الوسيط في المذهبصفحات 550-593
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَفِي الحَدِيث إشكالات أَحدهَا أَنه مهد عذره فِي ترك الصّيام بالغلمة المفرطة وَقد اخْتلف الْأَصْحَاب فِيهِ وَالثَّانِي أَنه أَخذ لينفق على أهل بَيته فَاخْتَلَفُوا فِي جَوَاز التَّفْرِقَة فِي الْكَفَّارَة على أهل الْبَيْت عِنْد الْفقر الثَّالِث أَنه لم يبين لَهُ اسْتِقْرَار الْكَفَّارَة فِي ذمَّته وَكَانَ عَاجِزا عَن جَمِيع الْخِصَال لَدَى الْجِمَاع وَاخْتلف الْأَصْحَاب فِيهِ وَقَالُوا مَا يجب لله تَعَالَى يَنْقَسِم إِلَى مَا يجب لَا بطرِيق الْعقُوبَة والغرامة كَزَكَاة الْفطر فَإِذا اقْترن الْإِعْسَار بالاستهلال لم يسْتَقرّ فِي الذِّمَّة وَمَا فِيهِ معنى الغرامة لَا ينْدَفع بِالْعَجزِ بل يثبت فِي الذِّمَّة كجزاء الصَّيْد وَأما الْكَفَّارَة فَفِيهَا وَجْهَان لترددها بَين الْقسمَيْنِ ثمَّ قَالَ صَاحب التَّلْخِيص لَا يجوز للمظاهر أَن يُجَامع وَإِن كَانَ عَاجِزا فِي حَال الظِّهَار عَن جَمِيع الْخِصَال مَا لم يكفر فاستثنى كَفَّارَة الظِّهَار

وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ لَا فرق بَينهمَا فَإِن قيل وَمَا عذر من يُخَالف الحَدِيث قُلْنَا يرى أَن تَنْزِيل ذَلِك على تَخْصِيص الْأَعرَابِي أقرب من تشويش قَاعِدَة الْقيَاس أما الْفِدْيَة فَهِيَ مد من الطَّعَام مصرفها مصرف الصَّدقَات ولوجوبها ثَلَاثَة طرق فقد يجب بَدَلا عَن نفس الصَّوْم وَقد يجب لفَوَات فَضِيلَة الْأَدَاء وَقد يجب لتأخير الْقَضَاء فَأَما الْوَاجِب عَن نفس الصَّوْم فَمن تعدى بترك الصَّوْم وَمَات قبل الْقَضَاء أخرج عَن تركته مد لكل يَوْم وَفِي الْقَدِيم قَول أَنه يَصُوم عَنهُ وليه

فَأَما من فَاتَهُ بِالْمرضِ وَلم يتَمَكَّن من الْقَضَاء حَتَّى مَاتَ فَلَا شئ عَلَيْهِ أما الشَّيْخ الْهَرم فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا لَا يلْزمه الْفِدْيَة كَالْمَرِيضِ الدَّائِم الْمَرَض إِلَى الْمَوْت وَالثَّانِي يلْزمه لِأَنَّهُ لَيْسَ يتَوَقَّع زَوَال عذره بِخِلَاف الْمَرِيض فَإِنَّهُ عازم على الْقَضَاء

أما مَا يجب لفضيلة الْوَقْت فَهُوَ فِي حق الْحَامِل والمرضع إِذا أفطرتا خوفًا على ولديهما قضتا وأفدتا عَن كل يَوْم مدا كَذَلِك ورد الْخَبَر وَفِيه قَول آخر أَنه لَا يلْزمهُمَا كَالْمَرِيضِ وَفِيه قَول ثَالِث أَنه يجب على الْمُرضعَة لِأَنَّهَا لَا تخَاف على نَفسهَا بِخِلَاف الْحَامِل

فرعان

أَحدهمَا العَاصِي بالإفطار هَل يلْزمه الْفِدْيَة مَعَ الْقَضَاء فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ لَيْسَ خَائفًا على نَفسه كالمرضعة بل حَاله أَسْوَأ مِنْهَا الثَّانِي لَا لِأَن الْفِدْيَة لَا تكفر عدوانه

الثَّانِي من رأى غَيره مشرفا على الْغَرق وَكَانَ لَا يتَوَصَّل إِلَى إنقاذه إِلَّا بِالْفطرِ فَلهُ الْفطر وَفِي لُزُوم الْفِدْيَة وَجْهَان من حَيْثُ إِنَّه أفطر خوفًا على غَيره كالمرضعة وَوجه الْفرق أَن هَذَا نَادِر وَأما مَا يجب لتأخير الْقَضَاء فَمن فَاتَهُ صَوْم فَلَا يجوز لَهُ تَأْخِير الْقَضَاء إِلَى السّنة الثَّانِيَة إِلَّا بِمَرَض دَائِم وَعذر مُسْتَمر فَلَو أخر مَعَ الْإِمْكَان عصى وَقضى وَأخرج لكل يَوْم مدا للْخَبَر وَلَو أخر سِنِين فَفِي تكَرر الْمَدّ بِعَدَد كل سنة وَجْهَان وَالشَّيْخ الْهم إِذا أخر الْمَدّ عَن السّنة الأولى فَفِي لُزُوم مد آخر للتأخير

وَجْهَان هَذَا حكم صَوْم الْفَرْض فَأَما صَوْم التَّطَوُّع فالإفطار فِيهِ جَائِز بِغَيْر عذر خلافًا لأبي حنيفَة وَهل يكره دون عذر فِيهِ وَجْهَان أما صَوْم الْقَضَاء فَمَا يجب على الْفَوْر يلْزمه إِتْمَامه عِنْد الشُّرُوع وَمَا هُوَ على التَّرَاخِي فَيجوز الْإِفْطَار فِيهِ وَصَوْم التَّطَوُّع فِي السّنة صَوْم عَرَفَة وعاشوراء وتاسوعاء وَسِتَّة أَيَّام بعد عيد رَمَضَان وَفِي الشَّهْر الْأَيَّام الْبيض وَفِي الْأُسْبُوع الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس وَفِي الْجُمْلَة صَوْم الدَّهْر مسنون بِشَرْط الْإِفْطَار يَوْم الْعِيدَيْنِ وَأَيَّام التَّشْرِيق

