أما الْأَركان فأحد عشر
التَّكْبِير وَالْقِرَاءَة وَالرُّكُوع والاعتدال مِنْهُ مَعَ الطُّمَأْنِينَة فيهمَا وَالسُّجُود والقعدة بَين السَّجْدَتَيْنِ مَعَ الطُّمَأْنِينَة وَالتَّشَهُّد الْأَخير وَالْقعُود فِيهِ والصلاه على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالسَّلَام وَأما النِّيَّة فبالشروط أشبه كاستقبال الْقبْلَة وَالطَّهَارَة وَلَو كَانَت النِّيَّة ركنا لافتقرت إِلَى نِيَّة
وَأما الأبعاض فِيمَا ينجبر تَركه بسجود السَّهْو وَهُوَ أَرْبَعَة الْقُنُوت وَالتَّشَهُّد الأول وَالْقعُود فِيهِ وَالصَّلَاة على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أحد الْقَوْلَيْنِ وَأما الهيئات فَمَا لَا يجْبر تَركهَا بِالسُّجُود كتكبير الِانْتِقَالَات والتسبيحات فلنورد هَذِه الْأَركان بسننها على ترتيبها
القَوْل فِي النِّيَّة وَالنَّظَر فِي ثَلَاثَة أُمُور
الأول فِي أصل النِّيَّة وَالصَّلَاة بالِاتِّفَاقِ مفتقرة إِلَى النِّيَّة فِي ابتدائها وَلَا يضر غُرُوبهَا فِي أثْنَاء الصَّلَاة نعم لَو طَرَأَ مَا يُنَاقض جزم النِّيَّة بَطل وَذَلِكَ من ثَلَاثَة أوجه الأول لَو أَن يجْزم نِيَّة الْخُرُوج فِي الْحَال أَو فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة أَو يتَرَدَّد فِي
الْخُرُوج بطلت صلَاته وَلَو تردد فِي الْخُرُوج عَن الصَّوْم لم يبطل وَلَو جزم نِيَّة الْخُرُوج فَوَجْهَانِ وَالْفرق أَن الصَّوْم لَيْسَ لَهُ عقد وَتحرم وتحلل وَلذَلِك يَنْتَهِي بِمُجَرَّد غرُوب الشَّمْس فَلَا يُؤثر فِيهِ مُجَرّد الْقَصْد الثَّانِي أَن يعلق نِيَّة الْخُرُوج بِدُخُول شخص فَفِي بُطْلَانه فِي الْحَال وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يبطل لِأَنَّهُ نَاقض حزم النِّيَّة وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ رُبمَا لَا يدْخل ذَلِك الشَّخْص وَهُوَ فِي الْحَال مُسْتَمر وَالثَّالِث أَن يشك فِي نِيَّة الصَّلَاة فَإِن مضى مَعَ الشَّك ركن لَا يُزَاد مثله فِي الصَّلَاة كركوع أَو سُجُود بطلت صلَاته لِأَنَّهُ ذَلِك لَا يعْتد بِهِ وَلَا سَبِيل إِلَى إِعَادَته وَفِيه احْتِرَاز قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَمد الطُّمَأْنِينَة فِي الرُّكُوع وَإِن لم يمض ركن وَقصر الزَّمَان لم تبطل وَإِن طَال فَوَجْهَانِ كالوجهين فِي الْكَلَام الْكثير مَعَ النسْيَان
النّظر الثَّانِي فِي كَيْفيَّة النِّيَّة
أما الْفَرْض فِي الْعبارَة عَن نِيَّته أَن يَقُول أؤدي الظّهْر فرض الْوَقْت لله تَعَالَى
