الْفَصْل الثَّانِي فِي سنَن الْإِحْرَام وَهِي خمس
الأولى الْغسْل للْإِحْرَام تنظيفا حَتَّى يسن للحائض وَالنُّفَسَاء فَإِن لم يجد المَاء يتَيَمَّم كَسَائِر أَنْوَاع الْغسْل قَالَ فِي الْأُم يغْتَسل الْحَاج لسبعة مَوَاطِن للْإِحْرَام وَدخُول مَكَّة وَالْوُقُوف بِعَرَفَة وَالْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة ولرمي الْجمار الثَّلَاث لِأَن هَذِه الْمَوَاضِع يجْتَمع لَهَا النَّاس فَيُسْتَحَب لَهَا الِاغْتِسَال كَالْجُمُعَةِ وَلَا يغْتَسل لرمي جَمْرَة الْعقبَة لِأَن وقته من نصف اللَّيْل إِلَى آخر النَّهَار فَلَا يجْتَمع لَهَا النَّاس فِي وَقت وَاحِد وأضاف إِلَيْهَا فِي الْقَدِيم الْغسْل لطواف الزِّيَارَة وَطواف الْوَدَاع لِأَن النَّاس يَجْتَمعُونَ لَهما وَلم يسْتَحبّ فِي الْجَدِيد لِأَن وقتهما يَتَّسِع فَلَا يتَّفق الِاجْتِمَاع الثَّانِيَة التَّطَيُّب للْإِحْرَام مُسْتَحبّ قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا طيبت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لإحرامه قبل أَن يحرم ولحله قبل أَن يطوف وَرَأَيْت وبيص الْمسك فِي مفارقه بعد الْإِحْرَام
وَذَلِكَ يدل على أَن التَّطَيُّب مِمَّا يبقي جرمه جَائِز خلافًا لأبي حنيفَة أما تطييب ثوب الْإِحْرَام قصدا فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهمَا الْجَوَاز قِيَاسا على الْبدن وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ رُبمَا ينْزع الثَّوْب فِي وَقت الْغسْل ثمَّ يُعِيدهُ إِلَى الْبدن فَيكون تطييبا مستأنفا وَالثَّالِث أَنه يجوز تطييبه مِمَّا لَا يبْقى لَهُ جرم مشَاهد فَإِن قُلْنَا يجوز فَلَو نزع بعد الْإِحْرَام وَأعَاد فَفِي لُزُوم الْفِدْيَة وَجْهَان وَلَو تنحى جرم الطّيب بالعرق من بدنه فَلَا فديَة على أظهر الْوَجْهَيْنِ لِأَن ذَلِك لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ وَمِنْهُم من قَالَ يجب إِن لم يُبَادر إِلَى إِزَالَته وَيسْتَحب الاختضاب للْمَرْأَة تعميما لليد لَا تطريفا وتزينا
وَيسْتَحب لَهَا ذَلِك فِي كل حَال ليستر بَشرَتهَا عَن الْأَعْين الثَّالِثَة أَن يتجرد عَن الْمخيط فِي إِزَار ورداء أبيضين ونعلين لِأَن أحب الثِّيَاب إِلَى الله الْبيض الرَّابِعَة أَن يُصَلِّي رَكْعَتي الْإِحْرَام ثمَّ يحرم فِي مُصَلَّاهُ بعد السَّلَام قَاعِدا وَقَالَ فِي الْجَدِيد لَا يهل حَتَّى تنبعث بِهِ دَابَّته ليَكُون الْعَمَل مَقْرُونا بالْقَوْل الْخَامِسَة أَن لَا يقْتَصر على مُجَرّد النِّيَّة وَلكنه يُلَبِّي عِنْد النِّيَّة بِلِسَانِهِ فَيَقُول لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لَا شريك لَك لبيْك إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك وَالْملك لَا شريك
لَك وَيُصلي على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعده وَإِذا رأى شَيْئا فأعجبه قَالَ لبيْك إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة ويجدد التَّلْبِيَة فِي طريان التغايير وَفِي كل صعُود وهبوط وَفِي أدبار الصَّلَوَات وإقبال اللَّيْل وَالنَّهَار وَيسْتَحب فِي مَسْجِد مَكَّة منى وعرفات وَفِيمَا عَداهَا قَولَانِ الْجَدِيد أَنه يُلَبِّي فِي كل مَسْجِد وَفِي حَال الطّواف قَولَانِ وَالْقَدِيم أَنه يُلَبِّي ويخفض صَوته وَقَالَ فِي الْأُم لَا يُلَبِّي لِأَن للطَّواف ذكرا يخْتَص بِهِ وَيسْتَحب رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ لكل أحد إِلَّا النِّسَاء وَفِي كل مَكَان إِلَّا فِي الْمَسَاجِد وَقيل إِنَّه يسْتَحبّ الرّفْع أَيْضا وَإِنَّمَا يجْتَنب فِي الْمَسْجِد رفع الصَّوْت بِغَيْر الْأَذْكَار
الْفَصْل الثَّالِث فِي سنَن دُخُول مَكَّة وَهِي أَرْبَعَة