الِاعْتِكَاف قربَة مسنونة وَلَا يلْزم إِلَّا بِالنذرِ وَأَحْرَى الْمَوَاقِيت بِهِ الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان تأسيا برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وابتداؤه عِنْد غرُوب الشَّمْس يَوْم الْعشْرين وَآخر هِلَال شَوَّال وَلَو اعْتكف لَيْلَة الْعِيد وأحياها تعرض لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام من أَحْيَا لَيْلَتي الْعِيد لم يمت قلبه يَوْم تَمُوت الْقُلُوب وَالْغَرَض من الْعشْر الْأَخير طلب لَيْلَة الْقدر قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعشْر أطلبوها فِي الْأَخير واطلبوها فِي كل وتر وميل الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِلَى لَيْلَة الْحَادِي وَالْعِشْرين لحَدِيث ورد فِيهِ

وَقَالَ أَبُو حنيفَة هى فِي جَمِيع الشَّهْر وَقيل إِنَّهَا فِي جَمِيع السّنة وَقد قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَو قَالَ

فِي نصف رَمَضَان امْرَأَتي طَالِق لَيْلَة الْقدر لم تطلق مَا لم تنقض سنة لِأَن كَونهَا فِي جَمِيع الشَّهْر مُحْتَمل وَالطَّلَاق لَا يَقع بِالشَّكِّ وَلَيْسَ على انحصاره فِي الْعشْر الْأَخير دَلِيل ظَاهر هَذَا تمهيد الْكتاب ومقصوده ينْحَصر فِي ثَلَاثَة فُصُول

الْفَصْل الأول فِي أَرْكَانه

وَهِي أَرْبَعَة الِاعْتِكَاف وَالنِّيَّة والمعتكف والمعتكف

الرُّكْن الأول نفس الِاعْتِكَاف

وَهُوَ عبارَة عَن اللّّبْث فِي الْمَسْجِد مَعَ الْكَفّ عَن قَضَاء شَهْوَة الْفرج أما اللّّبْث فأقله مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم العكوف وَهُوَ زَائِد على طمأنينة السُّجُود وَلَو نذر اعتكافا مُطلقًا يَكْفِيهِ اعْتِكَاف سَاعَة كَمَا تكفيه فِي نذر الصَّدَقَة التَّصَدُّق بِحَبَّة وَقيل إِنَّه يَكْفِي الْمُرُور بِالْمَسْجِدِ كالمرور بِعَرَفَة وَقيل لَا بُد من يَوْم أَو مَا يدنو مِنْهُ وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأما الْكَفّ عَن قَضَاء الشَّهْوَة فنعني بِهِ ترك الْجِمَاع فالاعتكاف يفْسد بِهِ وَلَا يفْسد بملامسة من غير شَهْوَة إِذْ كَانَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا ترجل رَأس رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

وَفِي مُقَدمَات الْجِمَاع كالقبلة والمعانقة قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يحرم وَيفْسد كَمَا فِي الْحَد وَالثَّانِي لَا كَمَا فِي الصَّوْم وَالصَّحِيح أَنه إِن أفْضى إِلَى الْإِنْزَال فسد وَقيل بطرد الْقَوْلَيْنِ

وَلَا يشْتَرط الْكَفّ عَن ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا التَّطَيُّب والتزين بالثياب وَالثَّانِي البيع وَالشِّرَاء والأحب أَن لَا يكثر مِنْهُ فَإِن أَكثر لم يفْسد اعْتِكَافه وَقَالَ مَالك تَركه يشرط أَعنِي تَركه الحرفة وَقد عزى ذَلِك إِلَى الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَوَجهه أَنه يُنَاقض الْإِخْلَاص فِي الِاعْتِكَاف الثَّالِث الْكَفّ عَن الْأكل وَالشرب لَيْسَ بِشَرْط وَقَالَ أَبُو حنيفَة الصَّوْم شَرط فِي صِحَّته حَتَّى لَا يَصح اعْتِكَاف لَيْلَة مُفْردَة مَا لم يتَّصل بِالنَّهَارِ وَهُوَ قَول قديم للشَّافِعِيّ نعم لَو نذر أَن يعْتَكف يَوْمًا صَائِما لزمَه الِاعْتِكَاف وَالصَّوْم جَمِيعًا وَفِي لُزُوم الْجمع قَولَانِ أَحدهمَا لَا كَمَا لَو قَالَ أعتكف مُصَليا وَالثَّانِي نعم لتقارب العبادتين كَمَا فِي الْحَج وَالْعمْرَة

وَلَو قَالَ لله عَليّ أَن أَصوم معتكفا فَالصَّحِيح أَنه لَا يلْزمه الْجمع لِأَن الِاعْتِكَاف لَا يصلح أَن يكون وَصفا للصَّوْم وَلَو قَالَ لله عَليّ أَن أُصَلِّي صَلَاة أَقرَأ فِيهَا السُّورَة الْفُلَانِيَّة فَيلْزمهُ الْقِرَاءَة وَالصَّلَاة وَفِي لُزُوم الْجمع قَولَانِ

الرُّكْن الثَّانِي النِّيَّة

وَلَا بُد مِنْهَا فِي الِابْتِدَاء ثمَّ إِذا نوى الِاعْتِكَاف مُطلقًا وَهِي سنة تكفيه تِلْكَ النِّيَّة فَإِن خرج من الْمَسْجِد وَلَو لقَضَاء حَاجَة فَإِذا عَاد لزمَه اسْتِئْنَاف النِّيَّة فَأَما إِذا نوى اعْتِكَاف يَوْم أَو شهر ثمَّ خرج وَعَاد فَفِي تَجْدِيد النِّيَّة ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا لَا يلْزم لِأَن النِّيَّة شملت جَمِيع الْمدَّة الَّتِى عينهَا

