الْقسم الثَّالِث من الْبَاب فِي الْأَحْكَام الحسابية
وَفِيه مسَائِل الأولى إِذا أوصى بِمثل نصيب ابْنه وَله ابْن وَاحِد صرف إِلَى الْمُوصى لَهُ النّصْف حَتَّى يَكُونَا متماثلين وَإِن كَانَ لَهُ ابْنَانِ فأوصى بِمثل نصيب أَحدهمَا صرف إِلَيْهِ الثُّلُث وَإِن كَانُوا ثَلَاثَة فالربع وَبِالْجُمْلَةِ تراعى الْمُمَاثلَة عندنَا بعد الْقِسْمَة وَقَالَ مَالك رَحمَه الله هُوَ وَصِيَّة بِحِصَّة الابْن قبل الْقِسْمَة فَإِن كَانُوا اثْنَيْنِ فَهُوَ وَصِيَّة بِالنِّصْفِ وَإِن كَانُوا ثَلَاثَة فَهُوَ وَصِيَّة بِالثُّلثِ وَهُوَ ضَعِيف لِأَن مَا ذَكرْنَاهُ مُحْتَمل وَهُوَ الْأَقَل فَيُؤْخَذ بِهِ وَلَو أوصى بِنَصِيب وَلَده كَانَ كَمَا لَو أوصى بِمثل نصيب وَلَده وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله هُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ وَصِيَّة بالمستحق وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّهُ إِذا قَالَ بِعْت بِمَا بَاعَ بِهِ فلَان فرسه صَحَّ وَكَانَ مَعْنَاهُ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ لَهُ ابْنَانِ فَقَالَ أوصيت لَك بِمثل نصيب ابْن ثَالِث لَو كَانَ
لَا يعْطى إِلَّا الرّبع وَكَأن ذَلِك الابْن الْمُقدر كَائِن وَفِيه وَجه أَنه يعْطى الثُّلُث وَكَأَنَّهُ قدره مَكَانَهُ الثَّانِيَة إِذا أوصى بِضعْف نصيب أحد ولديه أعطي مثله مرَّتَيْنِ فَلَو كَانَ لَهُ ابْنَانِ قسم المَال من أَرْبَعَة لكل ابْن وَاحِد وَله سَهْمَان وَلَو أوصى بضعفيه أعطي مثله ثَلَاث مَرَّات وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله أعطي مثله أَربع مَرَّات وَالْحَاصِل أَنا نضعف الزِّيَادَة دون الْمَزِيد عَلَيْهِ فَإِذا كَانَ الضعْف أَن يُزَاد على سَهْمه مثله كَانَ الضعفان أَن يُزَاد عَلَيْهِ مثلاه وَهُوَ مُحْتَمل وَهُوَ الْأَقَل فَينزل عَلَيْهِ الثَّالِثَة إِذا أوصى بِمثل نصيب أحد ورثته أعطي مثل أقلهم نَصِيبا بعد الْعَوْل إِن كَانَت الْمَسْأَلَة عائلة الرَّابِعَة إِذا أوصى بِخَط أَو سهم أَو قَلِيل أَو كثير جَازَ التَّنْزِيل على أقل مَا يتمول وَالرُّجُوع بِهِ إِلَى الْمُوصي
فَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله ينزل السهْم على السُّدس وَهُوَ تحكم وَكَذَلِكَ إِذا أوصى بِالثُّلثِ للأشياء جَازَ التَّنْزِيل على أقل مَا يتمول وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور ينزل على النّصْف وَزِيَادَة إِذْ الِاسْتِثْنَاء يَنْبَغِي أَن ينقص عَن النّصْف وَهُوَ خلاف نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الْإِقْرَار إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ عشرَة إِلَّا شَيْئا الْخَامِسَة إِذا أوصى بِثلث مَاله وَمَات عَن ابْنَيْنِ وبنتين فلتصحيح الْمَسْأَلَة بِالْحِسَابِ طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَن تصحح مَسْأَلَة الْوَصِيَّة وَينظر إِلَى مَا بَقِي بعد إِخْرَاج سهم الْوَصِيَّة فَإِن انقسم على الْوَرَثَة فقد صحت المسألتان وَإِن لم يَنْقَسِم وَلم يُوَافق فَضربت مَسْأَلَة الْوَرَثَة فِي مَسْأَلَة الْوَصِيَّة وَمِنْهَا تصح وَإِن وَافق ضربت جُزْء الوفق من مَسْأَلَة الْوَرَثَة فِي مَسْأَلَة الْوَصِيَّة وَمِنْهَا تصح
بَيَانه فِي مَسْأَلَتنَا
أَن مَسْأَلَة الْوَصِيَّة من ثَلَاثَة أسْهم سهم للْمُوصى لَهُ بَقِي سَهْمَان وَلَا
يَنْقَسِم على سِتَّة إِذْ مَسْأَلَة الْفَرِيضَة من سِتَّة وَلَكِن توَافق بِالنِّصْفِ فَيضْرب نصف السِّتَّة فِي الثَّلَاثَة فَتَصِير تِسْعَة وَقد صحت المسألتان الطَّرِيقَة الثَّانِيَة أَن تصحح مَسْأَلَة الْوَصِيَّة وينسب جُزْء الْوَصِيَّة مِنْهَا إِلَى مَا يبْقى مِنْهَا بعد إِخْرَاج الْجُزْء وتزيد مثل نسبته على مَسْأَلَة الْوَرَثَة بَيَانه أَن مَسْأَلَة الْوَصِيَّة من ثَلَاثَة فِيمَا فرضناه والجزء الْمُوصى بِهِ الثُّلُث وَهُوَ سهم ونسبته إِلَى الْبَاقِي أَنه مثل نصفه فيزيد على مَسْأَلَة الْوَرَثَة مثل نصفهَا وَهِي من سِتَّة وَنِصْفهَا ثَلَاثَة فَتَصِير تِسْعَة وَتَصِح المسألتان السَّادِسَة إِذا أوصى بِمَا يزِيد على الثُّلُث وَردت الْوَصَايَا قسم الثُّلُث بَين أَصْحَاب الْوَصِيَّة على نِسْبَة تفاوتهم حَالَة الْإِجَارَة فَلَو أوصى لإِنْسَان بِالنِّصْفِ وَلآخر بِالثُّلثِ فَالْمَسْأَلَة من سِتَّة لصَاحب النّصْف ثَلَاثَة وَلِصَاحِب الثُّلُث سَهْمَان ومجموع مَالهمَا خَمْسَة والتفاوت بَينهمَا بالأخماس فَإِذا أردْت قسْمَة الثُّلُث على نِسْبَة الْأَخْمَاس فاطلب مَالا لثلثه خمس وَذَلِكَ بِأَن تضرب ثَلَاثَة فِي خَمْسَة فَتَصِير خَمْسَة عشر فَالثُّلُث خَمْسَة يعْطى صَاحب النّصْف مِنْهَا ثَلَاثَة وَصَاحب الثُّلُث سَهْمَان ليحصل التَّفَاوُت وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يخْتَص بِالرَّدِّ السُّدس الزَّائِد على الثُّلُث من