الأولى أَن يغْتَسل بِذِي طوى وَلَا يقنع بِمَا سبق من غسل الْإِحْرَام الثَّانِيَة أَن يدْخل مَكَّة من ثنية كداء بِفَتْح الْكَاف وَهِي ثنية فِي أَعلَى مَكَّة وَيخرج مِنْهُ ثنية كدى بِضَم الْكَاف وَهِي فِي أَسْفَلهَا وَقيل إِنَّه لَا نسك فِيهِ لِأَنَّهُ وَقع على طَرِيق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يقْصد الْعُدُول إِلَيْهِ الثَّالِثَة إِذا وَقع بَصَره على الْكَعْبَة عِنْد رَأس الرَّدْم فليقف وَليقل اللَّهُمَّ زد هَذَا
الْبَيْت تَشْرِيفًا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من شرفه أَو عظمه مِمَّن حجه أَو اعتمره تَعْظِيمًا وتشريفا وتكريما وَبرا وَيَقُول بعد هَذِه اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام فحينا رَبنَا بِالسَّلَامِ ثمَّ يَدْعُو بِمَا أحب الرَّابِعَة أَن يدْخل الْمَسْجِد من بَاب بني شيبَة فيؤم الرُّكْن الْأسود من الْبَيْت وَقد عدل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى بَاب بني شيبَة وَلم يكن على طَرِيقه فَدلَّ على كَونه سنة فَإِن قيل من دخل مَكَّة غير محرم هَل يَعْصِي قُلْنَا إِن كَانَ مرِيدا نسكا فَلَا بُد من إِحْرَامه فِي الْمِيقَات وَإِن دخل لتِجَارَة اسْتحبَّ وَفِي الْوُجُوب قَولَانِ أَحدهمَا يجب
لِاتِّفَاق الْخلق عَلَيْهِ عملا وَالثَّانِي لَا لِأَن سَبيله سَبِيل تَحِيَّة الْمَسْجِد وَهَذَا فِي الْغَرِيب أما الحطابون وَأَصْحَاب الروايا والمترددون إِلَى مَكَّة فِي مصالحهم لَا يلْزمهُم للْحَاجة وَقيل بطرد الْقَوْلَيْنِ وَقيل يلْزمهُم فِي السّنة مرّة وَاحِدَة وَهُوَ بعيد فَإِن ألزمنا الْغَرِيب فَترك فَفِي وجوب الْقَضَاء قَولَانِ أَحدهمَا لَا يجب لِأَن عوده يَقْتَضِي إحراما آخر أَدَاء وَالثَّانِي يجب وَيجب فِي الْعود إِحْرَام مَقْصُود لَهُ وَفِي الِابْتِدَاء كَانَ يلقِي إِحْرَام عَن نذر أَو قَضَاء أَو غَيره
هَذَا فِي الْأَحْرَار أما العبيد فَلَا إِحْرَام عَلَيْهِم سَوَاء دخلوها بِإِذن السَّادة أَو بِغَيْر إذْنهمْ فَإِن أذن السَّيِّد فِي الدُّخُول بِالْإِحْرَامِ لم يلْزم على أحد الْوَجْهَيْنِ كَمَا إِذا أذن فِي حُضُور الْجُمُعَة
الْفَصْل الرَّابِع فِي الطّواف
فَإِذا دخل من بَاب بني شيبَة فليتوجه إِلَى الرُّكْن الْأسود وليستلمه وليجعل الْبَيْت على يسَاره وَيَطوف إِلَى أَن يعود إِلَى الْحجر سبع مَرَّات وَهَذَا طواف الْقدوم وَالنَّظَر فِي الطّواف فِي واجباته وسننه وأقسامه
أما الْوَاجِبَات فثمانية
الأول شَرَائِط الصَّلَاة من طَهَارَة الْحَدث والخبث وَستر الْعَوْرَة والقرب من الْبَيْت بدل عَن الِاسْتِقْبَال قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الطّواف بِالْبَيْتِ صَلَاة إِلَّا أَن الله أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَام وطهارة المطاف الذى يمشى عَلَيْهِ كطهارة مَكَان الصَّلَاة الثَّانِي التَّرْتِيب وَهُوَ أَن يبتدي بِالْحجرِ الْأسود وَيجْعَل الْبَيْت على يسَاره فَلَو
جعل الْبَيْت على يَمِينه لم يحْسب وَإِن استقبله تردد فِيهِ الْقفال وَلَو ابْتَدَأَ بِغَيْر الْحجر الْأسود لم يعْتد بطوافه إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى الْحجر فَمِنْهُ يسْتَأْنف الإحتساب وبنبغي أَن يبتدأ بِحَيْثُ يمر بِجَمِيعِ بدنه على جَمِيع الْحجر الْأسود فَإِن حاذاه بِبَعْض بدنه ثمَّ اجتاز فَوَجْهَانِ يقربان مِمَّا إِذا اسْتقْبل بِبَعْض بدنه طرف الْبَيْت وَصلى الثَّالِث أَن يكون بِجَمِيعِ بدنه خَارِجا عَن كل الْبَيْت فَلَا يطوف فِي الْبَيْت فَلَو مَشى على شاذروان الْبَيْت وَهُوَ عرض أساسه كَانَ طَائِفًا بِالْبَيْتِ لِأَنَّهُ بِالْبَيْتِ وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُزنِيّ التأزير بِمَعْنى التأسيس فَقيل التأزير مَأْخُوذ من الإزر
وَلَو مشي على الأَرْض وَأدْخل يَده فِي موازاة الشاذوران بِحَيْثُ كَانَ يمس الْجِدَار فيده فِي الْبَيْت وَلَكِن مُعظم بدنه خَارج فَيصح على الْأَظْهر وَلَو دخل فَتْحة الْحجر من جَانب وَخرج من الْجَانِب الآخر لم يعْتد بِهَذَا الشوط إِلَى أَن يعود إِلَى الفتحة الأولى فيدور على محوط الْحجر لِأَن سِتَّة أَذْرع من محوط الْحجر كَانَ من الْبَيْت فَأخْرج مِنْهُ لما قصرت النَّفَقَة عِنْد الْعِمَارَة
