الوسيط في المذهبصفحات 55-96
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لم يمْنَع فَلهُ الِاعْتِمَاد على السُّكُوت أما التَّصَرُّف فِي أَرض الشوارع بِنصب دكة أَو غرس شَجَرَة حَيْثُ لَا يضيق على الْمَارَّة فِيهِ وَجْهَان قَالَ القَاضِي الشوارع كالموات فِيمَا عدا الطروق فَلَا يمْنَع إِلَّا مِمَّا يبطل الطروق وَقَالَ آخَرُونَ بل تعين الأَرْض للطروق فَلَا تصرف إِلَى غَيره فالزقاق قد يتضايق فَيُؤَدِّي إِلَى الضَّرَر أما السِّكَّة المنسدة الْأَسْفَل فَهِيَ كالشوارع عِنْد الْعِرَاقِيّين وَهُوَ بعيد إِذْ يلْزم عَلَيْهِ أَن يجوز أَن يفتح إِلَيْهَا بَاب وَإِن لم يكن وَفِيه ضَرَر حَاضر وتجويزه بعيد والمراوزة قَالُوا هُوَ ملك مُشْتَرك بَين السكان وَمن هُوَ فِي أَعلَى السِّكَّة هَل هُوَ شريك فِيمَا دون بَاب دَاره إِلَى أَسْفَل السِّكَّة فِيهِ وَجْهَان من حَيْثُ إِنَّه قد يَدُور فِي جَمِيع السِّكَّة لأغراضه فعلى هَذَا يمْتَنع إِحْدَاث زِيَادَة انْتِفَاع لم تكن إِلَّا برضاء الشُّرَكَاء فَإِن رَضوا فَهُوَ إِعَارَة وَلَهُم الرُّجُوع فَمن فتح بَابا جَدِيدا أَو أشرع جنَاحا فَلِمَنْ تَحْتَهُ الِاعْتِرَاض دبادة وفيمن فَوْقه وَجْهَان

وَلَو سد الْبَاب الْقَدِيم وَفتح بَابا جَدِيدا أقرب إِلَى بَاب الدَّرْب فَلَا منع مِنْهُ وَإِن ترك ذَلِك الْبَاب فَوَجْهَانِ من حَيْثُ إِنَّه قد يجْتَمع الدَّوَابّ وَالنَّاس على الْبَاب الآخر فَكَأَنَّهُ زِيَادَة انْتِفَاع وَكَذَا الْخلاف إِذا فتح إِلَى دَاره بَاب دَار أُخْرَى ملاصقة لَهُ كَانَ بَابهَا إِلَى الشَّارِع فَإِنَّهُ يكَاد يكون زِيَادَة فِي الِانْتِفَاع فَأَما فتح الكوة للاستضاءة فَلَا منع مِنْهُ وَأما الْجِدَار الْحَائِل إِن كَانَ ملك وَاحِد فَلَيْسَ للْآخر التَّصَرُّف فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِن اسْتَأْذن فِي وضع جذع عَلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْإِجَابَة إِن تضرر وَإِن لم يتَضَرَّر فالجديد أَنه لَا يجب وَهُوَ الْقيَاس وَالْقَدِيم وُجُوبه لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر

فَلَا يمنعن جَاره من أَن يضع خَشَبَة على جِدَاره وَلَعَلَّه تَأْكِيد للاستحباب التَّفْرِيع إِذا لم يُوجب فَلَو رَضِي فَهُوَ إِعَارَة فَلَو انْهَدم الْجِدَار فَالظَّاهِر انْفِسَاخ الْإِعَارَة فيفتقر إِلَى إِعَادَتهَا وَإِن رَجَعَ قبل الانهدام فَلهُ ذَلِك وَفَائِدَته التسلط على النَّقْض بِشَرْط أَن يغرم الْأَرْش إِذا بنى بِإِذْنِهِ وَقَالَ القَاضِي فَائِدَته الْمُطَالبَة بِالْأُجْرَةِ فِي الْمُسْتَقْبل فَإِن الطّرف الآخر فِي الْملك الْخَالِص للْمُسْتَعِير فَلَا يُمكنهُ أَن ينقص ذَلِك أما الْجِدَار الْمُشْتَرك فالنظر فِي الِانْتِفَاع وَالْقِسْمَة والعمارة أما الِانْتِفَاع فَلَا يجوز إِلَّا بعد التَّرَاضِي كَسَائِر الْأَمْلَاك الْمُشْتَركَة وَأما الِاسْتِنَاد إِلَيْهِ فَفِي الْمَنْع مِنْهُ تردد لِأَنَّهُ عناد مَحْض أما الْقِسْمَة فجائزة بِالتَّرَاضِي فِي الطول وَالْعرض جَمِيعًا ثمَّ لَا يتَصَرَّف كل وَاحِد بِمَا يضر بِصَاحِبِهِ لِأَن الْأَمْلَاك متلاصقة وَلَا يجْبر على قسْمَة الْجِدَار فِي كل الطول وَنصف الْعرض لِأَنَّهُ لَا يُسَلط على الِانْتِفَاع بِوَضْع الْجُذُوع وَلِأَن الْقرعَة قد تخرج على نقيض المُرَاد

وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب لَا قرعَة بل يتَعَيَّن لكل وَاحِد جَانِبه أما فِي جَمِيع الْعرض وَبَعض الطول فالإجبار عَلَيْهِ يبْنى على الْمَعْنيين فَإِن الِانْتِفَاع يتَعَذَّر للاتصال وَلَكِن الْقرعَة لَا تتعذر أما الأساس فَلَا مَانع من الْإِجْبَار على قسمته إِلَّا أَمر الْقرعَة وَفِي مَذْهَب صَاحب التَّقْرِيب مَا يدْفع عسره أما الْعِمَارَة فَإِذا استرم الْجِدَار فَهَل لأحد الشَّرِيكَيْنِ أَن يجْبر الآخر على الْعِمَارَة فِي قَولَانِ أَحدهمَا وَهُوَ الْقَدِيم بلَى للْمصْلحَة حذارا من تَعْطِيل الْأَمْلَاك والجديد لَا لِأَنَّهُ رُبمَا يتَضَرَّر هُوَ بِصَرْف مَاله إِلَى الْعِمَارَة إِذا كَانَ لَا يتفرغ لَهُ فالضرر متقابل فعلى هَذَا لَيْسَ لَهُ منع الشَّرِيك إِلَّا من الاستبداد بالعمارة لِأَنَّهُ عناد مَحْض وَكَذَا الْخلاف فِي أَن صَاحب الْعُلُوّ هَل لَهُ أَن يجْبر صَاحب السّفل على إِعَادَته ليبني عَلَيْهِ علوه وَلَا خلاف فِي أَن لصَاحب الْعُلُوّ الاستبداد بِبِنَاء السّفل وَإِن كَانَ

متصرفا فِي ملك غَيره دفعا للضَّرَر

فروع ثَلَاثَة

أَحدهَا الْجِدَار الْمُشْتَرك إِن أَعَادَهُ أَحدهمَا فالنقض الْمُشْتَرك عَاد مُشْتَركا وَلَو أعَاد السّفل بِالنَّقْضِ الذى كَانَ عَاد ملكا لصَاحب السّفل فَلَو هَدمه بعد أَن بناه غرم لَهُ لِأَنَّهُ دخل فِي ملكه مَبْنِيا وَلِصَاحِب السّفل أَن ينْتَفع بِهِ وَكَذَا لَو أعَاد صَاحب الْعُلُوّ ينْقض نَفسه فَلَا يمْنَع صَاحب السّفل من السّكُون فِي ملكه وَإِن أحَاط بِهِ جدران غَيره وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب لَهُ أَن يمنعهُ مِنْهُ إِلَى أَن يغرم لَهُ الْقيمَة وَهَذَا يَلِيق بالْقَوْل الْقَدِيم ثمَّ على القَوْل الْقَدِيم لَا يجْبرهُ إِلَّا على الْقدر الذى يُخرجهُ عَن كَونه خرابا ضائعا وللقاضي أَن يستقرض عَلَيْهِ إِن كَانَ غَائِبا فالشريك لَو استبد بالِاتِّفَاقِ دون إِذن القَاضِي فَفِي رُجُوعه ثَلَاثَة أوجه يفرق فِي الثَّالِث بَين أَن لَا يكون فِي الْبَلَد قَاض فَيكون مَعْذُورًا أَو يكون الثَّانِي لَو أعَاد أحد الشَّرِيكَيْنِ لاجدار بِالنَّقْضِ الْمُشْتَرك بِشَرْط أَن يكون

ثلثا الْملك لَهُ فِي النَّقْض جَازَ فَكَأَنَّهُ جعل سدس النَّقْض أُجْرَة لَهُ على عمله وَلَو تعاونا وشرطا التَّفَاوُت قَالَ الْأَصْحَاب لَا يجوز لِأَن النَّقْص متساو وَالْعَمَل متساو وَفِيه وَجه إِذْ لأَحَدهمَا أَن يتَبَرَّع بِالْعَمَلِ على الآخر ويبذل للْآخر على عمله الذى صَادف ملكه عوضا من النَّقْض وكل ذَلِك يجوز بِشَرْط أَن يملك النَّقْض دون الْجِدَار فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى تَعْلِيق الْملك فِي الْعِوَض الثَّالِث من لَهُ حق إِجْرَاء المَاء فِي أَرض الْغَيْر فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعِمَارَة إِذا استرمت الأَرْض وَكَذَا إِن كَانَ من جِهَة المَاء على الظَّاهِر من الْمَذْهَب أما السّقف الْحَائِل بَين الْعُلُوّ والسفل فَلصَاحِب الْعُلُوّ الْجُلُوس عَلَيْهِ وَلِصَاحِب السّفل الاستظلال بِهِ وَإِنَّمَا يتَصَوَّر ذَلِك بِأَن يَبِيع صَاحب السّفل حق الْبناء على سطحه من غَيره فيبني الْغَيْر

وَقَالَ الْمُزنِيّ هَذَا البيع بَاطِل إِذْ لَا مَبِيع وَإِنَّمَا هُوَ إِجَارَة فلبؤقت وَشبه هَذَا بالاعتياض عَن الْجنَاح المشرع فِي دَار الْغَيْر فَإِنَّهُ مَمْنُوع وَالشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ جوز أَن يُبَاع حق الْملك إِذا كَانَ مَقْصُورا كعين الْملك فِي حق الْمَمَر ومجرى المَاء ومسيله وَكَذَلِكَ حق وضع الْجُذُوع

فروع

الأول اخْتلفُوا فِي أَن هَذَا هَل ينْعَقد بِلَفْظ الْإِجَارَة مَعَ مَا فِيهِ من التأييد الثَّانِي يجب عَلَيْهِ أَن يعلم مَوضِع الْبناء وَقدره وَأَن اللبنات فِي الْجِدَار منضدة أَو متجافية الأجواف وَلَا حَاجَة على الْأَظْهر إِلَى ذكر الْوَزْن فَلَو بَاعَ حق الْبناء على الأَرْض فَإِنَّهُ لَا يحْتَاج إِلَى ذكر تنضيد اللبنات أَيْضا لِأَن الأَرْض لَا تتأثر بِهِ الثَّالِث صَاحب السّفل إِذا هدم السّفل غرم لصَاحب الْعُلُوّ حق الْبناء وَلم يَنْفَسِخ لِأَن حكم البيع غَالب على هَذَا العقد فَإِذا أعَاد السّفل اسْتردَّ مَا غرمه إِذْ كَانَ ذَلِك للْحَيْلُولَة

