الوسيط في المذهبصفحات 523-26
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين

صفحات 523-26

الضَّمَان لِأَن الْجرْح فِيهِ خطر وَقد جوز مَعَ الْخطر وَإِنَّمَا جوز من التَّعْزِير مَالا خطر فِيهِ وَكَيف يتَعَرَّض الْوَلِيّ لضمان سرَايَة الفصد والحجامة وَذَلِكَ يزجره عَن فعله ويضر بِالصَّبِيِّ نعم يتَّجه ذَلِك فِي الْخِتَان بعض الإتجاه فَإِنَّهُ لَيْسَ على الْفَوْر وَلَا فِيهِ خوف وَالصَّحِيح أَيْضا أَنه لَا ضَمَان أما الْخِتَان فمستحق عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الرِّجَال وَالنِّسَاء لِأَنَّهُ جَائِز مَعَ أَنه جرح مخطر فَيدل على وُجُوبه وَالْوَاجِب فِي الرِّجَال قطع مَا يغشى الْحَشَفَة وَفِي النِّسَاء مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم ثمَّ أول وُجُوبه بِالْبُلُوغِ وَلَيْسَ يجب على الصَّبِي بِخِلَاف الغدة إِذْ تَنْقَضِي من غير فعل والاولى أَن يُبَادر الْوَلِيّ فِي الصَّبِي لسُهُولَة ذَلِك عِنْد سخافة الْجلد فَإِن بلغ وَامْتنع استوفى السُّلْطَان قهرا فَلَا ضَمَان إِذْ وَجب اسْتِيفَاؤهُ إِلَّا أَن يفعل فِي شدَّة الْحر فَإِن النَّص أَنه يضمن وَفِيه تَخْرِيج سبق

النّظر الثَّانِي فِي مَحَله

وَالْإِمَام كَسَائِر النَّاس فِيمَا يتعاطاه لَا فِي معرض الحكم أَو فِي معرض الحكم على خلاف الشَّرْع عمدا أما إِذا بذل الْمُمكن فِي الِاجْتِهَاد فَأَخْطَأَ فَفِي الضَّمَان قَولَانِ أَحدهمَا أَنه كَسَائِر النَّاس يجب عَلَيْهِ أَو على عَاقِلَته وَالثَّانِي أَنه فِي بَيت المَال لِأَن الوقائع تكْثر وَهُوَ معرض للخطأ فَكيف يستهلك مَاله وعَلى هَذَا فَفِي الْكَفَّارَة وَجْهَان لِأَنَّهَا من جنس الْعِبَادَات فتبعد عَن التَّحَمُّل وَيجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا لَو ضرب فِي الشّرْب ثَمَانِينَ وَقُلْنَا لَهُ ذَلِك وَلَا يجْرِي إِذا أَقَامَ الْحَد على حَامِل مَعَ الْعلم فَإِنَّهُ مقصر والغرة على عَاقِلَته قطعا وَكَذَلِكَ إِذا قضى بقول عَبْدَيْنِ أَو كَافِرين أَو صبيين وَقصر فِي الْبَحْث فَإِن بحث فَأَخْطَأَ جرى فِيهِ الْقَوْلَانِ إِلَّا أَنه يُمكن الرُّجُوع على الشُّهُود لأَنهم تصدوا لما لَيْسُوا أَهلا لَهُ وَمِنْهُم من قَالَ لَا رُجُوع لأَنهم صدقُوا أَو أصروا وَلَيْسَ القَاضِي كالمغرور إِذْ الْمَغْرُور غير مَأْمُور بالبحث وَهُوَ مَأْمُور بِهِ

فَإِن قُلْنَا يرجع فَفِي تعلقه بِرَقَبَة الْعَبْدَيْنِ أَو لُزُومه فِي ذمتهما خلاف وَفِي الرُّجُوع على الْمُرَاهق نظر لِأَن قَوْله بعيد أَن يعْتَبر الْإِلْزَام وَلَكِن يُمكن أَن يَجْعَل كجناية حسية وَلذَلِك تعلق بِرَقَبَة العَبْد على رَأْي فَإِن كَانَا فاسقين ورأينا نقض الحكم بِظُهُور الْفسق بعد الْقَضَاء فَفِي الرُّجُوع عَلَيْهِم ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يجب كالعبدين وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُمَا من أهل الشَّهَادَة على الْجُمْلَة وَالثَّالِث أَنه يرجع على المجاهر دون المكاتم فَإِن عَلَيْهِ ستر الْفسق بِخِلَاف الرّقّ فَإِنَّهُ لَا يستر أما الجلاد فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كيد الإِمَام وسيفه وَلَو ضمن لم يرغب أحد فِيهِ وَكَذَا الْحجام إِذا قطع سلْعَة بِالْإِذْنِ فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ مهما كَانَ الْقطع مُبَاحا أما إِذا قطع يدا صَحِيحَة بِالْإِذْنِ فَفِي الضَّمَان خلاف لِأَن الْمُسْتَحق أسقط

حَقه وَلكنه مرحم وَلَو قتل حر عبدا وَأمر الإِمَام بقتْله والجلاد شفعوي فَفِيهِ وَجْهَان ينظر فِي أَحدهمَا إِلَى اعْتِقَاد الجلاد وَفِي الثَّانِي إِلَى اجْتِهَاد الإِمَام وَكَذَا الْخلاف فِيمَا لَو كَانَ الإِمَام شفعويا فَأَخْطَأَ بذلك والجلاد حَنَفِيّ فالنظر إِلَى جَانب الإِمَام يُوجب الْقصاص على الجلاد

وكل هَذَا إِذا كَانَ للجلاد محيص عَن الْفِعْل فَإِن لم يكن فَهُوَ كالمكره على رَأْي وَقد ذَكرْنَاهُ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي دفع الصَّائِل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالنَّظَر فِي الْمَدْفُوع والمدفوع عَنهُ وَكَيْفِيَّة الدّفع أما الْمَدْفُوع فَلَا تَفْصِيل فِيهِ عندنَا بل كل مَا يخَاف الْهَلَاك مِنْهُ يُبَاح دَفعه وَلَا ضَمَان فِيهِ لِأَنَّهُ مُسْتَحقّ الدّفع يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسلم وَالْكَافِر وَالصَّبِيّ وَالْمَجْنُون والبهيمة وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يجب ضَمَان الْبَالِغ وَيجب ضَمَان الْبَهِيمَة الصائلة وَله فِي الصَّبِي وَالْمَجْنُون تردد وَاخْتلف الْأَصْحَاب فِي مَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهمَا جرة تدهورت من سطح أَو جِدَار مطل على رَأس إِنْسَان فَدَفعهَا فَكَسرهَا فَمن نَاظر إِلَى أَنه مُسْتَحقّ الدّفع وَمن نَاظر إِلَى أَنه لَا اخْتِيَار لَهَا حَتَّى يُحَال عَلَيْهَا فَصَارَ كالمضطر فِي المخمصة إِلَى طَعَام الْغَيْر فَإِنَّهُ يَأْكُل وَيضمن

