الوسيط في المذهبصفحات 238-278
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين

صفحات 238-278

فرع لَو حلف لَا يَأْكُل الْبيض ثمَّ انْتهى إِلَى رجل فَقَالَ وَالله لآكلن مِمَّا فِي كمك فَإِذا هُوَ بيض فقد سُئِلَ الْقفال رَحمَه الله عَنهُ هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ على الْكُرْسِيّ فَلم يحضرهُ الْجَواب فَقَالَ المَسْعُودِيّ وَهُوَ تِلْمِيذه يتَّخذ مِنْهُ الناطف وَيَأْكُل فَيكون قد أكل مِمَّا فِي كمه وَلم يَأْكُل الْبيض فَاسْتحْسن مِنْهُ ذَلِك

النَّوْع الثَّالِث فِي أَلْفَاظ الْعُقُود

فَإِذا حلف لَا يَأْكُل طَعَاما اشْتَرَاهُ فلَان لَا يَحْنَث بِمَا ملكه من وَصِيَّة وَهبة وَإِجَارَة أَو رَجَعَ إِلَيْهِ بإقالة ورد عيب أَو قسْمَة نظرا إِلَى اللَّفْظ وَيحنث بالسلم وَفِيمَا ملك بِالصُّلْحِ عَن الدّين تردد وَلَو قَالَ لَا أَدخل دَارا اشْترى فلَان بَعْضهَا فَأَخذه بِالشُّفْعَة لم يَحْنَث وَمَا ملكه بِلَفْظ الإشتراك وَالتَّوْلِيَة فَهُوَ شِرَاء وَلَو قَالَ مَا اشْتَرَاهُ زيد فاشترك زيد وَعَمْرو فَالْمَشْهُور من الْمَذْهَب أَنه لَا يَحْنَث لِأَن الشِّرَاء غير مُضَاف إِلَى أَحدهمَا على الْخُصُوص وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يَحْنَث وَلَو اشْترى زيد وخلط بِمَا اشْتَرَاهُ غَيره حنث إِذا أكل من الْمُخْتَلط اللَّفْظ الثَّانِي إِذا قَالَ لَا أَشْتَرِي وَلَا أَتزوّج فَوكل لم يَحْنَث كَمَا لَو وكل بِالضَّرْبِ إِلَّا أَن يحلف على مَا لَا يقدر عَلَيْهِ كَقَوْلِه لَا أبني بَيْتا وَهُوَ لَيْسَ بِبِنَاء أَو قَالَ الْأَمِير لَا

أضْرب فَأمر الجلاد فقد خرج الرّبيع فِيهِ قولا أَنه يَحْنَث وَظَاهر الْمَذْهَب أَنه لَا يَحْنَث وَيتبع اللَّفْظ إِذا لم تكن نِيَّة أما إِذا توكل فِي هَذِه الْعُقُود فَإِن أضَاف إِلَى الْمُوكل لم يَحْنَث وَالنِّكَاح يجب إِضَافَته فَلَا يَحْنَث فِيهِ الْوَكِيل وَلَا الْمُوكل وَلَو حلفا جَمِيعًا فَإِن اطلق الْوَكِيل الشِّرَاء من غير إِضَافَة فَالْمَشْهُور أَنه يَحْنَث لِأَنَّهُ يُنَاقض قَوْله لَا أَشْتَرِي وَخرج القَاضِي وَجها أَنه لَا يَحْنَث لانصراف العقد إِلَى غَيره وَلَو قَالَ لَا أزوج فَوكل بِالتَّزْوِيجِ حنث لِأَن الْوَلِيّ أَيْضا كَالْوَكِيلِ وَلَو قَالَ لَا أكلم زَوْجَة زيد حنث بمكالمة امْرَأَة قبل نِكَاحهَا وَكيل زيد وَلَو قَالَ لَا أكلم عبدا اشْتَرَاهُ زيد فَاشْترى وَكيله لم يَحْنَث بمكالمته وَلَو قَالَ لَا أكلم امْرَأَة تزَوجهَا زيد فَقبل وَكيله فَالْقِيَاس أَنه لَا يَحْنَث كَمَا فِي الشِّرَاء وَقَالَ الصيدلاني إِنَّه يَحْنَث وَهُوَ تشوف إِلَى مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله فِي أَن من تزوج بِالتَّوْكِيلِ حنث فِي يَمِين التَّزَوُّج اللَّفْظ الثَّالِث لَو قَالَ لَا أبيع الْخمر فَبَاعَهُ لم يَحْنَث لِأَن ذَلِك صُورَة البيع وَبيع الْخمر محَال فَهُوَ كصعود السَّمَاء وَقَالَ الْمُزنِيّ رَحمَه الله يَحْنَث وَيحمل هَذَا على صُورَة البيع بِخِلَاف مَا لَو أطلق وَقَالَ لَا أبيع فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث بالفاسد وَالْمذهب أَنه لَا يَحْنَث

وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ الزَّوْج لَا أبيع مَال زَوْجَتي بِغَيْر إِذْنهَا ثمَّ بَاعَ بِغَيْر إِذْنهَا لم يَحْنَث لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبيع وَإِنَّمَا حلف على محَال اللَّفْظ الرَّابِع إِذا حلف لَا يهب مِنْهُ فَتصدق عَلَيْهِ حنث وَيحنث بالرقبى والعمرى وَلَا يَحْنَث بِالْوَقْفِ إِن قُلْنَا لَا يملك الْمَوْقُوف عَلَيْهِ وَإِن قُلْنَا يملك حنث وَفِيه احْتِمَال وَلَا يَحْنَث بِتَقْدِيم الطَّعَام إِلَيْهِ بالضيافة وَلَا يَحْنَث بِالْهبةِ من غير قبُوله وَهل يَحْنَث قبل الْإِقْبَاض فِيهِ وَجْهَان وَقَالَ ابْن سُرَيج يَحْنَث من غير قبُوله إِذْ يَقُول وهبت فَلم يقبل وَيلْزمهُ طرد ذَلِك فِي جَمِيع الْعُقُود وَإِن قَالَ لَا أَتصدق عَلَيْهِ لم يَحْنَث بِالْهبةِ مِنْهُ إِذْ حلت الْهِبَة لرَسُول الله دو الصَّدَقَة وَفِيه وَجه أَنه يَحْنَث وَلَو حلف أَنه لَا مَال لَهُ حنث بِمَال لَا تجب فِيهِ الزَّكَاة خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله وَيحنث بِالدّينِ المجل والمعجل كَانَ على مُوسر أَو مُعسر والآبق مَال وَكَذَا

الْمُدبر وَفِي أم الْوَلَد وَجْهَان وَفِي الْمكَاتب وَجْهَان مرتبان وَأولى بِأَن لَا يكون مَالا لاستقلاله بِنَفسِهِ وَالْمَنَافِع لَيْسَ بِمَال فِي الْيَمين حَتَّى لَو ملك مَنْفَعَة دَار بِالْإِجَارَة لم يَحْنَث لِأَنَّهُ يُرَاد بِهِ الْأَعْيَان