الرَّابِع أَن يطوف دَاخل الْمَسْجِد فَلَو طَاف خَارج الْمَسْجِد لم يجز وَلَو وسع الْمَسْجِد يجوز الطّواف فِي أقصي الْمَسْجِد لِأَن الْقرب مُسْتَحبّ لَا وَاجِب وَيصِح الطّواف على سطوح الْمَسْجِد وَفِي أروقته الْخَامِس الْمُوَالَاة وَالصَّحِيح أَنه لَا يشْتَرط بل هُوَ من السّنَن وَقيل بطرد الْقَوْلَيْنِ كَمَا فِي الطَّهَارَة وَلَو أحدث فِي خلله فجدد الْوضُوء وَبنى فحاصل الْمَذْهَب ثَلَاثَة أَقْوَال أَصَحهَا الْجَوَاز وَالثَّانِي لَا لاشْتِرَاط الْمُوَالَاة وَالثَّالِث أَنه إِن تعمد لم يجز وَإِن كَانَ سَهوا جَازَ السَّادِس رِعَايَة الْعدَد فَلَو اقْتصر على سِتَّة أَشْوَاط لم يجز وَقَالَ أَبُو حنيفَة تقوم الْأَرْبَعَة مقَام الْكل السَّابِع رَكْعَتَانِ عِنْد الْمقَام عقيب الطّواف وَيقْرَأ فِي إِحْدَاهمَا قل يَا أَيهَا
الْكَافِرُونَ وَفِي الثَّانِيَة الْإِخْلَاص فهما مشروعتان وليستا من الْأَذْكَار كالأشواط وَفِي وجوبهما قَولَانِ وَالصَّحِيح أَنه لَيْسَ بِشَرْط فِي الطّواف الْمسنون ومأخذ الْوُجُوب تطابق النَّاس على فعله وَتَركه لَا يجْبر بِالدَّمِ فَإِنَّهُ لَا يفوت إِذْ يجوز أداؤهما بعد الرُّجُوع إِلَى الوطن نعم لَو مَاتَ فينقدح أَن يجْبر بِالدَّمِ كَسَائِر الْوَاجِبَات الثَّامِن النِّيَّة وَفِيه ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه تشْتَرط لِأَنَّهَا فِي حكم عبَادَة وَإِن كَانَ ركنا فِي الْحَج وَالثَّانِي لَا يشْتَرط لِأَن وُقُوعه ركنا بعد الْوُقُوف مُتَعَيّن حَتَّى لَو طَاف بِهِ
دَابَّته وَهُوَ غافل أَو طَاف فِي طلب غَرِيم أَجزَأَهُ وَالثَّالِث أَنه يُجزئ إِلَّا إِذا صرفه إِلَى طلب غَرِيم أَو غَرَض آخر وَهَذَا فِي ركن الْحَج أما الطّواف ابْتِدَاء فعبادة مفتقرة إِلَى النِّيَّة
أما السّنَن فَهِيَ خَمْسَة
الأولى أَن يطوف مَاشِيا لَا رَاكِبًا وَإِنَّمَا ركب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليظْهر فيستفتى فَلَا بَأْس فِي الرّكُوب لمن هُوَ فِي مثل هَذَا الْحَال الثَّانِيَة الاستلام وَهُوَ أَن يقبل الْحجر فِي أول الطّواف وَفِي آخِره بل فِي
كل نوبَة فَإِن عجز فَفِي كل وتر فَإِن عجز بالزحمة مَسّه بِالْيَدِ ثمَّ قبل الْيَد أَو قبل الْيَد ثمَّ مَسّه فَإِن بعد بالزحمة أَشَارَ بِالْيَدِ فَإِذا انْتهى إِلَى الرُّكْن الْيَمَانِيّ خصصه بالمس وَقَبله لِأَنَّهُ الْبَاقِي على قَوَاعِد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام من جملَة الْأَركان وَقد قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِن الْحجر الْأسود ليَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة وَله لِسَان ذلق يشْهد لمن قبله الثَّالِثَة الدُّعَاء وَهُوَ أَن يَقُول عِنْد ابْتِدَاء الطّواف بِسم الله وَالله أكبر اللَّهُمَّ إِيمَانًا بك وَتَصْدِيقًا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ الرَّابِعَة الاضطباع وَصورته أَن يَجْعَل وسط إزَاره فِي إبطه الْيُمْنَى
ويعري عَنهُ مَنْكِبه الْأَيْمن وَيجمع طرفِي الْإِزَار على عَاتِقه الْأَيْسَر كدأب أهل الشطارة وَذَلِكَ فِي طواف فِيهِ رمل ثمَّ قيل إِنَّه يديم هَذِه الْهَيْئَة إِلَى آخر الطّواف وَقيل إِلَى آخر السَّعْي الْخَامِسَة الرمل وَهُوَ السرعة فِي الْمَشْي مثل الخبب أَو دونه فِي ثَلَاثَة أَشْوَاط فِي أول الطّواف والسكينة مُسْتَحبَّة فِي الْأَرْبَعَة الْأَخِيرَة يسْتَحبّ الرمل على جَمِيع أَرْكَان الْبَيْت إِذْ نقل أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يرمل من الْحجر إِلَى الْحجر
وَقيل بترك الرمل بَين الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَالْحجر فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام هَكَذَا فعل إِذْ كَانَت الْكَعْبَة حائلة بَينه وَبَين الْكفَّار فَإِنَّهُ كَانَ يرمل ليظْهر الجلادة للْكفَّار وَيدْفَع طمعهم عَن استلانة جانبهم وَكَانَ يسكن حِين يغيب من أَبْصَارهم وَهَذَا وَإِن كَانَ على سَبَب فقد بَقِي مَعَ زَوَال السَّبَب تبركا بالتشبه بِهِ كَمَا قيل إِن سَبَب رمي الْجمار رمي إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام الْحِجَارَة إِلَى ذبيح استعصى عَلَيْهِ فَصَارَ ذَلِك شرعا ومبنى الْعِبَادَات التأسي