الثَّانِيَة إِذا اضْطر إِلَى طَعَام فِي بَيته وعَلى بَابه بَهِيمَة صائلة لَا تنْدَفع إِلَّا بِالْقَتْلِ فَهُوَ مردد بَين ضَرُورَة المخمصة والصيال فَفِيهِ وَجْهَان وَهَذَا حكم جَوَاز الدّفع أما جَوَاز الإستسلام فَينْظر إِن كَانَ الصَّائِل بَهِيمَة أَو ذِمِّيا لم يجز وَوَجَب الدّفع إِذْ عهد الذِّمِّيّ ينْتَقض بصياله وَإِن كَانَ مُسلما محقونا فَقَوْلَانِ أَحدهمَا الْجَوَاز لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِحُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ فِي وصف الْفِتَن كن عبد الله الْمَقْتُول وَلَا تكن عبد الله الْقَاتِل وَالثَّانِي الْمَنْع لِأَن الصَّائِل لَا حُرْمَة لَهُ لظلمه والمصول عَلَيْهِ مُحْتَرم وَإِنَّمَا يُؤمر بترك الْقَتْل فِي الْفِتْنَة خوفًا من إثارة الْفِتْنَة

نعم يجوز للمضطرين فِي المخمصة الإيثار لِأَن الْحُرْمَة شَامِلَة للْجَمِيع وَأما الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَمنهمْ من ألحقهما بالبهيمة وَمِنْهُم من طرد الْقَوْلَيْنِ وَوجه الْقطع بِالْمَنْعِ أَن قتل الصَّبِي يجب مَنعه على الْمُكَلف إِذا قدر كَيْلا يبوء بالإثم لِأَنَّهُ صُورَة ظلم أما الْمَدْفُوع عَنهُ فَلهُ ثَلَاث مَرَاتِب الأولى مَا يَخُصُّهُ وَهُوَ كل حق مَعْصُوم من نفس وبضع وَمَال وَإِن قل حَتَّى يهدر الدَّم فِي الدّفع عَن دِرْهَم وَحكي عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ قَول قديم أَنه لَا يدْفع عَن المَال بِالْقَتْلِ وَهُوَ غَرِيب الثَّانِيَة مَا يخص الْغَيْر وَهُوَ يقدر على دَفعه مِنْهُم من طرد الْقَوْلَيْنِ فِي وجوب الدّفع وَمِنْهُم من قطع بِالْوُجُوب إِذْ لَا مدْخل للإيثار هَاهُنَا وَهُوَ حق الْغَيْر وَمن الْأُصُولِيِّينَ من قطع بِالْمَنْعِ وَقَالَ لَيْسَ شهر السِّلَاح فِي مثل ذَلِك إِلَى الْآحَاد بل إِلَى السُّلْطَان لِأَنَّهُ يُحَرك الْفِتَن الثَّالِثَة مَا يتَعَلَّق بمحض حق الله تَعَالَى كشرب الْخمر فَظَاهر رَأْي الْفُقَهَاء

وجوب الدّفع بِسَبَب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَلَو بِالسِّلَاحِ وَمِنْهُم من منع ذَلِك إِلَّا للسُّلْطَان خوفًا من الْفِتْنَة وَذكرنَا فِي ذَلِك تَفْصِيلًا طَويلا فِي كتاب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ من كتب إحْيَاء عُلُوم الدّين أما كَيْفيَّة الدّفع فَيجب فِيهِ التدريج فَإِن انْدفع بالْكلَام لم يضْرب أَو بِالضَّرْبِ لم يجرح أَو بِالْجرْحِ لم يقتل وَإِذا انْدفع لم يتبع وَلَو رأى من يَزْنِي بِامْرَأَة فَلهُ دَفعه إِن أَبى وَلَو بِالْقَتْلِ فَإِن هرب فَاتبعهُ وَقَتله وَجب الْقصاص عَلَيْهِ إِن لم يكن مُحصنا فَإِن كَانَ مُحصنا فَلَا قصاص لِأَنَّهُ مُسْتَحقّ الْقَتْل وَإِن لم يكن للآحاد قَتله وَكَذَا من استبد بِقطع يَد السَّارِق فَلَا قصاص وَلَكِن لَا بُد من إِقَامَة بَيِّنَة عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يسمع مُجَرّد دَعْوَاهُ للزِّنَا وَالسَّرِقَة وتبنى على هَذِه الْقَاعِدَة مسَائِل الأولى لَو قدر المصول عَلَيْهِ على الْهَرَب فَالظَّاهِر أَنه لَيْسَ لَهُ الدّفع وَمِنْهُم من جوز وَكَأن الْموضع حَقه فَلَا يلْزمه الْهَرَب وَلَو كَانَ الصَّائِل ينْدَفع بِسَوْط لَكِن لَيْسَ فِي يَد المصول عَلَيْهِ إِلَّا مَا لَو ضرب بِهِ لجرح فَالظَّاهِر جَوَاز الضَّرْب لِأَن الْمُعْتَبر حَاجته وَهُوَ لَا يقدر على غَيره وَلذَلِك نقُول الحاذق الَّذِي يقدر على الدّفع بأطراف السَّيْف من غير جرح يضمن إِن جرح والأخرق الَّذِي يعجز عَنهُ لَا يضمن الثَّانِيَة لَو عض يَد إِنْسَان فَلهُ أَن يسل يَده فَإِن ندرت أَسْنَانه فَلَا ضَمَان

وَإِن لم يقدر على السل فَلهُ أَن يضع السكين فِي بَطْنه ويعصر أنثييه وَقيل لَا يجوز إِلَّا أَن يقْصد الْعُضْو الْجَانِي ليندفع وَهُوَ بعيد الثَّالِثَة إِذا نظر إِلَى حرم إِنْسَان من صير الْبَاب وكوة الدَّار عمدا فَلهُ أَن يقْصد عَيْنَيْهِ بحصاة أَو مَدَرَة من غير تَقْدِيم إنذار فَلَو أعماه الرَّمْي فَلَا ضَمَان وَهَذَا على خلاف تدريج الدّفع وَلَكِن نظر رجل إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجرته من صير بَابه وَكَانَ بِيَدِهِ عَلَيْهِ السَّلَام مدرى يحك بِهِ رَأسه فَقَالَ لَو علمت أَنَّك تنظرني لطعنت بهَا عَيْنَيْك وَقَالَ القَاضِي لَا بُد من تَقْدِيم الْإِنْذَار على الْقيَاس والْحَدِيث مَحْمُول على أَنه لَو أصر على النّظر فَلم ينْدَفع بالإنذار وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله وَعكس صَاحب التَّقْرِيب وَقَالَ يسْتَدلّ بِهَذَا على أَن الدّفع جَائِز ابْتِدَاء من غير إنذار ويتأيد ذَلِك بقولنَا إِنَّه يجوز قتل الْمُرْتَد بَغْتَة من غير إمهال وإنذار وَالْمذهب الْفرق لأجل الحَدِيث وَلِأَن النّظر إِلَى الْحرم جِنَايَة تَامَّة فَإِن مَا رَآهُ وانكشف لَهُ لَا يسْتَتر باندفاعه بعده فللنظر هَذِه الخاصية لَكِن لَا خلاف أَنه بعد