فيتعرض بقوله ﴿أَوديَة﴾ لأصل الْفِعْل وللأداء وَهَذَا بِشَرْط أَن يخْطر بِقَلْبِه كَونه فِي الْوَقْت إِذْ الْأَدَاء قد يعبر بِهِ عَن الْقَضَاء ويتعرض بالفرضية لنفي النَّفْل وتمييز الظّهْر عَن الْعَصْر وَغَيره بِذكر الظّهْر وكل ذَلِك وَاجِب إِلَّا الْفَرْضِيَّة وَالْإِضَافَة إِلَى الله تَعَالَى ففيهما وَجْهَان وَوجه كَونه سنة أَن صَلَاة الظّهْر لَا تقع إِلَّا فرضا لله تَعَالَى ثمَّ هَذِه النِّيَّة محلهَا الْقلب وَلَيْسَ فِيهَا نطق ونظم حُرُوف لَا بِالْقَلْبِ وَلَا بِاللِّسَانِ نعم يسْتَحبّ مساعدة اللِّسَان الْقلب فِيهَا وَقد قَالَ الشَّافِعِي ينْعَقد إِحْرَام الْحَج بِمُجَرَّد النِّيَّة من غير لفظ بِخِلَاف الصَّلَاة فغلط من ظن أَنه شَرط اللَّفْظ فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْفرق بَين التَّكْبِير والتلبية أما النَّوَافِل فرواتبها يجب فِيهَا التَّعْيِين بِالْإِضَافَة وَغير الرَّوَاتِب تَكْفِي فِيهَا نِيَّة
الصَّلَاة مُطلقَة وَلَو نرى الْفَرْض قَاعِدا وَهُوَ قَادر على الْقيام لم ينْعَقد فَرْضه وَهل ينْعَقد نفلا فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا لَا لِأَن مَا نَوَاه لم ينْعَقد فَكيف يحصل غَيره وَالثَّانِي نعم لِأَن التَّعَذُّر فِي وصف الْفَرْضِيَّة فَيبقى أصل الصَّلَاة وَيشْهد لذَلِك نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على جَوَاز قلب الْفَرْض نفلا وَهَذَا الْخلاف جَار فِيمَن تحرم بِالظّهْرِ قبل الزَّوَال والمسبوق إِذا وَقع تحرمه فِي الرُّكُوع أَو قلب الْمُصَلِّي ظَهره عصرا أَو وجد الْعَاجِز خفَّة فِي الصَّلَاة فَلم يقم فَإِن الْفَرْض يفوت فِي هَذِه الصُّورَة فِي بَقَاء النَّفْل قَولَانِ
النّظر الثَّالِث فِي وَقت النِّيَّة
وَهُوَ وَقت التَّكْبِير قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ يَنْوِي مَعَ التَّكْبِير لَا قبله وَلَا بعده وَذكر فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَن يبسط النِّيَّة على التَّكْبِير بِحَيْثُ ينطبق أَوله على أَوله وَآخره على آخِره
وَالثَّانِي أَن تقرن بِهَمْزَة التَّكْبِير ثمَّ هَل يشْتَرط استدامتها إِلَى آخر التَّكْبِير فِيهِ فَوَجْهَانِ
وَالثَّالِث أَنه يتَخَيَّر بَين التَّقْدِيم والبسط لِأَن الْأَوَّلين تساهلوا فِيهِ وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن النِّيَّة قصد وَلَكِن شَرطه الْإِحَاطَة بِصِفَات الْمَقْصُود وَهُوَ كَون الصَّلَاة ظهرا وَأَدَاء وَغير ذَلِك وَرُبمَا يعسر إِحْضَار عُلُوم مُتعَدِّدَة فِي وَقت وَاحِد فالمقصود أَن يتَمَثَّل لَهُ إِحْضَار هَذِه المعلومات عِنْد أول التَّكْبِير ويقرن الْقَصْد بِهِ ويستديم الْعلم إِلَى آخر التَّكْبِير وَكَذَا الْقَصْد أَي لَا يغْفل وَلَا يعرض عَن قَصده فَإِن لم يتم كُله إِلَّا عِنْد آخر التَّكْبِير فَفِي جَوَازه تردد وَوجه الِاكْتِفَاء أَن آخر التَّكْبِير وَقت الِانْعِقَاد وَمن شَرط الاقتران بِالْأولِ نظر إِلَى أول سَبَب الِانْعِقَاد وَمن خير رفع هَذِه المضايقة وَهُوَ الأولى بِدَلِيل تساهل الْأَوَّلين فِيهِ