وَكَذَا الْأَجِير يغرم فِي الْحَال مَا يَشْتَرِي بِهِ حق الْبناء ثمَّ يسْتَردّ عِنْد إِعَادَة السّفل

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي التَّنَازُع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه مسَائِل خَمْسَة الأولى إِذا ادّعى رجلَانِ دَارا فِي يَد ثَالِث زعما أَنَّهُمَا شريكان فِيهِ فَصدق أَحدهمَا يساهمه المكذب فِي الْقدر الذى يسلم لَهُ إِن ادّعَيَا عَن جِهَة إِرْث وَإِن ادّعَيَا عَن جِهَة شرائين أَو هبتين أَو جِهَتَيْنِ مختلفتين فَلَا يساهم وَإِن ادّعَيَا عَن جِهَة شِرَاء وَاحِد أَو هبة وَاحِدَة فَوَجْهَانِ أَحدهمَا لَا لِأَن الصَّفْقَة تَتَعَدَّد بِتَعَدُّد المُشْتَرِي وَالثَّانِي بلَى لِأَن العقد اقْتضى الْملك فِي كل جُزْء على الشُّيُوع فعلى هَذَا يلْتَفت مَا إِذا باعا عبدا مُشْتَركا فَأخذ أَحدهمَا نصِيبه من الثّمن هَل يستبد بِهِ أم يُقَال كل جُزْء من الثّمن فَهُوَ مُشْتَرك إِلَى الْقِسْمَة وَلَا خلاف أَن كل جُزْء من النُّجُوم فِي العَبْد الْمُشْتَرك إِذا كُوتِبَ مُشْتَرك لِأَن تَنْجِيز الْعتْق فِي نصيب أَحدهمَا مُضر الآخر الثَّانِيَة ادّعى رجل على رجلَيْنِ دَارا فِي يدهما فَأقر أَحدهمَا ثَبت نصِيبه فَلَو صَالحه على مَال وَأَرَادَ الْمُنكر أَخذه بِالشُّفْعَة فَلهُ ذَلِك إِن تعدد جِهَة ملكيهما وَإِن كَانَ عَن جِهَة إِرْث فَلَا لِأَنَّهُ بإنكاره كذبه فِي أصل الدَّعْوَى فَبَطل الصُّلْح بِزَعْمِهِ وَبَقِي الْملك لشَرِيكه فَهُوَ مؤاخذ بقوله وَفِيه وَجه

الثَّالِثَة إِذا تنَازعا جدارا حَائِلا بَين ملكهمَا فَالظَّاهِر أَنه فِي يدهما فَيحكم بِالشّركَةِ فَلَو اتَّصل طرف الْجِدَار بجدار خَالص لأَحَدهمَا اتِّصَال ترصيف صَار هُوَ صَاحب الْيَد وَكَذَلِكَ لَو كَانَ على خَشَبَة وأصل تِلْكَ الْخَشَبَة دَاخل فِي خَالص ملك أَحدهمَا وَلَو كَانَ لأَحَدهمَا عَلَيْهِ جُذُوع لم تكن الْيَد لَهُ خلافًا لأبي حنيفَة لِأَنَّهُ اخْتِصَاص بِزِيَادَة انْتِفَاع فضاهى مَا لَو تنَازعا دَارا وهما فِيهَا ولأحدهما فِيهَا أقمشة وَلَيْسَ كَمَا لَو تنَازعا دَابَّة أَحدهمَا آخذ بِلِجَامِهَا وَالْآخر رَاكب فَإِنَّهَا فِي يَد الرَّاكِب إِذْ لَيْسَ ثمَّ عَلامَة ظَاهِرَة للاشتراك وَهَاهُنَا كَون الْجِدَار حَائِلا عَلامَة ظَاهِرَة للاشتراك فَلَا يُغير إِلَّا بِسَبَب ظَاهر وَكَذَلِكَ لَو كَانَ معاقد القمط أَو الطاقات الْمرتبَة أَو الْأَطْرَاف الصَّحِيحَة من اللبنات فِي أحد الْجَانِبَيْنِ فَلَا مبالاة بشئ من ذَلِك فرع لَو شهِدت بَيِّنَة لأَحَدهمَا بِملك الْجِدَار وتنازعا فِي الأس فالمشهود لَهُ صَار صَاحب الْيَد فِي الأس إِذْ لَيْسَ الأس حَائِلا بَين الْملكَيْنِ حَتَّى يُقَال الِاشْتِرَاك فِيهِ ظَاهر بِخِلَاف الْجِدَار إِذا كَانَ عَلَيْهِ جذع الرَّابِعَة تنَازع صَاحب الْعُلُوّ والسفل فِي السّقف فَهُوَ بَينهمَا لِأَنَّهُ حَائِل بَين ملكيهما وَهُوَ لأَحَدهمَا أَرض وَللْآخر سَمَاء وَذَلِكَ إِذا كَانَ يُمكن إحداثه بعد بِنَاء الْعُلُوّ بِوَضْع أَطْرَاف الْجُذُوع عَلَيْهِ فِي