الإندفاع لَا تقصد عينه بِالْجِنَايَةِ السَّابِقَة فَكَأَن الْمُسَلط هَذِه الخاصية مَعَ وجود الْجِنَايَة وَالصَّحِيح أَنه لَو اسْترق السّمع من كوَّة لم تقصد أُذُنه من غير إنذار وَإِن كَانَ مَا سَمعه قد فَاتَ وَلَكِن أَمر الْكَلَام أَهْون من أَمر العورات وَفِيه وَجه أَنه يلْحق بِهِ وَإِن كَانَ الْبَاب مَفْتُوحًا فَنظر لم يقْصد لِأَن التَّقْصِير من رب الدَّار وَلَا فرق بَين أَن ينظر فِي الصير من ملك نَفسه أَو من الشَّارِع أَو من السَّطْح فَإِنَّهُ يقْصد هَذَا إِذا كَانَ فِي الدَّار حرم غير متسترات فَإِن لم يكن فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا الْجَوَاز للْعُمُوم وَلِأَن الْإِنْسَان قد يكون مَكْشُوف الْعَوْرَة وَالثَّانِي الْمَنْع إِذْ أَمن الِاطِّلَاع على المستترة وعَلى الرِّجَال أسهل وَالثَّالِث أَنه يجوز الْقَصْد إِن كَانَ فِي الدَّار حرم وَإِن كن مستترات وَإِن لم يكن إِلَّا الرِّجَال لم يجز وَلَا خلاف أَنه إِن كَانَ للنَّاظِر حرم فِي هَذِه الدَّار فَيصير ذَلِك شُبْهَة فَلَا يقْصد ثمَّ إِن لم تحصل الشَّرَائِط وَجب الْقصاص وَإِن حصل فرشقه بنشابة وَجب الْقصاص بل لَا يترخص إِلَّا فِي قصد الْعين بخشبة أَو مَدَرَة أَو بندقة فقد يخطىء وَقد يُصِيب وَلَا يعمي وَأما الرشق فَقتل صَرِيح فَلَا يجوز

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِيمَا تتلفه الْبَهَائِم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه فصلان

الْفَصْل الأول أَن لَا يكون مَعهَا مَالِكهَا

فَإِن انسرحت فِي الْمزَارِع نَهَارا فَلَا ضَمَان على مَالك الْبَهِيمَة وَإِن انسرحت لَيْلًا ضمن بذلك قضى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ الْعَادة حفظ الدَّوَابّ لَيْلًا من ملاكها وَحفظ الْمزَارِع نَهَارا من أَصْحَابهَا فالمتبع فِيهِ التَّقْصِير وَلَو انعكست الْعَادة فِي مَوضِع انعكس الحكم فيهمَا للمعنى من فرق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

وَفِيه وَجه أَنه لَا ينعكس لِأَن ضبط الْعَادة يعسر فَيتبع الشَّرْع كَيْفَمَا تقلبت الْعَادَات

فرعان

أَحدهمَا أَن الْبَهَائِم أَيْضا لَا تَخْلُو عَن الرَّاعِي نَهَارا وَلَكِن يعذرُونَ فِي الْغَفْلَة عَنْهَا إِذا سرحت بعيدَة من الْمزَارِع فَلَو سرحها فِي جوَار الْمزَارِع مَعَ اتساع المراعي فَهُوَ مقصر فَيضمن الثَّانِي لَو سرحها لَيْلًا فَدخلت الْبَسَاتِين وأبوابها مَفْتُوحَة لم يضمن لِأَن التَّقْصِير فِي الْبُسْتَان من صَاحبه إِذْ لم يغلق الْبَاب وَالتَّقْصِير من رب الْبَهِيمَة فِي حق الْمزَارِع الضاحية

الْفَصْل الثَّانِي أَن يكون مَعهَا مَالِكهَا

فَيضمن مَالك الدَّابَّة مَا أتلفته بِيَدَيْهَا إِذا خبطت وبرجليها إِذا رمحت وبفيها إِذا عضت وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ يُمكن حفظ الدَّابَّة عَنهُ من غير انسداد رفق الطّرق أما الضَّرَر الَّذِي ينشأ من رشاش الوحل وانتشار الْغُبَار إِلَى الْفَوَاكِه فَلَا ضَمَان إِذْ هُوَ ضَرُورَة الطّرق وَلَا يُمكن الْمَنْع مِنْهُ نعم لَو خَالف الْعَادة بالركض فِي شدَّة الوحل أَو ترك الْإِبِل فِي الْأَسْوَاق غير مقطرة أَو ركب الدَّابَّة النزقة الَّتِي لَا يركب مثلهَا إِلَّا فِي الصَّحَارِي ضمن لكَونه مقصرا فِي الْعَادة

فروع

الأول لَو أفلتت الدَّابَّة لَيْلًا عَن الرِّبَاط فَهُوَ كَمَا لَو غلبت صَاحبهَا وَقد ذَكرْنَاهُ فِي بَاب الاصطدام الثَّانِي لَو تخرق ثوب إِنْسَان بحطب على دَابَّة وَهُوَ مُقَابل ومبصر ووجده منحرفا فَلَا ضَمَان وَإِن كَانَ مستدبرا أَو ناداه الْمَالِك منبها فكمثله وَإِن لم ينبهه ضمن صَاحب الدَّابَّة الثَّالِث إِذا أَدخل الدَّابَّة مزرعة فأخرجها صَاحب المزرعة فانسرحت فِي مزرعة غَيره فَلَا ضَمَان على الْمخْرج فَإِن كَانَت مزرعة محفوفة بالزراع فَلَا يُمكن إِخْرَاجه إِلَّا بِهِ فَيضمن إِذْ عَلَيْهِ الصَّبْر ليرْجع على رب الْبَهِيمَة وَمهما كَانَ رب الدَّابَّة مقصرا وَلَكِن مَالك الزَّرْع حَاضر وقادر على التنفير فَلم يفعل فَلَا ضَمَان إِذْ هُوَ المقصر بترك التنفير فِي الْعَادة الرَّابِع الْهِرَّة الْمَمْلُوكَة إِذا قتلت طير إِنْسَان أَو قلبت قدره فَفِي وجوب الضَّمَان على مَالِكهَا أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا ضَمَان إِذْ مَا جرت الْعَادة بربط السنانير لَيْلًا ونهار وَالثَّانِي يجب إِذْ يُمكن شدّ الروازن وغلق الْأَبْوَاب حَتَّى لَا تخرج

وَالثَّالِث أَنَّهَا كالدآبة يجب حفظهَا لَيْلًا لَا نَهَارا وَالرَّابِع بِالْعَكْسِ فَإِن الْأَطْعِمَة تصان بِاللَّيْلِ دون النَّهَار الْخَامِس الْهِرَّة الضاربة بالطيور والإفساد أَو تنجيس الثِّيَاب قَالَ القَاضِي يجوز قَتلهَا فِي حَال سكونها لِأَنَّهَا التحقت بالفواسق فَأشبه الذِّئْب الَّذِي لَا يحل اقتناؤه وَقَالَ الْقفال لَا يحل لِأَن هَذِه ضراوة عارضة على خلاف الْجِنْس فتدفع فِي حَال الضراوة فَقَط وَالْكَلب الضاري كالهرة والاولى تشبيهه بالذئب