النَّوْع الرَّابِع فِي الإضافات وفيهَا أَلْفَاظ

الأول إِذا قَالَ لَا أَدخل دَار فلَان فَدخل مَا يملكهُ وَلَا يسكنهُ حنث وَلَو دخل مَا يسكنهُ عَارِية لم يَحْنَث فمطلق الْإِضَافَة للْملك وَلَو قَالَ لَا أسكن مسكن فلَان حنث بِمَا يسكنهُ عَارِية وَهل يَحْنَث بمسكنه الْمَغْصُوب فِيهِ وَجْهَان وَهل يَحْنَث بِمَا يملكهُ وَلَا يسكنهُ ثَلَاثَة أوجه وَفِي الثَّالِث أَنه يَحْنَث إِن سكنه مرّة وَلَو سَاعَة وَلَو قَالَ لَا أَدخل دَار زيد هَذِه فَبَاعَهَا ثمَّ دخل حنث فِي الْأَظْهر تَغْلِيبًا للْإِشَارَة وَفِيه وَجه وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله أَنه لَا يَحْنَث للإضافة المقرونة بِالْإِشَارَةِ وَلم تُوجد إِلَّا إِحْدَاهمَا وَلَو قَالَ لَا أَدخل من هَذَا الْبَاب فحول الْبَاب إِلَى منفذ آخر فبأيهما يَحْنَث فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهمَا أَنه يَحْنَث بِدُخُول هَذَا المنفذ وَإِن لم يكن عَلَيْهِ بَاب وَالثَّانِي أَنه يَحْنَث بِدُخُول المنفذ الَّذِي عَلَيْهِ الْبَاب وَالثَّالِث أَنه لَا يَحْنَث بِوَاحِد مِنْهُمَا فَلَا بُد من اجتماعها فَلَو قَالَ لَا أَدخل بَاب هَذِه الدَّار وَلم يشر إِلَى بَاب ومنفذ فَفتح للدَّار بَاب جَدِيد فعلى

وَجه يَحْنَث بِهِ وَبِأَيِّ بَاب كَانَ وعَلى وَجه ينزل على الْمَوْجُود وَقت الْيَمين وَلَو قَالَ لَا أركب دَابَّة ذَلِك العَبْد لَا يَحْنَث بِمَا هُوَ مَنْسُوب إِلَيْهِ إِذا لم يملكهُ إِذا قُلْنَا إِنَّه يملك بالتمليك وَلَو قَالَ لَا أركب سرج هَذِه الدَّابَّة وَلَا أبيع جلها حنث بالمنسوب إِلَيْهَا إِلَّا أَن الْملك للدابة غير متوقع فَيحمل على النِّسْبَة وَلَو قَالَ لَا ألبس مَا من بِهِ فلَان عَليّ حنث بِمَا وهبه فِي الْمَاضِي لَا بِمَا يهب فِي الْمُسْتَقْبل لِأَن اللَّفْظ للماضي وَلَو قَالَ بِمَا يمن بِهِ فلَان لم يَحْنَث بِمَا وهب من قبل وَيحنث بِمَا سيهبه ثمَّ سَبيله أَن يُبدل بِثَوْب آخر يَبِيعهُ وَلَو بَاعه ثوبا بمحاباة لم يَحْنَث بِهِ لِأَنَّهُ مَا من بِالثَّوْبِ بل من بِالثّمن وَلَو قَالَ لَا ألبس ثوبا فارتدى بِهِ أَو اتزر حنث وَكَذَلِكَ لَو ارتدى بسراويل واتزر بقميص لتحَقّق اسْم اللّبْس وَالثَّوْب وَلَو طواه وَوَضعه على رَأسه لم يَحْنَث لِأَنَّهُ حمل وَلَيْسَ بِلبْس وَلَو فرش ورقد عَلَيْهِ لم يَحْنَث وَلَو تدثر بِهِ فَفِيهِ تردد وَلَو قَالَ لَا ألبس قيمصا فارتدى بِهِ فَفِيهِ وَجْهَان لِأَن ذكر الْقَمِيص يشْعر بلبسه كَمَا يلبس الْقَمِيص وَلَو فتق واتزر بِهِ يجب الْقطع بِأَنَّهُ لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ فِي الْحَال غير قَمِيص وَلَو قَالَ لَا ألبس هَذَا الْقَمِيص فَوَجْهَانِ وَأولى بِأَن يَحْنَث حَتَّى يجْرِي الْخلاف وَإِن فتقه وارتدى بِهِ تَغْلِيبًا للْإِشَارَة على وَجه وَلَو قَالَ لَا ألبس هَذَا الثَّوْب وَهُوَ قَمِيص عِنْد ذكره ففتقه وارتدى بِهِ فَوَجْهَانِ وَأولى بِالْحِنْثِ وَلَو قَالَ لَا أكلم هَذَا وَأَشَارَ إِلَى عبد وَعتق وَكَلمه حنث وَإِن قَالَ لَا أكلم هَذَا العَبْد فَفِي كَلَامه بعد الْعتْق وَجْهَان لاخْتِلَاف الْإِشَارَة والإسم وَلَو قَالَ لَا آكل لحم هَذَا وَكَانَت سخلة فكبرت وَأكل حنث وَلَو قَالَ لَا آكل لحم هَذِه السخلة فكبرت فَوَجْهَانِ وَكَذَلِكَ الرطب

إِذا جف وَالْحِنْطَة إِذا تَغَيَّرت وَمن الْأَصْحَاب من قَالَ لَا يَحْنَث فِي الْحِنْطَة أَو مَا تَغَيَّرت بالصنعة بِخِلَاف السخلة وَالرّطب فَإِن تغيره بالخلقة وَلَو أَشَارَ إِلَى سخلة وَقَالَ لَا آكل لحم هَذِه الْبَقَرَة حنث بأكلها تَغْلِيبًا للْإِشَارَة وَفِي مثله فِي البيع خلاف لِأَن فِي الْعُقُود تعبدات توجب مُلَاحظَة النّظم فِي الْعبارَة وَلَو قَالَ لَا ألبس مِمَّا غزلته فُلَانَة يحمل على مَا غزلته فِي الْمَاضِي وَلَو قَالَ من غزلها عَم الْمَاضِي والمستقبل وَلَو خيط ثَوْبه بغزلها لم يَحْنَث إِذْ الْخَيط غير ملبوس وَلَو كَانَ السّديّ من غزلها واللحمة من غزل غَيرهَا فَالْمَشْهُور أَنه لَا يَحْنَث لِأَن اسْم الثَّوْب لَا يتَنَاوَل بعض الْغَزل وَاسم اللّبْس يتَنَاوَل الثَّوْب قَالَ الإِمَام وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يُقَال لَو حلف لَا يلبس من غزل نسوته فنسج ثوبا وَاحِدًا من غزلهن لَا يَحْنَث وَهُوَ بعيد وَإِنَّمَا يتَّجه هَذَا إِذا قَالَ لَا ألبس ثوبا من غزل فُلَانَة فَإِن الْبَعْض لَيْسَ بِثَوْب أما إِذا قَالَ لَا ألبس من غزل فُلَانَة فَهَذَا فِيهِ غزلها فَلَا يبعد أَن يَحْنَث وَلَو حلف لَا تخرج امْرَأَته بِغَيْر إِذْنه ثمَّ أذن لَهَا بِحَيْثُ لم تسمع فَفِي الْحِنْث إِذا خرجت وَجْهَان مأخذهما التَّرَدُّد فِي حد الْإِذْن إِذْ يحْتَمل أَن يُقَال شَرطه اسْتِمَاع الْمَأْذُون فِيهِ وَيحْتَمل أَن يُقَال أَرَادَ بِالْإِذْنِ الرِّضَا وَقد رَضِي ونطق بِهِ والمشكل أَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ قد نَص أَنَّهَا لَو خرجت مرّة بِإِذْنِهِ انحل الْيَمين وَلَو خرجت بعد ذَلِك بِغَيْر إِذن لم يَحْنَث بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ إِن خرجت بِغَيْر خف فَأَنت طَالِق فَخرجت بخف ثمَّ خرجت بِغَيْر خف يَحْنَث وَمن أَصْحَابنَا من خرج وَجها أَنه لَا تنْحَل الْيَمين بِالْخرُوجِ بِالْإِذْنِ أَيْضا وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله وَهُوَ منقاس وَلكنه خلاف النَّص وَالْفرق أَن مَقْصُود الزَّوْج فِي مثله إلزامها التحذر وَإِذا أذن فِي الْخُرُوج مرّة فقد رفع ذَلِك التحذر بِنَفسِهِ فخروجها بعد ذَلِك لَا يتَنَاوَلهُ الْيَمين