نصيب صَاحب النّصْف وَيبقى التَّسَاوِي بَينهمَا فِي الثُّلُث أما إِذا أُجِيز بعض الْوَصَايَا ورد الْبَعْض فطريق تَصْحِيحه مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْمَذْهَب الْبَسِيط مَعَ الْحساب فِي الْوَصِيَّة بِجُزْء من المَال بعد إِخْرَاج نصيب أحد الْأَوْلَاد والحساب فِي الِاسْتِثْنَاء على أكمل وَجه فليراجعه من رغب فِيهِ فَإِن هَذَا الْكتاب لَا يحْتَمل استقصاءه
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي الرُّجُوع عَن الْوَصِيَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ جَائِز لِأَنَّهُ عقد تبرع وَلَا قبض فِيهِ فَإِذا لم تلْزمهُ الْهِبَة قبل الْقَبْض فَهَذَا قبل الْمَوْت وَالْقَبْض أولى
وَالرُّجُوع بأَرْبعَة أَسبَاب السَّبَب الأول صَرِيح الرُّجُوع
كَقَوْلِه نقضت وفسخت وَمَا يضاهيه وَمن الصَّرِيح قَوْله هَذَا لورثتي أَو هُوَ مِيرَاث عني أَو حرَام على الْمُوصى لَهُ وَلَو قَالَ هُوَ تركتي فَالْأَصَحّ أَنه لَيْسَ بِرُجُوع لِأَن الْوَصِيَّة من التَّرِكَة أَيْضا
السَّبَب الثَّانِي التَّصَرُّفَات المتضمنة للرُّجُوع
كَالْبيع وَالْهِبَة مَعَ الْقَبْض وَالْعِتْق وَالْكِتَابَة وَالتَّدْبِير فَإِن من ضَرُورَة تنفيذها الرُّجُوع عَن الْوَصِيَّة
فرعان
أَحدهمَا إِذا أوصى لزيد ثمَّ أوصى لعَمْرو بِعَين ذَلِك الشئ لم يكن ذَلِك رُجُوعا بل احْتمل التَّشْرِيك فَينزل عَلَيْهِ أخذا بِالْأَقَلِّ واستصحابا لما سبق فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ أوصيت لَهما على الْجمع وَلَو قَالَ مَا أوصيت بِهِ لزيد فقد أوصيت بِهِ لعَمْرو فَهَذَا رُجُوع فِي ظَاهر الْمَذْهَب
وَلَو أوصى بِأَن يُكَاتب أَو يعْتق أَو يُبَاع بعد مَوته فَهُوَ رُجُوع لِأَنَّهُ لَيْسَ من جنس الأول حَتَّى يحمل على التَّشْرِيك وَلذَلِك لَا يَنْتَظِم الْجمع بَينهمَا فِي صِيغَة التَّشْرِيك بِأَن يَقُول أوصيت بِهِ وأعتقته الثَّانِي إِذا أوصى بِثلث مَاله ثمَّ بَاعَ جَمِيع مَاله لم يكن رُجُوعا لِأَن الثُّلُث الْمُطلق لَا ينْحَصر فِي الْأَعْيَان وَالْبيع يتَنَاوَل الْعين وَلذَلِك لَو هلك جَمِيع مَا ملك حَال الْوَصِيَّة وتجدد من بعده شئ اسْتَحَقَّه الْمُوصى لَهُ
السَّبَب الثَّالِث مُقَدمَات الْأُمُور المنذرة بِالرُّجُوعِ
كالعرض على البيع وَالرَّهْن قبل الْقَبْض وَالْقَبُول وَالْهِبَة قبل الْقَبْض وَالْقَبُول الظَّاهِر أَنه رُجُوع لدلالته على قصد الرُّجُوع وَفِيه وَجه أَنه مَا لم يتم لَا يتم الرُّجُوع أما إِذا زوج العَبْد الْمُوصى بِهِ أَو الْأمة الْمُوصى بهَا أَو أَحدهمَا أَو علمهما صَنْعَة أَو ختنهما لم يكن ذَلِك رُجُوعا
فرعان
أَحدهمَا أَنه إِذا وطئ وعزل لم يكن رُجُوعا وَإِن أنزل قَالَ ابْن الْحداد هُوَ رُجُوع لِأَن التَّسَرِّي يُنَاقض قصد الْوَصِيَّة وَلَو حلف أَن لَا يتسرى لَا يَحْنَث إِلَّا بالإنزال فَلَو وطئ وعزل لم يَحْنَث وَمِنْهُم من قَالَ مَا لم يحصل الْعلُوق لَا يتم الرُّجُوع فَهُوَ كالعرض على البيع ونظائره
الثَّانِي أوصى لَهُ بِمَنْفَعَة دَاره سنة ثمَّ أجرهَا سنة وَانْقَضَت مُدَّة الْإِجَارَة قبل مَوته صرف إِلَيْهِ سنة فَإِن مَاتَ وَصَارَت السّنة الأولى مستغرقة بِالْإِجَارَة فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه لَا حق للْمُوصى لَهُ لِأَنَّهُ أوصى لَهُ بِالسنةِ الأولى وَقد استوفاها الْمُسْتَأْجر وَالثَّانِي أَنه يسلم إِلَيْهِ لِأَن السّنة الأولى لم تشْتَرط للْمُوصى لَهُ وَإِنَّمَا تعين بِحكم البدار إِلَى التوفية فَإِذا منع مَانع من البدار تسلم إِلَيْهِ بعده
السَّبَب الرَّابِع التَّصَرُّفَات المبطلة اسْم الْمُوصى بِهِ
كَمَا لَو أوصى بِقطن فَعَزله أَو بغزل فنسجه أَو بحنطة فطحنها أَو دَقِيق فعجنه أَو عجين فخبزه فَالْكل رُجُوع لدلَالَة قَصده وَزَوَال الِاسْم
فروع
الأول إِذا أوصى بِخبْز فَجعله فتيتا أَو بِلَحْم فقدره أَو برطب فجففه أَو بِثَوْب فَقطع مِنْهُ قَمِيصًا أَو بخشب فَاتخذ مِنْهُ بَابا فَفِي الْكل وَجْهَان وَوجه بَقَاء الْوَصِيَّة أَن الِاسْم الأول يجوز إِطْلَاقه بِوَجْه مَا الثَّانِي إِذا أوصى بدار فَهَدمهَا إِن لم يبْق اسْم الدَّار فَهُوَ رُجُوع وَإِن انْهَدَمت وَلم يبْق اسْم الدَّار فَوَجْهَانِ وَوجه الْبَقَاء أَنه لم يُوجد من جِهَته قصد الرُّجُوع وَمَا يدل عَلَيْهِ
