتوا فِي مُقَابلَته حَقًا الْمَسْأَلَة بِحَالِهَا وَلَو شهد الشُّهُود على النِّكَاح وَآخَرُونَ على الْإِصَابَة وَآخَرُونَ على

الطَّلَاق قَالَ ابْن الْحداد الْغرم على شُهُود الطَّلَاق لأَنهم المفوتون وَأما شُهُود النِّكَاح فَإِنَّهُم أثبتوا حَقًا وَالْآخرُونَ أثبتوا استمتاعا وَاتفقَ الْأَصْحَاب على تغليطه لِأَن شُهُود الطَّلَاق وافقوه إِذْ نفوا زوجية هُوَ مُنكر لَهَا بل الْغرم موزع على شُهُود النِّكَاح وشهود الْإِصَابَة إِن شهد شُهُود الْإِصَابَة على الْإِصَابَة فِي نِكَاح وَإِن شهدُوا على أصابة مُطلقَة فَذَلِك لَا يُؤثر لِأَنَّهُ يظْهر كَونه فِي نِكَاح حَتَّى يتَعَلَّق بهَا الحكم الرَّابِع إِذا ادَّعَت الْمَرْأَة محرمية أَو رضَاعًا بعد العقد وَكَانَت مجبرة تسمع دَعْوَاهَا وَقَالَ ابْن الْحداد القَوْل قَوْلهَا لِأَن هَذَا من الْأُمُور الْخفية فَرُبمَا انْفَرَدت بِهِ وَقَالَ ابْن سُرَيج القَوْل قَوْله وَهُوَ الْأَصَح لِأَن النِّكَاح مَعْلُوم وَالْأَصْل عدم الْمَحْرَمِيَّة وَفتح هَذَا الْبَاب للنِّسَاء طَرِيق عَظِيم فِي الْخَلَاص للفاسقات من ربقة النِّكَاح أما إِذا كَانَت تزوجت بِرِضَاهَا فَظَاهر الْمَذْهَب أَنه لَا يقبل دَعْوَاهَا لِأَنَّهُ يُنَاقض رِضَاهَا إِلَّا إِذا أظهرت عذرا من نِسْيَان أَو غلط فَيحْتَمل أَن يقبل دَعْوَاهَا وَيحلف الزَّوْج كَمَا إِذا ادّعى الرَّاهِن قبل الرَّهْن وَزعم أَنه اعْتمد على كتاب وَكيله أَنه لم يَبِيع ثمَّ بَان أَنه مزور فَإِنَّهُ تقبل دَعْوَاهُ فِي وَجه الْخَامِس إِذا زوج أمته ثمَّ قَالَ زوجتها وَكنت مَجْنُونا أَو مَحْجُورا عَليّ وَأنكر الزَّوْج فَإِن لم يعْهَد لَهُ جُنُون بِيَقِين فَالْقَوْل قَول الزَّوْج وَإِن ادّعى الصبى أَو أمرا معهودا فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن القَوْل قَوْله إِذْ الأَصْل بَقَاء تِلْكَ الْحَالة

وَالثَّانِي أَن القَوْل قَول الزَّوْج فَإِنَّهُ اعْترف بِالْعقدِ فَيحمل على الصِّحَّة فَعَلَيهِ بَيِّنَة الْإِبْطَال وَقد نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه لَو أحرم الْوَلِيّ بعد التَّوْكِيل بِالنِّكَاحِ ثمَّ ادّعى أَن الْوَكِيل زوج بعد الانعزال بِالْإِحْرَامِ أَن القَوْل قَول الزَّوْج لِأَن العقد معترف بِهِ فَيحمل على الصِّحَّة وَلَكِن هَذَا يُفَارق مَسْأَلَة الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ أقرّ بسبق التَّوْكِيل على الْإِحْرَام وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي حكم الصَدَاق الصَّحِيح فِي الضَّمَان وَالتَّسْلِيم والتقرير - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الحكم الأول فِي الضَّمَان فَنَقُول كل عين مَمْلُوكَة يَصح بيعهَا أَو مَنْفَعَة مُتَقَومَة تصح الْإِجَارَة عَلَيْهَا فَيصح تَسْمِيَتهَا فِي الصَدَاق حَتَّى تَعْلِيم الْقُرْآن فَلَا يتَعَيَّن للصداق مِقْدَار وَلَا جنس وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله أقل الصَدَاق نِصَاب السّرقَة وَقَالَ لَا يصدقها مَنْفَعَة

حر لَكِن يصدقها مَنْفَعَة العَبْد وَيسْتَحب ترك المغالاة فِي الصَدَاق لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام خير النِّسَاء أرخصهن مهورا وأحسنهن وُجُوهًا

ثمَّ مهما صَحَّ الإصداق فالصداق فِي يَد الزَّوْج مَضْمُون ضَمَان العقد أَو ضَمَان الْيَد فَفِيهِ قَولَانِ مشهوران

أَحدهمَا أَنه مَضْمُون ضَمَان العقد لِأَنَّهُ عوض فِي مُعَاوضَة كاليبع فعلى هَذَا لَو تلف قبل الْقَبْض انْفَسَخ الصَدَاق وقدرنا انْتِقَال الْملك إِلَى الزَّوْج قبل التّلف حَتَّى لَو كَانَ الصَدَاق عبدا وَمَات كَانَ مئونة التَّجْهِيز على الزَّوْج وَترجع الْمَرْأَة إِلَى مهر الْمثل وَهُوَ عوض الْبضْع إِذْ كَانَ قِيَاس الْفَسْخ رُجُوع الْبضْع إِلَيْهَا لَكِن الصَدَاق لَيْسَ ركنا فِي النِّكَاح فَتعذر رد الْبضْع وَفسخ النِّكَاح بِهِ يضاهي مَا لَو تلف الْعِوَض فِي البيع والمعوض جَارِيَة تعذر ردهَا باستيلاد متملكها فَإِنَّهُ يرجع إِلَى قيمَة الْجَارِيَة وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه مَضْمُون ضَمَان الْيَد كَمَا فِي المستام والمستعار حَتَّى يخرج على وَجْهَيْن فِي أَنه يضمن بأقصى الْقيمَة من يَوْم الإصداق إِلَى التّلف أَو يضمن بِقِيمَة يَوْم الإصداق ومنشأ الْقَوْلَيْنِ التَّرَدُّد فِي أَن الْغَالِب على الصَدَاق مشابه الْعِوَض أَو مشابه النحلة وَيدل على كَونه نحلة قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ وَأَنه لَا يفْسد النِّكَاح بفساده وَلَا يَنْفَسِخ برده اتِّفَاقًا وَكَأَنَّهُ تحفة عجلت إِلَيْهَا لتهيئ بهَا أَسبَابهَا وَيدل على كَونه عوضا أَنه تقَابل بِهِ الْمَرْأَة فِي العقد كَمَا فِي البيع وَأَنه يَتَقَرَّر بِتَسْلِيم المعوض وَيرجع عِنْد فَسَاده إِلَى بدله وَهَذَا هُوَ الْأَصَح وَكَأَنَّهُ عوض إِذا ثَبت وَلَكِن إثْبَاته ودوامه لَيْسَ ركنا فِي النِّكَاح وَيتَفَرَّع على الْقَوْلَيْنِ النّظر فِي التَّصَرُّف فِي الصَدَاق قبل الْقَبْض وَحكم الزَّوَائِد