النَّوْع الْخَامِس فِي الْحلف على الْكَلَام

فَلَو قَالَ وَالله لَا أُكَلِّمك تَنَح عني حنث بقوله تَنَح عني وَكَذَلِكَ بِكُل مَا يذكرهُ بعد الْيَمين من زجر وإبعاد وَشتم وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يَحْنَث وَلَو كَاتبه لم يَحْنَث فَلَو رمز بِإِشَارَة مفهمة فالجديد أَنه لَا يَحْنَث وَكَذَلِكَ إِن خرس وَأَشَارَ إِلَيْهِ لِأَن إِشَارَته لَيست بِكَلَام فِي اللُّغَة وَإِنَّمَا أعطي حكم الْكَلَام لضَرُورَة الْمُعَامَلَة وَلَو حلف على مهاجرته فَفِي مُكَاتبَته تردد من حَيْثُ إِنَّهَا ضد المهاجرة وَلَكِن المهاجرة الْمُحرمَة لَا ترْتَفع بهَا وَلَو قَالَ لَا أَتكَلّم فَقَرَأَ الْقُرْآن وَسبح وَهَلل لم يَحْنَث وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يَحْنَث كَمَا لَو ردد شعرًا مَعَ نَفسه فَإِنَّهُ يَحْنَث عندنَا أَيْضا وَمَا ذكره لَا يَخْلُو عَن احْتِمَال

وَلَو قَالَ لأنثين على الله أحسن الثَّنَاء فالبر أَن يَقُول لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك وَلَو قَالَ لأحمدن الله بِمَجَامِع الْحَمد فَلْيقل مَا علمه جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام آدم عَلَيْهِ السَّلَام الْحَمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافىء مزيده وَلَو قَالَ وَالله لَا أُصَلِّي حنث كَمَا يحرم بِالصَّلَاةِ وَإِن أفسدها بعد ذَلِك وَمِنْهُم من قَالَ مَا لم يفرغ من صَلَاة صَحِيحَة لَا يَحْنَث لَكِن هَل يتَبَيَّن استناد الْحِنْث إِلَى أول الصَّلَاة فِيهِ وَجْهَان وَكَذَا الْخلاف فِي الصَّوْم وَلمن حلف لَا يحجّ حنث بِالْحَجِّ الْفَاسِد لِأَنَّهُ مُنْعَقد بِخِلَاف البيع الْفَاسِد

النَّوْع السَّادِس وَهُوَ تَقْدِيم الْبر وتأخيره وَفِيه أَلْفَاظ

الأول إِذا قَالَ لآكلن هَذَا الطَّعَام غَدا فَإِن أكل الطَّعَام قبل الْغَد حنث لِأَنَّهُ فَوت الْبر بِاخْتِيَارِهِ وَكَذَلِكَ إِذا أكل الْبَعْض لِأَن الْبر يحصل بِأَكْل جَمِيعه لَكِن الْكَفَّارَة تلْزمهُ فِي الْوَقْت أَو غَدا فِيهِ خلاف وَلَو تلف الطَّعَام قبل مَجِيء الْغَد بِغَيْر اخْتِيَاره فَفِي الْحِنْث خلاف يلْتَفت على الْإِكْرَاه وَالنِّسْيَان فِي الْحِنْث وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلَو أتْلفه فِي أثْنَاء الْغَد أَو مَاتَ الْحَالِف وَقد بَقِي من الْغَد بَقِيَّة فَفِيهِ وَجْهَان يلتفتان على أَن من مَاتَ فِي أثْنَاء وَقت الصَّلَاة هَل يَعْصِي بترك الْمُبَادرَة وَالصَّحِيح أَنه لَا يَعْصِي لِأَن الْوَقْت فسحة التَّأْخِير وَالصَّحِيح أَنه يَحْنَث لِأَنَّهُ فَوت الْبر مَعَ إِمْكَانه وَكَذَلِكَ لَو فَاتَ مهما قُلْنَا

إِن الْحِنْث يحصل بِغَيْر اخْتِيَاره اللَّفْظ الثَّانِي لَو قَالَ لأقضين حَقك غَدا فَمَاتَ الْمُسْتَحق فالوفاء مُمكن بِالتَّسْلِيمِ إِلَى الْوَرَثَة وَإِن مَاتَ الْحَالِف سَوَاء مَاتَ قبل الْغَد أَو بعده فَهُوَ كفوات الطَّعَام فَإِن قُلْنَا يَحْنَث فَفِي مَوته قبل الْغَد نظر لِأَن وَقت الْحِنْث إِنَّمَا يدْخل وَهُوَ ميت وَلَكِن لَا يبعد أَن يَحْنَث وَهُوَ ميت مهما سبق الْيَمين الَّتِي هِيَ السَّبَب فِي حَال الْحَيَاة كَمَا لَو حفر بِئْرا فتردى فِيهَا بعد مَوته إِنْسَان إِذْ يلْزمه الْكَفَّارَة وَالضَّمان فِي مَاله اللَّفْظ الثَّالِث لَو قَالَ لأقضين حلقك عِنْد رَأس الْهلَال فَلَو قضى قبله فقد فَوت الْبر فَيحنث وَلَو قضى بعده فَكَذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يترصد ويحضر المَال ليسلم عِنْد الإستهلال لَا قبله وَلَا بعده وَهَذَا يكَاد يكون محالا إِذْ لَا يقدر عَلَيْهِ فإمَّا أَن يتَسَامَح

فِيهِ ويقنع بالممكن أَو يُقَال الْتزم محالا فَيحنث بِكُل حَال وَلَا ذَاهِب إِلَيْهِ وَلَكِن قَالَ بعض الْأَصْحَاب لَهُ فسحة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَالْيَوْم الأول فَإِن هَذَا فِي الْعَادة يُسمى أول الْهلَال وَهُوَ بعيد اللَّفْظ الرَّابِع لَو قَالَ لأقضين حَقك إِلَى حِين فَهَذَا ينبسط على الْعُمر وَلَا يتَقَدَّر وقته وَلَو قَالَ إِذا مضى حِين فَأَنت طَالِق نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنَّهَا تطلق بعد لَحْظَة وَهَذَا فِي جَانب الطَّلَاق مُمكن وَغَايَة تَعْلِيله أَن الإسم ينْطَلق على لَحْظَة وَهُوَ تَعْلِيق فَيتَعَلَّق بِأول مَا يُسمى حينا أما إِذا قَالَ لأقضين حَقك إِلَى حِين فَهَذَا وعد فَلَا يتَعَلَّق بِأول اسْم