فرعان
أَحدهمَا الْقرب من الْبَيْت مُسْتَحبّ فِي الطّواف مَعَ الرمل فَإِن عجز عَن الرمل من الْقرب للزحمة فالرمل فِي الْبعد أولى وَإِن وَقع فِيمَا بَين النِّسَاء فالسكينة أولى من الرمل احْتِرَازًا عَن مصادمتهن الثَّانِي لَو ترك الرمل فِي الأشواط الأول فَلَا قَضَاء فِي الْأَخير لِأَن السكينَة مَشْرُوعَة فِي الْأَخير فَهُوَ كَمَا لَو ترك الْجَهْر فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين فَلَا يقْضِي فِي الْأَخير وَلَو ترك سُورَة الْجُمُعَة فِي الرَّكْعَة الأولى قَضَاهَا فِي الثَّانِيَة مَعَ سُورَة الْمُنَافِقين لِأَن الْجمع مُمكن وَلَو لم يتَمَكَّن من الرمل للزحمة فَحسن أَن يُشِير بمحاولة الرمل متشبها وَيسْتَحب أَن يَقُول فِي الرمل اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا ثمَّ لَا خلاف أَن الرمل لَا يسْتَحبّ فِي كل طواف بل فِي قَول لَا يسْتَحبّ إِلَّا
فِي طواف الْقدوم وَفِي قَول لَا يسْتَحبّ إِلَّا فِي طواف بعد سعي
فرع
إِذا أحرم عَن الصَّبِي وليه وَحمله وَطَاف بِهِ أَجْزَأَ عَنهُ إِلَّا إِذا كَانَ الْوَلِيّ محرما وَلم يطف عَن نَفسه طواف الرُّكْن فَإِنَّهُ ينْصَرف إِلَى الْحَامِل نعم لَو قصد بِهِ الْمَحْمُول فَهُوَ كَمَا لَو قصد بطوافه طلب الْغَرِيم وَلَو حمل صبيين وَطَاف بهما حصل لَهما الطّواف جَمِيعًا كَمَا إِذا ركب محرمان دَابَّة وَاحِدَة فالحركة الْوَاحِدَة تَكْفِي للمحمولين وَلَا تَكْفِي للحامل والمحمول
الْفَصْل الْخَامِس فِي السَّعْي
فَإذْ فرغ عَن رَكْعَتي الطّواف اسْتَلم الْحجر وَخرج من بَاب الصَّفَا ورقي الصَّفَا بِمِقْدَار قامة الرجل وَيسْتَقْبل الْكَعْبَة حَتَّى يَقع بَصَره عَلَيْهَا وَيَقُول الله أكبر الله أكبر لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيى وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شئ قدير لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده أنْجز وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا نعْبد إِلَّا إِيَّاه مُخلصين لَهُ الدّين وَلَو كره الْكَافِرُونَ فَإذْ فرغ من الدُّعَاء نزل من الصَّفَا وَمَشى حَتَّى يكون بَينه وَبَين الْميل الْأَخْضَر الْمُعَلق بِفنَاء الْمَسْجِد نَحْو سِتَّة أَذْرع فيسعى سعيا شَدِيدا حَتَّى يُحَاذِي الميلين الأخضرين اللَّذين هما بِفنَاء الْمَسْجِد وحذاء دَار الْعَبَّاس
ثمَّ مَشى حَتَّى يصعد الْمَرْوَة وصعدها ودعا كَمَا دَعَا على الصَّفَا فيفعل ذَلِك سبع مَرَّات وَيَقُول فِي أثْنَاء السَّعْي رب اغْفِر وَارْحَمْ وَتجَاوز عَمَّا تعلم إِنَّك أَنْت الْأَعَز الأكرم كل ذَلِك مأثور عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قولا وفعلا وَالْوَاجِب من هَذِه الْجُمْلَة السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة سبع مَرَّات وَقَالَ أَبُو بكر الصَّيْرَفِي الذّهاب والمجيء مرّة وَاحِدَة فَيحْتَاج إِلَى التَّرَدُّد أَربع عشرَة مرّة والبداية بالصفا وَاجِب وَوُقُوع السَّعْي بعد طواف مَا وَاجِب ثمَّ إِن سعى بعد طواف الْقدوم وَقع ركنا عَن الْحَج وَلَا يسْتَحبّ لَهُ الْإِعَادَة عقيب طواف الْإِفَاضَة لِأَن السَّعْي لَيْسَ عبَادَة بِنَفسِهِ فَلَا يُكَرر كالوقوف بِخِلَاف الطّواف
وَلَو تخَلّل بَين طواف الْقدوم وَالسَّعْي زمَان فَلَا بَأْس وَيَقَع ركنا وَإِن تخَلّل الْوُقُوف بِعَرَفَة فَفِيهِ تردد لِأَن الْوُقُوف كالحاجز وَلَا يشْتَرط فِي السَّعْي الطَّهَارَة وشروط الصَّلَاة بِخِلَاف الطّواف وَالرُّكُوب فِيهِ كالركوب فِي الطّواف
الْفَصْل السَّادِس فِي الْوُقُوف بِعَرَفَة