وَحكم التعييب والتلف وَبَيَانه بِخمْس مسَائِل الأولى بيع الصَدَاق قبل الْقَبْض مُمْتَنع عَن قَول ضَمَان العقد جَائِز على ضَمَان الْيَد وَكَذَلِكَ الإستبدال عَنهُ إِذا كَانَ دينا يجْرِي مجْرى الإستبدال عَن الثّمن على قَول ضَمَان العقد لَا مجْرى الْمُسلم فِيهِ الثَّانِيَة مَنَافِع الصَدَاق إِذا فَاتَ لم يضمنهُ الزَّوْج على الْقَوْلَيْنِ إِلَّا إِذا قُلْنَا إِنَّه مَضْمُون ضَمَان الْمَغْصُوب نعم لَو استخدم الزَّوْج فاستوفى الْمَنْفَعَة ضمن على قَول ضَمَان الْيَد وعَلى قَول ضَمَان العقد ينزل منزلَة البَائِع إِذا انْتفع وَفِي ضَمَانه وَجْهَان ينبنيان على أَن جِنَايَة البَائِع كجناية الْأَجْنَبِيّ أَو كآفة سَمَاوِيَّة

وَأما الزَّوَائِد كَالْوَلَدِ وَالثِّمَار لَا تدخل فِي ضَمَان الزَّوْج على الْقَوْلَيْنِ إِلَّا إِذا الحقناه بِضَمَان الْمَغْصُوب الثَّالِثَة إِذا تعيب الصَدَاق قبل الْقَبْض فلهَا خِيَار فسخ الصَدَاق على الْقَوْلَيْنِ إِلَّا على وَجه حُكيَ عَن أبي حَفْص بن الْوَكِيل أَنه لَا خِيَار لَهَا على ضَمَان قَول الْغَصْب واتفاق الْجُمْهُور على إِثْبَات الْفَسْخ يُؤَيّد قَول ضَمَان العقد لَكِن الْقَائِل الآخر يَقُول هُوَ وَإِن كَانَ مَضْمُونا ضَمَان الْيَد فقد الْتزم تَسْلِيمه فِي عقد ثمَّ إِن فسخت فعلى ضَمَان قَول العقد رجعت إِلَى مهر الْمثل وَإِن أجازت لم تطالب بِالْأَرْشِ وعَلى الثَّانِي ترجع إِلَى قيمَة الصَدَاق وَإِن أجازت طالبت بِالْأَرْشِ

أما إِذا اطعلت على عيب قديم فلهَا الْخِيَار وَلَكِن على قَول ضَمَان الْيَد هَل تطالب بِالْأَرْشِ إِن أجازت فِيهِ تردد الْأَصْحَاب وتبعد الْمُطَالبَة بِأَرْش مَا لم يدْخل تَحت يَده بِحكم ضَمَان الْيَد وَلَكِن لَهُ وَجه من حَيْثُ إِن الْأَصْحَاب اتَّفقُوا على طرد الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذا أصدقهَا عبدا فَخرج مَغْصُوبًا أَو حرا وَقَالُوا على قَول ضَمَان الْيَد ترجع إِلَى قيمَة العَبْد وتقدر قيمَة الْحر وَزَادُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا لَو أصدقهَا خمرًا أَو خنزيرا قَدرنَا الْخمر عصيرا وَالْخِنْزِير شَاة ورجعنا إِلَى قيمتهمَا على هَذَا القَوْل ثمَّ قَالَ الصيدلاني هَذَا إِذا قَالَ أصدقتك هَذَا العَبْد فَإِذا هُوَ حر أَو هَذَا الْعصير فَإِذا هُوَ خمر أَو قَالَ أصدقتك هَذَا وَلم يسم فَإِن قَالَ أصدقتك هَذَا الْحر أَو هَذَا الْخمر وَالْخِنْزِير فَسدتْ التَّسْمِيَة قطعا وَكَانَ الرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل قولا وَاحِدًا وَهَذَا يُنَبه على مَأْخَذ آخر سوى ضَمَان الْيَد وَهُوَ أَن تعْيين الصَدَاق لَهُ فَائِدَتَانِ إِحْدَاهمَا التَّعْيِين وَالْأُخْرَى التَّقْدِير بِقدر مَالِيَّته وَكَأن التَّسْمِيَة إِن فَسدتْ فِي حق التَّعْيِين فَلَا تفْسد فِي حق تَقْدِير تعْيين الْمَالِيَّة فكأنهما رَضِيا بِهَذِهِ الْعين وَبِهَذَا الْقدر وَالشَّرْع قد منع من عين الْحر وَالْغَصْب وَالْخمر فَبَقيَ