النَّوْع السَّابِع فِي الْخُصُومَات

وَفِيه ثَلَاثَة أَلْفَاظ الأول إِذا قَالَ لَا أرى مُنْكرا إِلَّا رفعته إِلَى القَاضِي فَلَيْسَ عَلَيْهِ البدار إِذا رَآهُ بل جَمِيع عمره فسحة وَإِنَّمَا يَحْنَث إِذا مَاتَ هُوَ أَو القَاضِي بعد التَّمَكُّن من الرّفْع وَلَو لم يتَمَكَّن حَتَّى مَاتَ أَحدهمَا فَهَذَا فَوَات الْبر كرها فَيخرج على الْخلاف وَلَو بَادر إِلَى الرّفْع فَمَاتَ القَاضِي قبل الإنتهاء إِلَى مَجْلِسه مِنْهُم من قطع بِأَنَّهُ لَا يَحْنَث وَمِنْهُم من خرج على الْخلاف وَلَو عزل القَاضِي الَّذِي عينه وَلم يرفعهُ إِلَيْهِ بعد الْعَزْل قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ خشيت أَن يَحْنَث فَأطلق الْأَصْحَاب قَوْلَيْنِ وَإِذا قَالَ رفعته إِلَى القَاضِي فَهَل يتَعَيَّن الْمَنْصُوب فِي الْحَال أم يبر بِالرَّفْع إِلَى كل من ينصب بعده فَفِيهِ وَجْهَان لتردد الْألف وَاللَّام بَين التَّعْرِيف وَالْجِنْس وَلَو رأى مُنْكرا بَين يَدي القَاضِي مَعَ القَاضِي فَلَا معنى للرفع وَلَو اطلع عَلَيْهِ بعد اطلَاع القَاضِي فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه فَاتَ الْبر كَمَا لَو رأى مَعَه وَالثَّانِي أَنه يبر بِصُورَة الرّفْع وَإِن لم يكن فِيهِ إِعْلَام

وعَلى الْوَجْه الأول يخرج مَا لَو صب مَاء الْإِدَاوَة بعد أَن حلف على شربة أَو أبرىء عَن الدّين بعد أَن حلف على قَضَائِهِ فَإِن قُلْنَا الْإِبْرَاء يفْتَقر إِلَى قبُول فَقبل يَحْنَث بالفوات قطعا لاختياره اللَّفْظ الثَّانِي إِذا حلف لَا يُفَارق غَرِيمه حَتَّى يَسْتَوْفِي الْحق فَإِن أَبرَأَهُ أَو أَخذ مِنْهُ عوضا حنث لِأَنَّهُ لم يسْتَوْف عين حَقه إِلَّا إِذا نوى وَلَو فَارقه الْغَرِيم فَلم يتَعَلَّق بِهِ وَلم يتبعهُ لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ لم يُفَارق وَإِنَّمَا المفارق غَرِيمه وَهُوَ حَالف على فعل نَفسه وَلَو كَانَا يتماشيان فَوقف وَمَشى الْغَرِيم لَا يَحْنَث أَيْضا لِأَن الْمُفَارقَة قد حصلت بحركة الْغَرِيم وَلَا ينْسب إِلَى سكونه وَقَالَ القَاضِي ينْسب إِلَى سكونه فَإِنَّهُ الْحَادِث الْآن بِخِلَاف الصُّورَة الأولى فَإِن الْحَادِث هُوَ أصل الْمَشْي وَهُوَ من الْغَرِيم أما إِذا قَالَ لَا يفْتَرق فَإِن فَارقه الْغَرِيم حنث لِأَنَّهُ أضَاف إِلَى الْجَانِبَيْنِ وَفِيه وَجه أَنه لَا يَحْنَث اللَّفْظ الثَّالِث إِذا قَالَ لأضربنك مائَة خَشَبَة حصل الْبر بِالضَّرْبِ بشمراخ عَلَيْهِ مائَة من القضبان وَهَذَا بعيد على خلاف مُوجب اللَّفْظ وَلكنه يثبت تعبدا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث﴾ فِي قصَّة أَيُّوب عَلَيْهِ السَّلَام

ثمَّ لَا بُد أَن يتثاقل على الْمَضْرُوب بِحَيْثُ تنكبس جَمِيع القضبان حَتَّى يكون لكل وَاحِد أثر وَلَا بَأْس أَن يكون وَرَاء حَائِل إِذا كَانَ لَا يمْنَع التَّأْثِير أصلا وَفِيه وَجه أَنه لَا بُد من ملاقاة جَمِيع بدنه وَلَا يَكْفِي انكباس الْبَعْض على الْبَعْض ثمَّ لَو شككنا فِي حُصُول التثقيل أَو المماسة إِن شرطناها قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ حصل الْبر وَنَصّ أَنه لَو قَالَ لَا أَدخل الدَّار إِلَّا أَن يَشَاء زيد ثمَّ دخل وَمَات زيد وَلم يعرف أَنه شَاءَ أم لَا حنث فَقيل قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج لأجل الْإِشْكَال وَقيل الْفرق أَن الأَصْل عدم الْمَشِيئَة وَلَا سَبَب يظنّ بِهِ وجودهَا وَالضَّرْب هَاهُنَا سَبَب ظَاهر فِي اقْتِضَاء الإنكباس وَلَو قَالَ مائَة سَوط بدل الْخَشَبَة لم تكفه الشماريخ بل عَلَيْهِ أَن يَأْخُذ مائَة سَوط وَيجمع وَيضْرب دفْعَة وَاحِدَة وَمِنْهُم من قَالَ تكفيه الشماريخ أَيْضا كَمَا فِي لفظ الْخَشَبَة أما إِذا قَالَ لَأَضرِبَن مائَة ضَرْبَة فَلَا يَكْفِي الضَّرْب مرّة وَاحِدَة بالشماريخ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يَكْفِي الضربات بالسياط مَعًا ولنقتصر من صور الْأَلْفَاظ ومعانيها على هَذَا الْقدر فَإِنَّهُ فن لَا يتَصَوَّر أَن يحصر وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ هَاهُنَا وَفِي الطَّلَاق مَا يمهد طَرِيق الْمعرفَة

خَاتِمَة

كل فعل يحصل بِهِ الْحِنْث فَإِذا حصل ذَلِك الْفِعْل مَعَ إِكْرَاه أَو نِسْيَان أَو جهل فَفِيهِ نظر لَا بُد من بَيَانه فَلَو قَالَ وَالله لَا أَدخل الدَّار فَأذن حَتَّى حمل وَأدْخل حنث لِأَنَّهُ كالراكب والراكب دَاخل وَلَو حمل قهرا وَأدْخل لم يَحْنَث وَفِيه وَجه أَنه كالإذن وَبَين الدرجتين أَن يحمل وَهُوَ قَادر على الإمتناع فَلَا يمْتَنع فقد ألحقهُ الْأَكْثَرُونَ بِالْإِذْنِ وَمِنْهُم من ألحقهُ بالقهر أما إِذا أكره على الدُّخُول أَو نسي الْيَمين فَقَوْلَانِ أَحدهمَا أَنه يَحْنَث لوُجُود الصُّورَة وَلِأَنَّهُ يَحْنَث بِطُلُوع الشَّمْس إِذا حلف عَلَيْهِ فَلَيْسَ يشْتَرط الْفِعْل فِي الْحِنْث وَالثَّانِي أَنه لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ الْآن علق على الْفِعْل وَهَذَا لَيْسَ بِفعل شرعا

وَاخْتَارَ الْقفال رَحمَه الله أَن الطَّلَاق يَقع والحنث لَا يحصل فَإِنَّهُ أشبه بالعبادات الَّتِي ينْسب فِيهَا إِلَى الْإِحْرَام وَتَركه فيؤثر فِيهِ النسْيَان وَالْإِكْرَاه ثمَّ قيل النَّاسِي أولى بِأَن يَحْنَث وَقيل أولى بِأَن لَا يَحْنَث وَقد ذَكرْنَاهُ فِي الطَّلَاق وَأما الْجَهْل فَهُوَ أَن يَقُول لَا أسلم على زيد فَسلم فِي ظلمَة وَلَا يدْرِي أَنه زيد فَقَوْلَانِ مرتبان وَأولى بِالْحِنْثِ لِأَن الْجَاهِل يفْطر وَالنَّاسِي لَا يفْطر أَعنِي من غلط فَظن غرُوب