وَالثَّانِي أَنه إِن قرب الزَّمَان لم يلْزم وَإِن بعد وَجب التَّجْدِيد وَالثَّالِث إِن خرج لقَضَاء الْحَاجة لم يلْزم وَإِن خرج لأمر آخر لزم التَّجْدِيد وَمهما نوى الْخُرُوج عَن الِاعْتِكَاف وَهُوَ فِي الْمَسْجِد فَفِي بُطْلَانه مَا فِي بطلَان الصَّوْم

الرُّكْن الثَّالِث الْمُعْتَكف

وَهُوَ كل مُسلم عَاقل لَيْسَ بِجنب وَلَا حَائِض وَلَا يشْتَرط الْحُرِّيَّة فَيصح اعْتِكَاف الرَّقِيق وَلَكِن للسَّيِّد أَن يُخرجهُ مهما شَاءَ وَيصِح اعْتِكَاف الْمكَاتب وَمن نصفه حر وَنصفه رَقِيق لَهُ أَن يسْتَقلّ بالاعتكاف فِي نوبَته أما الرِّدَّة وَالشُّكْر إِذا قاربا الِابْتِدَاء منعا الصِّحَّة لتعذر النِّيَّة وَإِن طرآ فقد نَص على أَنه لَا يفْسد بِالرّدَّةِ وَيفْسد بالسكر وَاخْتلف الْأَصْحَاب على ثَلَاثَة أوجه فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَحدهَا أَنه لَا يفْسد بهما وَتَأْويل نَصه فِي السكر مَا إِذا خرج لإِقَامَة الْحَد وَالثَّانِي أَنه يفْسد بهما وَتَأْويل نَصه فِي الرِّدَّة أَنَّهَا لَا تحبط مَا مضى

وَالثَّالِث وَهُوَ الْأَصَح أَنه يفْسد بِالرّدَّةِ لفَوَات شَرط الْعِبَادَة وَلَا يفْسد بالسكر كَمَا لَا يفْسد بِالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاء وَأما الْحيض مهما طَرَأَ قطع الِاعْتِكَاف والجنابة إِن طرأت باحتلام فَعَلَيهِ أَن يُبَادر إِلَى الْغسْل وَيكون خُرُوجه كخروجه للْوُضُوء وَقَضَاء الْحَاجة والجنابة فِي مُدَّة العبور لَا تفْسد الِاعْتِكَاف ثمَّ لَو قدر على الْغسْل فِي الْمَسْجِد جَازَ لَهُ الْخُرُوج للْغسْل وَلم يَنْقَطِع تتابعه صِيَانة لِلْمَسْجِدِ عَن أَن يتَّخذ محطا للجنابة

الرُّكْن الرَّابِع الْمُعْتَكف

وَهُوَ الْمَسْجِد وَيَسْتَوِي فِيهِ عندنَا سَائِر الْمَسَاجِد وَالْجَامِع أولى لِكَثْرَة الْجَمَاعَة وَللشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ قَول قديم أَن اعْتِكَاف الْمَرْأَة فِي مَسْجِد بَيتهَا

يَصح وَذكر فِي الرجل خلاف مُرَتّب وَهُوَ بعيد وَلَو عين مَسْجِدا بنذره فَالظَّاهِر أَن الْمَسْجِد الْحَرَام يتَعَيَّن وَسَائِر الْمَسَاجِد لَا تتَعَيَّن وَفِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى وَمَسْجِد الْمَدِينَة قَولَانِ وَقيل إِن الْكل لَا يتَعَيَّن وَقيل الْكل يتَعَيَّن فَإِذا قُلْنَا إِن الْكل لَا يتَعَيَّن فَلَو انْتقل فِي خرجاته لقَضَاء حَاجَة إِلَى مَسَاجِد مُتَقَارِبَة وَكَانَ اعْتِكَافه مُتَتَابِعًا جَازَ وَأما الزَّمَان فَالْمَذْهَب أَنه يتَعَيَّن كَمَا فِي الصَّوْم فَإِذا نذر اعْتِكَاف رَجَب مثلا لزمَه فَلَو فَاتَ فَالظَّاهِر وجوب الْقَضَاء وَقيل لَا يجب لِأَنَّهُ تعذر الْمُلْتَزم وَهُوَ بَاطِل بِالصَّوْمِ

الْفَصْل الثَّانِي فِي مُوجب أَلْفَاظ النّذر

وَالنَّظَر فِي ثَلَاثَة أُمُور

الأول فِي التَّتَابُع

فَإِذا قَالَ لله عَليّ أَن أعتكف شهرا مُتَتَابِعًا لم يجز التَّفَرُّق وَإِن قَالَ مُتَفَرقًا جَازَ مُتَتَابِعًا لِأَنَّهُ زَاد خيرا وَلَو أطلق فَالْمَذْهَب أَن التَّتَابُع لَا يلْزم كَمَا فِي الصَّوْم وَقَالَ ابْن سُرَيج يلْزم لِأَن اللَّيَالِي فِي الصَّوْم تقطع التَّتَابُع بِخِلَاف الِاعْتِكَاف وَهُوَ بعيد فَأَما إِذا نذر يَوْمًا فَفِي جَوَاز الْتِقَاط سَاعَات أَيَّام وَجْهَان أصَحهمَا الْمَنْع بِخِلَاف الشَّهْر فَإِن الْيَوْم عبارَة عَن سَاعَات محصورة بَين الطُّلُوع والغروب على اتِّصَال فعلى هَذَا لَو ابْتَدَأَ من وَقت الزَّوَال وصبر إِلَى الزَّوَال فِي الْيَوْم الثَّانِي فَإِن خرج لَيْلًا لم يجزه للتقطع وَإِن اعْتكف لَيْلًا قيل أَنه يُجزئ لحُصُول الِاتِّصَال وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي لَا يُجزئ لِأَن اللَّيْل لَيْسَ محسوبا من النَّهَار هَذَا إِذا أطلق الشَّهْر فَلَو عين شهرا أَو الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان كَانَ التَّتَابُع لَازِما