الْمعِين معيارا للقدر فترجع إِلَيْهِ فَكَذَلِك فِي الْعَيْب الْقَدِيم يُمكن أَن يُقَال معيار الْمِقْدَار مظن حَالَة العقد وَهُوَ سليم فَيجب إكماله الرَّابِعَة إِذا تعيب الصَدَاق بجنايتها فَذَلِك كقبضها وَإِن تعيب بِجِنَايَة أَجْنَبِي فلهَا الْخِيَار وَلكنهَا على قَول ضَمَان العقد إِن فسخت طالبة الزَّوْج بِمهْر الْمثل وَلم تطالب الْأَجْنَبِيّ بِالْأَرْشِ وَإِن أجازت طالبت الْأَجْنَبِيّ بِالْأَرْشِ إِذْ جنى على ملكهَا وعَلى قَول ضَمَان الْيَد إِن فسخت طالبت الزَّوْج بِقِيمَة الصَدَاق سالما وَإِن أجازت تخيرت بَين مُطَالبَة الزَّوْج وَالْأَجْنَبِيّ والقرار على الْأَجْنَبِيّ الْخَامِسَة إِذا تلف بعض الصَدَاق ارْتبط النّظر على قَول ضَمَان العقد بتفريق الصَّفْقَة وَإِن تلف كُله لم يخف تَفْرِيع ضَمَان العقد لَكِن على قَول ضَمَان الْيَد لَا فسخ لَهَا بِخِلَاف مَا إِذا تعين فَإِنَّهَا تستفيد بِالْفَسْخِ الْخَلَاص بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوع بِالْقيمَةِ وَأما هَا هُنَا إِن أجازت أَو فسخت فرجوعها إِلَى قيمَة يَوْم الإصداق فَأَي معنى لفسخ لَا فَائِدَة لَهُ وَقد تضرر بِهِ إِذْ تسْقط مُطَالبَته عَن الْأَجْنَبِيّ وَإِذ قُلْنَا إِنَّه يضمن ضَمَان الْمَغْصُوب وَكَانَ قِيمَته يَوْم التّلف أَكثر فَإِن أجازت أخذت قِيمَته يَوْم التّلف وَإِن فسخت رجعت إِلَى قيمَة يَوْم الإصداق فينقص حَقّهَا وتتضرر بِالْفَسْخِ وَهَذَا بِخِلَاف مَا لَو وجد بِالْمَبِيعِ عَيْبا وَهُوَ مَعَ ذَلِك يُسَاوِي أَضْعَاف الثّمن فَإِن لَهُ الرَّد لِأَن لَهُ فَائِدَة فِي الْخُرُوج من الْعهْدَة

الحكم الثَّانِي فِي التَّسْلِيم

وَمهما تنَازعا فِي الْبِدَايَة بِالتَّسْلِيمِ فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال كَمَا فِي البيع أحداها أَنَّهُمَا يجبران مَعًا من غير تَقْدِيم أَحدهمَا وَطَرِيقه أَن يُكَلف الزَّوْج تَسْلِيم الصَدَاق على عدل وتكلف الْمَرْأَة التَّمْكِين فَإِذا وَطئهَا أخذت الصَدَاق وَالثَّانِي أَنَّهُمَا لَا يجبران بل من أَرَادَ اسْتِيفَاء مَاله بَادر إِلَى تَسْلِيم مَا عَلَيْهِ حَتَّى يجْبر صَاحبه على التَّسْلِيم وَالثَّالِث أَن الْبِدَايَة بِالزَّوْجِ لِأَن اسْتِرْدَاد الصَدَاق مُمكن دون الْبضْع وَهَذَا بِشَرْط أَن تكون مهيأة للاستمتاع فَإِن كَانَت صَغِيرَة فَفِي الْمهْر قَولَانِ كَمَا فِي النَّفَقَة وَإِن كَانَت محبوسة أَو مَمْنُوعَة بِعُذْر آخر لم يجب تَسْلِيم الصَدَاق إِلَيْهَا وَالْقَوْل الرَّابِع وَهُوَ أَن الْبِدَايَة بِالْمَرْأَةِ وَإِن كَانَت فِي رُتْبَة البَائِع فَإِن ذَلِك لَا يجْرِي هَا هُنَا أصلا لِأَن الْبضْع يفوت بِالتَّسْلِيمِ بِخِلَاف الْمَبِيع ثمَّ إِن الْبِدَايَة لَا تخلوا إِمَّا أَن تكون مِنْهَا أَو مِنْهُ فَإِن كَانَ مِنْهَا التَّمْكِين ثَبت لَهَا طلب الصَدَاق على الْأَقْوَال كلهَا وطِئت أَو لم تُوطأ إِذْ بذلت مَا فِي وسعهَا فَإِن رجعت إِلَى

الِامْتِنَاع لم يكن لَهَا طلب الصَدَاق لِأَن شَرط اسْتِمْرَار الطّلب على قَوْلنَا الِابْتِدَاء بِالزَّوْجِ اسْتِمْرَار التَّمْكِين وَإِن وَطئهَا اسْتَقر الطّلب فَإِن لم يسلم لَهَا الصَدَاق لم يكن لَهَا الْعود إِلَى الْمَنْع إِذْ سقط حق حَبسهَا بِالْوَطْءِ وَلَا يسْقط حق حَبسهَا بتمكين عَار عَن الْوَطْء وَهل يسْقط بِوَطْء أكرهت عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَان وَوجه سُقُوطه أَن الْعِوَض قد تقرر وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَهَا الِامْتِنَاع بعد الْوَطْء مهما منع الصَدَاق