ثقبة الْجِدَار فَإِن لم يُمكن إِلَّا قبل بِنَاء الْعُلُوّ فَهُوَ مُتَّصِل بالسفل اتِّصَال ترصيف فاليد لصَاحب السّفل ثمَّ إِذا قضينا بالاشتراك فَفِي جَوَاز التَّعْلِيق لصَاحب السّفل مِنْهُ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا الْجَوَاز مُكَافَأَة لصَاحب الْعُلُوّ فَإِنَّهُ يستبد بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ وَالثَّانِي الْمَنْع لِأَن ذَلِك الْقدر ضَرُورَة فِي حَقه وَالثَّالِث أَنه إِذا افْتقر إِلَى شقّ السّقف بوتد لم يجز وَإِلَّا جَازَ لَهُ ذَلِك فَإِنَّهُ حَقِيقَة الْمُكَافَأَة على التَّسَاوِي الْخَامِسَة إِذا كَانَ علو الخان لوَاحِد وسفله لآخر وتنازعا فِي الْعَرَصَة فَإِن كَانَ المرقي فِي أَسْفَل الخان فالعرصة فِي يدهما وَإِن كَانَ فِي وَسطه فالعرصة إِلَى المرقى فِي يدهما وَمَا تَحْتَهُ فِيهِ وَجْهَان وَكَذَا لَو كَانَ فِي الدهليز أما إِذا كَانَ خَارِجا فالعرصة فِي يَد صَاحب السّفل وَلَو تنَازعا فِي نفس المرقى فَهُوَ فِي يَد صَاحب الْعُلُوّ إِلَّا إِذا كَانَ تَحْتَهُ بَيت لصَاحب السّفل ينْتَفع بِهِ فَهُوَ سقف لَهُ كَمَا أَنه مرقى لصَاحب الْعُلُوّ فَهُوَ فِي يدهما

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي أَرْكَان الِاسْتِحْقَاق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهى ثَلَاثَة الْمَأْخُوذ والآخذ والمأخوذ مِنْهُ

الرُّكْن الأول الْمَأْخُوذ

وَهُوَ كل عقار يجْبر فِيهِ على الْقِسْمَة أما قَوْلنَا عقارا احترزنا بِهِ عَن المنقولات فَلَا شُفْعَة فِيهَا إِذْ لَا يتأبد الضرار فِيهَا فَلم تكن فِي معنى الْعقار نعم يستتبع الْعقار الجدران وَالْأَشْجَار لاتصالها بهَا على التَّأْبِيد وَلَا يتَعَلَّق حق الشَّفِيع بالثمار المؤبرة وَسَوَاء تأبرت بعد العقد أَو حَال العقد مهما كَانَت مؤبرة عِنْد الْآخِذ وَإِن لم تكن مؤبرة فَقَوْلَانِ سَوَاء كَانَت مَوْجُودَة حَالَة العقد أَو وجدت بعده إِذا بقيت عِنْد الْآخِذ غير مؤبرة أَحدهمَا يَأْخُذهُ الشَّفِيع لِأَن مَا يتبع فِي العقد يتبع فِي الشُّفْعَة كأغصان الشّجر وَالثَّانِي لَا لِأَن الأغصان تبقى فِي معنى الثوابت بِخِلَاف الثِّمَار وَأما قَوْلنَا يجْبر فِيهِ على الْقِسْمَة احترزنا بِهِ عَن الْحمام والطاحونة والبئر الَّتِى يسقى بهَا النَّوَاضِح إِذا كَانَت صَغِيرَة فَلَا شُفْعَة فِيهَا إِذْ لَيْسَ فِيهَا ضرار مُؤنَة الْقِسْمَة وتضييق الْمرَافِق وَهُوَ منَاط الشُّفْعَة ولأجله لم تثبت للْجَار

وَقَالَ ابْن سُرَيج تثبت فِيهِ الشُّفْعَة لِضِرَار المداخلة على التَّأْبِيد ونعني بالمنقسم مَا تبقى منفعَته بعد الْقِسْمَة وَلَو على تضايق فَيبقى حَماما فِيهِ وطاحونة وَقيل الْمَعْنى أَن يبْقى فِيهِ مَنْفَعَة مَا وَلَو للسكون وَقيل أَن تبقى تِلْكَ الْمَنْفَعَة من غير تضايق كَالدَّارِ الفيحاء وعرصة الأَرْض والوجهان بعيدان

فروع ثَلَاثَة

أَحدهَا من لَهُ فِي الدَّار الصَّغِيرَة عشرهَا لَيْسَ لَهُ إِجْبَار صَاحبه على الْقِسْمَة لِأَنَّهُ تعنت من غير فَائِدَة فَلَا يجْبر صَاحب الْعشْر على الْقِسْمَة وَلِصَاحِب الْكثير غَرَض فِيهِ وَجْهَان فَإِن منع فَلَا شُفْعَة من الْجَانِبَيْنِ الثَّانِي الْأَشْجَار إِذا بِيعَتْ مَعَ قَرَارهَا دون الْبيَاض المتحلل بَينهمَا فِي ثُبُوت الشُّفْعَة للشَّرِيك فِيهَا وَكَذَا الْجِدَار العريض إِذا بيع مَعَ الأس وَجْهَان أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ بيع مَعَ الأَرْض فَصَارَ كالبائع وَالدَّار

وَالثَّانِي لَا لِأَن الأَرْض فِيهِ تبع والمتبوع مَنْقُول وَالْعبْرَة للمتبوع لَا للتابع الثَّالِث دَار سفلها لوَاحِد وعلوها مُشْتَرك إِن كَانَ السّقف لصَاحب السّفل فَلَا شُفْعَة فِي الْعُلُوّ لِأَنَّهُ لَا أَرض لَهُ فَلَا ثبات وَإِن كَانَ السّقف لشركاء الْعُلُوّ فَوَجْهَانِ وَوجه الْمَنْع أَنه لَا أَرض لَهُ والسقف لَا ثبات لَهُ