ضَرُورَة لَا قصدا حَتَّى لَو فسد آخِره لم يلْزم قَضَاء مَا مضى وَلَو ترك الْكل لم يجب التَّتَابُع فِي الْقَضَاء وَلَو قَالَ لله عَليّ أَن أعتكف الْعشْر الْأَخير مُتَتَابِعًا فَفِي لُزُوم التَّتَابُع وَجْهَان وَوجه قَوْلنَا إِنَّه لَا يلْزم أَن تتَابع هَذَا يَقع ضَرُورَة فالتصريح بِهِ كالسكوت عَنهُ

النّظر الثَّانِي فِي استتباع اللَّيَالِي

فَإِذا نذر اعْتِكَاف شهر دخل اللَّيَالِي فِيهِ ويكفيه شهر بِالْأَهِلَّةِ وَلَو نذر اعْتِكَاف يَوْم لم يدْخل اللَّيْلَة فِيهِ وَلَو نذر ثَلَاثَة أَيَّام أَو ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَفِي دُخُول اللَّيَالِي المتخللة ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا يجب كَمَا فِي الشَّهْر وَالثَّانِي لَا وَهُوَ الْأَصَح اتبَاعا للفظ وَالثَّالِث أَنه إِن نذر التَّتَابُع لزمَه اللَّيَالِي وَإِلَّا فَلَا وَلَو نذر ثَلَاث لَيَال فَفِي دُخُول الْيَوْمَيْنِ المتخللين هَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة

وَإِذا نذر الْعشْر الْأَخير فنقص الْهلَال كَفاهُ التسع وَلَو نذر عشرَة أَيَّام من آخر الشَّهْر فنقص لزمَه قَضَاء يَوْم

النّظر الثَّالِث فِي اسْتثِْنَاء الْأَغْرَاض

فَإِذا قَالَ أعتكف شهرا مُتَتَابِعًا لَا أخرج إِلَّا لعيادة زيد جَازَ الْخُرُوج لَهُ وَلم يجز لعبادة عَمْرو وَلَا لشغل أهم مِنْهُ وَلَو قَالَ لَا أخرج إِلَّا لشغل يعن لي جَازَ الْخُرُوج لكل شغل ديني أَو دُنْيَوِيّ يُبَاح السّفر بِمثلِهِ وَلَا يجوز لأجل النظارة والتنزه وَحكى صَاحب التَّقْرِيب قولا قَدِيما أَن هَذَا الِاسْتِثْنَاء مُنَاقض للتتابع فَيلْغُو وَيجب التَّتَابُع ثمَّ قَالَ إِذا

فرع

نا على الصَّحِيح فَلَو قَالَ لله عَليّ أَن أَتصدق بِعشْرَة دَرَاهِم إِلَّا أَن أحتاج إِلَيْهِ قبل التَّصَدُّق صَحَّ ذَلِك وَلَو قَالَ إِلَّا أَن تبدو لي فَهَذَا مُحْتَمل وَأبي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد هَذَا الْأَخير لِأَنَّهُ خيرة مُطلقَة يضاد اللُّزُوم

وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَو نذر صوما وَشرط التَّحَلُّل لغَرَض لَا يُبِيح الْفطر صَحَّ الشَّرْط وَلَو جرى ذَلِك فِي الْحَج فَوَجْهَانِ وَعكس الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد هَذَا التَّرْتِيب وَقَالَ الْحَج أولى بِاحْتِمَال ذَلِك إِذْ ورد فِيهِ شَرط التَّحَلُّل

فرع

إِذا اسْتثْنى غَرضا فالزمان المصروف إِلَيْهِ يجب قَضَاؤُهُ إِذا نذر اعْتِكَاف شهر مُطلقًا وَإِن نذر اعْتِكَاف شهر معِين لم يلْزم قَضَاؤُهُ إِذْ يُمكن حمله فِي الْمُطلق على نفي انْقِطَاع التَّتَابُع فَقَط فَينزل على الْأَقَل وَفِي الافتقار إِلَى تَجْدِيد النِّيَّة خلاق وَعند وجوب التَّتَابُع الْأَظْهر الِاسْتِغْنَاء عَن التَّجْدِيد لِأَن التَّتَابُع كالرابطة للْجَمِيع

الْفَصْل الثَّالِث فِي قواطع التَّتَابُع

وَهُوَ الْخُرُوج بِكُل الْبدن عَن كل الْمَسْجِد بِغَيْر عذر احترزنا بِكُل الْبدن عَمَّا إِذا أخرج رَأسه أَو رجله من الْمَسْجِد فَإِنَّهُ لَا يبطل اعْتِكَافه واحترزنا عَن كل مَسْجِد عَمَّا إِذا صعد المنارة للأذان فَإِن كَانَت المنارة مُنْقَطِعَة عَن الْمَسْجِد انْقَطع التَّتَابُع وَإِن كَانَت مُتَّصِلَة وَكَأَنَّهَا فِي الْمَسْجِد لم تَنْقَطِع وَإِن كَانَت مُتَّصِلَة بحائط الْمَسْجِد فِي حريمه وَكَانَ بَابهَا خَارِجا عَن الْمَسْجِد فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا يَنْقَطِع لِخُرُوجِهِ عَن الْمَسْجِد وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ من حَرِيم الْمَسْجِد وَالْأَذَان من حُقُوق الْمَسْجِد خأخرأخر فَكَأَنَّهُ لم يعرض عَن الْمَسْجِد وَالثَّالِث أَنه إِن كَانَ مُؤذنًا راتبا لم يَنْقَطِع لِأَنَّهُ عذر فِي حَقه وَإِلَّا فَيَنْقَطِع