أما إِذا بَادر الزَّوْج إِلَى تَسْلِيم الصَدَاق فامتنعت فَهَل لَهُ الِاسْتِرْدَاد إِن قُلْنَا إِنَّه يجْبر الزَّوْج على الْبِدَايَة فيسترد لِأَن ذَلِك بِشَرْط تَسْلِيم المعوض وَإِن قُلْنَا لَا يجْبر فقد تبرع وأبطل حق الْحَبْس فَلَا يسْتَردّ وَقَالَ القَاضِي إِن كَانَت معذورة عِنْد التَّسْلِيم ثمَّ زَالَ الْعذر وامتنعت فَلهُ الِاسْتِرْدَاد لِأَنَّهُ سلم على رَجَاء التَّمْكِين عِنْد زَوَال الْعذر وَالْأَظْهَر أَنه لَا يسْتَردّ كَيْفَمَا كَانَ ثمَّ مهما سلم الصَدَاق فَلَيْسَ لَهُ أَن يرهقها بل يُمْهِلهَا ريثما تستعد بالتنظف والاستحداد وَقيل إِنَّه يُمْهل ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا خلاف فِي أَن الْإِمْهَال لأجل تهيئة الجهاز لَا يجب نعم لَو كَانَت صَغِيرَة لَا تطِيق الوقاع لم يجب تَسْلِيمهَا وَكَذَا إِن كَانَت مَرِيضَة فَلَو كَانَت حَائِضًا وَجب التسلم إِذْ يسْتَمْتع بهَا فَوق الْإِزَار وَيَكْفِي الدّين وازعا عَن الْوَطْء فَإِن قَالَ أَنا أمتنع عَن وَطْء الصبية والمريضة لم يوثق بقوله فِيهِ وَذَلِكَ إِضْرَار بهما وَلَا ضَرَر على الْحَائِض نعم لَو علمت من عَادَته أَنه يتغشاها فِي الْحيض فلهَا الِامْتِنَاع من المضاجعة

الحكم الثَّالِث التَّقْرِير

وَلَا يَتَقَرَّر كَمَال الْمهْر إِلَّا بِالْوَطْءِ أَو موت أحد الزَّوْجَيْنِ فَأَما الْخلْوَة فَلَا تقرر على الْجَدِيد من الْقَوْلَيْنِ وَمِنْهُم من قطع بِأَن الْخلْوَة لَا تقرر وَجها وَاحِدًا وَحمل نَص الْقَدِيم على أَن الْخلْوَة تُؤثر فِي جعل القَوْل قَوْلهَا إِذا تنَازعا فِي الْوَطْء لأجل التَّقْرِير ثمَّ قَالَ المفرعون على الْقَدِيم يتَعَلَّق بالخلوة أَيْضا الْعدة وَالرَّجْعَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا تثبت الرّجْعَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة الْخلْوَة بالنفساء وَالْحَائِض والصائمة صَوْم الْفَرْض لَا تقرر الْمهْر وَوَافَقَهُ الْمُحَقِّقُونَ على الْقَدِيم

وَقَالَ الْخلْوَة بالرتقاء والقرناء تقرر الْمهْر وَخَالفهُ الْمُحَقِّقُونَ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي أَحْكَام الصَدَاق الْفَاسِد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَاعِدَة الْبَاب أَن النِّكَاح لَا يفْسد بِفساد الصَدَاق لِأَن الْمَذْهَب الصَّحِيح أَن النِّكَاح الْخَالِي عَن ذكر الصَدَاق ينْعَقد مُوجبا للصداق تعبدا فَلَا يُؤثر ذكر الصَدَاق إِلَّا فِي التَّعْيِين وَالتَّقْدِير فَيفْسد التَّعْيِين وَالتَّقْدِير وَيبقى وجوب مهر الْمثل أَو يبْقى التَّقْدِير وَيسْقط التَّعْيِين حَتَّى يرجع إِلَى قيمَة الصَدَاق إِذا كَانَ حرا أَو مَغْصُوبًا وَقَالَ مَالك رَحْمَة الله عَلَيْهِ يفْسد النِّكَاح بِفساد الصَدَاق وَقيل هُوَ قَول الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَلَا تَفْرِيع عَلَيْهِ

ثمَّ لفساد الصَدَاق أَسبَاب ومدارك

الأول أَن لَا يكون قَابلا للتَّمْلِيك كَالْخمرِ وَالْمَغْصُوب وَالْحر وَحكمه بِالرُّجُوعِ إِلَى

الْقيمَة على قَول وَإِلَى مهر الْمثل على قَول الثَّانِي الشُّرُوط وَالْأَصْل أَن النِّكَاح لَا يفْسد بِكُل شَرط يُوَافق مَقْصُوده كَقَوْلِه بِشَرْط أَن أنْفق عَلَيْك أَو أجامعك وَيفْسد بِكُل شَرط يخل بمقصود الْبضْع كَقَوْلِه نكحت بِشَرْط أَن أطلق أَو لَا أجامع وَفِيه وَجه بعيد أَنه لَا يفْسد بِهِ وَأما الَّذِي لَا يخل بِالْمَقْصُودِ وَلَكِن يتَعَلَّق بِهِ غَرَض مَقْصُود ويؤثر فِيهِ كَشَرط أَن لَا يتسرى عَلَيْهَا وَأَن يُمكنهَا من الْخُرُوج مَتى شَاءَت أَو لَا يجمع بَينهَا وَبَين ضراتها فِي مسكن أَو لَا يقسم لَهَا فَهَذِهِ أغراض مَقْصُودَة وكل غَرَض مَقْصُود فَهُوَ عوض مُضَاف إِلَى الصَدَاق أَو مُقَابل لَهُ فيؤثر فِي إِفْسَاد الصَدَاق لَا فِي إِفْسَاد النِّكَاح وَكَذَلِكَ الشُّرُوط الْفَاسِدَة الْخَاصَّة بِالصَّدَاقِ تفْسد الصَدَاق دون النِّكَاح وَلَو شَرط الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام فِي الصَدَاق فحاصل الْمَنْقُول فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه يَصح الشَّرْط وَيثبت الْخِيَار لِأَن الصَدَاق فِي حكم عقد مُسْتَقل وَلذَلِك لَا يَنْفَسِخ النِّكَاح بفسخه فيفرد بِالْخِيَارِ كَالْبيع

وَالثَّانِي أَنه يفْسد وَيفْسد النِّكَاح لِأَن إِثْبَات الْخِيَار فِي أحد الْعِوَضَيْنِ يتداعى إِلَى الثَّانِي وَهُوَ ضَعِيف يلْزم فِي سَائِر شُرُوطه وَالثَّالِث أَنه يفْسد بِهِ الصَدَاق دون النِّكَاح لِأَن إِثْبَات الْخِيَار فِي الصَدَاق بعيد وَإِذا لم يَصح أفسد الصَدَاق فرع نقل الْمُزنِيّ لفظين متقاربين وحكمين مُخْتَلفين فَقَالَ لَو عقد النِّكَاح بِأَلف على أَن لأَبِيهَا ألفا فالمهر فَاسد لِأَن الْألف الثَّانِي لَيْسَ بِمهْر وَقد اشْتَرَطَهُ وَلَو نكح امْرَأَة بِأَلف على أَن تُعْطِي أَبَاهَا ألفا كَانَ جَائِزا وَلها مَنعه وَأَخذهَا مِنْهُ لِأَنَّهَا هبة لم تقبض أَو وكَالَة وَكَأن الْمُزنِيّ جعل هَذَا كَأَنَّهُ