القَوْل فِي التَّكْبِير وسننه وَالنَّظَر فِي الْقَادِر وَالْعَاجِز
أما الْقَادِر فَيتَعَيَّن عَلَيْهِ أَن يَقُول الله أكبر بِعَيْنِه من غير قطع وَلَا عكس وَمعنى التَّعْيِين أَنه لَو قَالَ الله أجل أَو الرَّحْمَن أعظم لَا يقوم مقَامه وَكَذَا
تَرْجَمته خلافًا لأبي حنيفَة وَلَو قَالَ الله أكبر صَحَّ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ وَزَاد مَا لم يُغير الْمَعْنى وَالنّظم وَلَو قَالَ الله الْجَلِيل أكبر فَوَجْهَانِ لِأَن الزِّيَادَة مفيدة مُغيرَة للنظم وَالْعَكْس أَن يَقُول الْأَكْبَر الله فالنص أَنه لَا يجوز وَنَصّ فِي قَوْله عَلَيْكُم السَّلَام أَنه يجوز فَقيل لِأَن ذَلِك يُسمى تَسْلِيمًا وَهَذَا لَا يُسمى تَكْبِيرا وَقيل قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج مأخذهما أَن التَّرْتِيب هَل هُوَ شَرط بَين الْكَلِمَتَيْنِ أما الْعَاجِز فَيَأْتِي بترجمته وَلَا يُجزئهُ ذكر آخر لَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ بِخِلَاف الْعَاجِز عَن الْفَاتِحَة فَإِنَّهُ يعدل إِلَى ذكر آخر لَا إِلَى ترجمتها لِأَن مقصودها
النّظم المعجز وَقد فَاتَ وَهَذَا الْمَعْنى مَقْصُود ظَاهر فرع البدوي يلْزمه أَن يقْصد بَلْدَة لتعلم كلمة التَّكْبِير وَلَا يلْزمه ذَلِك عِنْد فقد المَاء لأجل الْوضُوء لِأَن التَّعَلُّم يبْقى وَالْوُضُوء يعرض الانتقاض وفيل بالتسوية لِأَن التَّسْوِيَة فِي حَقه كالتيمم أما سنة التَّكْبِير فَرفع الْيَدَيْنِ مَعَه وَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ حَالَة التَّحَرُّم وهيئتها أَن يتْرك الْأَصَابِع منشورة وَلَا يتَكَلَّف ضمهَا وتفريجها
وفيهَا ثَلَاث مسَائِل
الأولى فِي قدر الرّفْع فَفِي قَول يرفع إِلَى حَذْو الْمَنْكِبَيْنِ رَوَاهُ أَبُو حميد
السَّاعِدِيّ فِي عشْرين من جملَة الصَّحَابَة
وَالثَّانِي أَنه يرفع بِحَيْثُ تحاذي أَطْرَاف أَصَابِعه أُذُنَيْهِ وَكَفاهُ مَنْكِبَيْه وَقيل إِن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لما قدم الْعرَاق اجْتمع عِنْده الْعلمَاء فَسئلَ
عَن أَحَادِيث الرّفْع فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنه رفع حَذْو مَنْكِبَيْه وحذو أُذُنَيْهِ وحذو شحمة أُذُنَيْهِ فَقَالَ أرى أَن يرفع بِحَيْثُ يُحَاذِي أَطْرَاف أَصَابِعه أُذُنَيْهِ وإبهامه شحمة أُذُنَيْهِ وكفيه مَنْكِبَيْه فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ فِي الْجَمِيع بَين الرِّوَايَات الثَّانِيَة فِي وَقت الرّفْع أوجه فَقيل يرفع غير مكبر ثمَّ يَبْتَدِئ التَّكْبِير
عِنْد إرْسَال الْيَد وَهِي رِوَايَة السَّاعِدِيّ وَقيل يَبْتَدِئ الرّفْع مَعَ التَّكْبِير فَيكون انْتِهَاء التَّكْبِير مَعَ انْتِهَاء الْيَد إِلَى مقرها وَهَذِه رِوَايَة وَائِل بن حجر وَقيل إِنَّه يكبر ويداه قارتان حَذْو مَنْكِبَيْه وَلَا يكبر فِي الرّفْع والإرسال وَهِي رِوَايَة ابْن عمر