وَأما قَوْلنَا من غير عذر فالعذر على مَرَاتِب الرُّتْبَة الأولى وَهِي الْعليا الْخُرُوج لقَضَاء الْحَاجة وَهُوَ مُسْتَثْنى لتكرره بِحكم الجلبة فَلَا يَنْقَطِع التَّتَابُع بِهِ وَلَا يجب قَضَاء تِلْكَ الْأَوْقَات وَلَا يجب عِنْد الْعود تَجْدِيد النِّيَّة بِخِلَاف الِاعْتِكَاف الْمُطلق الذى لَا تتَابع فِيهِ فَإِنَّهُ يجب التَّجْدِيد هَذَا إِذا كَانَ دَاره قَرِيبا وَلم يكن بِهِ عِلّة يكثر خُرُوجه بِسَبَبِهَا فَإِن بَعدت دَاره أَو كَانَ بِهِ عِلّة فَوَجْهَانِ مِنْهُم من عمم حسما للباب وَلَو كَانَ لَهُ داران كِلَاهُمَا على حد الْقرب فَفِي جَوَاز خُرُوجه إِلَى الْأَبْعَد وَجْهَان وحد الْقرب فِي الزَّمَان وَالْمَكَان لَا يَنْضَبِط إِلَّا بِالْعَادَةِ

فرع

لَا بَأْس بِأَكْل لقم فِي الطَّرِيق وَلَا بعيادة الْمَرِيض فِي الْمُرُور من غير ازورار وَلَا

بَأْس بوقفة يسيرَة بِقدر صَلَاة الْجِنَازَة فَذَلِك جَائِز فِي الطَّرِيق وَكَذَلِكَ لَا بَأْس بِالسَّلَامِ وَالسُّؤَال فَإِنَّهُ لَا يزِيد على قدر صَلَاة الْجِنَازَة كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يسْأَل عَن الْمَرِيض إِلَّا مارا فِي اعْتِكَافه لَا يعرج عَلَيْهِ وَلَو جَامع فِي وَقت قَضَاء الْحَاجة من غير صرف زمَان إِلَيْهِ فسد اعْتِكَافه على الْأَصَح لِأَن وقعه عَظِيم فالاشتغال بِهِ أوقع من الْجُلُوس سَاعَة من غير حَاجَة وَمِنْهُم من قَالَ لَا يفْسد لِأَنَّهُ لَيْسَ معتكفا فِي هَذِه

الْحَالة وَإِن كَانَ الزَّمَان محسوبا فِي مُدَّة الِاعْتِكَاف الرُّتْبَة الثَّانِيَة الْخُرُوج بِعُذْر الْحيض غير قَاطع التَّتَابُع إِن كَانَ مُدَّة الِاعْتِكَاف بِحَيْثُ لَا يَتَّسِع لَهَا أَيَّام الطُّهْر غَالِبا فَإِن قصرت الْمدَّة فَوَجْهَانِ أَحدهمَا الْقطع للإمكان وَالثَّانِي الْمُسَامحَة نظرا إِلَى جنس الْحيض فَإِنَّهُ متكرر بالجبلة لقَضَاء الْحَاجة الرُّتْبَة الثَّالِثَة الْمَرَض الذى يشق مَعَه الْمقَام فِي الْمَسْجِد وَفِيه قَولَانِ أَحدهمَا أَنه كالحيض وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَا يتَكَرَّر طبعا وَهَكَذَا الْخلاف فِي انْقِطَاع تتَابع الصَّوْم بِهِ وَهَذَا إِذا لم يضْطَر إِلَى

الْخُرُوج خيفة التلويث فَإِن خيف فَهُوَ كالحيض وَقيل بطرد الْقَوْلَيْنِ فِيهِ أَيْضا الرُّتْبَة الرَّابِعَة أَن يخرج مَحْمُولا أَو يخرج نَاسِيا وَفِيه قَولَانِ مرتبان على الْمَرَض وَأولى بِأَن لَا يَنْقَطِع لِأَن الصَّوْم لَا يَنْقَطِع بِمثلِهِ وَإِن أكره فَقَوْلَانِ مرتبان وَأولى بِأَن يَنْقَطِع لِأَن لَهُ قصدا فِي الْخُرُوج الرُّتْبَة الْخَامِسَة أَن يلْزمه الْخُرُوج شرعا لأَدَاء شَهَادَة متعينة أَو إِقَامَة حد أَو قَضَاء عدَّة طَلَاق فَقَوْلَانِ مرتبان على الْمَرَض وَأولى بالانقطاع لِأَن مبادئ هَذِه الْأُمُور مندرجة تَحت اخْتِيَاره ثمَّ حَيْثُ قُلْنَا لَا يَنْقَطِع فَيجب قَضَاء الْأَوْقَات الْفَائِتَة بِهَذِهِ الْأَعْذَار وَفِي اسْتِئْنَاف النِّيَّة عِنْد الْعود خلاف كَمَا فِي تَفْرِيق الْوضُوء

الْقسم الأول فِي الْمُقدمَات وَهُوَ الشَّرَائِط والمواقيت

القَوْل فِي الشَّرَائِط

وشرائط وُجُوبه خَمْسَة الْإِسْلَام وَالْعقل وَالْحريَّة وَالْبُلُوغ والاستطاعة وشرائط وُقُوعه عَن فرض الْإِسْلَام أَرْبَعَة وَهِي مَا ذَكرنَاهَا إِلَّا الِاسْتِطَاعَة وشرائط صِحَّته دون الْوُقُوع عَن حج الْإِسْلَام عل سَبِيل الْمُبَاشرَة الْإِسْلَام والتمييز إِذْ يَصح من الصَّبِي الْمُمَيز أَن يحجّ بِإِذن الْوَلِيّ وَشرط صِحَّته لَا بطرِيق الِاسْتِقْلَال الْإِسْلَام الْمُجَرّد إِذْ يجوز للْوَلِيّ أَن يحرم عَن الصَّبِي الذى لَا يُمَيّز كَمَا سَيَأْتِي