فَإِذا فرغ من طواف الْقدوم صَبر إِلَى السَّابِع من ذِي الْحجَّة فيخطب الإِمَام بعد الظّهْر بِمَكَّة وَيَأْمُرهُمْ بِالْغُدُوِّ إِلَى منى ويخبرهم بمناسكهم ثمَّ يخرج إِلَى منى فِي الْيَوْم الثَّامِن ويبيت بهَا تِلْكَ اللَّيْلَة وَلَا نسك فِي هَذَا الْمبيت فَإِذا طلعت الشَّمْس سَار إِلَى الْموقف وخطب بعد الزَّوَال خطْبَة خَفِيفَة وَيجْلس ثمَّ يقوم إِلَى الثَّانِيَة وَيبدأ الْمُؤَذّن بِالْأَذَانِ حَتَّى يكون فرَاغ الإِمَام بعد فرَاغ الْمُؤَذّن ثمَّ يُصَلِّي الظّهْر وَالْعصر جمعا ثمَّ يروح إِلَى عَرَفَة وَيقف عِنْد الصخرات ويستقبلون الْقبْلَة ويكثرون فِي الدُّعَاء قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام أفضل مَا دَعوته ودعا الْأَنْبِيَاء قبلي يَوْم عَرَفَة لَا إِلَه إِلَّا الله
وَحده لَا شريك لَهُ وَيسْتَحب رفع الْيَد فِي الدُّعَاء وَقَالَ فِي الْقَدِيم وَالْوُقُوف رَاكِبًا أفضل تأسيا برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وليكون أقوى على الدُّعَاء كَمَا أَن الْإِفْطَار أفضل وَقَالَ فِي الْأُم النَّازِل والراكب سَوَاء ثمَّ إِذا غربت عَلَيْهِم الشَّمْس أفاضوا مِنْهَا إِلَى مُزْدَلِفَة وَيصلونَ بهَا الْمغرب وَالْعشَاء وَالْوَاجِب من جَمِيع ذَلِك الْحُضُور فِي طرف من أَطْرَاف عَرَفَة وَلَو مَعَ الْغَفْلَة وَفِي النّوم إِذا سَارَتْ بِهِ دَابَّته وَلَا يَكْفِي حُضُور الْمغمى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهلا
لِلْعِبَادَةِ وَوقت الْوُقُوف بعد زَوَال يَوْم عَرَفَة إِلَى طُلُوع الْفجْر يَوْم النَّحْر وَمن فَاتَهُ ذَلِك فقد فَاتَهُ الْحَج فَإِن الْحَج عَرَفَة وَقيل إِن اللَّيْل لَيْسَ وقتا وَقيل إِنَّه وَقت إِلَّا أَنه لَو أخر الْإِحْرَام إِلَى اللَّيْل لم يحز وَلَو أحرم نَهَارا ووقف لَيْلًا جَازَ وَالصَّحِيح أَن وَقت الْإِحْرَام وَالْوُقُوف بَاقٍ إِلَى طُلُوع الْفجْر
فروع ثَلَاثَة
الأول فِي وجوب الْجمع بَين اللَّيْل وَالنَّهَار قَولَانِ ومستند وُجُوبه الْعَادة فَإِن قُلْنَا بِهِ فَلَو فَارق عَرَفَة نَهَارا وَعَاد قبل غرُوب الشَّمْس فقد تدارك وَإِن عَاد لَيْلًا وَلم يكن عِنْد الْغُرُوب حَاضرا فَوَجْهَانِ وَيرجع الْخلاف إِلَى أَن الْحُضُور عِنْد الْغُرُوب هَل هُوَ وَاجِب وَمهما رَأَيْنَاهُ وَاجِبا جبر تَركه بِالدَّمِ بِخِلَاف أصل الْوُقُوف الثَّانِي الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَة ومزدلفة فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه بعلة
النّسك فَيجوز للعرفي والمكي أَيْضا وَالثَّانِي أَنه بعلة السّفر الطَّوِيل فَلَا يجوز لَهما جَمِيعًا وَالثَّالِث أَنه بعلة أصل السَّعْي فَيجوز للمكي دون الْعرفِيّ الثَّالِث لَو وقفُوا يَوْم الْعَاشِر غَلطا فِي الْهلَال فَلَا قَضَاء إِذْ لَا يُؤمن وُقُوع مثله فِي الْقَابِل وَإِن وقفُوا يَوْم الثَّامِن فَوَجْهَانِ وَوجه الْفرق أَن ذَلِك نَادِر لَا يتَّفق إِلَّا بتوارد شهادتين كاذبتين فِي شَهْرَيْن
الْفَصْل السَّابِع فِي جمل أَسبَاب التَّحَلُّل
فَإِذا جمعُوا بَين الصَّلَاتَيْنِ بِمُزْدَلِفَة باتوا بهَا وَهَذَا الْمبيت نسك وَفِي كَونه وَاجِبا مجبورا بِالدَّمِ قَولَانِ ثمَّ إِذا طلع الْفجْر ارتحلوا وَبينهمْ وَبَين منى الْمشعر الْحَرَام فَإِذا انْتَهوا إِلَيْهِ وقفُوا ودعوا وَهَذِه سنة غير مجبورة بِالدَّمِ ثمَّ يجاوزونه إِلَى وَادي محسر وَكَانَت الْعَرَب تقف ثمَّ وأمرنا بمخالفتهم فيؤثر تَحْرِيك الدَّابَّة والإسراع بِالْمَشْيِ فَإِذا وافى منى بعد طُلُوع الشَّمْس رمى جَمْرَة الْعقبَة وَهِي الْجَمْرَة الثَّالِثَة سبع حَصَيَات وَيسْتَحب أَن يكبر مَعَ كل حَصَاة وَيرْفَع يَدَيْهِ حَتَّى يرى بَيَاض إبطه وَيتْرك التَّلْبِيَة لِأَن التَّلْبِيَة للْإِحْرَام وَالرَّمْي تحلل عَن الْإِحْرَام ثمَّ يحلق بعد الرَّمْي ثمَّ يعود إِلَى مَكَّة وَيَطوف طواف الزِّيَارَة وَهُوَ طواف