الرُّكْن الثَّانِي الْآخِذ

وَتثبت الشُّفْعَة لكل شريك فِي الدَّار وَإِن كَانَ كَافِرًا إِلَّا إِذا كَانَت شركته بِالْوَقْفِ فَإِن قُلْنَا لَا يملكهُ الْمَوْقُوف فَلَا شُفْعَة وَإِن قُلْنَا يملك فَوَجْهَانِ مبنيان على أَنه هَل يقسم الْوَقْف وَالْملك وَلَا تثبت للْجَار وَإِن كَانَ ملاصقا وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يثبت للْجَار ووإن لم يكن شَرِيكا وَقيل للشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ قَول مثله وَحكي عَن ابْن سُرَيج وَهُوَ غير صَحِيح نعم لَو قضى حَنَفِيّ لشفعوي بِهِ فَهَل يحل لَهُ بَاطِنا فِيهِ وَجْهَان

فرع

الشَّرِيك فِي الْمَمَر إِذا لم يكن شَرِيكا فِي الدَّار لَا شُفْعَة لَهُ فِي الدَّار

وَإِذا بيع الْمَمَر وَهُوَ مَمْلُوك منسد الْأَسْفَل فَإِن لم يقبل الْقِسْمَة أَي لَا يصلح للممر بعد الْقِسْمَة فَلَا شُفْعَة على الْمَذْهَب وَإِن كَانَ يَنْقَسِم نظر فَإِن كَانَ للْمُشْتَرِي فِي غير الْمَأْخُوذ طَرِيق آخر إِلَى دَاره سوى الْمَمَر ثبتَتْ الشُّفْعَة وَإِن لم يكن فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا لَا لِأَن فِيهِ ضَرَرا بالمشتري فِي غير الْمَأْخُوذ بِالشُّفْعَة وَالثَّانِي أَنه يثبت لِأَن حق الْمَمَر تَابع وَالثَّالِث أَنه إِن أَرَادَ الْأَخْذ وَجب لَهُ تَجْوِيز الِاخْتِيَار للْمُشْتَرِي جمعا بَين الْحَقَّيْنِ وَإِن أَبى ذَلِك فَلَا شُفْعَة لَهُ

الرُّكْن الثَّالِث الْمَأْخُوذ مِنْهُ

وَهُوَ كل من اسْتَفَادَ الْملك اللَّازِم بمعاوضة فِي الشّقص الْمشَاع أما الْمُعَاوضَة فقد احترزنا بهَا عَن الْهِبَة فَلَا شُفْعَة فِيهَا كَمَا فِي الْإِرْث لِأَنَّهُ لَا عوض حَتَّى يُؤْخَذ بِهِ وَقَالَ مَالك رَحمَه الله يُؤْخَذ بِقِيمَتِه وحوينا فِيهِ الشّقص إِذا جعل أُجْرَة فِي إِجَارَة أَو صَدَاقا فِي نِكَاح أَو عوضا فِي خلع أَو كِتَابَة أَو صلح عَن دم أَو مُتْعَة فَيُؤْخَذ بِالشُّفْعَة بِقِيمَة مُقَابِله فَإِن الشَّرْع قد قوم جَمِيع ذَلِك وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يُؤْخَذ إِلَّا الْمَبِيع وَقَوْلنَا بمعاوضة احترزنا بِهِ عَن الْملك الْعَائِد بالإقالة وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذ بِالشُّفْعَة كَمَا إِذْ أسقط الشَّفِيع حَتَّى بَاعَ المُشْتَرِي وَعَاد إِلَيْهِ بإقالة فَلَا يَتَجَدَّد الْحق لِأَن الْعَائِد هُوَ ملك المُشْتَرِي بذلك الشِّرَاء فَلَيْسَ حَاصِلا بِخُرُوج

الثّمن عَن ملكه على طَرِيق الرَّد وَقَوْلنَا لَازم احترزنا بِهِ عَن الْمَبِيع فِي زمَان الْخِيَار إِذا كَانَ الْخِيَار للْبَائِع لم يُؤْخَذ إِذْ لَا سَبِيل إِلَى البَائِع للشَّفِيع وَإِن كَانَ للْمُشْتَرِي وَحده فطريقان أَحدهمَا أَنه لَا يُؤْخَذ لِأَن العقد لم يسْتَقرّ بعد وَرُبمَا قُلْنَا لَا ملك لَهُ وَالثَّانِي أَنه يخرج على الْقَوْلَيْنِ فِي أَنه لَو وجد بِهِ عَيْبا فَهُوَ أولى بِالرَّدِّ على البَائِع أَو الشَّفِيع بِالْأَخْذِ فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا الشَّفِيع أولى لِأَن حَقه ثَابت بِالْعقدِ وَلَا ضَرَر عله إِذا سلم لَهُ كَمَال الثّمن وَالثَّانِي المُشْتَرِي أولى إِذْ لَا يحِق للشَّفِيع إِلَّا بعد العقد وَرُبمَا يكون للْمُشْتَرِي غَرَض فِي عين ثمنه فَإِن قُلْنَا الشَّفِيع أولى فَلَو حضر بعد الرَّد فَفِي رده الرَّد وَجْهَان فَإِن قُلْنَا يرد فَهُوَ بطرِيق تبين الْبطلَان أَو بطرِيق الْإِنْشَاء فِي الْحَال فِيهِ وَجْهَان وَيقرب من هَذَا أَن الشّقص الْمَشْفُوع إِذا كَانَ صَادِقا وهم الشَّفِيع بِأَخْذِهِ

فَطلق الزَّوْج قبل الْمَسِيس قَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي الزَّوْج أولى لِأَن سَببه سَابق وَقَالَ ابْن الْحداد لَو أفلس مُشْتَرِي الْمَشْفُوع بِالثّمن فالشفيع أولى بِالْأَخْذِ من البَائِع بِالرُّجُوعِ فَقَالَ الْأَصْحَاب هما جوابان متناقضان فَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِلشَّيْخَيْنِ وَجْهَان فَإِن قُلْنَا فِي مَسْأَلَة الإفلاس الشَّفِيع أولى فالبائع هَل يخْتَص بِالثّمن فِيهِ وَجْهَان وَاخْتِيَار ابْن الْحداد أَنه يضارب لِأَن حَقه قد بَطل