الشَّمْس وكل مَا يفوت الْبر بِهِ من انصباب مَاء الْإِدَاوَة وَمَوْت من يتَعَلَّق الْبر بِهِ وهلاكه فَيخرج على الْقَوْلَيْنِ وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ مَا فعلت أَو لَا أملك شَيْئا وَكَانَ قد فعل وَملك لَكِن نسي خرج على الْقَوْلَيْنِ فرع لَو قَالَ لَا أسلم على زيد فَسلم على قوم هُوَ فيهم وَلكنه لم يعلم فَقَوْلَانِ مرتبان على مَا إِذا رَآهُ فِي ظلمَة فَسلم عَلَيْهِ وَهَاهُنَا أولى بِأَن لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ لم يُعينهُ بِالسَّلَامِ وَلَو قَالَ لَا أَدخل على فلَان فَدخل على قوم هُوَ فيهم وَلم يعلم فَقَوْلَانِ مرتبان وَأولى بِالْحِنْثِ بِأَن اللَّفْظ أقبل للخصوص من الْفِعْل وَأما إِذا سلم على الْقَوْم واستثناه بِاللَّفْظِ أَو بِالنِّيَّةِ لم يَحْنَث وَلَو لم يسْتَثْن وَهُوَ عَالم بِهِ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ فِيهِ قَولَانِ وَلَا مَأْخَذ لَهُ إِلَّا أَنه لم يسلم عَلَيْهِ خَاصَّة فَيحمل مُطلق لَفظه على التَّسْلِيم عَلَيْهِ بالتنصيص أما إِذا قَالَ لَا أَدخل عَلَيْهِ ثمَّ دخل على قوم وَهُوَ فيهم وَاسْتثنى بِالنِّيَّةِ فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يَحْنَث كالسلام وَالثَّانِي أَنه يَحْنَث لِأَن الْعُمُوم يقبل الْخُصُوص وَأما الْفِعْل فَلَا يقبل وَإِن كَانَ هُوَ وَحده فِي الْبَيْت وَلَكِن دخل لشغل آخر فَهُوَ أَيْضا على الْوَجْهَيْنِ وَلَو دخل وَلم يعلم أَنه فِيهِ فَظَاهر النَّص أَنه لَا يَحْنَث لِأَنَّهُ لَا يكون دَاخِلا عَلَيْهِ إِذا لم يُعلمهُ وَلم يَقْصِدهُ وَخرج الرّبيع أَن هَذَا كالناسي وَصحح مُعظم الْأَصْحَاب تَخْرِيجه وَالله أعلم

قَالَ الله تَعَالَى ﴿يُوفونَ بِالنذرِ﴾ فَصَارَ هَذَا أصلا فِي لُزُوم الْوَفَاء وَالنَّظَر فِي أَرْكَان النذور وَأَحْكَامه

النّظر الأول فِي الْأَركان

وَهِي الْمُلْتَزم وَصِيغَة الإلتزام والملتزم أما الْمُلْتَزم فَهُوَ كل مُكَلّف لَهُ أَهْلِيَّة الْعِبَادَة فَلَا يَصح النّذر من كَافِر لِأَنَّهُ لَا يَصح مِنْهُ التَّقَرُّب نعم قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كنت نذرت اعْتِكَاف لَيْلَة فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام أوف بِنَذْرِك فَمن هَذَا يحْتَمل التَّصْحِيح وَيحْتَمل أَن يحمل على الإستحباب حَتَّى لَا يكون إِسْلَامه سَببا فِي ترك خير كَانَ قد عزم عَلَيْهِ فِي الْكفْر وَأما الصِّيغَة فَهِيَ ثَلَاثَة

الأولى أَن يَقُول إِن شفى الله مريضي فَللَّه عَليّ كَذَا فَيلْزمهُ وَكَذَلِكَ إِذا علق بِنِعْمَة أَو زَوَال بلية الثَّانِيَة أَن يعلق بِمَا يُرِيد عَدمه وَهُوَ يَمِين الْغَضَب واللجاج وَقد ذَكرْنَاهُ الثَّالِثَة أَن يلْتَزم ابْتِدَاء من غير تَعْلِيق فَيَقُول لله عَليّ صَوْم أَو صَلَاة فَفِيهِ قَولَانِ مشهوران أَحدهمَا أَنه يجب تَنْفِيذ النّذر وَالثَّانِي لَا لِأَن ذَلِك كالعوض عَن النِّعْمَة وَهَذَا ابْتِدَاء تبرع فَلَا يصير وَاجِبا بإيجابه لَهُ إِذا قَالَ لله عَليّ كَذَا إِن شَاءَ الله لم يلْزمه شَيْء والإستثناء عقيب الْعُقُود والأيمان وَالنُّذُور كلهَا تدفعها وَأما إِذا قَالَ لله عَليّ كَذَا إِن شَاءَ زيد لم يلْزمه شَيْء وَإِن شَاءَ زيد لِأَنَّهُ لم يلتزمه لله تَعَالَى وَلَيْسَ هَذَا كَمَا لَو قَالَ إِن قدم زيد فَللَّه عَليّ كَذَا لِأَن ذَلِك يَمِين الْغَضَب أَو هُوَ تبرر وَلم يعلق فِيهِ لُزُوم الْعِبَادَة بِمَشِيئَة زيد هَكَذَا قَالَه القَاضِي

وَأما الْمُلْتَزم فَكل عبَادَة مَقْصُودَة وَلها مَرَاتِب الرُّتْبَة الأولى أصُول الْعِبَادَات تلْزم بِالنذرِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالْحج وَالصَّدَََقَة ويلتحق بهَا فنان أَحدهمَا صِفَات هَذِه الْعِبَادَات كَمَا لَو نذر الْحَج مَاشِيا أَو طول الْقِرَاءَة وَالْقِيَام فِي الصَّلَاة فَإِن أفرد الصّفة بِأَن الْتزم الْمَشْي فِي حجَّة الْإِسْلَام وَطول الْقِرَاءَة فِي رواتب الْفَرَائِض فَفِي اللُّزُوم وَجْهَان لِأَن هَذِه صِفَات فيبعد أَن تستقل باللزوم

وَالثَّانِي فرض الكفايات فَلَو نذر الْجِهَاد فِي جِهَة قَالَ صَاحب التَّلْخِيص يلْزمه فِي تِلْكَ الْجِهَة وَكَذَلِكَ لَو نذر تجهيز الْمَوْتَى وَكَذَا كل مَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى مَال أما مَالا يحْتَاج إِلَيْهِ كَالصَّلَاةِ على الْجَنَائِز وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ فَفِيهِ تردد وَالظَّاهِر لُزُومه الرُّتْبَة الثَّانِيَة القربات الَّتِي حث الشَّرْع عَلَيْهَا كعيادة الْمَرِيض وزيارة القادم وإفشاء السَّلَام ذهب المتقدمون من الْأَصْحَاب إِلَى أَنه لَا تلتزم بِالنذرِ فَإِنَّهَا لَيست عبَادَة وَلَو لزم لوَجَبَ قصد التَّقَرُّب بهَا إِلَى الله تَعَالَى ولصارت عبَادَة وَذهب الْمُتَأَخّرُونَ إِلَى أَنَّهَا تلْزم كتجهيز الْمَوْتَى وَالْجهَاد فَإِنَّهَا لم تشرع عبَادَة مَقْصُودَة فَلَا يُمكن الضَّبْط إِلَّا بالقربة الَّتِي يرتجي ثَوَابهَا وَاسْتثنى القَاضِي عَن هَذَا مَا يُخَالف الرُّخْصَة كَقَوْلِه لَا أفطر فِي السّفر فَإِن هَذَا تَغْيِير للشَّرْع إِذْ اللُّزُوم بِالنذرِ لَا يزِيد على إِلْزَام الشَّرْع وَهُوَ يسْقط بِالسَّفرِ وَاخْتلفُوا فِيمَا لَو الْتزم بِالنذرِ الْوتر والنوافل الرَّوَاتِب لِأَنَّهُ كالتغيير لرخصة الشَّرْع فِي