وَقِيَاس هَذَا أَنه لَو طحنت الْحِنْطَة وغزل الْقطن بِغَيْر إِذْنه لَا تَنْفَسِخ الْوَصِيَّة وَحَيْثُ لَا تَنْفَسِخ فَفِي بَقَاء الْحق فِي النَّقْص خلاف ذَكرْنَاهُ الثَّالِث لَو بنى أَو غرس فِي الْعَرَصَة الْمُوصى بهَا فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه رُجُوع لِأَن الْبناء غير دَاخل فِي الْوَصِيَّة وَهُوَ للتخليد وَالثَّانِي لَا فَإِنَّهُ انْتِفَاع مُجَرّد وَالثَّالِث أَنه رُجُوع عَن المغرس وأس الْجِدَار حَتَّى لَو تجنى لم يرجع أَيْضا إِلَى الْمُوصى لَهُ وَلَيْسَ رُجُوعا عَمَّا عداهُ وَالرَّابِع إِذا أوصى بِصَاع حِنْطَة وخلطه بِغَيْرِهِ فَرجع إِذا تعذر بِهِ التَّسْلِيم وَإِن أوصى بِصَاع من صبرَة وخلطة بِمثلِهِ فَلَيْسَ بِرُجُوع لِأَن الْغَرَض لَا يخْتَلف وَإِن خلط بالأجود فرجوع لِأَنَّهُ حدث زِيَادَة لم يَتَنَاوَلهَا الِاسْتِحْقَاق وَإِن خلط بالأردأ فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه رُجُوع كالأجود وَالثَّانِي لَا فَإِنَّهُ تعييب فَينزل منزلَة تعيب الْمُوصى بِهِ الْخَامِس لَو نقل الْمُوصى بِهِ إِلَى مَوضِع بعيد عَن الْمُوصى لَهُ فَفِيهِ
وَجْهَان السَّادِس لَو أوصى بِقطن ثمَّ حشى بِهِ فرشه فَفِي كَونه رُجُوعا وَجْهَان وَوجه التَّرَدُّد فِي هَذِه الْمسَائِل لَا يخفى مأخذها وَالله أعلم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الرَّابِع فِي الأوصياء وَالنَّظَر فِي أَرْكَان الْوِصَايَة وأحكامها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
النّظر الأول فِي الْأَركان
وَهِي أَرْبَعَة
الرُّكْن الأول الْوَصِيّ
وَله سِتَّة شَرَائِط الأول التَّكْلِيف فَلَا يَصح الْوِصَايَة إِلَى مَجْنُون وَصبي فَإِنَّهُمَا محتاجان إِلَى الْوَصِيّ يُفَوض إِلَيْهِمَا الثَّانِي الْحُرِّيَّة فَلَا يُفَوض إِلَى عبد لِأَنَّهَا ولَايَة وَالرّق ينافيها وَلِأَنَّهَا تستدعي فراغا لاهتمام بهَا وَالْعَبْد مَشْغُول وَالْمكَاتب وَمن نصفه حر وَنصفه رَقِيق فِي حكم الْقِنّ وَقَالَ مَالك رَحمَه الله يُفَوض إِلَى العَبْد وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله إِذا خلف أَوْلَادًا كلهم صغَار ففوض إِلَى عبد نَفسه جَازَ
فرع
إِذا أوصى إِلَى مستولدته أَو مدبره فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه منشؤها أَن النّظر إِلَى مُرَاعَاة الشَّرْط حَال العقد أَو حَال الْمَوْت وَفِي الْوَجْه الثَّالِث يُرَاعى الْأَحْوَال من العقد إِلَى الْمَوْت حَتَّى لَو تخَلّل خلل بَين العقد وَالْمَوْت فسد أَيْضا والأقيس وَهُوَ اخْتِيَار ابْن سُرَيج الصِّحَّة نظرا إِلَى حَال الْمَوْت الشَّرْط الثَّالِث الْعَدَالَة فَلَا يُفَوض إِلَى فَاسق لِأَنَّهُ تصرف على الطِّفْل فيتقيد بِشَرْط الْغِبْطَة وَلَا غِبْطَة فِي الْفُسَّاق فرع
لَو طَرَأَ الْفسق انْعَزل فَإِن عَاد أَمينا لم يعد وَصِيّا وَكَذَا القَاضِي يَنْعَزِل على الْأَظْهر ثمَّ لَا يعود قَاضِيا بِالتَّوْبَةِ وَالْأَب يَنْعَزِل وَلَكِن يعود وليا بِالتَّوْبَةِ فَإِن الْأُبُوَّة قَائِمَة وَفِي رُجُوع ولَايَة القَاضِي وَالْوَصِيّ بالإفاقة بعد الْجُنُون وَجْهَان وَالْإِمَام لَا يَنْعَزِل بِالْفِسْقِ على الْأَصَح للْمصْلحَة وَلَكِن إِن أمكن الِاسْتِبْدَال بِهِ من غير فتْنَة فعله أهل الْحل وَالْعقد الرَّابِع الْإِسْلَام فَلَا يُفَوض إِلَى كَافِر إِذْ لَا ولَايَة لكفار على مُسلم
وَلَو أوصى كَافِر إِلَى كَافِر فِي وَلَده الْكَافِر صَحَّ إِن كَانَ عدلا فِي دينه بِنَاء على الْأَظْهر فِي أَن ولي الْكَافِرَة فِي النِّكَاح كَافِر الْخَامِس الْكِفَايَة وَالْهِدَايَة للتَّصَرُّف فَلَا غِبْطَة فِي التَّفْوِيض إِلَى الْعَاجِز عَن التَّصَرُّف
فرع
لَو ضعف نظره وَعجز عَن حفظ الْحساب بعد أَن كَانَ قَادِرًا بِنصب القَاضِي مَعَه من يحفظ الْحساب وَلَا يَنْعَزِل بِهِ بِخِلَاف الْفسق فَإِنَّهُ يفوت أصل الْغَرَض وَبِخِلَاف مَا لَو نصب الْحَاكِم قيمًا فضعف نظره فِي الْحساب فَإِن القَاضِي يعزله لِأَنَّهُ مولى من جِهَته والإبدال أصلح وَالْوَصِيّ مَنْصُوب الْأَب فيحفظ مَا أمكن السَّادِس الْبَصَر وفى تفويضها إِلَى الْأَعْمَى وَجْهَان ومنشؤه التَّرَدُّد فِي أَنه هَل يُخَالف الْغِبْطَة أم لَا فرع
يجوز التَّفْوِيض إِلَى النِّسَاء وَالأُم أولى من ينصب قيمًا وَإِن لم يوص إِلَيْهَا الْأَب فَلَا ولَايَة لَهَا وَقَالَ الْإِصْطَخْرِي هى ولية فِي المَال مُقَدّمَة على وَصِيّ الْأَب لِأَنَّهَا أحد الْأَصْلَيْنِ
الرُّكْن الثَّانِي الْمُوصي
وَهُوَ كل من لَهُ ولَايَة على الْأَطْفَال لَو بَقِي حَيا كَالْأَبِ وَالْجد فَلَا يجوز للْوَصِيّ الْإِيصَاء لِأَنَّهُ لَا ولَايَة لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ نَائِب خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله وَلَا يجوز نصب الْوَصِيّ على الْأَوْلَاد الْبَالِغين إِذْ لَا ولَايَة عَلَيْهِم نعم لَو نصب وَصِيّ لقَضَاء دُيُونه وتنفيذ وَصَايَاهُ وَلَا يجوز للْأَب نصب الْوَصِيّ فِي حَيَاة الْجد فَإِن الْجد بدل الْأَب شرعا فَهُوَ أولى من نَائِبه لفظا وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله وَصِيّ الْأَب أولى من الْجد وَهُوَ وَجه لِأَصْحَابِنَا