الله تبَارك وَتَعَالَى رَضِي الله عَنْهُن الرب عز وَجل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي وُجُوبه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقد يجب على التَّعْيِين وَقد يجب على الْكِفَايَة وَهُوَ الْغَالِب وَالنَّظَر فِي طرفين فِي الْوَاجِبَات على الْكِفَايَة وَفِي المعاذير المسقطة

الأول فِي الْوَاجِبَات

فالجهاد وَاجِب على الْكِفَايَة وَقيل كَانَ على الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم فرض عين وَكَانَ من يتَخَلَّف يحرس فِي الْمَدِينَة وَكَانُوا يتناوبون ويغزون مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كل سنة بعد أَن نزل الْقِتَال وَقد كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قبل ظُهُور شَوْكَة الْإِسْلَام مَأْمُورا بالدعوة وَالصَّبْر على الْأَذَى حَتَّى نزل

الْحَث على الْجِهَاد والآن فَيجب على الإِمَام فِي كل سنة أَو مَا يقرب مِنْهَا غَزْوَة ينْهض إِلَيْهَا جنده إدامة للدعوة القهرية وإظهارا لِلْإِسْلَامِ ثمَّ يرْعَى النصفة فِي المناوبة بَين الْجند وَلَا يخصص بعض أقاليم الْكفَّار وَلَكِن يقدم الأهم فالأهم ويتشوف إِلَى بَث النكاية والرعب فِي الْجَمِيع وَإِنَّمَا يصير الْفَرْض على الْكِفَايَة لَا على التَّعْيِين إِذا كَانَ الشَّيْء مَقْصُود الْحُصُول فِي نَفسه للشَّرْع وَلم يكن الشَّخْص مَقْصُودا بالامتحان وَذَلِكَ يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام قسم يتَعَلَّق بمحض الدّين كإقامة المدعوة الحجاجية بِالْعلمِ والقهرية بِالسَّيْفِ فَلَا يَنْبَغِي أَن تَخْلُو خطة الْإِسْلَام عَنهُ وَهَذَا يتَعَلَّق بِأَصْل الدّين وَمِنْهَا مَا يتَعَلَّق بِفُرُوع الدّين وشعاره كإحياء الْكَعْبَة بِالْحَجِّ كل سنة وإشاعة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ ورد السَّلَام وَهُوَ من الشعائر وَإِن لم تتَعَلَّق بِهِ مصلحَة كُلية بل مصلحَة حسن الْمُعَامَلَة وَأما إِقَامَة الْجَمَاعَات وَالْأَذَان سوى أَيَّام الْجمع فَفِيهِ تردد الْقسم الثَّانِي مَا يتَعَلَّق بالمعاش كدفع الضَّرَر عَن محاويج الْمُسلمين وَإِزَالَة فاقتهم فَإِن بقيت ضَرُورَة بعد تَفْرِقَة الزكوات كَانَ إِزَالَتهَا من فرض الْكِفَايَة وَإِن بقيت حَاجَة فَفِي وجوب إِزَالَتهَا تردد وَأما الْبياعَات والمناكحات والحراثة والزراعة وكل حِرْفَة لَا يَسْتَغْنِي النَّاس عَنْهَا لَو

تصور إهمالها لكَانَتْ من فروض الكفايات حَتَّى الفصد والحجامة وَلَكِن فِي بواعث الطباع مندوحة عَن الْإِيجَاب لِأَن قوام الدُّنْيَا بِهَذِهِ الْأَسْبَاب وقوام الدّين مَوْقُوف على قوام أَمر الدُّنْيَا ونظامها لَا محَالة الْقسم الثَّالِث مَا هُوَ كالمركب من الْقسمَيْنِ كتحمل الشَّهَادَات وإعانة الْقُضَاة على تَوْفِيَة الْحُقُوق وتجهيز الْمَوْتَى ودفنهم وغسلهم وَهَذِه مصَالح وَلَكِن يتَعَلَّق بهَا أَيْضا إِظْهَار شَعَائِر الدّين وَهَذِه الْفُرُوض مَذْكُورَة فِي موَاضعهَا وَإِنَّمَا نذْكر الْآن الْجِهَاد والتعلم وَالسَّلَام ولتعلم أَنه إِذا تعطل فرض كِفَايَة فِي مَوضِع أَثم من علم ذَلِك وَقدر على إِقَامَته وَيَأْثَم من لم يعلم إِذا كَانَ قَرِيبا من الْموضع وَكَانَ يَلِيق بِهِ الْبَحْث فَلم يبْحَث أما من هُوَ مَعْذُور لبعده أَو لتعذر الْبَحْث عَلَيْهِ فَلَا يَأْثَم

الطّرف الثَّانِي فِي مسقطات الْوُجُوب

وَهُوَ الْعَجز إِمَّا حسيا أَو شَرْعِيًّا أما الْحسي فَهُوَ الصِّبَا وَالْجُنُون وَالْأُنُوثَة وَالْمَرَض والفقر وَالْعَرج والعمى فَلَا جِهَاد على هَؤُلَاءِ لعجزهم وضعفهم وَقيل الْأَعْرَج كَالصَّحِيحِ إِن كَانَ يُقَاتل رَاكِبًا وَهُوَ بعيد لعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا على الْأَعْرَج حرج﴾ وَلِأَنَّهُ لَا تندر الْحَاجة إِلَى التَّرَجُّل فِي مضايق الْقِتَال وكل من لَا يملك نَفَقَة الذّهاب والإياب والمركوب فَهُوَ فَقير وتفصيله مَا ذكرت فِي الْحَج إِلَّا فِي شَيْئَيْنِ أَحدهمَا أَنه يشْتَرط وجود السِّلَاح هَاهُنَا بِخِلَاف الْحَج وَالْآخر أَنه لَا يسْقط الْجِهَاد بالخوف من المتلصصين على الطَّرِيق وَإِن كَانُوا من الْمُسلمين لِأَن أهم الْجِهَاد مَعَ المتلصصين ومصير هَؤُلَاءِ إِلَى الْخَوْف الْأَعْظَم أما الْمَوَانِع الشَّرْعِيَّة فَهُوَ الرّقّ وَالدّين وَمنع الْوَالِدين أما الرَّقِيق فَلَا جِهَاد عَلَيْهِ كَمَا لَا جُمُعَة وَلَا حج عَلَيْهِ وَلَا يلْزمه الْجِهَاد وَإِن أمره السَّيِّد إِذْ لَا حق لَهُ فِي روحه حَتَّى يغرر بِهِ ويعرضه للهلاك وَكَذَلِكَ لَا يجب على العَبْد أَن يدْفع عَن السَّيِّد إِذا قصد بِالْهَلَاكِ مهما خَافَ على روحه بل سَيّده كالأجانب فِي هَذَا الْمَعْنى نعم