تَركه وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد رَحمَه الله يَنْبَغِي أَن لَا يجب بِالنذرِ إِلَّا مَا لَهُ أصل وَاجِب فِي الشَّرْع مَقْصُود فَقَالَ لَا يجب بِالنذرِ تَجْدِيد الْوضُوء لِأَنَّهُ لم يجب مَقْصُودا والإعتكاف يجب لِأَنَّهُ مكث وَالْوُقُوف بِعَرَفَة مكث وَاجِب وَقَالَ الإِمَام يجب عِنْدِي تَجْدِيد الْوضُوء بِالنذرِ

الرُّتْبَة الثَّالِثَة

الْمُبَاحَات كَالْأَكْلِ وَالدُّخُول وَالنَّوْم فَإِنَّهُ وَإِن كَانَت يُثَاب على أكله إِذا قصد التَّقْوَى على الْعِبَادَة وعَلى نومَة إِذا قصد طرد النعاس عِنْد التَّهَجُّد فَهَذَا بِمُجَرَّد الْقَصْد وَهَذِه الْأَفْعَال غير مَقْصُودَة شرعا بِخِلَاف العيادة ورد السَّلَام وَغَيره لَكِن قَالَ القَاضِي إِذا قَالَ لله عَليّ أَن أَدخل أَو آكل وَلم يلْتَزم فَيلْزمهُ بِمُجَرَّد اللَّفْظ كَفَّارَة يَمِين وَلَو قَالَ لله عَليّ أَن أشْرب الْخمر أَو مَحْظُورًا آخر قَالَ فِي لُزُوم الْكَفَّارَة وَجْهَان وَهَذَا لَيْسَ يظْهر لَهُ وَجه يعْتد بِهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من نذر وسمى فَعَلَيهِ مَا سمى وَمن نذر وَلم يسم فَعَلَيهِ كَفَّارَة يَمِين

وَهَذَا يُمكن أَن يكون المُرَاد بِهِ فِي يَمِين الغلق فَلَا يتْرك الْقيَاس بِمثلِهِ نعم لَو نوى الْيَمين بقوله لله عَليّ أَلا أَدخل الدَّار فَيلْزمهُ الْكَفَّارَة بِالْحِنْثِ فرع إِذا نذر الْجِهَاد فِي جِهَة قَالَ صَاحب التَّلْخِيص تتَعَيَّن الْجِهَة وَقَالَ أَبُو زيد لَا تتَعَيَّن وميل الشَّيْخ أبي عَليّ إِلَى أَن تتَعَيَّن الْجِهَة أَو جِهَة تساويها فِي الْمُؤْنَة والمسافة كَمَا فِي مَوَاقِيت الْحَج

النّظر الثَّانِي فِي أَحْكَام النّذر

وَمُوجب النّظر مُقْتَضى اللَّفْظ والملتزم بِالنذرِ أَنْوَاع من الْقرب النَّوْع الأول الصَّوْم وَفِيه أَلْفَاظ الأول إِذا قَالَ لله عَليّ صَوْم فَيلْزمهُ يَوْم وَهُوَ الْأَقَل وَهل يلْزمه تبيت النِّيَّة فِيهِ قَولَانِ يعبر عَنْهُمَا بِأَن مُطلق النّذر ينزل على أقل وَاجِب الشَّرْع أَو على أقل الْجَائِز وَالصَّحِيح أَنه ينزل على أقل الْجَائِز فَلَا يشْتَرط التبيت فَإِن اتِّبَاع الأَصْل أولى من التَّنْزِيل على وَاجِب الشَّرْع وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لله عَليّ صَلَاة تلْزمهُ رَكْعَتَانِ على قَول ويكفيه رَكْعَة على قَول وَلَا خلاف أَنه لَو قَالَ لله عَليّ صَدَقَة لم يتَصَدَّق بِخَمْسَة دَرَاهِم لِأَن فِي الْخلطَة قد يجوز إِخْرَاج مَا دونهَا وَلَا خلاف أَنه لَا تخْتَص بِجِنْس مَال الزَّكَاة وَفِي الإعتكاف هَل يَكْفِي الدُّخُول مَعَ النِّيَّة من غير مكث فِيهِ تردد وَإِن كَانَ الْمكْث لَا يشْتَرط فِي كَونه عبَادَة

ثمَّ إِن ثلنا لَا يشْتَرط التبيت فَلَو قَالَ عَليّ صَوْم يَوْم وَنوى نَهَارا فَإِن قُلْنَا إِنَّه صَائِم من ذَلِك الْوَقْت فَلَا يجزىء وَإِن قُلْنَا إِنَّه صَائِم جَمِيع النَّهَار أَجزَأَهُ اللَّفْظ الثَّانِي إِذا عين يَوْمًا فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا يتَعَيَّن الْيَوْم وَتعين الزَّمَان كتعين الْمَكَان وَالْمَسْجِد للصَّلَاة وَالثَّانِي أَنه يتَعَيَّن فَلَا يُجزئهُ قبله وَإِن أخر عَنهُ كَانَ قَضَاء وَلَا خلاف فِي أَنه لَا تثبت خَواص رَمَضَان لذَلِك الْيَوْم الْمعِين بل يجوز فِيهِ صَوْم

آخر بِمَعْنى أَنه ينْعَقد وَلَو نذر شهرا لم يلْزمه التَّتَابُع إِلَّا أَن يلتزمه وَلَو عين الشَّهْر فَقَالَ عَليّ صَوْم رَجَب مُتَتَابِعًا فَفِي وجوب التَّتَابُع فِي قَضَائِهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يجب لِأَنَّهُ الْتزم وَالثَّانِي لَا كقضاء رَمَضَان فَإِن ذكر التَّتَابُع مَعَ تعْيين الشَّهْر لَغْو فَإِن التَّتَابُع يَقع ضَرُورَة فِي الشَّهْر الْمعِين وَلَو شَرط التَّفَرُّق فِي الصَّوْم لم يلْزمه على الْأَصَح لِأَنَّهُ لَيْسَ وَصفا مَقْصُودا وَلم يعين للصَّوْم وقتا حَتَّى يخرج على الْخلاف الْمَشْهُور فِي تعْيين الْوَقْت وَلَو قَالَ عَليّ صَوْم هَذِه السّنة يَكْفِيهِ أَن يَصُوم جَمِيعهَا وينحط عَنهُ صَوْم رَمَضَان وَأَيَّام الْعِيد والتشريق وَهل يلْزمهَا قَضَاء أَيَّام الْحيض وَأما مَا أفطر بِالْمرضِ فَفِيهِ خلاف وَمن لم يُوجب فَكَأَنَّهُ قَالَ النّذر يجْرِي مجْرى الشَّرْع وَالشَّرْع لَا يُوجب عَلَيْهِ صَوْم هَذِه الْأَيَّام أما مَا أفطر فِي السّفر فَالظَّاهِر أَنه يقْضِي إِذْ يظْهر فِيهِ أَن الشَّرْع أوجب لَكِن السّفر اقْتضى التَّخْيِير بَينه