فروع عشرَة

الأول إِذا اشْترى ذمِّي شِقْصا مشفوعا من ذمِّي بِخَمْر وَفِيه لمُسلم أَو ذمِّي شركَة فَلَا يحكم بِالشُّفْعَة لِأَن الشِّرَاء الْفَاسِد لَا يُفِيد الْملك فملكه قَائِم وَلَو أَخذ الذِّمِّيّ ثمن خمر وَسلمهُ عَن الْجِزْيَة لم نقبله إِذا رَأينَا ذَلِك وَإِن لم نره واعترف بِهِ فَفِيهِ وَجْهَان وَوجه الْجَوَاز أَنه لَا اعْتِمَاد على قَوْلهم الثَّانِي سلم العَبْد عَن نُجُوم الْكِتَابَة شِقْصا ثمَّ رد إِلَى الرّقّ فَفِي بطلَان حق الشُّفْعَة وَجْهَان من حَيْثُ إِنَّه كَانَ عوضا أَولا ثمَّ خرج عَن كَونه عوضا الثَّالِث أوصى لمستولدته بشقص إِن خدمت أَوْلَاده شهرا فَفِي الشُّفْعَة

وَجْهَان لِأَنَّهُ مردد بَين الْوَصِيَّة والمعاوضة الرَّابِع العَبْد الْمَأْذُون لَهُ الْأَخْذ بِالشُّفْعَة إِن كَانَ شَرِيكا لِأَنَّهُ من التِّجَارَة وَإِن عَفا لم يسْقط حق سَيّده وَإِن عَفا سَيّده لم يكن لَهُ الْأَخْذ وَإِن كَانَ بعد إحاطة الدُّيُون بِهِ الْخَامِس الْوَصِيّ إِن اشْترى للطفل شِقْصا وَهُوَ شريك فَلهُ أَخذه وَإِن بَاعَ فَأخذ من المُشْتَرِي لم يجز لِأَنَّهُ مُتَّهم فِيهِ فَكَأَنَّهُ يَبِيعهُ من نَفسه وَللْأَب ذَلِك لِأَنَّهُ يَبِيع من نَفسه فَهَذَا لَا يزِيد عَلَيْهِ وَقيل إِنَّه يحْتَمل التجويز فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِأَن الْغِبْطَة لَا تخفى وَالْوَكِيل بِالْبيعِ هَل يَأْخُذ مَا بَاعَ بِالشُّفْعَة فِيهِ وَجْهَان وَوجه الْمَنْع التُّهْمَة وَالأَصَح الْجَوَاز السَّادِس يجب على الْأَب أَن يَأْخُذ بِالشُّفْعَة لطفله إِذا كَانَ فِيهِ مصلحَة فَإِن لم يَفْعَله فعله القَاضِي فَإِن أسقط الْأَب الشُّفْعَة كَانَ للصَّبِيّ الطّلب بعد الْبلُوغ وَإِن بيع بشئ فِيهِ غِبْطَة للصَّبِيّ فَفِي وجوب الشِّرَاء وَجْهَان

وَالْفرق أَن الشُّفْعَة تثبت وَفِي الإهمال تَفْوِيت والتفويت مُمْتَنع وَإِن لم يكن الِاكْتِسَاب وَاجِبا السَّابِع إِذا كَانَ المُشْتَرِي أحد الشُّرَكَاء فِي الدَّار فَلَا يُؤْخَذ الْجَمِيع مِنْهُ بل يتْرك عَلَيْهِ مَا كَانَ يَخُصُّهُ لَو لم يكن مُشْتَريا وَقَالَ ابْن سُرَيج يُؤْخَذ الْكل لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَن يَأْخُذهُ بِالشُّفْعَة من نَفسه وَهُوَ محَال وَالشِّرَاء لَا يُوجب ملكا لَازِما فِي الْمَشْفُوع فليؤخذ وَالْمذهب الأول الثَّامِن حكى الْقفال عَن ابْن سُرَيج أَنه قَالَ أَن عَامل الْقَرَاض إِذا اشْترى بِمَال الْقَرَاض شِقْصا للْمَالِك فِيهِ شركَة فَلهُ الْأَخْذ ثمَّ أنكر الْقفال وَقَالَ كَيفَ يَأْخُذ ملك نَفسه وَفِيه احْتِمَال من حَيْثُ إِن الْعَامِل يسْتَحق بَيْعه لينض المَال وَفِي ذَلِك إِضْرَار بِهِ فَلهُ دفع هَذَا الضَّرَر كَمَا لَهُ دفع ضَرَر أصل الْملك التَّاسِع إِذا بَاعَ الْمَرِيض شِقْصا يُسَاوِي أَلفَيْنِ بِأَلف من أَجْنَبِي وَثلث مَاله واف بِهِ وَلَكِن الشَّفِيع وَارِث فَلَو أَخذه لوصلت الْمُحَابَاة إِلَيْهِ ولصار ذَلِك ذَرِيعَة فَفِيهِ خَمْسَة أوجه أَحدهمَا يَصح وَلَا يثبت الشُّفْعَة حذارا من وُصُول الْمُحَابَاة وَالشُّفْعَة على