ثمَّ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ لَيْسَ هَذَا اخْتِلَافا بل صحت الرِّوَايَات كلهَا فنقبل الْكل ونجوزها على نسق وَاحِد الثَّالِثَة إِذا أرسل يَدَيْهِ وضع إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى تَحت صَدره وَيَأْخُذ الْكُوع من الْيُسْرَى بيمناه ويبسط أَصَابِع الْيُمْنَى فِي عرض الْمفصل أَو فِي صوب ساعده واليمنى عَلَيْهِ مكرمَة بِالْحملِ
القَوْل فِي الْقيام وَهُوَ ركن
وَحده الانتصاب مَعَ الإقلال فَلَو اتكأ على شئ أَو انحنى لم يعْتد بِهِ وَلَا بَأْس بالإطراق فَإِن عجز عَن الإقلال انتصب مُتكئا فَإِن عجز عَن الانتصاب قَامَ منحنيا فَإِن لم يقدر إِلَّا على حد الراكعين قعد فَإِن عجز عَن الرُّكُوع وَالسُّجُود دون الْقيام قَامَ وأومى بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود
وَقَالَ أَبُو حنيفَة سقط عَنهُ الْقيام لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ النُّزُول إِلَى الرُّكُوع وَلَو عجز عَن الْقيام قعد وَلَا يتَعَيَّن فِي الْقعُود هَيْئَة للصِّحَّة وَلَكِن الإقعاء مَنْهِيّ عَنهُ وَهُوَ أَن يجلس على وركيه فينصب فَخذيهِ وركبتيه قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا تقعوا إقعاء الْكَلْب
ثمَّ فِي الْهَيْئَة المختارة قَولَانِ أَحدهمَا الافتراش كالتشهد الأول وَالثَّانِي التربيع وَاخْتَارَ القَاضِي حُسَيْن أَن ينصب ركبته الْيُمْنَى كَالَّذي يجلس بَين يَدي الْمُقْرِئ ليحصل بِهِ مُفَارقَة جلسات التَّشَهُّد ثمَّ هَذَا الْقَاعِد إِن قدر على الِارْتفَاع إِلَى حد الرُّكُوع يلْزمه ذَلِك فِي الرُّكُوع وَإِن لم يقدر فيركع قَاعِدا وينحني مِقْدَارًا تكون النِّسْبَة بَينه وَبَين السُّجُود كالنسبة بَينهمَا فِي حَال الْقيام وَأَقل رُكُوعه أَن ينحني بِحَيْثُ تقَابل جَبهته مَا وَرَاء ركبته من الأَرْض فَيحصل الْأَقَل بِأول الْمُقَابلَة والكمال بِتَمَامِهَا بِحَيْثُ يُحَاذِي جَبهته مَحل السُّجُود
وَلَو عجز عَن السُّجُود قرب الْجَبْهَة من الأَرْض إِلَى قدر الْإِمْكَان وَيجب أَن يَجْعَل السُّجُود أَخفض من الرُّكُوع فَإِن لم يقدر إِلَّا على أكمل الرُّكُوع فَيَأْتِي بِهِ مرَّتَيْنِ وَلَا يلْزمه الِاقْتِصَار فِي الرُّكُوع على الْأَقَل لإِظْهَار التَّفَاوُت بل ذَلِك وَاجِب فِيمَا يُجَاوز أكمل الرُّكُوع أما إِذا عجز عَن الْقعُود صلى على جنبه الْأَيْمن مُسْتَقْبلا بِجَمِيعِ مقاديم بدنه الْقبْلَة كَالَّذي يوضع فِي اللَّحْد وَقيل إِنَّه يُصَلِّي مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ وأخمصاه إِلَى الْقبْلَة ثمَّ يُومِئ بِالرُّكُوعِ