الرُّكْن وَيسْعَى بعده وَإِن لم يكن سعى عقيب طواف الْقدوم ثمَّ يعود إِلَى منى فِي بَقِيَّة يَوْم النَّحْر وَيُقِيم بهَا أَيَّام التَّشْرِيق للرمي فَهَذِهِ أَسبَاب التَّحَلُّل وللحج تحللان فَيحصل أَحدهمَا بِطواف الزِّيَارَة وَالْآخر بِالرَّمْي وَأيهمَا قدم أَو أخر فَلَا بَأْس وَالطّواف وَإِن كَانَ ركنا فَهُوَ من أَسبَاب التَّحَلُّل أَيْضا وَلَا يحصل أحد التحللين إِلَّا بِاثْنَيْنِ من هَذِه الْأَسْبَاب الثَّلَاث أَي اثْنَيْنِ كَانَ وَيحل بَين التحللين اللّبْس والقلم إِن لم يَجعله نسكا وَلَا يدْخل الْوَطْء إِلَّا بعد التَّحَلُّل الثَّانِي وَفِي التَّطَيُّب وَعقد النِّكَاح والمباشرة دون الْجِمَاع قَولَانِ لِأَنَّهَا من مُقَدمَات الْجِمَاع ومحركات داعيته وَفِي قتل الصَّيْد أَيْضا خلاف ثمَّ وَقت الْفَضِيلَة للتحلل طُلُوع الْفجْر يَوْم النَّحْر وَيدخل وَقت الْجَوَاز بِمُضِيِّ نصف اللَّيْل من لَيْلَة الْعِيد إِذْ قدم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ضعفة أَهله من مُزْدَلِفَة ليطوفوا
بِاللَّيْلِ فِي خلْوَة ويرجعوا إِلَى منى وَقت الطُّلُوع وَمهما فَاتَ الرَّمْي بِفَوَات وقته وَوَجَب الدَّم فَفِي وقُوف التَّحَلُّل على إِرَاقَة الدَّم وَجْهَان وَمِنْهُم من قَالَ يقف لِأَنَّهُ بدل فضاهى الْمُبدل وَمِنْهُم من قَالَ إِن كَانَ دَمًا وقف عَلَيْهِ وَإِن كَانَ صوما فَلَا لطول الزَّمَان
الْفَصْل الثَّامِن فِي الْحلق
وَوَقته فِي الْعمرَة بعد الْفَرَاغ من السَّعْي وَفِي الْحَج عِنْد طُلُوع الْفجْر يَوْم النَّحْر فَضِيلَة وَبعد منتصف لَيْلَة النَّحْر جَوَازًا وَفِي كَونه نسكا قَولَانِ أَحدهمَا لَا كالقلم واللبس وَالثَّانِي وَهُوَ نسك إِذْ لَا خلاف فِي أَنه مُسْتَحبّ يلْزم بِالنذرِ فِي الْحَج وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام رحم الله المحلقين فَقيل والمقصرين قَالَ رحم الله المحلقين فأعيد عَلَيْهِ ثَلَاثًا حَتَّى قَالَ فِي الرَّابِع والمقصرين
وَيتَفَرَّع على الْقَوْلَيْنِ أُمُور
الأول أَن الْمُعْتَمِر إِذا جَامع بعد السَّعْي فَسدتْ عمرته وَإِن قُلْنَا الْحلق نسك إِذْ لم يتم تحلله بعد وَلَو أَرَادَ أَن يحلق فِي الْحَج قبل الطّواف وَالرَّمْي لم يجز إِن قُلْنَا إِنَّه مَحْظُور نسك وَذكر صَاحب التَّقْرِيب وَجها أَن أحد التحللين يحصل بِطُلُوع الْفجْر يَوْم النَّحْر فَيجوز الْحلق عِنْده لكنه بعيد وعَلى كل حَال فَالْأولى أَن لَا يبْدَأ الْحلق خُرُوجًا من الْخلاف وَلكنه يَرْمِي ثمَّ ينْحَر الْهَدْي ثمَّ يحلق وَلَو نحر بعد الْحلق جَازَ خلافًا لأبي حنيفَة الثَّانِي أَنه إِذا جعل نسكا فَهُوَ ركن كالسعي لَا يجْبر فائته بِالدَّمِ فَإِنَّهُ لَا يفوت فَإِن لم يكن على رَأسه شعر فَيُسْتَحَب إمرار الموسى على الرَّأْس وَلَا يجب إِذْ فَاتَ الْوُجُوب بِفَوَات مَحَله الثَّالِث أَنه إِذا جعل نسكا وَالْتزم بِالنذرِ فَلَا يَنْقَضِي إِلَّا بحلق ثَلَاث شَعرَات من الرَّأْس وَلَا يُجزئ شعر غير الرَّأْس وَلَا حلق شعره وَاحِدَة إِذْ قُلْنَا لَا يكمل فِيهِ الْفِدْيَة وَيقوم مقَام الْحلق التَّقْصِير والنتف والإحراق وكل مَا هُوَ مَحْظُور الْإِحْرَام فِي شعر الرَّأْس إِلَّا إِذا نذر الْحلق فَلَا يُجزئ إِلَّا الْحلق وَالْمَرْأَة لَا يسْتَحبّ لَهَا الْخلق وَلَا يلْزمهَا بِالنذرِ وَيسْتَحب لَهَا التَّقْصِير
الْفَصْل التَّاسِع فِي الْمبيت
والنسك فِي الْمبيت أَربع لَيَال لَيْلَة بِالْمُزْدَلِفَةِ وَثَلَاث بمنى ومبيت اللَّيْلَة الْأَخِيرَة غير وَاجِب على من نفر فِي النَّفر الأول وَإِن بَقِي إِلَى غرُوب الشَّمْس لزمَه الْمبيت لَيْلَة النَّفر الثَّانِي وَفِي مِقْدَار الْوَاجِب من الْمبيت قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يشْتَرط الْمبيت مُعظم اللَّيْل وَالثَّانِي أَن الْمَقْصُود مِنْهُ انْتِظَار الرَّمْي فِي الْيَوْم الْقَابِل فَيَكْفِي الْحُضُور قبل طُلُوع الْفجْر وَهَذَا لَا ينقدح فِي لَيْلَة الْمزْدَلِفَة فَإِنَّهُم يرحلون غَالِبا قبل الطُّلُوع وَفِي وجوب الْمبيت فِي هَذِه