عقد بِأَلفَيْنِ على أَن توصل إِلَى أَبِيهَا من مَالهَا ألفا فالتزم عملا لَا يلْزمه فيلغوه لَكِن اللَّفْظ يكَاد ينبو عَنهُ فَمن الْأَصْحَاب من قَالَ الْمهْر فَاسد هَاهُنَا أَيْضا لِأَنَّهُ عقد بِأَلف بِلَا فرق بَين الْإِضَافَة وَبَين الْإِعْطَاء وَمِنْهُم من قَالَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج إِذْ الْإِضَافَة إِلَى أَبِيهَا أَيْضا مشْعر بِأَنَّهُ يسلم لَهُ من جِهَتهَا الْفَا فَهُوَ كالإعطاء وَالصَّحِيح الْفرق وَتَقْرِير النصين الْمدْرك الثَّالِث الْفساد بتفريق الصَّفْقَة وَفِيه مَسْأَلَتَانِ إِحْدَاهمَا أَن يصدقها عبدا على أَن ترد ألفا فقد جعل العَبْد مَبِيعًا وصداقها فَجمع

بَين صفقتين مختلفتين فَيخرج على قولي تَفْرِيق الصَّفْقَة فَإِن أفسدنا كَانَ تَأْثِيره فِي إِفْسَاد الصَدَاق وَذكر الفوراني الْقَوْلَيْنِ فِي صِحَة النِّكَاح وَرُبمَا يعتضد ذَلِك بطرد الْأَصْحَاب الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَو جمع بَين أَجْنَبِيَّة ومحرم فِي صَفْقَة وَاحِدَة إِذْ أفسدوا نِكَاح الْأَجْنَبِيَّة على قَول لكنه ضَعِيف لِأَن الْفساد تطرق هَاهُنَا إِلَى بعض صِيغَة التَّزْوِيج والصيغة لَا تتبعض وَهُنَاكَ تطرق الْفساد إِلَى لفظ الصَدَاق وَإِن فرعنا على صِحَة الصَدَاق فَلَو تلف العَبْد قبل الْقَبْض استردت الْألف وَرجعت إِلَى مهر الْمثل على قَول وعَلى قَول ترجع إِلَى قيمَة الْبَاقِي بِاعْتِبَار توزيع العَبْد على الْألف وَمهر الْمثل وَلَو قبضت العَبْد فَوجدت بِهِ عَيْبا وأرادت أَن تفرد الْقدر الْمَبِيع أَو الصَدَاق بِالرَّدِّ فَفِيهِ قولا تَفْرِيق الصَّفْقَة وَوجه جَوَازه أَن جِهَة الصَدَاق تبَاين جِهَة البيع فَلم يكن كَمَا لَو اشْترى عبدا ورد بعضه بِالْعَيْبِ فَإِن ذَلِك مُمْتَنع لما فِيهِ من الْإِضْرَار بالتوزيع الثَّانِيَة لَو جمع بَين نسْوَة فِي عقد وَاحِد على صدَاق وَاحِد فَالنِّكَاح صَحِيح وَفِي صِحَة الصَدَاق قَولَانِ نَص عَلَيْهِمَا الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَكَذَلِكَ فِي الْخلْع

وَنَصّ على أَنه لَو اشْترى عَبْدَيْنِ من رجلَيْنِ لكل وَاحِد عبد بِثمن وَاحِد فَالْبيع بَاطِل لجَهَالَة الثّمن وَنَصّ على أَنه لَو كَاتب عبيده على عوض وَاحِد فالكتابة صَحِيحَة فَمن الْأَصْحَاب من قرر النُّصُوص وَقَالَ البيع بَاطِل لجَهَالَة الثّمن فِي حق كل وَاحِد وَالْكِتَابَة صَحِيحَة تشوفا إِلَى الْعتْق إِذْ احْتمل فِيهِ مُقَابلَة الْملك بِالْملكِ فَهَذَا أولى وَالصَّدَاق وَالْخلْع دائر بَين الرتبتين فَفِيهِ قَولَانِ وَمِنْهُم من طرد الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمِيع وَهُوَ الْقيَاس وَوجه قَول الْفساد الْجَهْل بِحَق كل وَاحِد وَوجه الصِّحَّة معرفَة الْجُمْلَة وتيسير الْوُصُول إِلَى التَّفْصِيل بالتوزيع لكنه لَا خلاف أَنه لَو قَالَ بِعْتُك هَذَا العَبْد بِمَا يَقْتَضِيهِ التَّوْزِيع من الْألف إِذا قسم على قِيمَته وعَلى قيمَة ذَلِك العَبْد الآخر لم يجز ذَلِك فَأَي فرق بَين أَن يدْخل العَبْد الآخر فِي العقد أَو لَا يدْخل والصفقة تعدّدت بِتَعَدُّد البَائِع فالتصحيح بعيد فِي الْجَمِيع التَّفْرِيع إِن قضينا بِالصِّحَّةِ وزع الصَدَاق على مُهُور أمثالهن وَفِيه وَجه بعيد أَنه يوزع على عدد الرُّءُوس وَإِن فرعنا على الْفساد يرجع كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى مهر الْمثل على قَول وَإِلَى قيمَة الصَدَاق كَمَا يَقْتَضِيهِ التَّوْزِيع على قَول لِأَن هَذَا مَجْهُول أمكن مَعْرفَته بِخِلَاف مَا لَو أصدقهَا مَجْهُولا لَا يُمكن مَعْرفَته فَإِنَّهُ يرجع إِلَى مهر الْمثل قولا وَاحِدًا الْمدْرك الرَّابِع أَن يكون الصَدَاق بِحَيْثُ لَو قدر ثُبُوته لارتفع النِّكَاح كَمَا إِذا قبل نِكَاح عَبده وَجعل