إِن خرج سَيّده للْجِهَاد فَلهُ استصحابه للْخدمَة على الْعَادة لَا لِيُقَاتل قهرا أما الدّين فالحال مِنْهُ يمْنَع من الْخُرُوج إِلَّا أَن يرضى الْمُسْتَحق والمؤجل لَا يمْنَع عَن سَائِر الْأَسْفَار وَإِن قربت الْمدَّة وَطَالَ السّفر لَكِن على الْمُسْتَحق الْخُرُوج مَعَه إِن شَاءَ ليطالب وَأما سفر الْجِهَاد فَفِيهِ أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا أَنه يمْنَع مِنْهُ لِأَن الْمصير فِيهِ إِلَى الْمَوْت وَبِه يحل الْأَجَل بِخِلَاف سَائِر الْأَسْفَار وَهُوَ ضَعِيف وَالثَّانِي أَنه كَسَائِر الْأَسْفَار فَلَا يمْنَع وَالثَّالِث أَنه يمْنَع إِلَّا إِذا خلف وَفَاء بِالدّينِ وَالرَّابِع أَنه إِن كَانَ من المرتزقة لم يمْنَع إِذْ رُبمَا كَانَ وَجهه فِي قَضَاء الدّين من الْقِتَال وَإِلَّا فَيمْنَع وَأما رِضَاء الْوَالِدين فَشرط رُوِيَ أَن رجلا جَاءَ فَقَالَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُرِيد أَن أجاهد مَعَك فَقَالَ كَيفَ تركت والديك فَقَالَ تركتهما يَبْكِيَانِ فَقَالَ ارْجع وأضحكهما كَمَا أبكيتهما

أما حج الْإِسْلَام بعد الإستطاعة فَيجوز بِغَيْر رضاهما لِأَنَّهُ فرض عين وَفِي التَّأْخِير خطر وَالْغَالِب السَّلامَة مَعَ أَمن الطَّرِيق أما سفر طلب الْعلم فَإِن كَانَ الْعلم الْمَطْلُوب معينا أَو كَانَ يطْلب رُتْبَة الإجتهاد حَيْثُ شغر الْبَلَد عَن الْمُجْتَهد فَلَا يشْتَرط الْإِذْن كَالْحَجِّ بل أولى لِأَنَّهُ على الْفَوْر وَإِن كَانَ يطْلب رُتْبَة الْفَتْوَى وَفِي الْبَلَد مفتون فَفِيهِ وَجْهَان الظَّاهِر أَنه يجوز بِغَيْر إِذن لِأَنَّهُ حر مُسْتَقل وَإِنَّمَا عَلَيْهِ دفع ضَرَر التحزن فِي سفر مهلك كالجهاد وَمِنْهُم من قَالَ لَا بُد من الْإِذْن لِأَن دفع الضَّرَر عَنْهُمَا وَاجِب وَهَذَا لَيْسَ بِوَاجِب أما الْأَسْفَار الْمُبَاحَة كالتجارة وَغَيرهَا مِمَّا فِيهِ خطر كركوب الْبَحْر والبوادي المخطرة فَلَا يجوز إِلَّا بِإِذن وَمَا عدا ذَلِك فَالظَّاهِر جَوَازه لَان فِي مَنعه إِضْرَارًا بِهِ أَيْضا وَحقه أولى وَفِيه وَجه إِذا كَانَ فَوق مَسَافَة الْقصر وَأما الْأَب الْكَافِر فَلَا يجب اسْتِئْذَانه فِي الْجِهَاد لِأَنَّهُ يكرههُ لَا محَالة وَأما سَائِر الْأَسْفَار فَيحْتَمل أَن يلْحق فِيهِ بِالْأَبِ الْمُسلم وَفِي إِلْحَاق الأجداد والجدات بالوالدين احْتِمَال ظَاهر

فرع

لَو رَجَعَ الْوَالِد وَصَاحب الدّين عَن الْإِذْن أَو تجدّد دين وبلغه الْكتاب وَهُوَ فِي الطَّرِيق لزمَه الِانْصِرَاف إِن قدر فَإِن كَانَ الطَّرِيق مخوفا فَالظَّاهِر أَنه يجب عَلَيْهِ الْوُقُوف بقرية إِن أمكن إِذْ غرضهم ترك الْقِتَال وَإِن بلغه الْكتاب وَهُوَ فِي أثْنَاء الْقِتَال لم يجز الإنصراف إِن كَانَ يحصل بِهِ تخذيل ووهن للْمُسلمين وَإِن لم يكن فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا الْوُجُوب كَمَا قبل الِاشْتِغَال

وَالثَّانِي أَنه لَا يجب لِأَن فتح هَذَا الْبَاب يشوش الْقِتَال وَالثَّالِث أَنه يتَخَيَّر لتعارض الْأَمريْنِ وَقد ذكر بعض الْأَصْحَاب أَن فرض الْكِفَايَة يتَعَيَّن بِالشُّرُوعِ كالجهاد وبنوا عَلَيْهِ أَن من أنس فِي التَّعَلُّم رشدا فِي نَفسه لزمَه الْإِتْمَام فَإِن صَلَاة الْجِنَازَة تتَعَيَّن بِالشُّرُوعِ وَقَالَ الْقفال لَا تتَعَيَّن صَلَاة الْجِنَازَة وَذَلِكَ فِي الْعلم أولى لِأَن كل مَسْأَلَة عبَادَة مُنْفَصِلَة عَن الْأُخْرَى وَالصَّلَاة خصْلَة وَاحِدَة وَلَا يَلِيق بِأَصْل الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ تَغْيِير الحكم بِالشُّرُوعِ هَذَا كُله فِي قتال هُوَ فرض كِفَايَة أما إِذا تعين بِأَن وطىء الْكفَّار بَلْدَة من بِلَاد الْمُسلمين فَيتَعَيَّن على كل من فِيهِ منَّة من أهل تِلْكَ الْبَلدة أَن يبْذل المجهود وَيحل الْقَيْد عَن العبيد فَلهم الْقِتَال بل يجب عَلَيْهِم ذَلِك وَكَذَلِكَ على النسْوَة إِن كَانَ فِيهِنَّ منَّة على حَال وَإِن كَانَ فِي الْأَحْرَار اسْتِقْلَال دون العبيد وَلَكِن تزداد بهم قُوَّة قلب فَفِي انحلال الْحَبْس عَن العبيد وَجْهَان

وَكَذَلِكَ لَو حصل الْكِفَايَة بطَائفَة نهضوا وَخَرجُوا فَهَل يتَعَيَّن على البَاقِينَ المساعدة فِيهِ وَجْهَان وَوجه إِيجَابه تَعْظِيم هَذَا الْأَمر وتفخيم الرعب والزجر وَلَو تهجموا وَلم يبْق لَهُم مهلة الإستعداد فعلى كل وَاحِد من الْمَرْأَة وَالْعَبْد وَالْمَرِيض أَن يدْفع بغاية الْإِمْكَان فَإِن علم أَنه لَو كاوح يقتل قطعا وَلَو استسلم أسر وَرُبمَا يجد خلاصا فَلَيْسَ عَلَيْهِ المكاوحة وَالْمَرْأَة إِن علمت ذَلِك وَلَكِن تعلم أَنَّهَا تقصد بالفاحشة فَفِي وجوب المكاوحة وَجْهَان أَحدهمَا نعم حَتَّى تقتل فَإِن الْفَاحِشَة لَا تُبَاح بخوف الْقَتْل وَالثَّانِي لَا لِأَن الْقَتْل مَعْلُوم والفاحشة موهومة هَذَا فِي أهل النَّاحِيَة وَمن هُوَ فِيهَا دون مَسَافَة الْقصر أما من وَرَاء ذَلِك فَيتَعَيَّن عَلَيْهِم المساعدة إِن لم يكن دونهم كِفَايَة وَإِن كَانَ فَفِيهِ وَجْهَان مرتبان على أهل النَّاحِيَة وَأولى أَن لَا يجب وَلَا يشْتَرط المركوب فِيمَن هُوَ دون مَسَافَة الْقصر وفيمن وَرَاءه هَل يعْذر لعدم المركوب فِيهِ وَجْهَان