اللَّيَالِي قَولَانِ فَإِن قُلْنَا إِنَّه وَاجِب فَهُوَ مجبور بِالدَّمِ ووظائف الْحَج ثَلَاثَة السّنَن وَلَا حَاجَة إِلَى جبرها والأركان كالوقوف وَالطّواف وَالسَّعْي وَالْحلق إِن جعل نسكا وَلَا يَكْفِي جبرها والواجبات كالرمي وَالْإِحْرَام فِي الْمِيقَات وهما مجبوران بِالدَّمِ قولا وَاحِدًا وَفِي الْمبيت وَالْجمع بَين اللَّيْل وَالنَّهَار بِعَرَفَة وَطواف الْوَدَاع قَولَانِ فِي الْوُجُوب فَإِن جعل وَاجِبا فَلَا بُد من الْجَبْر فَإِن قُلْنَا يجْبر فَلَو ترك الْمبيت فِي اللَّيَالِي الْأَرْبَع فَفِي قدر الْوَاجِب قَولَانِ أَحدهمَا أَنه دم وَاحِد للْجَمِيع لِأَنَّهُ جنس وَاحِد وَهُوَ كحلق جَمِيع الشّعْر وَالثَّانِي يلْزمه دمان بِمُزْدَلِفَة وَدم لليالي منى فَإِنَّهُمَا جِنْسَانِ
فَإِن قُلْنَا تفرد ليَالِي منى بِدَم فَمن نفر فِي النَّفر الأول فَفِي لَيْلَتي منى فِي حَقه وَجْهَان أَحدهمَا دم لِأَنَّهُ جنس بِرَأْسِهِ وَالثَّانِي يجب مدان أَو دِرْهَمَانِ أَو ثلثا دم كَمَا فِي شعرتين وَحكي قَول أَنه يجب لكل لَيْلَة دم كَمَا سيحكيه فِي رمي كل يَوْم وَلَا خلاف فِي أَن الْمَعْذُور لَا يلْزمه دم وَهُوَ الذى لم يدْرك عَرَفَة إِلَّا لَيْلَة النَّحْر فَلم يبت بِمُزْدَلِفَة وَكَذَا رعاه الْإِبِل فَإِنَّهُم يغيبون عَن منى لَيْلًا لتستريح الْإِبِل وَكَذَلِكَ أهل سِقَايَة الْعَبَّاس فَإِنَّهُم يقومُونَ بتعهد المَاء وَلَا يخْتَص ذَلِك ببني الْعَبَّاس عندنَا بل كل من يتعهد السِّقَايَة خلافًا لمَالِك وَهل تلتحق غير هَذِه الْأَعْذَار من تمريض أَو غَيره برعاية الْإِبِل وتعهد المَاء فِيهِ وَجْهَان
الْفَصْل الْعَاشِر فِي الرَّمْي
وَهُوَ من الأبعاض الْوَاجِبَة المجبورة بِالدَّمِ قولا وَاحِدًا وَالْوَاجِب رمي سبعين حَصَاة سَبْعَة ترمى يَوْم النَّحْر إِلَى جَمْرَة الْعقبَة فَقَط وَإِحْدَى وَعشْرين حَصَاة ترمى كل يَوْم القر وَهُوَ أول يَوْم من أَيَّام التَّشْرِيق إِلَى الجمرات الثَّلَاثَة إِلَى كل جَمْرَة سَبْعَة فَيبْدَأ بالجمرة الأولى من جَانب الْمزْدَلِفَة وَيخْتم بجمرة الْعقبَة وَهِي تلِي مَكَّة وَكَذَلِكَ يفعل فِي الْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث إِلَّا إِذا نفر من النَّفر الأول قبل غرُوب الشَّمْس فَيسْقط عَنهُ الرَّمْي فِي الْيَوْم الْأَخير وَوقت رمي جَمْرَة الْعقبَة يدْخل بمنتصف اللَّيْل ويدوم إِلَى غرُوب الشَّمْس يَوْم النَّحْر وَهل يتمادى إِلَى طُلُوع يَوْم القر فِيهِ وَجْهَان وَوجه التَّمَادِي تشبيهه بِبَقَاء وَقت الْوُقُوف بعد غرُوب الشَّمْس وَأما رمي أَيَّام التَّشْرِيق يدْخل وقته بالزوال إِلَى غرُوب الشَّمْس يَوْم النَّحْر
وَفِي تماديه لَيْلًا الْخلاف الْمَذْكُور
ثمَّ النّظر فِي الرَّمْي يتَعَلَّق بأطراف
الأول فِي الرَّمْي
وَليكن حِجَارَة على قدر الباقلاء وَلَا يُجزئ غير الْحجر من الإثمد والزرنيخ والجواهر المنطبعة وَيُجزئ حجر النورة قبل الطَّبْخ وَكَذَا حجر الْحَدِيد فِي الظَّاهِر وَفِي الفيروزج والياقوت والعقيق تردد والحصاة الْوَاحِدَة إِذا رَمَاهَا سبع مَرَّات فَفِي إجزائها وَجْهَان وَمِنْهُم من رَاعى عدد الرَّمْي وَمِنْهُم من ضم إِلَيْهِ عدد المرمي وَلَو تعدد الزَّمَان أَو الشَّخْص أَو الْجَمْرَة أَجْزَأَ كَمَا إِذا رمى حَصَاة وَاحِدَة فِي يَوْمَيْنِ أَو إِلَى جمرتين أَو رَمَاهَا شخصان
الطّرف الثَّانِي فِي الْكَيْفِيَّة
وَيتبع فِيهِ اسْم الرَّمْي وَلَا يَكْفِي الْوَضع على الْجَمْرَة وَإِن أصَاب فِي رميه محملًا فَارْتَد بصدمته أَجْزَأَ وَإِن نفضه صَاحب الْمحمل فَلَا وَإِن تدحرج من الْمحمل إِلَى الْجَمْرَة بِنَفسِهِ فَهُوَ مُتَرَدّد بَين النفض والصدمة وَلَو وقف فِي الْجَمْرَة وَرمى إِلَى الْجَمْرَة فَلَا بَأْس وَلَو رمى حجرين دفْعَة وَاحِدَة فَلَا يجْزِيه إِلَّا وَاحِدَة وَإِن تلاحقا فِي الْوُقُوع وَلَو أتبع حجرَة حجرَة فيجزئه عَن رميتين وَإِن تساوقا فِي الْوُقُوع وَالْعَاجِز عَن الرَّمْي يَسْتَنِيب إِذا كَانَ عَجزه لَا يَزُول فِي وَقت الرَّمْي كَمَا فِي أصل الْحَج وَلَو أُغمي على المستنيب لم يَنْعَزِل النَّائِب بِخِلَاف الْوَكِيل فِي التَّصَرُّفَات لِأَن عِلّة هَذِه النِّيَابَة الْعَجز فَلَا تضادها زِيَادَة الْعَجز