وَالسُّجُود فَإِن عجز فيومئ بالطرف فَإِن لم يبْق فِي أجفانه حراك فيمثل الْأَفْعَال فِي قلبه حَتَّى إِن خرس لِسَانه يجْرِي الْقِرَاءَة على قلبه وَذَلِكَ كُله لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِذا أَمرتكُم بشئ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم
وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا عجز عَن الْقعُود سَقَطت الصَّلَاة
فروع ثَلَاثَة
الأول إِذا وجد الْقَاعِد خفَّة فِي أثْنَاء الْفَاتِحَة فليبادر إِلَى الْقيام وليترك الْقِرَاءَة فِي وَقت النهوض قبل الِاعْتِدَال وَإِذا اعتدل فَلَا يلْزمه اسْتِئْنَاف الْفَاتِحَة وَلَو عجز فِي أثْنَاء الْقيام قعد وَعَلِيهِ مداومة الْقِرَاءَة فِي حَالَة الانحناء إِلَى الْقعُود لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْقيام وَإِن وجد خفَّة بعد الْفَاتِحَة لزمَه الْقيام ليهوي إِلَى الرُّكُوع وَلَا تلْزمهُ الطُّمَأْنِينَة بِخِلَاف مَا لَو اعتدل عَن الرُّكُوع وخف قبل الطُّمَأْنِينَة فَإِنَّهُ يلْزمه الِاعْتِدَال والطمأنينة فِيهِ فَإِن خف فِي الرُّكُوع قبل الطُّمَأْنِينَة وَجب أَن يرْتَفع منحنيا كَذَلِك إِلَى حد الرُّكُوع إِذْ لَو انتصب قَائِما ثمَّ عَاد إِلَى الرُّكُوع كَانَ قد زَاد رُكُوعًا وَإِن خف بعد الطُّمَأْنِينَة فَالظَّاهِر أَنه لَا يجب الِارْتفَاع رَاكِعا لِأَنَّهُ تمّ الرُّكُوع قَاعِدا الثَّانِي الْقَادِر على الْقعُود ينتفل مُضْطَجعا مومئا
على أحد الْوَجْهَيْنِ وتشبيها للنفل فِي حق الْقَادِر بِالْفَرْضِ فِي حق الْعَاجِز وَلَا يسوغ ذَلِك فِي الْوَجْه الثَّانِي لِأَن ذَلِك يجر إِلَى تَجْوِيز الْإِيمَاء بِالْقَلْبِ وَإِنَّمَا احْتمل ذَلِك لضَرُورَة الْفَرِيضَة فَلَا يحْتَمل فِي النَّفْل بِالْقِيَاسِ الثَّالِث من بِهِ رمد وَقَالَ الْأَطِبَّاء إِنَّه لَو اضْطجع أَيَّامًا أفادت المعالجة فَفِيهِ خلاف وَقد وَقع ذَلِك لِابْنِ عَبَّاس فاستفتى عَائِشَة وَأَبا هُرَيْرَة رَضِي الله عَنْهُمَا فَلم يرخصا لَهُ لقدرته على الْقيام فِي الْحَال والأقيس جَوَازه فَإِن
خطر الْعَمى شَدِيد وَقد جَوَّزنَا الْقعُود بأدني مرض يسلب الْخُشُوع فليجوز الِاضْطِجَاع بِمَا يقرب من حد الضَّرُورَة كَمَا جَوَّزنَا للْمَرِيض التَّيَمُّم عِنْد خَوفه على نَفسه من شدَّة الضنى
القَوْل فِي الْقِرَاءَة والأذكار وَالنَّظَر فِي الْفَاتِحَة وسوابقها ولواحقها
أما السوابق فدعاء الاستفتاح عقيب التَّكْبِير وَهُوَ مَشْهُور والتعوذ بعده من غير جهر إِلَّا فِي قَول قديم وَأما اسْتِحْبَاب التَّعَوُّذ فِي كل رَكْعَة فَوَجْهَانِ من حَيْثُ إِن الصَّلَاة فِي حكم شئ وَاحِد وَلَكِن كل رَكْعَة كالمنقطع عَمَّا قبلهَا أما الْفَاتِحَة فالنظر فِي الْقَادِر وَالْعَاجِز أما الْقَادِر فَتلْزمهُ أَمر خَمْسَة الأول أَن أصل الْفَاتِحَة مُتَعَيّن على الإِمَام وَالْمَأْمُوم فِي الصَّلَاة السّريَّة والجهرية