فروع
الأول إِذا أوصى بِثَلَاثَة وَخلف جدا لأطفاله فَلَيْسَ للْجدّ التَّصَرُّف فِي الثُّلُث لِأَنَّهُ لَيْسَ وَصِيّا وَلَا قيمًا وَإِنَّمَا التَّصَرُّف فِيهِ إِلَى القَاضِي يصرفهُ إِلَى مصارفه إِذا أذن للْمُوصي فِي الْإِيصَاء عِنْد مَوته إِلَى غَيره فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا لَا يجوز لِأَن ولَايَته زائلة بعد مَوته فَلَا يُؤثر إِذْنه وَلَيْسَ للْمُوصي رُتْبَة الْإِيصَاء
الثَّانِي هُوَ الأقيس الْجَوَاز لِأَن الشَّرْع فوض للأطفال بعد الْمَوْت وَكَذَلِكَ لَو قَالَ أَنْت وَصِيّ إِلَى أَن يبلغ هَذَا الصَّبِي فَإِذا بلغ فَهُوَ الْوَصِيّ صَحَّ وَهُوَ تَفْوِيض بعد الْمَوْت وَكَذَلِكَ إِذا أوصى إِلَى رجلَيْنِ وَقَالَ إِن مَاتَ أَحدهمَا انْفَرد الآخر جَازَ أما إِذا قَالَ إِن أوصيت إِلَى شخص فَذَلِك الشَّخْص وَصِيّ لي وَعين شخصا فَقَالَ أَذِنت لَك فِي الْإِيصَاء إِلَيْهِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ مِنْهُم من قطع بِالْجَوَازِ كَمَا إِذا علق ببلوغ الصَّبِي وَمِنْهُم من خرج على الْقَوْلَيْنِ
الرُّكْن الثَّالِث الْمُوصى فِيهِ
وَهُوَ التَّصَرُّفَات الْمَالِيَّة الْمُبَاحَة الَّتِى يتولاها القَاضِي لَوْلَا الْوَصِيّ فَأَما بِنَاء الْبيعَة وكتبة التَّوْرَاة وَمَا هُوَ مَعْصِيّة فَلَا يَصح الْإِيصَاء فِيهِ وَلَا يجوز الْإِيصَاء فِيهِ وَلَا يجوز الْإِيصَاء فِي تَزْوِيج الْأَوْلَاد إِذْ لَا غِبْطَة فِي أَن يعْقد عَلَيْهِم من لَا يتَغَيَّر بضررهم وَقَالَ مَالك رَحمَه الله يجوز الْإِيصَاء فِي ذَلِك
الرُّكْن الرَّابِع الصِّيغَة
وَهُوَ أَن يَقُول أوصيت إِلَيْك وفوضت إِلَيْك أُمُور أَوْلَادِي وَمَا يجْرِي مجْرَاه وَلَا بُد من الْقبُول وَالْأَظْهَر أَنه بعد الْمَوْت أَعنِي الْقبُول
فروع
الأول هَل يَكْفِي قَوْله أوصيت إِلَيْك فِي أَمر أطفالي أم يشْتَرط أَن يَقُول مَعَه فوضت إِلَيْك التَّصَرُّف فِي المَال فِيهِ وَجْهَان مِنْهُم من قَالَ مُطلق الْإِيصَاء لَا يَقْتَضِي إِلَّا حفظ المَال فَلَا بُد من التَّصْرِيح بِالتَّصَرُّفِ وَمِنْهُم من قَالَ الْعرف يُغني عَن التَّعَرُّض لَهُ الثَّانِي إِذا اعتقل لِسَانه وَقُرِئَ عَلَيْهِ الْكتاب فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ جَازَ لِأَنَّهُ عَاجز كالأخرس وَالثَّالِث لَو أوصى إِلَيْهِ فِي جنس من التَّصَرُّف معِين لَا يتَعَدَّى إِلَى غَيره خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله
الرَّابِع إِذا أوصى إِلَى رجلَيْنِ إِن صرح بتسليط كل وَاحِد على الِاسْتِقْلَال أَو بِالْمَنْعِ من الِاسْتِقْلَال فَهُوَ كَمَا لَو صرح وَإِن أطلق نزل على نفي الِاسْتِقْلَال وَأَن لَا يتَصَرَّف وَاحِد دون إِذن صَاحبه تَنْزِيلا على الْأَقَل نعم مَا لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْمُوصي كالتمكين من أَخذ الْمَغْصُوب والوديعة وأعيان الْحُقُوق لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَيْهِمَا لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج أصلا إِلَى الْوَصِيّ بل للْمُسْتَحقّ الْأَخْذ إِذا ظفر بِهِ وَيتَفَرَّع على نصب الْوَصِيّين صور الأولى إِذا مَاتَ أَحدهمَا فَإِن كَانَ قد أثبت لكل وَاحِد مِنْهُمَا اسْتِقْلَالا فيكتفى بِالثَّانِي وَإِن لم يثبت إِلَّا الشّركَة فللقاضي أَن ينصب قيمًا مَعَه بَدَلا عَن الْمَيِّت فَإِنَّهُ مَا رَضِي الْأَب إِلَّا بِرَأْي شَخْصَيْنِ فَلَو جعل الثَّانِي وَصِيّا ونائبا عَن الْمُوصى وَحده فَفِي جَوَازه وَجْهَان الثَّانِيَة لَو أوصى إِلَى زيد ثمَّ أوصى إِلَى عَمْرو فَإِن لم يقبل عَمْرو انْفَرد زيد بِالتَّصَرُّفِ وَإِن قبل كَانَ هَذَا تشريكا وَلم يكن فسخا للْأولِ بل ينزل منزلَة الوحيدين
وَإِن أوصى إِلَى زيد ثمَّ قَالَ لَهُ ضممت إِلَيْك عمرا فَإِن قبل فهما شريكان وَإِن قبل زيد دون عَمْرو فزيد مُسْتَقل بِهِ وَإِن قبل عَمْرو دون زيد فَلَا يسْتَقلّ لِأَن لفظ الضَّم لَا يبْنى إِلَّا عَن الشّركَة ورد زيد كموته فيفتقر إِلَى بدل عَنهُ الثَّالِثَة إِذا اخْتلفَا فِي تعْيين من يصرف إِلَيْهِ الْوَصِيَّة من الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وشلا فالحاكم يتَوَلَّى التَّعْيِين وَلَو اخْتلفَا فِي حفظ المَال فيطلب موضعا مُشْتَركا يكون مَحْفُوظًا فِيهِ عَن جهتهما أَو يتفقان على ثَالِث أَو يقسم مَا يقبل الْقِسْمَة فينفرد كل وَاحِد بِحِفْظ الْبَعْض وَمَا لَا يقبل الْقِسْمَة يتَوَلَّى القَاضِي حفظه وَمن الْأَصْحَاب من قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله ذكر الْقِسْمَة وَأَرَادَ بِهِ مَا إِذا أثبت لكل وَاحِد الِاسْتِقْلَال فِي الْوِصَايَة وَإِلَّا فَكيف يتفرد بِحِفْظ الْبَعْض وَمُوجب الْوِصَايَة الِاشْتِرَاك فِي الْكل