أَحدهمَا يعْذر كَمَا فِي الْحَج وَالثَّانِي لَا لِأَن هَذَا أهم وَأعظم فرع استيلاؤهم على موَات دَار الْإِسْلَام هَل ينزل منزلَة دُخُولهمْ الْبِلَاد فِيهِ وَجْهَان وَلَا شكّ أَن الْأَمر أَهْون فِيهِ إِلَّا إِذا خيف السَّرَايَة وَلَو أَسرُّوا مُسلما أَو مُسلمين فَهَل يتَعَيَّن الْقِتَال كَمَا لَو استولوا على الديار فِيهِ خلاف وَالظَّاهِر أَنه يتَعَيَّن إِذا أمكن إِلَّا حَيْثُ يعسر التوغل فِي دِيَارهمْ وَيحْتَاج إِلَى زِيَادَة أهبة فقد رخص فِيهِ فِي نوع من التَّأْخِير وَلَكِن لَا يجوز إهماله هَذَا كُله فِي الْجِهَاد أما الْعلم فَمِنْهُ فرض عين وَهُوَ الَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغَيرهمَا وَإِن كَانَ تَاجِرًا فَيلْزمهُ تعلم شُرُوط الْمُعَامَلَة على الْجُمْلَة دون الْفُرُوع النادرة كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي كتاب آدَاب الْكسْب من كتاب إحْيَاء عُلُوم الدّين وَقد فرقنا بَين مَا يجب على الْأَعْيَان وَمَا يجب على الْكِفَايَة من الْعلم فِي كتاب الْعلم من كتاب الْأَحْيَاء وَأما الْأُصُول فَلَا يتَعَيَّن على كل شخص إِلَّا اعْتِقَاد صَحِيح فِي التَّوْحِيد وصفات الله تَعَالَى فَإِن اعتراه شكّ تكلّف إِزَالَته وَلَيْسَ عَلَيْهِ تعلم الْكَلَام وَلَا بُد فِي كل قطر من

مُتَكَلم مشتغل بإماطة الشّبَه وَإِبْطَال الْبدع وَقد ذكرنَا تَفْصِيل ذَلِك فِي كتاب الإقتصاد فِي الإعتقاد وفن الْفِقْه لَا يحْتَمل شَرحه وَأما السَّلَام فالإبتداء بِهِ سنه مُسْتَحبَّة على الْآحَاد وَسنة على الْكِفَايَة من الْجمع وصيغته أَن يَقُول السَّلَام عَلَيْكُم وَإِن كَانَ الْمُخَاطب وَاحِدًا تعميما للْمَلَائكَة وَالْجَوَاب فرض معِين على الْمُخَاطب وَحده وَإِن كَانَ الْمُخَاطب جمعا فَفرض على الْكِفَايَة عَلَيْهِم وَلَا يسْقط الْحَرج بِجَوَاب غَيرهم وصيغته أَن يَقُول وَعَلَيْكُم السَّلَام وَيسْتَحب أَن يزِيد وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَلَو قَالَ عَلَيْكُم لم يكن جَوَابا وَلَو قَالَ وَعَلَيْكُم فَفِيهِ وَجْهَان ثمَّ لَا يَنْبَغِي أَن يسلم على الْمُصَلِّي وَالَّذِي يقْضِي حَاجته وَفِي الْحمام وعَلى الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة وَيجوز فِي المساومة والمعاملة وَيجوز على الْأكل إِذا لم تكن اللُّقْمَة فِي فِيهِ فيعسر عَلَيْهِ الْجَواب

أَو الصَّبْر إِلَى الإزدراد وَأما تشميت الْعَاطِس فمستحب وَجَوَابه غير وَاجِب ثمَّ هُوَ على الْكِفَايَة وَذكرنَا جملَة من آدَاب السَّلَام والتشميت فِي كتاب آدَاب الصُّحْبَة فليطلب مِنْهُ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الْجِهَاد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالنَّظَر فِي تَفْصِيل مَا يجوز أَن يُعَامل الإِمَام بِهِ الْكفَّار إِمَّا فِي أنفسهم بِالْقَتْلِ والقتال أَو الإسترقاق وَإِمَّا فِي أَمْوَالهم بِالْإِتْلَافِ والإغتنام

النّظر الأول فِي معاملاتهم بِالْقَتْلِ

وَفِيه مسَائِل الأولى فِيمَن تجوز الإستعانة بِهِ فِي الْقِتَال وَالْأَصْل فِيهِ الْأَحْرَار الْمُسلمُونَ البالغون وَلَكِن يجوز للْإِمَام الإستعانة بالعبيد إِذا أذن السَّادة وبالمراهقين إِذا كَانَ فيهم منَّة وبالمشركين إِذا أَمن غائلتهم أَو علم أَنهم لَو تحيزوا إِلَى الْكفَّار لم يعجز الإِمَام عَن جمعهم وَقد اسْتَعَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم باليهود فِي بعض الْغَزَوَات

وَأما المخذل الَّذِي يضعف الْقُلُوب وَيكثر الأراجيف فَيخرج عَن الصَّفّ إِذا حضر فَإِن شَره عَظِيم وَلَا يسْتَحق السهْم والرضخ وَإِن حضر وَهُوَ أقل مَا يُعَاقب بِهِ وَأما الذِّمِّيّ إِذا حضر من غير إِذن الإِمَام فَفِي اسْتِحْقَاقه الرضخ خلاف لِأَنَّهُ من أهل نصْرَة الدَّار إِذْ هُوَ يستوطن بهَا وَإِن حضر بعد النَّهْي لم يسْتَحق الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فِيمَن يسْتَأْجر وَالْمذهب أَن اسْتِئْجَار الْمُسلم بَاطِل لِأَن الْجِهَاد يَقع عَن فَرْضه فَكيف يَأْخُذ الْأُجْرَة وَهُوَ كالضرورة وَلَا يسْتَأْجر على الْحَج هَذَا فِي حق الْآحَاد أما السُّلْطَان إِن رأى أَن يسْتَأْجر قَالَ الصيدلاني يجوز وَقد