إِلَّا فِي رَكْعَة الْمَسْبُوق وَقَالَ أَبُو حنيفَة تقوم ترجمتها وَغَيرهَا من السُّور مقَامهَا وَخَالف قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب وَقَالَ لَا تجب الْقِرَاءَة على الْمَأْمُوم أصلا وَهُوَ الذى نَقله الْمُزنِيّ وَلَكِن فِي الصَّلَاة الجهرية الثَّانِي تجب قِرَاءَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِذْ روى البُخَارِيّ أَنه
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عد الْفَاتِحَة سبع آيَات وعد بِسم الله الرَّحْمَن آيَة مِنْهَا
ثمَّ التَّسْمِيَة عندنَا آيَة من أول كل سُورَة كتبت فِيهَا وَلكنهَا آيَة مُسْتَقلَّة أم هى مَعَ أول السُّورَة آيَة فَفِيهِ
قَولَانِ وَذكر الصيدلاني الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّهَا هَل هى من الْقُرْآن فِي أول كل سُورَة سوى الْفَاتِحَة وَالْمَشْهُور هُوَ الأول الثَّالِث كل حرف من الْفَاتِحَة ركن فَلَو ترك تشديدا فَهُوَ ترك حرف وَلَو أبدل حرفا بِحرف لم يجز وَلَو أبدل الضَّاد بالظاء فَفِيهِ تردد لقرب الْمخْرج عسر التَّمْيِيز
الرَّابِع رِعَايَة التَّرْتِيب فِيهَا شَرط فَلَو قَرَأَ النّصْف الْأَخير أَولا لم يجز لِأَن التَّرْتِيب ركن فِي الإعجاز فَأَما التَّشَهُّد إِذا قدم الْمُؤخر مِنْهُ وَلم يُغير الْمَعْنى فَهُوَ قريب من قَوْله عَلَيْكُم السَّلَام الْخَامِس الْمُوَالَاة شَرط بَين كلماتها فَلَو قطعهَا بسكوت طَوِيل وَجب الِاسْتِئْنَاف إِلَّا على وَجه بعيد ذكره الْعِرَاقِيُّونَ وَلَو تخللها تَسْبِيح يسير انْقَطع الْوَلَاء بِخِلَاف مَا لَو كرر كلمة من نفس الْفَاتِحَة فَإِن ذَلِك لَا يعد انتقالا إِلَى غَيرهَا وَلذَلِك لَو قَرَأَ الْفَاتِحَة مَرَّات لم يضر بِخِلَاف تَكْرِير الرُّكُوع وَفِيه وَجه ضَعِيف أَنه كالركوع
فرعان
الأول لَو قَالَ الإِمَام ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ فَقَالَ الْمَأْمُوم ﴿آمين﴾ لَا تَنْقَطِع بِهِ الْفَاتِحَة إِذا كَانَ فِي أَثْنَائِهَا وَفِيه وَجه آخر أَنه تَنْقَطِع وَالْأول أظهر لِأَنَّهُ إِذا جرى لَهُ سَبَب لم يعْتد انتقالا وَهَذَا الْخلاف يجْرِي فِيمَا إِذا سَأَلَ أَو استعاذ الله عِنْد قِرَاءَة الإِمَام آيَة رَحْمَة أَو عِقَاب أَو سجد مَعَ الإِمَام عِنْده قِرَاءَة الإِمَام آيَة سَجْدَة فَإِن هَذِه الْأَسْبَاب متقاضية الثَّانِي لَو ترك الْمُوَالَاة نَاسِيا نقل الْعِرَاقِيُّونَ أَنه لَا يضر وَللشَّافِعِيّ
رَضِي الله عَنهُ قَول فِي الْقَدِيم أَنه لَو ترك الْفَاتِحَة نَاسِيا لم يضر لِأَن النسْيَان عذر كالسبق وَلَكِن لَيْسَ هَذَا تَفْرِيعا عَلَيْهِ إِذْ فرق بَينه وَبَين ترك ترتيبه نَاسِيا ويتأيد ذَلِك بِأَنَّهُ لَو طول ركنا قَصِيرا لم يضر وَإِن انْقَطَعت بِهِ مُوالَاة الْأَركان وَأما الْعَاجِز وَهُوَ الْأُمِّي فَفِيهِ أَربع مسَائِل الأولى أَنه لَا تجزيه تَرْجَمته بل إِن قدر فَيَأْتِي بِسبع آيَات من الْقُرْآن مُتَوَالِيَة لَا تنقص حروفها عَن حُرُوف الْفَاتِحَة فَإِن نقص الْحُرُوف دون عدد الْآيَات فَفِيهِ وَجْهَان