رقبته صَدَاقا فَلَو ملكت رقبته لانفسخ النِّكَاح فَيفْسد الصَدَاق وَيفْسد النِّكَاح أَيْضا لِأَنَّهُ قرن النِّكَاح بِمَا يضاده لَو ثَبت بِخِلَاف مَا لَو أصدق خمرًا فضاهى هَذَا شَرط الطَّلَاق وَالْفَسْخ وَكَانَ يحْتَمل تَصْحِيح النِّكَاح وَلَكِن لَا صائر إِلَيْهِ الْمدْرك الْخَامِس أَن يتَضَمَّن إِثْبَات الصَدَاق رفع الصَدَاق كَمَا لَو زوج من إبنه امْرَأَة وَأصْدقهَا أم ابْنه فَإِنَّهُ لَا بُد من تَقْدِير دُخُول الْأُم فِي ملك الابْن حَتَّى ينْتَقل إِلَى الزَّوْجَة صَدَاقا وَلَو دخل فِي ملكه لعتق عَلَيْهِ وَلما صَار صَدَاقا فَفِي إثْبَاته نَفْيه ففسد بطرِيق الدّور وَلَكِن يَصح النِّكَاح الْمدْرك السَّادِس أَن يضمن إِضْرَارًا بالطفل كَمَا لَو قبل لِابْنِهِ الصَّغِير نِكَاحا بِأَكْثَرَ من مهر الْمثل أَو زوج ابْنَته بَاقِل من مهر الْمثل فَيفْسد الصَدَاق وَفِي صِحَة النِّكَاح قَولَانِ أَحدهمَا الصِّحَّة كَسَائِر أَسبَاب الْفساد وَالثَّانِي الْفساد لِأَنَّهَا إِذا لم ترض إِلَّا بِأَكْثَرَ من مهر الْمثل فَكيف ترد إِلَى مهر الْمثل وَكَيف يَصح العقد دون رِضَاهَا وَكَذَلِكَ إِذا لم يرض زوج ابْنَته إِلَّا بِأَقَلّ من مهر الْمثل فَكيف يلْزمه مهر الْمثل هَذَا إِذا زوج من ابْنه بِمَال الابْن فَإِن زوج وأصدق من مَاله بِزِيَادَة على مهر الْمثل صَحَّ وَلَا نقُول هَذَا يدْخل فِي ملك الطِّفْل وَيصير تَبَرعا من

مَاله لِأَنَّهُ لَا مصلحَة للطفل فِي إِفْسَاد هَذَا الصَدَاق إِذْ يفوت عَلَيْهِ الْكل فَإِذا كَانَ يحصل ذَلِك ضمنا فَلَا نبالي بِالزِّيَادَةِ واختتام الْبَاب بمسالة السِّرّ وَالْعَلَانِيَة فَإِذا تواطأ أَوْلِيَاء الزَّوْجَيْنِ على ذكر أَلفَيْنِ فِي العقد ظَاهرا وعَلى الِاكْتِفَاء بِأَلف بَاطِنا فقد نقل الْمُزنِيّ قَوْلَيْنِ فِي أَن الْوَاجِب مهر السِّرّ أَو مهر الْعَلَانِيَة وَاخْتَارَ الْمُزنِيّ أَن الْوَاجِب مهر الْعَلَانِيَة لِأَن مَا جرى قبله وعد مَحْض وَمَا ذكره صَحِيح إِذْ لم يجز إِلَّا الْوَعْد فَأَما إِذا تواطئوا على إِرَادَة الْألف بِعِبَارَة الْأَلفَيْنِ فَيحْتَمل قَوْلَيْنِ مأخذهما أَن الِاصْطِلَاح الْخَاص هَل يُؤثر فِي الِاصْطِلَاح الْعَام وَبِغَيْرِهِ أم لَا وَفِيه نظر الْمدْرك السَّابِع مُخَالفَة الْآمِر وَذَلِكَ أَن يَقُول للْوَكِيل زَوجنِي بِأَلف فزوج بِخَمْسِمِائَة لَا يَصح النِّكَاح لِأَنَّهُ لَا يملك الْوَكِيل إِلَّا مَا أذن لَهُ فِيهِ وَلم يُؤذن لَهُ فِي هَذَا العقد بِخَمْسِمِائَة فَأَما إِذا قَالَت للْوَكِيل زَوجنِي مُطلقًا بِزَوْج بِأَقَلّ من مهر الْمثل فَالصَّحِيح فَسَاد النِّكَاح أَيْضا لِأَن الْمُطلق فِي الْعرف يَقْتَضِي مهر الْمثل وَلَو زَوجهَا من غير الْمهْر فَفِي الصِّحَّة قَولَانِ أَحدهمَا لَا يَصح لِأَن الْمُطلق ينزل على النِّكَاح بِالْمهْرِ وَالثَّانِي الصِّحَّة لِأَنَّهُ طابق فعله إِذْنهَا

أما إِذا زوج الْوَكِيل أَيْضا مُطلقًا وَلم يتَعَرَّض للمهر فَيحْتَمل التَّصْحِيح وَالرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل لِأَنَّهُ طابق فعله إِذْنهَا وَيحْتَمل الْإِفْسَاد إِذا كَانَ مَفْهُوم قَوْلهَا فِي الْعرف ذكر الْمهْر وَأما إِذا ذكر خمرًا أَو خنزيرا ظَهرت الْمُخَالفَة فَيظْهر الْإِفْسَاد وَأما إِذا أَذِنت للْوَلِيّ فَالصَّحِيح أَن الْوَلِيّ فِي هَذَا الْمَعْنى كَالْوَكِيلِ لِأَنَّهُ غير مجبر وَقيل إِن الْإِذْن يلْحقهُ بالمجبر ثمَّ فِي تَزْوِيج الْمُجبر بِأَقَلّ من مهر الْمثل قَولَانِ وَإِنَّمَا ذكرُوا الْقَوْلَيْنِ أَيْضا فِي الْوَكِيل حَيْثُ فوضت إِلَيْهِ مُطلقًا أما إِذا قدرت الْمهْر وَخَالف فَقطعُوا بِفساد النِّكَاح وَقيل بطرد الْقَوْلَيْنِ أَيْضا فِي الْوَكِيل إِذا فوض إِلَيْهِ مُطلقًا فرع لَو قَالَت زَوجنِي بِمَا شَاءَ الْخَاطِب فَقَالَ زَوجتك بِمَا شِئْت فالمهر مَجْهُول وَالرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل إِلَّا إِذا عرف المزوج مَا شَاءَ الْخَاطِب وَقَالَ القَاضِي وَإِن عرف فالصداق فَاسد فَإِنَّهُ لم يتَلَفَّظ بِهِ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي إخلاء النِّكَاح عَن الْمهْر وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -

الْفَصْل الأول فِيمَا تستحقه المفوضة

ونعني بالتفويض تخلية النِّكَاح عَن الْمهْر بِأَمْر من إِلَيْهِ الْأَمر كَمَا إِذا قَالَت الْبَالِغَة للْوَلِيّ زَوجنِي بِغَيْر مهر فَزَوجهَا وَنفى الْمهْر أَو سكت عَن ذكره وكما لَو زوج السَّيِّد أمته وَنفي الْمهْر أَو سكت عَنهُ وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك فِي صبية وَلَا مَجْنُونَة وَلَا سَفِيهَة إِذْ لَيْسَ لأحد إِسْقَاط مهورهن نعم إِذا قَالَت السفيهة للْوَلِيّ زَوجنِي بِغَيْر مهر تسلط الْوَلِيّ على التَّزْوِيج بِإِذْنِهَا لَكِن عَلَيْهِ تَزْوِيجهَا بِمهْر الْمثل وَلَا يعْتَبر قَوْلهَا فِي إِسْقَاط الْمهْر ثمَّ فِيمَا تستحقه المفوضة طَرِيقَانِ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا تسْتَحقّ بِالْعقدِ شَيْئا وتستحق بِالْوَطْءِ مهر الْمثل وَهل تسْتَحقّ

بِالْمَوْتِ قَولَانِ أَحدهمَا نعم لِأَن الْمَوْت مُقَرر كَالْوَطْءِ وَلِأَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ سُئِلَ عَن المفوضة وَقد مَاتَ زَوجهَا فاجتهد شهرا ثمَّ قَالَ إِن أصبت فَمن الله وَإِن أَخْطَأت فمني وَمن الشَّيْطَان أرى لَهَا مهر نسائها وَالْمِيرَاث فَقَامَ معقل بن سِنَان وَقَالَ أشهد أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قضى فِي تَزْوِيج بروع بنت واشق الأشجعية بِمثل قضائك هَذَا فسر بِهِ سُرُورًا عَظِيما

وَالثَّانِي أَنَّهَا لَا تسْتَحقّ لِأَن تَشْبِيه الْمَوْت بِالطَّلَاق أولى وَلَا خلاف أَنَّهَا لَا تسْتَحقّ الشّطْر عِنْد الطَّلَاق قبل الْمَسِيس وَأما حَدِيث معقل بن سِنَان فَلم يقبله عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه وَقَالَ كَيفَ نقبل فِي ديننَا قَول أَعْرَابِي بوال على عَقِبَيْهِ هَذِه طَريقَة الْعِرَاقِيّين أما المراوزة ذكرُوا قَوْلَيْنِ فِي أَنَّهَا هَل تسْتَحقّ بِالْعقدِ وَوجه الِاسْتِحْقَاق أَنَّهَا إِذا اسْتحقَّت عِنْد الْمَوْت وَالْمَوْت لَا يُوجب بل يُقرر فقد دلّ على أَنه وَجب بِالْعقدِ فَكَذَلِك الْوَطْء وَإِن كَانَ مُوجبا فَإِنَّمَا يُوجب إِذا لم يكن مُسْتَحقّا أَعنِي الْوَطْء وَالْوَطْء هَاهُنَا مُسْتَحقّ بِالْعقدِ فَلَا يُوجب شَيْئا وَهَذَا بِخِلَاف الْوَطْء بِالشُّبْهَةِ وَلذَلِك لَا يجب على السَّيِّد بِوَطْء أمته شَيْء فوجوبه بِالْوَطْءِ يدل على وُجُوبه بِالْعقدِ وَاتفقَ الْأَصْحَاب على أَنَّهَا لَا تسْتَحقّ بِالطَّلَاق قبل الْمَسِيس لِأَن الْقيَاس سُقُوط الْكل

بِالطَّلَاق وَلَكِن قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَنصف مَا فرضتم﴾ فخصص بالمفروض وَلَو أصدقهَا خمرًا ورجعنا إِلَى مهر الْمثل تشطر ذَلِك فِي الطَّلَاق لِأَنَّهُ مَفْرُوض صَحِيح فِي إثيات الأَصْل دون التَّعْيِين وَذكر الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد أَن مهر الْمثل فِي صُورَة التَّفْوِيض أَيْضا يتشطر كذكر الْخمر وَاتَّفَقُوا على أَنَّهَا تسْتَحقّ بِالْوَطْءِ أَيْضا إِلَّا القَاضِي حُسَيْن فَأَنَّهُ ذكر وَجها انها لَا تسْتَحقّ مخرجا من قَول الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الْمُرْتَهن إِذا وَطْء الْجَارِيَة الْمَرْهُونَة بِإِذن الرَّاهِن على ظن أَنه مُبَاح إِن الْمهْر لَا يجب مَعَ ثُبُوت النّسَب وَالْعدة وَسُقُوط الْمهْر لَا مَأْخَذ لَهُ إِلَّا إِسْقَاط من لَهُ الْحق فرع إِذا قُلْنَا تسْتَحقّ الْمهْر بِالْوَطْءِ فَيجب بِاعْتِبَار حَالهَا يَوْم الْوَطْء أَو يَوْم العقد فِيهِ وَجْهَان وَوجه اعْتِبَار يَوْم يُومِئ إِلَى أَن الْأَمر كَانَ مَوْقُوفا فكأنا نقُول العقد الْخَالِي عَن الْوَطْء لَا يُوجب الْمهْر والمفضي إِلَى الْوَطْء يُوجب وَلَكِن لَا يتَبَيَّن إِلَّا