الْمَقْصُود بَيَان الِاسْتِطَاعَة وَهِي نَوْعَانِ

النَّوْع الأول استطاعة الْمُبَاشرَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي تَفْسِير الِاسْتِطَاعَة إِنَّهَا زَاد وراحلة والاستطاعة تتَعَلَّق بأَرْبعَة أُمُور الرَّاحِلَة والزاد وَالطَّرِيق وَالْبدن أما الرَّاحِلَة فالقدرة عَلَيْهَا شَرط فَلَا حج على الْقَادِر على الْمَشْي لما فِيهِ من الْمَشَقَّة خلافًا لمَالِك نعم لَو كَانَ على مَسَافَة دوم مَسَافَة الْقصر وَجب الْمَشْي على الْقوي وَلَا يجب على من يتَضَرَّر بِهِ وَالْمَشْي فِي هَذَا الْقدر كالركوب فِي السّفر الطَّوِيل وَمن لَا يسْتَمْسك على الرَّاحِلَة فَلَا يلْزمه مَا لم يقدر على محمل فَإِن قدر على

شقّ محمل وَوجد شَرِيكا يلْزمه وَإِن لم يجد وَكَانَ يَتَّسِع مَاله لمحمل تَامّ لكنه يَكْتَفِي بشق فَلَا يلْزمه لِأَن الزِّيَادَة خسران لَا مُقَابل لَهُ أما الزَّاد فَهُوَ أَن يملك فَاضلا عَن قدر حَاجته مَا يبلغهُ إِلَى الْحَج وَالْمرَاد بالمبلغ نَفَقَة الذّهاب والإياب فِي حق من لَهُ أهل ومسكن أَو قريب وَإِن بعد وَهل يعْتَبر نَفَقَة الإياب فِي حق الْقَرِيب فِيهِ وَجْهَان وَوجه الِاعْتِبَار حنين النَّفس إِلَى الأوطان وَالْمرَاد بالفاضل عَن قدر الْحَاجة أَن يكون وَرَاء الْمسكن وَالْعَبْد الذى يَخْدمه ودست ثوب يلْبسهُ وديونه الَّتِي يفْتَقر إِلَى قَضَائهَا وَمَا يخلفه على أَهله من النَّفَقَة وَمَا يحْتَاج إِلَى صرفه إِلَى نِكَاح إِن لم يكن متأهلا وَخَافَ على نَفسه الْعَنَت وَهل يجب أَن يكون وَرَاء رَأس مَاله الذى لَا يقدر على التِّجَارَة إِلَّا بِهِ فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا وَهُوَ اخْتِيَار ابْن سُرَيج أَن رَأس مَاله كمسكنه وَعَبده وَالثَّانِي أَن رَأس المَال يصرف فِي أهبة الْحَج بِخِلَاف الْمسكن وَالْعَبْد فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَيْهِمَا فِي الْوَقْت

فرعان

أَحدهمَا أَن من لَا يملك نَفَقَة الذّهاب وَهُوَ كسوب لم يلْزمه الْحَج لِأَن ضَرَر الْكسْب مَعَ السّفر يزِيد عل ضَرَر الْمَشْي إِلَّا أَن تكون الْمسَافَة دون سفر الْقصر الثَّانِي إِذا كَانَت الأسعار غَالِيَة وَلَكِن وجد بِثمن الْمثل وَجب الْحَج كَمَا يجب شِرَاء المَال بِثمن الْمثل وَإِن غلا بِحكم الْحَال وَلَو كَانَ لَا يُبَاع الزَّاد إِلَّا بِغَبن لم يجب أما الطَّرِيق فشرطه أَن يكون خَالِيا عَمَّا يُوجب خوفًا فِي النَّفس والبضع وَالْمَال أما النَّفس فَإِن كَانَ فِي الطَّرِيق سبع لم يجز الْخُرُوج وَلَو كَانَ فِي الطَّرِيق بَحر اخْتلف فِيهِ نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وللأصحاب أَرْبَعَة طرق أَحدهَا إِجْرَاء الْقَوْلَيْنِ لما فِيهِ من الْخطر الظَّاهِر مَعَ غَلَبَة السَّلامَة وَالثَّانِي لَا يجب على المستشعر لِأَن الجبان قد يخلع قلبه فِي الْبَحْر وَيجب

على غير المستشعر فَينزل النصين على حَالين وَالثَّالِث أَنه لَا يجب على المستشعر وَفِي غَيره قَولَانِ وَالرَّابِع أَنه يجب على غير المستشعر وَفِي المستشعر قَولَانِ وَهَذَا إِذا كَانَت السَّلامَة غالبة فَإِن كَانَ الْهَلَاك غَالِبا حرم الرّكُوب

فرع

لَو توَسط الْبَحْر واستوت الْجِهَات فِي التَّوَجُّه إِلَى مَكَّة والانصراف عَنْهَا فَفِي الْوُجُوب الْآن وَجْهَان على قَوْلنَا لَا يجب ركون الْبَحْر أَحدهمَا يجب لِأَن الرّكُوب لَا بُد مِنْهُ فِي كل جِهَة وَالثَّانِي لَا لِأَن الشَّرْع لَيْسَ يكلفه ذَلِك فِي طَرِيق الْحَج وَله أَن يتَكَلَّف ذَلِك فِي غَرَضه وَهُوَ قريب منن الْمحصر إِذا أحَاط بِهِ الْعَدو وَفِيه خلاف أما الْبضْع فالمرأة كَالرّجلِ فِي الِاسْتِطَاعَة لَكِنَّهَا عَورَة مَقْصُودَة تحْتَاج إِلَى محرم يبذرقها فَإِن لم تَجِد لم يلْزمهَا الْخُرُوج إِلَّا إِذا كَانَ الطَّرِيق آمنا وَوجدت نسْوَة ثِقَات