وَبَين عدَّة من أَيَّام أخر أما إِذا قَالَ لله عَليّ صَوْم سنة فَيلْزمهُ اثْنَا عشر شهرا بِالْأَهِلَّةِ وَلَو ابْتَدَأَ من الْمحرم إِلَى الْمحرم لَا يَكْفِيهِ بل يلْزمه قَضَاء أَيَّام رَمَضَان وَالْعِيدَيْنِ وَفِيه وَجه أَنه يَكْفِيهِ وَهُوَ بعيد اللَّفْظ الثَّالِث إِذا قَالَ لله عَليّ أَن أَصوم يَوْم يقدم فِيهِ فلَان فَقدم لَيْلًا لم يلْزمه شَيْء لِأَنَّهُ قرن الْيَوْم فِي نَذره بالقدوم وَلم يُوجد وَلَو قدم فِي أثْنَاء النَّهَار فنقدم على هَذَا أصلا وَهُوَ أَن من أصبح صَائِما تَطَوّعا فَنَذر إتْمَام ذَلِك الْيَوْم لزمَه وَلَو أصبح ممسكا فالتطوع مُمكن بإنشاء النِّيَّة فَلَو نذر أَن يَصُوم ذَلِك الْيَوْم لزمَه على الْأَصَح وَإِن قُلْنَا إِن النّذر الْمُطلق ينزل على وَاجِب الشَّرْع لِأَن هَذَا مُقَيّد وَلِهَذَا قطعُوا بِأَنَّهُ لَو قَالَ لله عَليّ رَكْعَة وَاحِدَة لَزِمته وَالْعجب أَنهم قَالُوا لَو قَالَ لله عَليّ أَن أُصَلِّي قَاعِدا وَهُوَ قَادر على الْقيام يلْزمه الْقيام على أحد الْقَوْلَيْنِ وَأخذُوا يفرقون بَين رَكْعَة وَبَين الْقيام غير مُمكن

أما إِذا نذر صَوْم بعض الْيَوْم فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه يَلْغُو لِأَنَّهُ الْتزم محالا وَالثَّانِي أَنه يَصح وَيلْزمهُ أَن يضم إِلَيْهِ بَقِيَّة الْيَوْم ليَصِح الْبَعْض مَعَ الْبَقِيَّة وعَلى هَذَا يخرج مَا لَو نذر رُكُوعًا أَو سجودا أَنه يَلْغُو أَو تلْزمهُ صَلَاة وَلم يذهب أحد إِلَى أَن السَّجْدَة وَحدهَا تلْزم بِالنذرِ فَإِنَّهَا لَيست عبَادَة إِلَّا مقرونة بِسَبَب كالتلاوة رَجعْنَا إِلَى مَسْأَلَتنَا قطع الْأَصْحَاب بِأَنَّهُ لَا يخرج عَن النّذر بِصَوْم ذَلِك الْيَوْم وَإِن أصبح ممسكا وَكَانَ قبل الزَّوَال وَهَذَا ميل إِلَى أَنه لَو نذر صَوْم يَوْم لم يكفه إنْشَاء النِّيَّة نَهَارا وَإِن كَفاهُ إِذا لم يذكر الْيَوْم وَذكر مُجَرّد الصَّوْم ثمَّ هَل يلْزمه صَوْم يَوْم آخر فِيهِ قَولَانِ اخْتلفُوا فِي أَصلهمَا مِنْهُم من قَالَ أَصله أَن

من نذر صَوْم بعض يَوْم هَل يلْزمه يَوْم كَامِل وَمِنْهُم من قَالَ لَا بل أَصله أَن قَوْله يَوْم يقدم فلَان مَحْمُول على يَوْم الْقدوم من أَوله أَو من وَقت قدومه فَإِن قُلْنَا إِنَّه من أَوله لزمَه صَوْم يَوْم وَإِن قُلْنَا إِنَّه من وَقت الْقدوم فَهُوَ محَال لَا يلْزمه شَيْء إِذْ نذر صَوْم بعض الْيَوْم لاغ على الصَّحِيح إِذْ قطعُوا بِأَنَّهُ لَو نذر حج هَذِه السّنة وَلم يبْق من وَالْوَقْت إِلَّا يَوْم وَهُوَ على مائَة فَرسَخ بَطل النّذر ويتبين أثر هَذَا الْبناء فِي الْعتْق فَإِذا قَالَ عَبدِي حر يَوْم يقدم فلَان فَبَاعَهُ ضحوة ثمَّ قدم ذَلِك الْيَوْم فَإِن قُلْنَا بالإستناد تبين بطلَان البيع وَإِلَّا فَالْبيع نَافِذ لتقدمه على الْقدوم

التَّفْرِيع

إِن قُلْنَا يلْزمه ثمَّ يظْهر بالعلامة أَنه يقدم غَدا فَنوى لَيْلًا فَقَالَ الْقفال لَا

يَصح التَّرَدُّد وَقَالَ غَيره يَصح للعلامة وللتشوف إِلَى الْوَفَاء بالملتزم وترددوا فِي أَنه هَل يلْزمه الْإِمْسَاك فِي ذَلِك الْيَوْم إِذا أصبح ممسكا فَإِن قُلْنَا يجب الْقَضَاء فَعَلَيهِ الْإِمْسَاك وَإِلَّا فَلَا وَلَو كَانَ صَائِما ذَلِك الْيَوْم عَن نذر آخر فَالْأولى أَن يقْضِي ذَلِك النّذر لِأَنَّهُ تطرق إِلَيْهِ نوع من الإشتراك اللَّفْظ الرَّابِع إِذا قَالَ لله عَليّ أَن أَصوم الْيَوْم الَّذِي يقدم فِيهِ فلَان أبدا فَقدم يَوْم الْإِثْنَيْنِ لزمَه صَوْم الأثانين أبدا تفريفعا على الْأَصَح فِي أَن الْوَقْت يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ فِي الصَّوْم وَكَذَلِكَ من نذر صَوْم الأثانين أبدا لزمَه ثمَّ لَو وَافق يَوْم حيض أَو مرض فَفِي الْقَضَاء الْخلاف الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي السّنة هَذَا إِذا كَانَ لَا يغلب وُقُوع الأثانين فِي الْحيض فَإِن كَانَت تحيض عشرا عشرا فَلَا بُد وَأَن يتَنَاوَل اثْنَيْنِ فَالْمَذْهَب أَنه لَا يجب الْقَضَاء لِأَن نذر أَيَّام الْحيض لاغ وَقد تنَاول بنذره أَيَّام الْحيض وَمِنْهُم من طرد الْخلاف لِأَن الْحيض يطول وَيقصر وَلَو صَادف يَوْم عيد فإسقاط الْقَضَاء أظهر لِأَنَّهُ كالمتعين وَمِنْهُم من قَالَ الْهلَال يخْتَلف وَيتَصَوَّر فِيهِ التَّقَدُّم وَالتَّأْخِير فَيجب الْقَضَاء فَإِن يَوْم حَيْضهَا فِي علم الله تَعَالَى أَيْضا مُتَعَيّن أما الأثانين الْوَاقِعَة فِي دور رَمَضَان فَلَا يجب الْقَضَاء قطعا إِذْ لَا بُد من وُقُوع أَربع أثانين فِيهِ أما الْخَامِس فَيخرج على الْخلاف وَلَو كَانَ قد لزمَه من قبل صَوْم شَهْرَيْن مُتَتَابعين لكفارة ثمَّ نذر الأثانين لم يلْزمه قَضَاء مَا فَاتَ فِي الصَّوْم المتتابع كرمضان وَفِيه وَجه أَنه يقْضِي كَمَا لَو لزمَه صَوْم الشَّهْرَيْنِ بعد النّذر فَإِنَّهُ يقْضِي لِأَنَّهُ أَدخل سَبَب الْكَفَّارَة على نَفسه