الْجُمْلَة تسْقط بأعذار فَهَذَا من جُمْلَتهَا وَالثَّانِي يَصح وَتثبت الشُّفْعَة وَتَكون الْمُحَابَاة من الْمَرِيض مَعَ الْأَجْنَبِيّ لَا مَعَ الْوَارِث وحسم الْحِيَل غير مُمكن وَالثَّالِث لَا يَصح البيع إِذا لَو صَحَّ لاستحال نفي الشُّفْعَة واستحال إِثْبَاتهَا أَيْضا وَمَا أدّى إِلَى محَال فَهُوَ محَال وَالرَّابِع أَن هَذِه الإحالة فِي النّصْف فَيصح البيع على النّصْف بِأَلف وَتبطل فِي الْبَاقِي وَالْخَامِس أَن الإحالة فِي حق الشَّفِيع فَيَأْخُذ النّصْف بِأَلف وَيتْرك الْبَاقِي على المُشْتَرِي الْعَاشِر تساوق رجلَانِ إِلَى مجْلِس الحكم وهما شريكان فِي دَار يزْعم كل وَاحِد مِنْهُمَا أَنه السَّابِق فِي الشِّرَاء وَأَنه يسْتَحق نصيب الآخر بِالشُّفْعَة فَيعرض الْيَمين عَلَيْهِم فَإِن تحَالفا أَو تناكلا تساقط قَوْلهمَا وَإِن حلف أَحدهمَا أَخذ نصيب الآخر وَإِن أَقَامَ كل وَاحِد بَيِّنَة نظر إِلَى التَّارِيخ فَإِن أرخا بِيَوْم وَاحِد فَوَجْهَانِ أَحدهمَا يتساقطان فَكَأَن لَا بَيِّنَة على الآخر لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة الثَّانِي أَنه يحكم بهما وَيقدر جَرَيَان الْعقْدَيْنِ مَعًا فَلَا شُفْعَة لأَحَدهمَا على الآخر إِذْ لَيْسَ أَحدهمَا قَدِيما بِالْإِضَافَة إِلَى الآخر

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الْأَخْذ وَحكم الْمَأْخُوذ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول

الْفَصْل الأول فِيمَا يحصل بِهِ الْملك

وَلَا بُد من رضَا الشَّفِيع فَإِنَّهُ غير مجبر وَلَا يشْتَرط رضَا المُشْتَرِي فَإِنَّهُ مقهور وَلَا يَكْفِي قَول الشَّفِيع أخذت وتملكت وَأَنا طَالب بل يحصل الْملك بأمرين أَحدهمَا بذل الثّمن وَالْآخر تَسْلِيم المُشْتَرِي الشّقص إِلَيْهِ رَاضِيا بِذِمَّتِهِ فَإِن وجد الرِّضَا دون تَسْلِيم الشّقص وَالثمن فَوَجْهَانِ أَحدهمَا يحصل لِأَنَّهُ مُعَاوضَة فَبعد التَّرَاضِي لَا يشْتَرط الْقَبْض وَالثَّانِي لَا إِذْ لَا عِبْرَة بِرِضا المُشْتَرِي وَهُوَ مقهور فَلَا بُد من أَمر زَائِد وَهُوَ تَسْلِيم الشّقص أَو أَخذ الثّمن وَلَو رفع الشَّفِيع الْأَمر إِلَى القَاضِي وَطلب وَقضى لَهُ القَاضِي فَفِي حُصُول الْملك وَجْهَان وَلَو أشهد على الطّلب وَلم يقْض القَاضِي فَوَجْهَانِ مرتبان وَأولى بِأَن لَا يحصل ثمَّ إِن

قصر فِي تَسْلِيم الثّمن بَطل ملكه بطرِيق التبين لَهُ أم بطرِيق الِانْقِطَاع فِيهِ وَجْهَان هَذَا إِن رَضِي المُشْتَرِي فَإِن أَبى إِلَّا أَخذ الثّمن فَهَل يبْقى خِيَار الشَّفِيع إِلَى أَن يسلم الثّمن فِيهِ وَجْهَان وَالْأَظْهَر أَن الْملك لَا يحصل بِالْقضَاءِ وَالْإِشْهَاد وَإِن حصل فَلَا يبْقى الْخِيَار وَيمْتَنع التَّصَرُّف على المُشْتَرِي وَفَاء بتحصيل الْملك وعَلى الْأَحْوَال كلهَا فَلِلْمُشْتَرِي حبس الشّقص إِلَى تَسْلِيم الثّمن بِخِلَاف البَائِع فَإِن فِيهِ أقوالا لِأَنَّهُ رَضِي بِزَوَال الْملك

فرع

هَل تلتحق مُعَاوضَة الشَّفِيع بِالْبيعِ فِي ثُبُوت خِيَار الْمجْلس من جَانب الشَّفِيع بعد التَّمَلُّك فِيهِ وَجْهَان ذكرناهما فِي أول البيع وَوجه الْفرق أَن إِثْبَات خِيَار الْمجْلس من أحد الْجَانِبَيْنِ بعيد وَلَا خلاف فِي أَن خِيَار الشَّرْط لَا يثبت وَكَذَا الْخلاف فِي أَن تصرف الشَّفِيع قبل الْقَبْض وَبعد التَّمَلُّك هَل ينفذ وَوجه الْفرق أَن ملك الشُّفْعَة كَأَنَّهُ ملك بِنَاء قهري يضاهي الْإِرْث بِخِلَاف البيع وَكَذَا ثُبُوت الْملك بِالشُّفْعَة فِيمَا لم ير فِيهِ خلاف مُرَتّب على البيع وَأولى بالثبوت فَإِن أثبتنا الْملك فَلهُ الْخِيَار عِنْد الرُّؤْيَة وَللْمُشْتَرِي الِامْتِنَاع عَن قبُول الثّمن إِلَى أَن يرَاهُ الشَّفِيع فَإِنَّهُ لَا يَثِق بِالتَّصَرُّفِ فِي الثّمن