وَقَالَ الْقفال لَا يلْزم مَا لم يكن مَعَ كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ محرم فقد ينوبهن أَمر يفْتَرق إِلَى الِاسْتِعَانَة بِذَات الْمحرم وَأما المَال فَلَو كَانَ على المراصد من يطْلب مَالا لم يلْزمه الْحَج لِأَنَّهُ خسران لَا مُقَابل لَهُ وَلَو وجد بذرقة بأجره فَفِي لُزُوم الْأُجْرَة وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَنَّهُ خسران لدفع الظُّلم فَصَارَ كالتسليم إِلَى الظَّالِم وَالثَّانِي يجب لِأَنَّهُ من جملَة أهبة الطَّرِيق فأجرة البذرقة ككراء الدَّابَّة وَإِذا لم يخرج محرم الْمَرْأَة إِلَّا بِالْأُجْرَةِ فَفِي وُجُوبهَا عَلَيْهَا وَجْهَان مرتبان وَأولى بِأَن يجب لِأَنَّهَا لَا تنفك عَن هَذِه الْحَاجة فَكَانَت من أهب سفرها أما الْمُتَعَلّق الرَّابِع للاستطاعة فَهُوَ الْبدن وَلَا يعْتَبر فِيهِ إِلَّا قُوَّة يسْتَمْسك بهَا على الرَّاحِلَة وَالْأَعْمَى يجب عَلَيْهِ الْحَج وَلَكِن يحْتَاج إِلَى قَائِد احْتِيَاج الْمَرْأَة إِلَى محرم وَالْمَجْنُون لَا حج عَلَيْهِ وَلَو حج بِهِ الْوَلِيّ فَطَافَ بِهِ صَحَّ حجه وَلَكِن مُؤَن السّفر من مَال الْوَلِيّ وَأما الْمَحْجُور عَلَيْهِ بالتبذير فَيلْزمهُ الْحَج وللولي أَن ينْفق عَلَيْهِ وَينصب عَلَيْهِ قواما إِلَى الْحَج هَذِه أَرْكَان الِاسْتِطَاعَة أما أَحْكَامهَا فَثَلَاثَة

الأول أَن وجوب الْحَج يسْتَقرّ فِي الذِّمَّة إِذا دَامَت الِاسْتِطَاعَة مُدَّة تتسع لِلْحَجِّ لَو اشْتغل بِهِ وَلَو افْتقر أَو جن قبل مُضِيّ مُدَّة الْإِمْكَان تبين أَنه لم يكن وَاجِبا وَلَو تخلف بعد الِاسْتِطَاعَة فَمَاتَ بعد حج النَّاس وَقبل رجوعهم فالحج مُسْتَقر فِي ذمَّته يخرج من تركته لِأَنَّهُ لَو خرج لَكَانَ مَوته بعد الْحَج وَكَذَلِكَ لَو طَرَأَ الْغَضَب فِي هَذَا الْوَقْت وَلَو هلك مَاله بعد حج النَّاس حَيْثُ تعْتَبر نَفَقَة الإباب قَالَ الصيدلاني تبين أَنه لم يكن لَازِما لأَنا لَو علمنَا هَذَا فِي الِابْتِدَاء لم يلْزمه الْخُرُوج بِخِلَاف مَا لَو علمنَا مثلا أَنه يَمُوت بعد يَوْم النَّحْر فَإِنَّهُ كَانَ يلْزمه الْخُرُوج الثَّانِي أَن وجوب الْحَج على التَّرَاخِي عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة فَلَا يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ من السّنة الأولى وَلكنه لَو مَاتَ يخرج من تركته وَالظَّاهِر أَنه يلقى الله عَاصِيا إِذا جَازَ لَهُ التَّأْخِير بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة وَكَانَ على غرر فِي التَّأْخِير وَمِنْهُم من قَالَ لَا يعْصى إِذْ أخر عَازِمًا على الِامْتِثَال وَمَات فَجْأَة نعم إِن استشعر من نَفسه العضب عصى

بِالتَّأْخِيرِ

فرع

إِذا أخر مَعَ الْقُدْرَة وطرأ العضب عصى لتعذر الْمُبَاشرَة وَيلْزمهُ الِاسْتِنَابَة على التَّضْيِيق بِخِلَاف مَا لَو بلغ معضوبا فَإِن الِاسْتِنَابَة فِي حَقه على التَّرَاخِي كالمباشرة فِي حق الْقَادِر وَذكر الفوراني وَجها أَنه لَا تتضيق الِاسْتِنَابَة فِي العضب الطَّارِئ ثمَّ قَالَ إِن ضيقنا فَهَل للْقَاضِي أَن يسْتَأْجر عَلَيْهِ عِنْد امْتِنَاعه إجبارا فِيهِ وَجْهَان وَوجه التجويز تشبيهه بِالزَّكَاةِ لتطرق النِّيَابَة إِلَيْهِ الثَّالِث أَن من لم يؤد حج الْإِسْلَام لَا يجوز لَهُ أَن يحجّ أَجِيرا عَن غَيره

أَو يتَطَوَّع قبل الْفَرْض أَو يُؤَدِّي قَضَاء أَو نذرا قبله لما رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رأى رجلا يُلَبِّي عَن شبْرمَة فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من شبْرمَة فَقَالَ صديق لي فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة والسام أحججت عَن نَفسك فَقَالَ لَا فَقَالَ هَذِه عَنْك ثمَّ حج عَن شبْرمَة فَبِهَذَا عرف أَن غير حجَّة الْإِسْلَام لَا تقدم عَلَيْهَا وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْعَاجِز والمستطيع لِأَن الْعَاجِز إِذا حضر وَقع حجه عَن حجَّة الْإِسْلَام وكما لَا يقدم التَّطَوُّع عَن حجَّة الْإِسْلَام لَا يقدم على الْقَضَاء وَالنّذر وَفِي التَّرْتِيب بَين الْقَضَاء وَالنّذر تردد وَالْأولَى تَقْدِيم الْقَضَاء أما الْأَجِير إِذا انْتهى إِلَى الْمِيقَات فَنوى التَّطَوُّع عَن نَفسه قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد ينْصَرف إِلَى الْمُسْتَأْجر لِأَنَّهَا حجَّة وَاجِبَة فَتقدم وَهُوَ بعيد لِأَنَّهُ وجوب تَقْتَضِيه الْإِجَارَة دون وضع الْحَج