فَإِن عجز عَن آيَات مُتَوَالِيَة فتجزئه آيَات مُتَفَرِّقَة فَإِن لم تكن آحادها مفهمة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ثمَّ نظر﴾ لم يبعد أَن يرد إِلَى الْأَذْكَار فَإِن لم يحسن إِلَّا آيَة وَاحِدَة فَيَأْتِي بهَا وَتَأْتِي الْأَذْكَار بَدَلا عَن الْبَقِيَّة وَقيل إِنَّه يُكَرر الْآيَة سبعا فتكفيه فَإِن لم يحسن من الْقُرْآن شَيْئا فَيَأْتِي بتسبيح وتهليل كَقَوْلِه سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَمَا فِيهِ ثَنَاء على الله ويراعي مُسَاوَاة الْحُرُوف وَفِي الدُّعَاء الْمَحْض اخْتِلَاف فِي أَنه هَل يقوم مقَام التَّسْبِيح الثَّانِيَة إِذا لم يحسن النّصْف الأول من الْفَاتِحَة فَيَأْتِي أَولا بِالذكر بَدَلا مِنْهُ ثمَّ يَأْتِي بِمَا يحسن مِنْهَا الثَّالِثَة إِذا تعلم الْفَاتِحَة فِي أثْنَاء الصَّلَاة قبل قِرَاءَة الْبَدَل لَزِمته وَإِن كَانَ بعد الرُّكُوع لم تلْزمهُ
وَإِن كَانَ قبل الرُّكُوع وَبعد الْفَرَاغ فَوَجْهَانِ وَوجه الْوُجُوب بَقَاء مَظَنَّة الْقِرَاءَة وَلَو كَانَ فِي أثْنَاء الْبَدَل لزمَه مَا بَقِي من الْبَدَل وَفِي لُزُوم الِاسْتِئْنَاف خلاف وَالأَصَح أَنه يجب الرَّابِعَة إِذا قَرَأَ الْأُمِّي دُعَاء الاستفتاح وَقصد بِهِ بدل الْفَاتِحَة جَازَ وَإِن قصد بِهِ الاستفتاح لم تسْقط بِهِ الْقِرَاءَة فَعَلَيهِ الْإِعَادَة وَلَو أطلق فَفِي سَائِر الْأَذْكَار تردد ذكره صَاحب التَّقْرِيب فِي أَنه هَل يشْتَرط قصد الْبَدَلِيَّة واشتراطه فِي دُعَاء الاستفتاح أوجه لِأَن قرينَة الْحَال تصرفه إِلَى الاستفتاح
أما لواحق الْفَاتِحَة فشيئان
الأول التَّأْمِين فَهُوَ مُسْتَحبّ عقيب الْفَرَاغ للْمَأْمُوم وَالْمُنْفَرد وَفِيه لُغَتَانِ الْقصر وَالْمدّ وَالْمِيم مُخَفّفَة على اللغتين وَهُوَ صَوت وضع لتحقيق الدُّعَاء
وَمَعْنَاهُ ليكن كَذَلِك كَقَوْلِهِم صه لِلْأَمْرِ بِالسُّكُوتِ ثمَّ اخْتلف نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي جهر الإِمَام بِهِ وَقيل إِن كَانَ فِي الْقَوْم كَثْرَة جهروا ليبلغ الصَّوْت وَإِلَّا فَلَا وَقيل فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا نعم لما روى أَبُو هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا أَمن أَمن من خَلفه حَتَّى كَانَ لِلْمَسْجِدِ ضجة