خُولِفَ فِيهِ وَالصَّحِيح أَن ذَلِك جَائِز فِي معرض الْإِعَانَة فِي الأهبة والزاد للطريق وَقد قَالَ لَو أخرجهم إِلَى الْجِهَاد قهرا لم يستحقوا أُجْرَة الْمثل على الإِمَام وَزَاد فَقَالَ لَو عين الإِمَام شخصا لغسل ميت وَدَفنه لم يسْتَحق الْأُجْرَة وَمَا ذكره فِي الْجِهَاد صَحِيح وَإِنَّمَا يَصح فِي الدّفن إِذا لم تكن تَرِكَة وَلَا فِي بَيت المَال متسع فَعِنْدَ ذَلِك يصير من فروض الكفايات أما اسْتِئْجَار العَبْد فَجَائِز إِن قُلْنَا لَا يجب عَلَيْهِم الْقِتَال إِذا وطىء الْكفَّار بِلَاد الْإِسْلَام وَإِن قُلْنَا يجب فقد ثبتَتْ لَهُم أَهْلِيَّة الْقِتَال فَيَقَع عَنْهُم وَأما اسْتِئْجَار الذِّمِّيّ فَجَائِز وَلكنه جعَالَة أَو إِجَارَة فِيهِ خلاف لما فِي أَعمال الْقِتَال من الْجَهَالَة لَكِن الصَّحِيح أَنا نَحْتَمِلُ فِي معاملات الْكفَّار لمصَالح الْقِتَال مَا لَا نَحْتَمِلُ فِي غَيره كَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَة القلعة وَلَو جَعَلْنَاهُ جعَالَة للَزِمَ تَجْوِيز الإنصراف من الطَّرِيق مهما شَاءَ وَهُوَ بعيد ثمَّ فِي جَوَاز استئجارهم لآحاد الْمُسلمين خلاف كَمَا فِي الْأَذَان

فرع إِذا خرج أهل الذِّمَّة إِلَى الْجِهَاد قهرا استحقوا أُجْرَة الْمثل من رَأس الْغَنِيمَة على رَأْي وَمن بَيت المَال على رَأْي فَإِن خَرجُوا وَلم يقفوا فِي الصَّفّ فَلهم أُجْرَة الذّهاب وَلَو خلى سبيلهم قبل الْوُقُوف لم يستحقوا أُجْرَة مُدَّة الرُّجُوع لتعطل الْمَنَافِع لأَنهم على خيرتهم فيترددون كَمَا شاؤوا وَلَو وقفُوا وَلم يقاتلوا فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنهم يسْتَحقُّونَ أُجْرَة الْقِتَال كَمَا يسْتَحق الْمُسلم السهْم وَالثَّانِي أَنهم لَا يسْتَحقُّونَ إِلَّا مَنْفَعَة مُدَّة الْوُقُوف والإحتباس إِن قُلْنَا إِن حبس الْحر يُوجب ضَمَان مَنَافِعه الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِيمَن يمْتَنع قَتله كالقريب وَالصَّبِيّ وَالْمَرْأَة والراهب والعسيف أما الْقَرِيب فَقتله مَنْهِيّ عَنهُ لقطيعة الرَّحِم وَإِذا انضمت الْمَحْرَمِيَّة إِلَى الرَّحِم كَانَ آكِد نهي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حُذَيْفَة وَأَبا بكر رَضِي الله عَنْهُمَا عَن قتل أبويهما وَأما الصّبيان والنسوان فَلَا يقتلُون لمصْلحَة الإسترقاق وَلِأَنَّهُم أَيْضا لَيْسُوا أهل الْقِتَال

وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن ترشق الْمَرْأَة بالنشاب إِذا عجز عَن استرقاقها وَمهما شكّ فِي الْبلُوغ كشف عَن المؤتزر وعول على نَبَات شعر الْعَانَة فَلَو قَالَ استعجلته بالدواء فَإِن قُلْنَا إِنَّه عين الْبلُوغ فَلَا يقتل وَإِن قُلْنَا إِنَّه عَلامَة صدق مَعَ الْيَمين وَلَا يعول على اخضرار الشَّارِب ويعول على مَا خشن من شعر الْإِبِط وَالْوَجْه وَأما الراهب والعسيف والحارف المشغول بحرفته والزمن وَالشَّيْخ الضَّعِيف الَّذِي لَا رَأْي لَهُ ففيهم قَولَانِ أَحدهمَا أَنهم يقتلُون لأَنهم من جنس أهل الْقِتَال وَالثَّانِي لَا لِأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث إِلَى خَالِد رَضِي الله عَنهُ وَقَالَ لَا تقتل عسيفا ولاامرأة

وَأما الشَّيْخ ذور الرَّأْي فَيقْتل إِذا حضر وَإِن لم يحضر فَفِيهِ نظر وَالظَّاهِر قَتله وَالشَّيْخ الأخرق إِذا حضر فَالظَّاهِر أَنه يقتل وَيحْتَمل طرد الْقَوْلَيْنِ فَإِن قُلْنَا لَا يقتلُون فَفِي إرقاقهم ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنهم كالنسوة يرقون بِنَفس الْأسر وَالثَّانِي أَن للْإِمَام أَن يرقهم إِن شَاءَ وَلَا يرقون بِنَفس الْأسر وَالثَّالِث أَنه يمْتَنع استرقاقهم وَهَذَا فِي غَايَة الضعْف وعَلى هَذَا فِي استرقاق نِسَائِهِم وذراريهم ثَلَاثَة أوجه تسْتَرق فِي الثَّالِث نِسَاؤُهُم دون ذَرَارِيهمْ لأَنهم كأجرائهم وَأجْرِي فِي سبي أَمْوَالهم الْخلاف وَهُوَ تَفْرِيع على بعيد وَمِنْهُم من ألحق السوقة بالعسفاء فِي منع الْقَتْل أَيْضا الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة يجوز نصب المنجنين وإضرام النَّار وإرسال المَاء على قلاع الْكفَّار وَإِن علمنَا أَنه يتَنَاوَل النِّسَاء والذراري لِأَن ذَلِك لَيْسَ قصدا إِلَى عينهم وَلِأَنَّهُم مِنْهُم وَإِنَّمَا الْكَفّ لنَوْع مصلحَة أما إِذا تترس كَافِر بصبي أَو امْرَأَة فَإِن كَانَ يُقَاتل لم نبال بِقَصْدِهِ وَإِن أصَاب ترسه وَإِن كَانَ دافعا فَقَوْلَانِ

أَحدهمَا جَوَاز قصد الترس كَمَا فِي القلعة وَالثَّانِي لَا لِأَن هَذَا قصد عينه وَمِنْهُم من قَالَ الْقَوْلَانِ فِي الْكَرَاهِيَة وَلَا تَحْرِيم وَلَو تترسوا بهم فِي القلعة مِنْهُم من قَالَ يقْصد الترس وَإِن أمكننا فتح القلعة بِغَيْر ذَلِك زجرا لَهُم عَن هَذِه الْحِيلَة وَمِنْهُم من قَالَ إِن عجزنا عَن القلعة إِلَّا بِقَتْلِهِم فَفِي جَوَازه أَيْضا قَولَانِ إِذْ نَحن فِي غنية من أصل القلعة أما إِذا كَانَ فِي القلعة مُسلم فَلَا تضرم النَّار وَلَا ينصب المنجنيق إِذا علمنَا أَنه يُصِيبهُ وَإِن كَانَ موهوما فَقَوْلَانِ أَحدهمَا الْمَنْع إِذْ زَوَال الدُّنْيَا أَهْون عِنْد الله من سفك دم مُسلم وَرُبمَا أصبناه وَالثَّانِي الْجَوَاز لِأَنَّهُ موهوم والقلاع قَلما تَخْلُو عَن الْأُسَارَى فَلَا يُمكن تحصينهم عَن