النَّوْع الثَّانِي استطاعة الِاسْتِنَابَة

وَالنَّظَر فِي ثَلَاثَة أَطْرَاف

الطّرف الأول فِي حَالَة جَوَاز الِاسْتِنَابَة وَله شَرْطَانِ

الأول الْعَجز عَن الْمُبَاشرَة بِالْمَوْتِ أَو بزمانة لَا يُرْجَى زَوَالهَا وَقَالَ مَالك تخْتَص الِاسْتِنَابَة بِحَالَة الْمَوْت لوُرُود الحَدِيث فِيهِ لَكنا نقُول الْحَيّ الْعَاجِز المئيوس عَنهُ أولى بالاستنابة لقدرته على النِّيَّة ثمَّ لَو ظهر الْيَأْس وَفرغ الْأَجِير من الْحَج فَزَالَ العضب فَفِي وجوب الْإِعَادَة قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يجب لِأَنَّهُ بَان زَوَال الْعَجز وَالثَّانِي أَن حج الْأَجِير وَقع موقعه فَلَا ينْقض

فَإِن قُلْنَا لم يَقع فَيَقَع عَن الْأَجِير أَو عَن تطوع الْمُسْتَأْجر فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا عَن الْأَجِير لِأَنَّهُ لَو وَقع عَن الْمُسْتَأْجر لسبق النَّفْل الْفَرْض وَالأَصَح أَنه يَقع عَن الْمُسْتَأْجر لَان هَذَا عذر فِي التَّقْدِيم كعذر الصَّبِي وَالرّق فَإِن أوقعنا عَن الْأَجِير فَفِي أجرته ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا يسْتَحق لوُقُوعه عَنهُ وَالثَّانِي نعم لِأَنَّهُ عمل مَا عَلَيْهِ وَالثَّالِث أَنه يسْتَحق أجر الْمثل دون الْمُسَمّى لتبين فَسَاد الْإِجَارَة وَلَو كَانَ العضب يُرْجَى زَوَاله فاستناب واتصل العضب بِالْمَوْتِ فَفِي وُقُوع حج النَّائِب عَنهُ قَولَانِ كَمَا سبق الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون المستناب فِيهِ حجا مَفْرُوضًا أما التَّطَوُّع فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا الْمَنْع لِأَنَّهُ خَارج عَن الْقيَاس وَقد ورد الحَدِيث فِي حجَّة الْإِسْلَام وَالثَّانِي نعم لِأَنَّهُ إِذا تطرق النِّيَابَة إِلَيْهِ كَانَ التَّطَوُّع فِي معنى الْفَرْض أما إِذا لم يكن على الْمَيِّت حجَّة الْإِسْلَام لعدم الِاسْتِطَاعَة فَفِي اسْتِئْجَار الْوَارِث عَنهُ طَرِيقَانِ أَحدهمَا طرد قَول التَّطَوُّع لِأَنَّهُ تبرع وَالثَّانِي الْقطع بِالْجَوَازِ لِأَن

حج غير المستطيع يَقع عَن حجَّة الْإِسْلَام وَلِأَن الحَدِيث ورد فِيهِ رُوِيَ أَن امْرَأَة قَالَت لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن فَرِيضَة الْحَج أدْركْت أبي شَيخا زَمنا لَا يَسْتَطِيع أَن يحجّ أفأحج عَنهُ فَقَالَ نعم

فرع

لَا يجوز الْحَج عَن المعضوب بِغَيْر إِذْنه وَيجوز عَن الْمَيِّت من غير وَصيته يَسْتَوِي فِيهِ الْوَارِث وَالْأَجْنَبِيّ كَمَا فِي قَضَاء دينه وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِن لم يوص لم يحجّ عَنهُ وَإِن أوصى نفذت وَصيته بِالْحَجِّ من ثلث مَاله

الطّرف الثَّانِي فِي حَالَة وجوب الِاسْتِنَابَة

وَهُوَ أَن يسْتَقرّ فِي ذمَّته ثمَّ يطْرَأ العضب أَو يبلغ معضوبا قَادِرًا على الِاسْتِنَابَة وَالْقُدْرَة عَلَيْهَا بِمَال يملكهُ أَو بِمَال يبْذل لَهُ أَو بِطَاعَة تبذل لَهُ فَأَما مَا يملكهُ فَهُوَ قدر أُجْرَة الْأَجِير فضلا عَن حَاجته يَوْم الِاسْتِئْجَار وَلَا يعْتَبر أَن يفضل عَن نَفَقَة أَهله لما بعد فرَاغ الْأَجِير من الْحَج فِي مُدَّة إيابه وَهل يعْتَبر لما بَين يَوْم الْإِجَارَة إِلَى الْفَرَاغ من الْحَج فِيهِ تردد من حَيْثُ إِن

هَذِه مُدَّة فِيهَا يتم الْأَدَاء وَفِي زَكَاة الْفطر لم يعْتَبر إِلَّا قوت الْيَوْم لِأَن الْفَرْض يتَأَدَّى فِي الْحَال وَلَو ملك أُجْرَة ماش فَفِي لُزُومه وَجْهَان وَجه الْمَنْع أَن الْمَاشِي على خطر فَيُؤَدِّي إِلَى التَّغْرِير بِمَالِه أما الْقُدْرَة ببذل الْغَيْر فَإِن كَانَ المبذول مَالا والباذل أَجْنَبِي لم يجب لما فِيهِ من الْمِنَّة وَإِن كَانَ المبذول طَاعَة والباذل هُوَ الابْن وَجب الْقبُول إِذْ لَا منَّة وَإِن بذل الْأَجْنَبِيّ الطَّاعَة أَو الابْن المَال فَوَجْهَانِ للتردد فِي الْمِنَّة وَالْأَب كالابن فِي بذل المَال وكالأجنبي فِي بذل الطَّاعَة هَذَا إِذا بذل الابْن الطَّاعَة رَاكِبًا فَإِن كَانَ مَاشِيا فَوَجْهَانِ إِذْ

فصول الكتاب · 3 فصل · 713 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الوسيط في المذهب · 713 صفحة
المقدمة
الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين
الْبَاب الرَّابِع فِي الْقِسْمَة
جارٍ التحميل