النّظر الثَّانِي فِي أَحْكَام الْوِصَايَة
وَهِي سِتَّة الأول أَن يقْضِي الدُّيُون اللَّازِمَة فِي مَال الصَّبِي من أرش الْجَنَابَة والأعواض وَالْكَفَّارَة عِنْد الْقَتْل وَينْفق عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ فَلَو تنَازعا بعد الْبلُوغ فِي مِقْدَار الْحَاجة فِي النَّفَقَة فَالْقَوْل قَول الْوَصِيّ لِأَنَّهُ أَمِين وَالْإِشْهَاد على النَّفَقَة مُتَعَذر فِي كل يَوْم وَكَذَا إِذا تنَازعا فِي كَون البيع مُوَافقا للغبطة فَالْقَوْل قَول الْوَلِيّ وَالْوَصِيّ إِذْ الأَصْل عدم الْخِيَانَة وَإِن تنَازعا فِي دفع المَال بعد الْبلُوغ إِلَيْهِ فَالظَّاهِر أَن القَوْل قَول الصَّبِي إِذْ الأَصْل عدم الرَّد وَالْإِشْهَاد مَأْمُور بِهِ عَلَيْهِ فِي كتاب الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ إِذا تنَازعا فِي تَارِيخ موت الْوَالِد إِذْ تكْثر النَّفَقَة بطول الْمدَّة فَالْبَيِّنَة على الوصى إِذا الأَصْل عدم الْمَوْت وَإِقَامَة الْبَيِّنَة على الْمَوْت مُمكن
الحكم الثَّانِي لَا يُزَوّج الْوَصِيّ الْأَطْفَال وَقد ذَكرْنَاهُ الثَّالِث لَا يتَوَلَّى الْوَصِيّ طرفِي العقد وَلَا يَبِيع مَاله من نَفسه بِخِلَاف الْأَب فَإِنَّهُ جوز لَهُ ذَلِك لقُوَّة الْأُبُوَّة نعم لَو أَن يُوكل فِي التَّصَرُّفَات الْجُزْئِيَّة كَمَا للْأَب وَلَيْسَ لَهُ الْإِيصَاء بِخِلَاف الْأَب الرَّابِع الْوِصَايَة عقد جَائِز وللوصي عزل نَفسه مهما شَاءَ قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَيْسَ لَهُ عزل نَفسه بعد موت الْمُوصي الْخَامِس إِذا لم يملك إِلَّا عبدا وَأوصى بِثلث مَاله فَلَيْسَ للْوَصِيّ إِلَّا بيع ثلث العَبْد وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَهُ بيع الْكل فَإِن التشقيص بِنَقص من الثُّلُث السَّادِس للْوَصِيّ أَن يشْهد على الْأَطْفَال وَله أَن يشْهد لَهُم بِمَا لَا يَسْتَفِيد بِشَهَادَتِهِ سلطنة واتساع تصرف حَتَّى لَو كَانَ وَصِيّا بِالتَّصَرُّفِ فِي الثُّلُث وَشهد لَهُم بِمَال لَا يجوز إِذْ يَتَّسِع بِهِ الثُّلُث فيتسع تصرفه
وَهِي مُشْتَقَّة من قَوْلهم ودع الشئ إِذا سكن وَاسْتقر أَي أَنَّهَا مُسْتَقِرَّة عِنْد الْمُودع وَقيل إِنَّهَا مُشْتَقَّة من قَوْلهم فلَان فِي دعة أَي فِي خفض من الْعَيْش أَي أَن الْوَدِيعَة فِي دعة غير متبلاة بِالِانْتِفَاعِ وَالنَّظَر فِي أَرْكَان الْوَدِيعَة وأحكامها
أما الْأَركان فالمودع وَالْمُودع والوديعة والصيغة
أما الْوَدِيعَة فَهُوَ كل مَال تثبت عَلَيْهِ الْيَد الحافظة أما الْمُودع وَالْمُودع فَلَا يعْتَبر فيهمَا إِلَّا مَا يعْتَبر فِي الْوَكِيل وَالْمُوكل لِأَن الْإِيدَاع استنابة فِي الْحِفْظ فَلَا يَسْتَدْعِي إِلَّا التَّكْلِيف من الْجَانِبَيْنِ
فرعان
أَحدهمَا لَو أَخذ الْوَدِيعَة من صبي ضمن إِلَّا أَن يخَاف من الصَّبِي الإهلاك فَأَخذه على قصد الْحِسْبَة
فَفِي ضَمَانه وَجْهَان كَمَا لَو خلص طيرا من فَم جارحة ليحفظه على صَاحبه الثَّانِي لَو أودع صَبيا فأتلفه الصَّبِي فَفِي الضَّمَان قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يجب لِأَنَّهُ مسلط عَلَيْهِ فَصَارَ كَمَا لَو اسْتقْرض أَو ابْتَاعَ فأتلف وَالثَّانِي أَنه يجب لِأَنَّهُ متسلط على الْحِفْظ لَا على الْإِتْلَاف وَأما البَائِع والمقرض فقد سلطا على الْإِتْلَاف وشرطا عَلَيْهِ عوضا فقد الشَّرْط وَبَقِي التسليط وَهَذَا الْخلاف جَار فِي تعلق الضَّمَان بِرَقَبَة العَبْد إِذا تلف بعد أَن أودع وَلَا خلاف فِي تعلق الضَّمَان بِذِمَّتِهِ فَأَما الصِّيغَة فَهِيَ أَن يَقُول احفظ هَذَا المَال أَو استودعتك أَو مَا يُفِيد مَعْنَاهُ وَفِي اشْتِرَاط الْقبُول لفظا مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْوكَالَة وَهَاهُنَا أولى بِأَن يشْتَرط لِأَنَّهَا أبعد عَن مشابهة الْعُقُود
فَإِذا لم يشْتَرط الْقبُول لفظا فَإِذا أَخذ الْوَدِيعَة أَو وضع بَين يَدَيْهِ فرفعه كَانَ ذَلِك قبولا وَلَو قَامَ من الْمجْلس وَلم يَأْخُذ كَانَ ذَلِك ردا للوديعة وَلَو قَامَ الْمَالِك أَولا وخلى بَينه وَبَين الْمُودع لم تَنْعَقِد الْوَدِيعَة فَإِن التَّخْلِيَة قد تقوم مقَام الْقَبْض وَلَكِن إِذا اسْتحق الْقَبْض فَإِن قيل الْوَدِيعَة عقد أَو إِذن مُجَرّد قُلْنَا قد ذكر القَاضِي حُسَيْن فِيهِ خلافًا وَبنى عَلَيْهِ التَّرَدُّد فِي أَن الْمُودع إِذا عزل نَفسه هَل يَنْفَسِخ العقد وَذكر فِيهِ وَجْهَيْن أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ عقد جَائِز وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ تسليط مُجَرّد فيضاهي إِبَاحَة الْأكل للضيف فَلَا معنى للْفَسْخ فِيهِ فَإِن قُلْنَا انْفَسَخ بقيت الْوَدِيعَة أَمَانَة شَرْعِيَّة كَمَا لَو طير الرّيح ثوبا وألقاه فِي دَاره حَتَّى لَو تمكن من الرَّد على الْمَالِك وَلم يرد ضمن على أحد الْوَجْهَيْنِ