بِالآخِرَة فَتحصل بِالْعقدِ ثَلَاثَة أَقْوَال يجب لَا يجب هُوَ مَوْقُوف إِلَى أَن يَخْلُو عَن الْمَسِيس أَو يُفْضِي إِلَيْهِ

الْفَصْل الثَّانِي فِي الْفَرْض وَمَعْنَاهُ وَحكمه

اعْلَم أَن المفوضة إِذا قُلْنَا إِنَّهَا تسْتَحقّ الْمهْر إِمَّا بِالْعقدِ أَو بالمسيس فَمَعْنَاه أَنَّهَا تسْتَحقّ إِمَّا مهر الْمثل أَو مَا تراضى بِهِ الزَّوْجَانِ وَمَا يتراضيان بِهِ فَهُوَ أولى فَإِن عجزنا عَن ذَلِك رَجعْنَا إِلَى مهر الْمثل لِأَن إِيجَاب الْمهْر مَعَ التَّصْرِيح بنفيه تعبد والتعبد فِي أصل الْمهْر لَا فِي مبلغه لَكِن طلب مَا لَا يتَعَيَّن مبلغه غير مُمكن فَلذَلِك يجب على الرجل تعْيين الْمبلغ بِالْفَرْضِ ويحوز للْمَرْأَة أَن تمنع نَفسهَا فِي طلب الْفَرْض على الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا فَأَما إِن قُلْنَا إِنَّهَا تسْتَحقّ بِالْعقدِ فلهَا غَرَض فِي الْفَرْض وَهُوَ تَقْرِير الشّطْر عِنْد الطَّلَاق وَإِن قُلْنَا لَا يجب فتستحق عِنْد الْمَسِيس فلهَا أَن لَا تسلم نَفسهَا إِلَّا على ثَبت نعم لَيْسَ لَهَا حبس نَفسهَا لتسليم الْمَفْرُوض فِي صُورَة التَّفْوِيض لِأَنَّهَا أبطلت حَقّهَا إِذْ رضيت بِغَيْر مهر وَإِنَّمَا لَهَا الْفَرْض لنفي الْجَهَالَة عَمَّا أثْبته الشَّرْع أَو تثبته وَمن أَصْحَابنَا من ذكر وَجها أَن لَهَا حبس نَفسهَا لتسليم الْمَفْرُوض كَمَا لَهَا طلب الْفَرْض وَهُوَ مُتَّجه ثمَّ لَا خلاف فِي أَن لَهما فرض غير جنس الصَدَاق وَمَا يزِيد على مهر الْمثل وَمَا ينقص إِذا لم يكن من جنس مهر الْمثل وَالصَّحِيح أَنه يجوز فرض الزِّيَادَة على مهر الْمثل وَإِن كَانَ من جنسه وَيجوز فرض الْمُؤَجل وَلَا يشْتَرط علمهما بِمهْر الْمثل عِنْد الْفَرْض

وَمن أَصْحَابنَا من ذكر فِي هَذِه الْمسَائِل الثَّلَاث وَجْهَيْن فَكَأَنَّهُ يَجْعَل مهر الْمثل أصلا وَالْفَرْض بَيَانا لَهُ وتقديرا فَيَقُول لَا يُمكن إِثْبَات الْأَجَل ابْتِدَاء وَلَا الْتِزَام زِيَادَة على مهر الْمثل فَإِنَّهُ لَا أصل لَهُ كَمَا أَنه لَا تجوز الْمُصَالحَة فِي دم الْعمد على مَا تبين من الْإِبِل إِذا قُلْنَا الْوَاجِب أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه وَكَأن مثل ذَلِك التَّرَدُّد جَار هَاهُنَا وَهُوَ أَن الْوَاجِب مهر الْمثل أَو الْمَفْرُوض أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه أَو مهر الْمثل هُوَ الأَصْل وَالْفَرْض بِنَاء عَلَيْهِ وتابع لَهُ وَالأَصَح أَن الْوَاجِب أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه وَلذَلِك جَازَ تعْيين مَا تزيد قِيمَته من غير جنس الْمهْر لَا على منهاج الِاسْتِبْدَال إِذْ لَا يفْتَقر إِلَى إِيجَاب وَقبُول

فروع أَرْبَعَة

الأول لَو أبرأت قبل الْفَرْض عَن الْمهْر صَحَّ على قَوْلنَا يجب بِالْعقدِ إِن كَانَ مهر الْمثل مَعْلُوما وَإِن كَانَ مَجْهُولا لم يَصح فِي الزِّيَادَة على المستيقن وَفِي الْقدر المستيقن قولا تَفْرِيق الصَّفْقَة وَإِن قُلْنَا لَا يجب إِلَّا بِالْوَطْءِ فَهُوَ كالإبراء عَمَّا لم يجب وَجرى سَبَب وُجُوبه وَفِيه قَولَانِ وَلَا يكون إبراؤه مضادا للتعبد فَإِنَّهُ فِي حكم الِاسْتِيفَاء أما إِذا قَالَت أسقطت حَقي عَن طلب الْفَرْض فَهَذَا يَلْغُو لِأَن أصل الْحق بَاقٍ وَالْفَرْض تَابع لَهُ فَصَارَ ذَلِك كرضى الَّتِي آلى عَنْهَا زَوجهَا فَإِن ذَلِك لَا يسْقط حَقّهَا الثَّانِي لَو فرض لَهَا خمرًا أَو خنزيرا لَغَا وَلم يتشطر بِسَبَبِهِ مهر الْمثل لِأَن الْمُؤثر فرض صَحِيح أَو مقرون بِحَال العقد فَمَا لَا يُفِيد تعيينا بعد العقد لم يُؤثر فِي تغير العقد الثَّالِث لَو امْتنع من الْفَرْض مَعَ طلبَهَا فللقاضي أَن يفْرض وَلَكِن عَلَيْهِ أَن لَا يزِيد على مهر الْمثل كَيْلا يتَضَرَّر الزَّوْج وَكَأَنَّهُ نَائِب عَنهُ نِيَابَة قهرية

فصول الكتاب · 3 فصل · 713 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الوسيط في المذهب · 713 صفحة
المقدمة
الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين
الْبَاب الرَّابِع فِي الْقِسْمَة
جارٍ التحميل