الْقِتَال بِأَن يمسكوا فِي كل قلعة مُسلما فَأَما إِذا تترس كَافِر بِمُسلم فَلَا يجوز قصد الترس وَإِن خَافَ القاصد على نَفسه لِأَن غَايَته أَن يَجْعَل كالإكراه وَذَلِكَ لَا يُبِيح الْقَتْل فَإِن قتل الترس فَفِي وجوب الْقصاص قَولَانِ كَمَا فِي الْمُكْره وَمِنْهُم من قطع بِالْوُجُوب وَجعله كالمضطر فِي المخمصة أما إِذا تترس الْكفَّار فِي صف الْقِتَال بطَائفَة من الْأُسَارَى وَلَو تركناهم لانهزم الْمُسلمُونَ وعلت رايتهم فَمنهمْ من جوز قصدهم لأَنهم سيقتلون من الْمُسلمين أَكثر مِنْهُم والجزئيات محتقرة بِالْإِضَافَة إِلَى الكليات وَمِنْهُم من منع وَقَالَ ذَلِك موهوم فَلَا يقدم بِسَبَبِهِ على سفك دم الْمُسلم الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة فِي الْهَزِيمَة وَهِي مُحرمَة بعد التقاء الصفين إِلَّا بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا زِيَادَة عدد الْكفَّار على الضعْف وَالثَّانِي التحيز إِلَى فِئَة أُخْرَى وَالصَّحِيح أَنه لَا يجوز لمِائَة من الْأَبْطَال أَن يَفروا من مِائَتَيْنِ من الضُّعَفَاء وَوَاحِد وَإِنَّمَا يرْعَى

الْعدَد عِنْد تقَارب الصِّفَات وَمِنْهُم من قَالَ اتِّبَاع الصِّفَات يعسر فيرعى صُورَة الْعدَد وَكَذَلِكَ الْخلاف فِي فرار عشْرين من ضعفاء الْمُسلمين عَن تِسْعَة وَثَلَاثِينَ من أبطال الْكفَّار وَلَا شكّ فِي أَنهم لَو قطعُوا بِأَنَّهُم يقتلُون لَو وقفُوا من غير نكاية مِنْهُم فِي الْكفَّار وَجب الْهَرَب إِذْ الذل فِي الْوُقُوف أَكثر إِذا كَانَ لَا يُرْجَى فلاح بِحَال وَكَذَلِكَ إِذا لم يكن مَعَ الْمُسلمين سلَاح جَازَ الْهَرَب وَإِن كَانَ يُمكن الرَّمْي بِالْحِجَارَةِ فَفِي وجوب الْهَرَب خلاف وَإِن علمُوا أَنهم مغلوبون قطعا وَلَكِن بعد نكاية مَا فَفِي جَوَاز المصابرة وَجْهَان وَأما التحيز إِلَى فِئَة أُخْرَى فَهُوَ مُبَاح وَإِن كَانَ تَركه لِلْقِتَالِ وانهزامه فِي الْحَال ينجبر بعزمه على الإتصال بفئة أُخْرَى فَأكْثر الْمُحَقِّقين على أَن تِلْكَ الفئة وَإِن كَانَت على مَسَافَة شاسعة جَازَ لعُمُوم الْآيَة وَلِأَن هَذَا أَمر بَينه وَبَين الله تَعَالَى وَلَا يُمكن مخادعة الله تَعَالَى فِي العزائم فَإِذا ظَهرت لَهُ تِلْكَ الْعَزِيمَة جَازَ التَّوَجُّه إِلَيْهِم وَمِنْهُم من قَالَ لَا بُد من فِئَة يتَصَوَّر الإستنجاد بهم فِي هَذَا الْقِتَال وإتمامه وَلَا يُمكن ذَلِك إِلَّا بمسافة قريبَة وعَلى الْوَجْه الأول هَل يجب عَلَيْهِ تَحْقِيق عزمه بِالْقِتَالِ مَعَ الفئة الْأُخْرَى الظَّاهِر أَنه لَا يجب لِأَن الْعَزْم قد رخص فَإِن زَالَ الْعَزْم بعده فَلَا حجر إِذْ الْجِهَاد لَا يجب قَضَاؤُهُ بل

الصَّحِيح أَنه لَا يلْزم بِالنذرِ فَكيف يلْزمه الْقَضَاء والمنهزم عَاص لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْإِثْم وَإِن اعْتبرنَا الفئة الْقَرِيبَة فَإِذا لم تكن وَجَبت المصابرة إِذْ تعذر التحيز وَحَيْثُ يجوز التحيز إِنَّمَا يجوز إِذا لم يدْخل بِسَبَبِهِ كسر على الْمُسلمين وَقُوَّة على الْكفَّار فَإِن أدّى إِلَى ذَلِك فَهُوَ مُمْتَنع والمتحيز إِلَى الفئة الْبَعِيدَة قبل حِيَازَة الْمغنم لَا يشْتَرك فِي الْمغنم وَفِي المتحيز إِلَى فِئَة قريبَة وَجْهَان الْمَسْأَلَة السَّادِسَة تجوز المبارزة بِإِذن الإِمَام وَفَائِدَته صِحَة أَمَانه لقرنه فَإِن اسْتَقل دون الْإِذْن فَفِي جَوَاز أَمَانه للقرن ونفوذه وَجْهَان وَفِي جَوَاز أصل الإستقلال بالمبارزة أَيْضا وَجْهَان إِذْ قد يكون للْإِمَام رَأْي فِي تعْيين الْأَبْطَال وَفِي جَوَاز حمل الْغُزَاة رُءُوس الْكفَّار إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام خلاف مِنْهُم من قَالَ هُوَ مَكْرُوه إِذْ لَا فَائِدَة فِيهِ إِلَّا أَن يكون نكاية فِي قلب الْكفَّار فَلَا يكره الْمَسْأَلَة السَّابِعَة يَنْتَهِي جَوَاز قتل الْكَافِر بِإِسْلَامِهِ وَتحصل بِهِ عصمته وعصمة مَاله

وَأَوْلَاده الصغار دون الْكِبَار فَإِنَّهُم يستقلون بِالْإِسْلَامِ وَيَنْتَهِي أَيْضا ببذل الْجِزْيَة وَيمْتَنع بِسَبَبِهِ استرقاق زَوجته وبنته الْبَالِغَة لِأَن الْإِنَاث لَا يستقللن بالجزية ويستقللن بِالْإِسْلَامِ وَفِي استرقاق زَوْجَة الْمُسلم إِذا كَانَت حربية وَجْهَان وَلَا يمْنَع مِنْهُ كَونهَا حَامِلا بِولد مُسلم لَكِن الرّقّ لَا يسري وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا تسْتَرق

فصول الكتاب · 3 فصل · 713 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الوسيط في المذهب · 713 صفحة
المقدمة
الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين
الْبَاب الرَّابِع فِي الْقِسْمَة
جارٍ التحميل