أما حكم الْوَدِيعَة
فَهُوَ أَنه عقد جَائِز من الْجَانِبَيْنِ يَنْفَسِخ بالجنون وَالْإِغْمَاء وَالْمَوْت وَمُوجب العقد التسلط على الْحِفْظ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنه إِن تلف بِغَيْر تَقْصِيره فَلَا ضَمَان وَأَنه مهما طلب الْمَالِك وَجب التَّمْكِين من الْأَخْذ فالنظر إِذا فِي الضَّمَان ورد الْعين
أما الضَّمَان فسببه التقصر وللتقصير ثَمَانِيَة أَسبَاب
السَّبَب الأول أَن يودع عِنْد غَيره من غير عذر
فَيضمن لِأَنَّهُ لم يرض الْمَالِك بيد غَيره وَلَا فرق بَين أَو يودع زَوجته أَو عَبده أَو أَجْنَبِيّا إِلَّا أَن يسلم إِلَى عَبده وَزَوجته ليوصله إِلَى حرزه أَعنِي حرز الْمُودع وَإِن أودع القَاضِي وَقَبله القَاضِي فَلَا ضَمَان لِأَنَّهُ رُبمَا يتبرم الْحِفْظ فَلَا يلْزمه المداومة عَلَيْهِ وَلَا شُبْهَة فِي أَمَانَة القَاضِي وَإِن أبي القَاضِي أَن يَأْخُذ هَل يجوز لَهُ ذَلِك فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا يجوز لِأَنَّهُ نَائِب عَن كل غَائِب فلقبض عَنهُ
وَالثَّانِي لَا يلْزمه لِأَنَّهُ الْتزم الْحِفْظ فيكف بِهِ وَفِي وجوب قبُول الْمَغْصُوب من الْغَاصِب وَجْهَان مرتبان وَأولى بِأَن لَا يلْزم لِأَنَّهُ فِي يَد الْغَاصِب مَضْمُون وَفِي وجوب قبُول الدّين مِمَّن عَلَيْهِ وَجْهَان مرتبان على الْمَغْصُوب وَأولى بِأَن لَا يلْزم لِأَن الدّين غير معرض للتلف فِي ذمَّته وَلَا يثقل عَلَيْهِ حفظه هَذَا إِذا أودع غَيره بِغَيْر عذر فَإِن حَضَره سفر فليرده على الْمَالِك فَإِن عجز فَإلَى القَاضِي فَإِن عجز فَإلَى أَمِين فَإِذا فعل شَيْئا من ذَلِك لم يضمن وَإِن عجز عَن الْكل فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه يُسَافر وَلَا ضَمَان للضَّرُورَة وَالثَّانِي أَنه يضمن فَإِنَّهُ الْتزم الْحِفْظ فاليتعرض لخطر الضَّمَان أَو ليترك السّفر
السَّبَب الثَّانِي السّفر بالوديعة
وَهُوَ سَبَب للضَّمَان إِذا لم يكن عذر
لِأَن الْمُسَافِر وَمَاله لعلى قلت إِلَّا مَا وقى الله تَعَالَى إِلَّا إِذا أَخذه فِي السّفر فَلهُ اسْتِدَامَة السّفر وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يُسَافر بِهِ إِذا كَانَ الطَّرِيق آمنا أما إِذا كَانَ بِعُذْر مثل حريق أَو نهب أَو غَارة فِي الْبَلَد فَلَا ضَمَان فِي السّفر بِهِ وَإِن كَانَ الْعذر حَاجته إِلَى السّفر فقد ذكرنَا حكمه
فرع
لَو حَضَره الْوَفَاة فَحكمه حكم من حَضَره سفر فليودع الْحَاكِم أَو أَمينا إِن عجز عَن الْحَاكِم أَو ليوص إِلَى وَارثه وليشهد عَلَيْهِ صِيَانة عَن الْإِنْكَار فَإِن سكت وَلم يخبر بِهِ أحدا ضمن إِلَّا إِذا مَاتَ فَجْأَة وَلَو أوصى إِلَى فَاسق ضمن وَإِن أوصى إِلَى عدل فَلم تُوجد الْوَدِيعَة فِي تركته فَلَا ضَمَان وَيحمل على أَنَّهَا ضَاعَت قبل مَوته وَإِن قَالَ عِنْدِي ثوب وَله أَثوَاب ضمن لِأَنَّهُ صِيغَة بالخلط
وَلَو لم يوص فَوجدَ فِي تركته كيس مختوم مَكْتُوب عَلَيْهِ أَنه وَدِيعَة فلَان فَلَا يجب تَسْلِيمه بِمُجَرَّد ذَلِك فَلَعَلَّهُ كتبه تلبيسا أَو بِملك بعد الكتيبة وَلم يُغير الْمَكْتُوب
السَّبَب الثَّالِث نقل الْوَدِيعَة من قَرْيَة إِلَى قَرْيَة
فَإِن نقلهَا من قَرْيَة آهلة إِلَى قَرْيَة غير آهلة ضمن لِأَن قَرْيَة آهلة أحرز فِي حَقه وَإِن كَانَ بِالْعَكْسِ وَبَينهمَا مَسَافَة تسمى سفرا ضمن لِأَنَّهُ سَافر بِهِ وَإِن لم تكن فَإِن كَانَت قَرْيَة غير آهلة مثل الأولى أَو أحرز فَلَا ضَمَان لِأَنَّهُ زَاد خيرا وَإِن كَانَ دونه ضمن لِأَنَّهُ نقص الأحزار فَكَانَ كَمَا لَو سَافر بِهِ وَإِن نقلهَا من بَيت فِي دَاره إِلَى بَيت آخر وَهُوَ مثل الآخر أَو فَوْقه لم يضمن
وَإِن كَانَ دونه ضمن مهما كَانَ الْبَيْت الأول معينا من الْمَالِك وَإِن قَالَ مَالك احفظ فِي هَذَا الْبَيْت وَلَا تنقل فَنقل إِلَى مَا هُوَ فَوْقه أَو مثله ضمن لمُخَالفَته صَرِيح الشَّرْط إِلَّا إِذا نقل بِعُذْر حريق أَو نهب أَو غَارة
فروع أَرْبَعَة
الأول حَيْثُ جَوَّزنَا النَّقْل إِلَى مثله فانهدم الْبَيْت الْمَنْقُول إِلَيْهِ فَتلفت الْوَدِيعَة ضمن لِأَن ذَلِك جوز بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة وَإِنَّمَا لَا يضمن إِذا جَاءَ التّلف من نَاحيَة أُخْرَى وَكَذَا إِذا قَالَ احفظ فِي هَذَا الْبَيْت وَلَا تدخل عَلَيْهَا أحدا فَأدْخل إنْسَانا وَتلف لَا من نَاحيَة الدَّاخِل لم يضمن وَإِن تلف من جِهَة الدَّاخِل ضمن وَكَذَلِكَ مكتري الدَّابَّة للرُّكُوب إِذا ركبهَا فِي الإصطبل فَمَاتَتْ لم يضمن وَإِن انْهَدم عَلَيْهَا الإصطبل ضمن الثَّانِي إِذا قَالَ احفظ فِي هَذَا الْبَيْت وَلَا تنقل وَإِن وَقعت ضَرُورَة فَإِن نقل بِغَيْر ضَرُورَة ضمن من أَي جِهَة كَانَ التّلف لِأَنَّهُ تصرف فِي مَاله مَعَ نَهْيه عَنهُ وَإِن وَقعت ضَرُورَة فَتَركهَا لم يضمن لِأَنَّهُ مَأْذُون فِي التضييع وَلَكِن الأولى أَن ينْقل لِأَن التضييع مَكْرُوه