وَالثَّانِي لَا كَسَائِر الْأَذْكَار وَأما الضجة فَهِيَ هينمة حصلت من هَمس الْقَوْم عِنْد كثرتهم وَقيل إِنَّه إِن لم يجْهر الإِمَام جهر الْمَأْمُوم وَإِن جهر الإِمَام فَفِي الْمَأْمُوم قَولَانِ ثمَّ الْمُسْتَحبّ أَن يُؤمن مَعَ تَأْمِين الإِمَام لَا قبله وَلَا بعده لِأَنَّهُ يُؤمن لقرَاءَته لَا لتأمينه وَقد رُوِيَ عَنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنه قَالَ إِذا قَالَ الإِمَام ﴿وَلَا الضَّالّين﴾ فَقولُوا آمين فَإِن الْمَلَائِكَة تَقول آمين فَمن وَافق تأمينه
تَأْمِين الْمَلَائِكَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر الثَّانِي السُّورَة وَيسْتَحب قرَاءَتهَا للْإِمَام وَالْمُنْفَرد فِي رَكْعَتي الْفجْر والأوليين من غَيرهمَا وَهل تسْتَحب فِي الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة قَولَانِ منصوصان الْجَدِيد أَنَّهَا تسْتَحب لقَوْل أبي سعيد الْخُدْرِيّ حزرنا قِرَاءَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَوليين من الظّهْر فَكَانَت قدر سبعين آيَة وحزرناها فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فَكَانَ على
النّصْف من ذَلِك
وَالْقَوْل الثَّانِي وَعَلِيهِ الْعَمَل أَنه لَا تسْتَحب لِأَن مبناهما على التَّخْفِيف أما الْمَأْمُوم فَلَا يقْرَأ السُّورَة فِي الجهرية بل يقْرَأ الْفَاتِحَة فِي سكتة الإِمَام بعد الْفَاتِحَة ثمَّ يستمع السُّورَة وَإِن لم يبلغهُ صَوت الإِمَام فَوَجْهَانِ الْقيَاس أَنه يقْرَأ لِأَنَّهُ كالمنفرد عِنْد فَوَات السماع وَالثَّانِي لَا لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا كُنْتُم خَلْفي فَلَا تقرءوا إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب فَإِنَّهُ لَا صَلَاة إِلَّا بهَا
القَوْل فِي الرُّكُوع
وَأقله أَن ينحني إِلَى أَن تنَال راحتاه رُكْبَتَيْهِ لَو مدهما بالانحناء لَا بالانخناس ويطمئن بِحَيْثُ ينْفَصل هويه عَن ارتفاعه فَلَو زَاد بالانحناء لم يحْسب ذَلِك بَدَلا عَن الطُّمَأْنِينَة وَلَا يجب عندنَا ذكر فِي الرُّكُوع خلافًا لِأَحْمَد لِأَن الرُّكُوع يُخَالف الْمُعْتَاد بصورته لَا كالقيام وَالْقعُود
وَأما فِي الْأَكْمَل فهيئته أَن ينحني بِحَيْثُ يَسْتَوِي ظَهره وعنقه كالصفيحة الْوَاحِدَة وَينصب رُكْبَتَيْهِ وَيَضَع كفيه عَلَيْهِمَا وَيتْرك الْأَصَابِع على جبلتها منشورة نَحْو الْقبْلَة ويتجافى عِنْد ذَلِك مرفقاه عَن جَنْبَيْهِ وَلَا يتَجَاوَز فِي
الانحناء الاسْتوَاء وَإِذا ابْتَدَأَ الْهَوِي وَقَالَ الله أكبر رَافعا يَدَيْهِ عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة ثمَّ للشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ قَولَانِ أَحدهمَا أَن يمد التَّكْبِير إِلَى أَن يَسْتَوِي رَاكِعا كَيْلا يَخْلُو هويه عَن الذّكر وَالثَّانِي الْحَذف حذارا عَن التَّغْيِير بِالْمدِّ وَهُوَ جَار فِي تَكْبِيرَات الِانْتِقَالَات كلهَا وَالذكر الْمَشْهُور سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم وَبِحَمْدِهِ ثمَّ إِن كَانَ إِمَامًا لم يزدْ