اللَّفْظ الْخَامِس إِذا نذر صَوْم الدَّهْر لزمَه وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من صَامَ الدَّهْر فَلَا صَامَ أَرَادَ بِهِ أَن لَا يفْطر أَيَّام الْعِيدَيْنِ ثمَّ لَهُ الترخيص بِعُذْر السّفر وَالْمَرَض وَلَا قَضَاء إِذْ لَا يُمكن الْقَضَاء لِأَن الده مُسْتَغْرق وَلَو أفطر عمدا لزمَه الْقَضَاء وَتعذر لاستغراق الدهل فَعَلَيهِ الْمَدّ فَإِن نوى الْقَضَاء فِي يَوْم انْعَقَد قَضَاؤُهُ وَلَكِن فَاتَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم الْأَدَاء فَعَلَيهِ الْمَدّ لذَلِك الْيَوْم أما إِذْ عين نذر يَوْم الْعِيد لَغَا نَذره عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة

رَحمَه الله وَهُوَ عندنَا كنذر يَوْم الْحيض وَفِي نذر يَوْم الشَّك وَنذر الصَّلَاة فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة خلاف وَكَذَلِكَ فِي أَيَّام التَّشْرِيق إِن قُلْنَا إِنَّه يقبل صَوْم الْمُتَمَتّع

النَّوْع الثَّانِي الْحَج

وَمن نذر الْحَج لزمَه فَإِن نذر مَاشِيا فَفِي لُزُوم الْمَشْي قَولَانِ بِنَاء على أَن الْأَفْضَل هُوَ الرّكُوب أَو الْمَشْي فَإِن قُلْنَا الْمَشْي أفضل لزمَه لِأَنَّهُ صَار وَصفا لِلْعِبَادَةِ ثمَّ النّظر فِي ثلَاثه أُمُور الأول فِي وَقت الْمَشْي فَلَو نذر الْمَشْي من دويرة أَهله قبل الْإِحْرَام فَفِي لُزُومه وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَن الْمَشْي قبل الْإِحْرَام لَيْسَ بِعبَادة وَالثَّانِي نعم لِأَن الْحَج مَاشِيا كَذَلِك يكون فَإِن قُلْنَا يلْزم فَلَو أطلق وَقَالَ أحج مَاشِيا أَو أَمْشِي حَاجا فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يحمل اللَّفْظ على الْعَادة فَيلْزم الْمَشْي من دويرة أَهله وَالثَّانِي يحمل على الْحَقِيقَة وَالْحج من وَقت الْإِحْرَام وَالثَّالِث أَنه إِن قَالَ أحج مَاشِيا فَمن وَقت الْإِحْرَام وَإِن قَالَ أَمْشِي حَاجا مَعْنَاهُ

قَاصِدا لِلْحَجِّ فَمن دويرة أَهله وَأما فِي آخر الْحَج فَلهُ الرّكُوب بعد التحللين وَهل لَهُ ذَلِك بَينهمَا فِيهِ وَجْهَان النّظر الثَّانِي لَو فَاتَهُ الْحَج بعد الشُّرُوع أَو فسد عَلَيْهِ بِالْجِمَاعِ لزمَه لِقَاء الْبَيْت وَفِي لُزُوم الْمَشْي وَجْهَان من حَيْثُ إِن هَذَا غير وَاقع عَن الْمَنْذُور وَلكنه من لوازمه النّظر الثَّالِث لَو ترك الْمَشْي بِعُذْر وَقع الْحَج عَن نَذره وَإِن ترك بِغَيْر عذر فَقَوْلَانِ أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ مَا أَتَى بالموصوف وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهر أَنه يَقع لِأَنَّهُ أَتَى بِالْأَصْلِ لَكِن هَل يلْزمه الْفِدْيَة بترك الْمَشْي فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَشْي من الأبعاض فِي الْحَج وَالثَّانِي نعم إِذْ لَا معنى للْبَعْض إِلَّا وَاجِب لَا يجوز تَركه وَالثَّالِث أَنه تجب إِن تَركه عمدا وَإِن تَركه بِعُذْر لم تجب

فروع

أَحدهَا لَو ركب فِي بعض الطَّرِيق وَمَشى فِي بعض قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِذا عَاد للْقَضَاء مَشى حَيْثُ ركب وَركب حَيْثُ مَشى وَهَذَا تَفْرِيع على لُزُوم الْقَضَاء فَكَأَنَّهُ وَقع الْحَج الأول عَنهُ وَبَقِي الْمَشْي الْوَاجِب فَلم يُمكن قَضَاؤُهُ مُفردا فَقضى بِالْحَجِّ لَهُ وَكَفاهُ بعض الْمَشْي لذَلِك وَمِنْهُم من قَالَ وَجب الْمَشْي فِي جَمِيعه لِأَن الأول لم يَقع عَنهُ

الثَّانِي لَو قَالَ لله عَليّ أَن أحج عَامي هَذَا تعين الْوَقْت لَهُ كَمَا فِي الصَّوْم فَلَو امْتنع بِعُذْر فَفِي الْقَضَاء خلاف كَمَا فِي الصَّوْم وَفِي الْإِحْصَار خلاف مُرَتّب وَأولى أَن لَا يجب الْقَضَاء وَنَصّ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الْإِحْصَار أَنه لَا يجب الْقَضَاء وَالْآخر تَخْرِيج ابْن سُرَيج الثَّالِث لَو قَالَ لله عَليّ أَن أحج رَاكِبًا وَقُلْنَا إِن الرّكُوب أفضل فَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي الْمَشْي

النَّوْع الثَّالِث إتْيَان الْمَسَاجِد

إِذا نذر إتْيَان مَسْجِد سوى الْمَسْجِد الْحَرَام وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس لم يلْزمه شَيْء قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاث مَسْجِد الْحَرَام ومسجدي هَذَا وَمَسْجِد إيلياء أَي الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَهَذَا لَا يُوجب تَحْرِيمًا وكراهية فِي شدّ الرّحال إِلَى غَيره على الصَّحِيح بل بَين أَن الْقرْبَة هَذَا فَقَط أما إِذا نذر إتْيَان مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس أَو مَسْجِد الْمَدِينَة فَفِي اللُّزُوم قَولَانِ أَحدهمَا لَا إِذْ لَا يتَعَلَّق بهما نسك وَالثَّانِي نعم لِأَن لَهما اختصاصا بالقربة على الْجُمْلَة فَإِن قُلْنَا يلْزم فَهَل يجب أَن يضم إِلَيْهِ قربَة أُخْرَى من اعْتِكَاف أَو صَلَاة فِيهِ وَجْهَان

أَحدهمَا أَنه يلْزم إِذْ يبعد أَن يَكْفِي الإجتياز بِهِ وَالثَّانِي أَنه لَا يلْزم إِلَّا مَا الْتزم فَهُوَ مُجَرّد زِيَارَة كزيارة الْعلمَاء والقبور فَإِن قُلْنَا تجب فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يجب فِيهِ الإعتكاف لِأَنَّهُ أخص بِالْمَسْجِدِ وَالثَّانِي تجب الصَّلَاة وَلَو رَكْعَة وَاحِدَة لِأَنَّهُ أظهر فَضِيلَة هَذِه الْمَسَاجِد بهَا فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَلَاة فِي مَسْجِدي هَذَا تعدل ألف صَلَاة فِي غَيره وَصَلَاة فِي مَسْجِد إيلياء تعدل ألف صَلَاة فِي غَيره وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام تعدل مائَة ألف صَلَاة فِي غَيره

فصول الكتاب · 3 فصل · 713 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الوسيط في المذهب · 713 صفحة
المقدمة
الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين
الْبَاب الرَّابِع فِي الْقِسْمَة
جارٍ التحميل