ثمَّ إِذا نقل فَفِي الضَّمَان وَجْهَان كَمَا فِي الْمُحْتَسب مَعَ الْغَاصِب بِإِخْرَاج الْمَغْصُوب من يَده وَوجه الضَّمَان أَنه أثبت الْيَد على مَاله بِغَيْر إِذْنه فَكَانَ الاحتساب جَائِزا بِشَرْط إيصاله إِلَيْهِ أَو ركُوب غرر الضَّمَان الثَّالِث لَو نقل من ظرف إِلَى ظرف كصندوق أَو كيس فَإِن كَانَ الظروف للْمَالِك فتصرفه فِيهَا بِالنَّقْلِ الْمُجَرّد لَيْسَ بمضمن إِلَّا إِذا فض الْخَتْم أَو حمل القفل هَذَا مَا دلّ عَلَيْهِ مُطلق كَلَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَإِن كَانَ الظّرْف للْمُودع فَحكمه حكم الْبَيْت فِي النَّقْل إِلَى الأحرز أَو الْمثل أَو الأضعف الرَّابِع لَو قَالَ لَهُ لَا تنقل فَادّعى أَنه نقل لضَرُورَة فَإِن كَانَ سَبَب الضَّرُورَة مَشْهُورا فَالْقَوْل قَوْله إِلَّا فَالْقَوْل قَول الْمَالِك فَإِن الأَصْل عدم السَّبَب وَكَونه مُخَالفا للفظ بِظَاهِرِهِ
السَّبَب الرَّابِع التَّقْصِير فِي دفع المهلكات
وَفِيه مَسْأَلَتَانِ إِحْدَاهمَا إِذا أودعهُ دَابَّة فَترك الْعلف والسقي ضمن إِلَّا إِذا كَانَ مَأْذُونا فِي تَركه فيعصي وَلَا يضمن ثمَّ الْعلف لَا يلْزمه من مَاله بل يرفع الْأَمر إِلَى القَاضِي حَتَّى يستقرض على الْمَالِك فَإِن عجز وَأنْفق من مَاله وَأشْهد فَفِي الرُّجُوع خلاف فَإِن قُلْنَا إِنَّه يرجع فقد نزلناه منزلَة الْحَاكِم فَلهُ أَن يَبِيع جُزْءا من الدَّابَّة إِن لم يجد طَرِيقا إِلَى النَّفَقَة سواهُ
فرع
لَو أَمر غُلَامه بالعلف والسقي وَكَانَ عَادَته ذَلِك جَازَ وَإِن كَانَ عَادَته الْمُبَاشرَة بِنَفسِهِ فاستناب فِي الْوَدِيعَة غَيره حَتَّى ثَبت يَده عَلَيْهَا فِي السَّقْي ضمن وَقَالَ ابْن سُرَيج لَا يضمن لِأَن يَد خادمه وَصَاحبه كَيده فِي الْعَادة وَالْأَظْهَر أَنه إِن أخرجه بِنَفسِهِ للسقي وَالطَّرِيق آمن لم يضمن قَالَ الْإِصْطَخْرِي يضمن لِأَنَّهُ أخرج الْوَدِيعَة من الْحِرْز من غير حَاجَة إِلَّا إِذا عجز عَن السَّقْي فِي الْمنزل الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الثَّوْب الَّذِي يُفْسِدهُ الدُّود من الْخَزّ وَالصُّوف وَلَو ترك صيانته
بالنشر والتعريض للرياح ضمن وَإِن كَانَ لَا يَنْتَفِي الدُّود إِلَّا بِأَن يلْبسهُ ويعبق بِهِ ريح الْآدَمِيّ فَلهُ لبسه
السَّبَب الْخَامِس الِانْتِفَاع
فَإِذا لبس الثَّوْب أَو ركب الدَّابَّة ضمن إِلَّا أَن يلبس الثَّوْب لدفع الدُّود أَو ركب الدَّابَّة ليدفع الجموح عِنْد السَّقْي وَكَذَلِكَ إِذا أَخذ الدَّرَاهِم ليصرفها إِلَى حَاجته ضمن بِالْأَخْذِ وَإِن لم يصرفهُ إِلَى حَاجته وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يضمن بِمُجَرَّد الْأَخْذ وَنحن نزيد على هَذَا فَنَقُول لَو حل ختم الْكيس ضمن مَا فِي الْكيس لِأَنَّهُ يعد خِيَانَة على الْكيس وَهل يضمن الْكيس فِي نَفسه فِيهِ وَجْهَان أما إِذا حل عقدا على الْكيس من نفس الْكيس أَو من خيط وَأَعَادَهُ لم يضمن لِأَن ذَلِك لَا يعد خِيَانَة وَلَو أخرج الدَّابَّة ليرْكبَهَا فَلم يركبهَا ضمن وَلَو نوى إِخْرَاج الدَّابَّة وَأخذ الدَّرَاهِم فَلم يَأْخُذ وَلم يخرج لَا يضمن
بِخِلَاف الْمُلْتَقط فَإِنَّهُ يضمن بِالنِّيَّةِ لِأَن سَبَب أَمَانَته نِيَّته فتغيرت الْأَمَانَة بِتَغَيُّر النِّيَّة وَهَاهُنَا سَبَب الْأَمَانَة إِثْبَات الْمَالِك يَده فَلَا تَتَغَيَّر إِلَّا بعد وَأَن فِي عين المَال وَقَالَ ابْن سُرَيج يضمن كالملتقط وَمن الْأَصْحَاب من قَالَ لَو نوى أَن لَا يرد على الْمَالِك ضمن بِمُجَرَّد النِّيَّة لِأَنَّهُ صَار بِهِ ممسكا على نَفسه
فرعان
أَحدهمَا لَو ضمن الدِّرْهَم بِالْأَخْذِ فَرده إِلَى الْكيس فَإِن لم يخْتَلط فَالضَّمَان مَقْصُود عَلَيْهِ وَإِن اخْتَلَط فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه يضمن لِأَنَّهُ خلط بالمضمون فَهُوَ كَمَا لَو خلط درهما لنَفسِهِ بِهِ فَإِنَّهُ يضمن الْكل وَالثَّانِي لَا يضمن لِأَنَّهُ خلط ملكه بِملكه بِخِلَاف مَا إِذا خلط بِهِ ملك نَفسه فَإِنَّهُ تعذر بِهِ تَسْلِيم ملك الْمَالِك الثَّانِي إِذا أتلف بعض الْوَدِيعَة لم يضمن الْبَاقِي إِذا كَانَ الْمُتْلف مُنْفَصِلا كَمَا لَو أتلف أحد الثَّوْبَيْنِ
وَإِن كَانَ مُتَّصِلا كَمَا لَو قطع ذِرَاعا من الثَّوْب أَو طرفا من الدَّابَّة فَإِن كَانَ عَامِدًا ضمن لِأَنَّهُ خِيَانَة على الْكل وَإِن كَانَ خطأ ضمن المفوت وَفِي الْبَاقِي وَجْهَان أظهرهمَا أَنه لَا يضمن لِأَنَّهُ لَا يعد خائنا فِي السَّهْو