الطّرف الثَّالِث فِي تدارك الْفَائِت
فَإِن انْقَضى أَيَّام التَّشْرِيق فَلَا قَضَاء إِذْ انْقَطع وَقت الْمَنَاسِك فإذه فَاتَهُ يَوْم النَّفر فَأَرَادَ أَن يقْضِي فِي الْيَوْمَيْنِ بعده فعلى قَوْلَيْنِ أَحدهمَا لَا لِأَن هَذِه عبَادَة غير معقولة فَلَا يتَعَدَّى بهَا عَن موردها وَالثَّانِي يقْضى بِدَلِيل أَن رُعَاة الْإِبِل يقضون فِي
النَّفر الأول مَا فاتهم فِي يَوْم النَّفر ثمَّ هَذَا قَضَاء أَو أَدَاء فِيهِ قَولَانِ فَمن جعله أَدَاء زعم أَن جَمِيع الْأَيَّام وَقت وَإِنَّمَا التَّوْزِيع على الْأَيَّام مُسْتَحبّ وعَلى هَذَا لَا يجوز التَّدَارُك إِلَّا بعد الزَّوَال وَإِن جعل قَضَاء جَازَ قبل الزَّوَال لِأَن الْقَضَاء لَا يتأقت وَقيل إِنَّه لَا يبعد تأقيته ثمَّ يلْزمه رِعَايَة التَّرْتِيب فِي الْمَكَان فَلَو ابْتَدَأَ بالجمرة الْأَخِيرَة فِي الْقَضَاء لم يجزه وَهل يجب تَقْدِيم الْقَضَاء على الْأَدَاء بِالزَّمَانِ فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا يجب كَمَا فِي الْمَكَان وَالثَّانِي لَا يجب كَمَا فِي الصَّلَوَات فَإِن أَوجَبْنَا فَلَو رمى أَربع عشرَة حَصَاة إِلَى الْجَمْرَة الأولى عَن الْيَوْمَيْنِ لم يجزه إِلَّا سَبْعَة عَن الْقَضَاء وَهَذَا فِي أَيَّام التَّشْرِيق أما رمي الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر فَفِي قَضَائِهِ طَرِيقَانِ مِنْهُم من طرد الْقَوْلَيْنِ وَمِنْهُم من منع وَجعل أَيَّام التَّشْرِيق فِيهَا كَغَيْر أَيَّام التَّشْرِيق فِي رمي أَيَّام التَّشْرِيق لِأَنَّهُ جنس
مُنْقَطع عَمَّا بعده فِي الْوَقْت والمقدار ثمَّ مهما ترك الْجَمِيع لزمَه الدَّم وَفِي مِقْدَاره ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا دم وَاحِد للْكُلّ وَالثَّانِي دمان وَاحِد ليَوْم النَّحْر وَوَاحِد لأيام منى وَالثَّالِث أَرْبَعَة دِمَاء لأربعة أَيَّام فَإِن اكتفينا بِدَم وَاحِد كمل الدَّم بوظيفة يَوْم وَاحِد كَمَا لَا يكمل فِي حلق ثَلَاث شَعرَات وَهل يكمل فِيمَا دونه من ترك ثَلَاث حَصَيَات أَو ترك جَمْرَة وَاحِدَة وَفِيه ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يكمل فِي الثَّلَاث وَالثَّانِي لَا يكمل إِلَّا بوظيفة جَمْرَة وَاحِدَة وَالثَّالِث أَنه لَا يكمل فِي أقل من وَظِيفَة يَوْم
الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي طواف الْوَدَاع
إِذا فرغ الْحَاج من الرَّمْي أَيَّام منى وَلم يبْق عَلَيْهِم طواف وَلَا سعي وَتمّ تحللهم وعزموا على الِانْصِرَاف طافوا طواف الْوَدَاع وَفِي كَونه وَاجِبا مجبورا بِالدَّمِ قَولَانِ أَحدهمَا يجب لتطابق الْحلق عَلَيْهِ وَالثَّانِي لَا كطواف الْقدوم وَلَا خلاف فِي أَن من خرج من مَكَّة لَا يلْزمه طواف الْوَدَاع إِلَّا إِذا كَانَ حَاجا وَطواف الْوَدَاع من تَوَابِع الْحَج ثمَّ شَرط إجزائه أَن لَا يعرج على شغل بعده فَلَو اشْتغل بشد الرّحال بعده فَفِيهِ وَجْهَان من حَيْثُ إِنَّه من أَسبَاب الرحيل فَلَا يبعد أَن يكون بعد الْوَدَاع
فرع
لَو ترك طواف الْوَدَاع وَتجَاوز مَسَافَة الْقصر يسْتَقرّ الدَّم وَلَا يُغْنِيه الْعود وَلَو عَاد قبل مَسَافَة الْقصر صَار متداركا وَالْمَرْأَة إِذا حَاضَت فَهِيَ مأذونة فِي النَّفر قبل الْوَدَاع وَلَا دم عَلَيْهَا فَلَو طهرت قبل مَسَافَة الْقصر لم يلْزمهَا الْعود نَص عَلَيْهِ لِأَنَّهَا لم تكن من أهل الْوُجُوب فِي الِابْتِدَاء بِخِلَاف من قصر فِي الْخُرُوج فَإِنَّهُ يلْزمه الْعود قبل مَسَافَة الْقصر وَمِنْهُم من نقل وَخرج وَجعل فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَيْنِ مثارهما أَنه يفوت الْوَدَاع بمجاوزة خطة الْحرم أَو بمجاوزة مَسَافَة الْقصر