السَّبَب السَّادِس التَّقْصِير بكيفية الْحِفْظ
وَفِيه ثَلَاث صور الأولى إِذا سلم إِلَيْهِ صندوقا وَقَالَ لَا ترقد عَلَيْهِ فرقد قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فقد زَاده خيرا فَلَا يضمن وَقَالَ مَالك رَحمَه الله يضمن لِأَنَّهُ أغرى اللص بِهِ وَمَا ذكره مُتَّجه إِذا أَخذ السَّارِق من جنب الصندوق فِي الصَّحرَاء فَإِن هَذَا من قبيل الْمُخَالفَة الْجَائِزَة بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة الثَّانِيَة سلم إِلَيْهِ دَرَاهِم وَقَالَ اربطه فِي كمك فَأَمْسكهَا فِي يَده
فَإِن أَخذه غَاصِب فَلَا ضَمَان لِأَن الْيَد أحرز فِي هَذِه الْحَالة وَإِن استرخى بنوم أَو نِسْيَان ضمن لِأَن الرَّبْط أحرز هَاهُنَا وَلَو ربط فِي كمه قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِن جعل الْخَيط الرابط خَارج الْكمّ ضمن لِأَنَّهُ أغرى للطرار بِهِ وَإِن جعله دَاخل الْكمّ لم يضمن فَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيم إِذا ضَاعَ من جِهَة الطرار فَإِن ضَاعَ بالاسترسال فَيَنْبَغِي أَن يكون الحكم بِالْعَكْسِ من هَذَا الثَّالِثَة أودعهُ خَاتمًا قَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله إِن جعله فِي خِنْصره ضمن لِأَنَّهُ مُسْتَعْمل وَفِي إِصْبَع آخر لَا يضمن لِأَنَّهُ إِحْرَاز وَمَا ذكره غير بعيد عَن الْقيَاس إِلَّا إِذا كَانَ تضيق الْحلقَة عَن غير الْخِنْصر فالحفظ فِيهِ مَحْمُول على قصد الْإِحْرَاز
السَّبَب السَّابِع التضييع
وَله صور الأولى أَن يلقيه فِي مضيعة فَيضمن
ويلتحق بِهِ مَا لَو دلّ سَارِقا عَلَيْهِ أَو دلّ من يصادر الْمَالِك عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يضمن لِأَنَّهُ خَالف الْحِفْظ الْمُلْتَزم بِخِلَاف من لَا يَد لَهُ على المَال فَإِنَّهُ إِذا دلّ لم يضمن لِأَنَّهُ لم يلْتَزم الْحِفْظ وَلم يتَصَرَّف فِي المَال الثَّانِيَة إِذا ضيع بِالنِّسْيَانِ فقد سُئِلَ الخضري عَن زَوْجَة سلمت خلخالا إِلَى زَوجهَا ليسلمه إِلَى صائغ فتسلم وَنسي الصَّائِغ فَقَالَ إِن لم يشْهد يضمن بالتقصير فِي الْإِشْهَاد وَإِن أشهد فَلَا يضمن وَإِن مَاتَ الشُّهُود أَو نسوه وَهَذَا مصير إِلَى أَن النسْيَان لَيْسَ بتقصير وَهُوَ غير بعيد وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يضمن بِالنِّسْيَانِ فَإِن حق الْمُودع التحفظ وَالنِّسْيَان لَا يُؤثر فِي دفع الضَّمَان الثَّالِثَة إِذا أكرهه ظَالِم على التَّسْلِيم فقرار الضَّمَان على الظَّالِم وَفِي توجه الْمُطَالبَة على الْمُكْره وَجْهَان جاريان فِي الْمُكْره على إِتْلَاف مَال الْغَيْر هَذَا إِذا لم يقدر على دفع الظَّالِم فَإِن قدر على دَفعه بإخفاء الْوَدِيعَة فَلم يفعل ضمن
فَإِن حلفه الظَّالِم فليحلف وليكفر وَلَا بَأْس بِأَن يحلف كَاذِبًا إِذا كَانَ مَقْصُوده حفظ حق الْغَيْر وَقد جوز الشَّرْع كلمة الرِّدَّة لحفظ النَّفس وَلَو حلف بِالطَّلَاق فَإِن حلف طلقت زَوجته لِأَنَّهُ قدر على الْخَلَاص بِتَسْلِيم الْوَدِيعَة وَإِن سلم الْوَدِيعَة ضمن لِأَنَّهُ قدر على أَن لَا يسلم بِالْحلف وَهُوَ كَمَا لَو خير بَين أَن يُطلق إِحْدَى زوجتيه لَا على التَّعْيِين إِكْرَاها فعين إِحْدَاهمَا للطَّلَاق وَقع الطَّلَاق
السَّبَب الثَّامِن للضَّمَان الْجُحُود
وجحود الْوَدِيعَة مَعَ غير الْمَالِك لَيْسَ بمضمن إِذْ عَادَة الْوَدِيعَة الْإخْفَاء وَأما مَعَ الْمَالِك فَبعد الْمُطَالبَة بِالرَّدِّ مضمن وَإِن لم يُطَالب وَلَكِن قَالَ لي عنْدك شئ فَسكت لم يضمن وَإِن أنكر فَوَجْهَانِ أَحدهمَا لَا لِأَن الْجُحُود بعد الطّلب وَالثَّانِي أَنه يضمن لِأَنَّهُ جحود إِذا وَقع بعد السُّؤَال
فرع
إِذا جحد فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه
فَإِن أَقَامَ الْمُودع بَيِّنَة على الْإِيدَاع فَادّعى الرَّد أَو التّلف قبل الْجُحُود نظر إِلَى صبغة جحوده فَإِن قَالَ لَيْسَ لَك عِنْدِي شئ فَقَوله مَقْبُول فِي الرَّد والتلف لِأَنَّهُ لَا مناقضة بَين كلاميه وَإِن أنكر أصل الْوَدِيعَة فَقَوله فِي الرَّد والتلف لَا يقبل فَلَو أَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا يُمكن لِأَن الْبَيِّنَة تنبني على الدَّعْوَى ودعواه بَاطِلَة بِمَا سبق من قَوْله المناقض لَهَا وَالثَّانِي أَنه يقبل لِأَنَّهُ كَاذِب فِي أحد قوليه لَا محَالة وَالْبَيِّنَة تبين أَن الْكَذِب فِي الأول لَا فِي الثَّانِي هَذَا مَا أردنَا أَن نذكرهُ من أَسبَاب الضَّمَان وَمهما جرى سَبَب الضَّمَان فَعَاد أَمينا وَترك الْخِيَانَة لم يبرأ عَن الضَّمَان عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة فَلَو اسْتَأْنف الْمَالِك إيداعه فَالظَّاهِر أَنه يَزُول الضَّمَان وَفِيه وَجه أَنه لَا يَزُول إِلَّا بِإِزَالَة يَده كضمان يَد البَائِع