الْفَصْل الثَّانِي فِيمَا يبْذل من الثّمن

وَفِيه مسَائِل الأولى أَن الشَّفِيع يَأْخُذ الشّقص بِمَا بذله المُشْتَرِي إِن كَانَ مثلِيا فبمثله وَإِن كَانَ مُتَقَوّما فبقيمته يَوْم العقد ليجبر مَا فَاتَ عَلَيْهِ إِذا أَخذ مَا حصل لَهُ وَإِذا كَانَ الثّمن مائَة منا من الْحِنْطَة قَالَ الْقفال وَالْأَئِمَّة يُكَال وَيسلم مثله كَيْلا فَإِن الْمُمَاثلَة فِي الربويات بمعيار الشَّرْع وطردوا هَذَا فِي إقراض الْحِنْطَة بِالْوَزْنِ ومنعوه وَقَالَ القَاضِي يَكْفِي الْوَزْن فِي مَسْأَلَتنَا إِذْ المبذور فِي مُقَابلَة الشّقص وَقدر الثّمن معياره لَا عوضه وَكَذَا فِي الْقَرْض فَإِنَّهُ لَو كَانَ مُعَاوضَة لشرط التَّقَابُض فِي الْمجْلس الثَّانِيَة اشْترى شِقْصا بِأَلف إِلَى سنة فَثَلَاثَة أَقْوَال الْجَدِيد وَهُوَ الْأَصَح أَن الشَّفِيع يتَخَيَّر بَين أَن يعجل الْألف وَيَأْخُذ أَو يُؤَخر إِلَى حُلُول الْأَجَل فَيَأْخُذ وَيسلم بعد الْحُلُول إِذْ إِثْبَات الْأَجَل عَلَيْهِ يضر بالمشتري فَإِنَّهُ قد لَا يرضى بِذِمَّتِهِ وعَلى هَذَا إِن أخر وَأشْهد على الطّلب لم تبطل شفعته وَإِن لم يشْهد فَوَجْهَانِ وَوجه بَقَاء الشُّفْعَة أَنه مَعْذُور وَلَو مَاتَ المُشْتَرِي وَحل عَلَيْهِ الدّين لم يحل على الشَّفِيع لِأَنَّهُ حَيّ فَهُوَ كضامن لدين مُؤَجل مَاتَ الْمَضْمُون عَنهُ

وَالْقَوْل الثَّانِي حَكَاهُ حَرْمَلَة أَنه يملك الشَّفِيع بِثمن فِي ذمَّته مُؤَجل كَمَا لَو ملكه المُشْتَرِي ثمَّ إِن كَانَ مَلِيًّا أَو كَانَ لَهُ كَفِيل سلم إِلَيْهِ الشّقص وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَمن الْأَصْحَاب من لم يشْتَرط الْكَفِيل واليسار وَقَالَ هُوَ كالمشتري الثَّالِث حَكَاهُ ابْن سُرَيج أَن الشَّفِيع يَأْخُذ فِي الْحَال بعوض يُسَاوِي ألفا إِلَى أجل إِذْ التَّأْخِير إِضْرَار وتكليفه النَّقْد إِضْرَار وتنقيص النَّقْد عَن الْمبلغ وُقُوع فِي الرِّبَا فَهَذَا هُوَ الْأَقْرَب الثَّالِثَة إِذا اشْترى شِقْصا وسيفا بِأَلف وَقِيمَة السَّيْف مائَة وَقِيمَة الشّقص مِائَتَان أَخذ الشّقص بِثُلثي الْألف وَترك السَّيْف بِالْبَاقِي ثمَّ لم يكن للْمُشْتَرِي خِيَار التَّبْعِيض لِأَنَّهُ دخل على بَصِيرَة من الْأَمر وَلَو انْهَدم الدَّار قبل الْأَخْذ نقل الْمُزنِيّ أَنه يَأْخُذ بِكُل الثّمن وَنقل

الرّبيع أَنه يَأْخُذ بِحِصَّتِهِ فَاخْتلف طرق الْأَصْحَاب فِي تَنْزِيل النصين وَالْأَقْرَب من جملَة ذَلِك أَنه إِن ارتجت الدَّار وَلم ينْفَصل مِنْهَا شئ فَهُوَ عيب مَحْض فَيَأْخُذ بِكُل الثّمن كَمَا يَأْخُذ المُشْتَرِي الْمَبِيع قبل الْقَبْض إِذا تعيب وَإِن انْهَدم نظر فَإِن فَاتَ بعض الْعَرَصَة بسيل يَغْشَاهُ مَعَ بعض الْبناء أَخذ الْبَاقِي يحصته فَإِن كَانَ جَمِيع الْعَرَصَة بَاقِيَة نظر فَإِن تلف بعض النَّقْض فيبني على أَن السقوف من الدَّار كَالْيَدِ من العَبْد أَو كَأحد الْعَبْدَيْنِ فِي مُقَابلَته بِقسْطِهِ من الثّمن فِيهِ قَولَانِ فَإِن قُلْنَا كَالْيَدِ فَهَذَا تعيب فَيَأْخُذ بِالْكُلِّ كَمَا قَالَه الْمُزنِيّ وَإِن قُلْنَا كَأحد الْعَبْدَيْنِ فَيَأْخُذ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ وَإِن كَانَ النَّقْض قَائِما فقد صَار مَنْقُولًا فِي الدَّوَام وَلَا شُفْعَة فِي الْمَنْقُول فَفِي بَقَائِهِ فِي الِاسْتِصْحَاب قَولَانِ ذكرناهما وَيدل عَلَيْهِمَا هَذِه النُّصُوص فَإِن قُلْنَا يُؤْخَذ النَّقْض فَيُؤْخَذ الْجَمِيع بِكُل الثّمن إِذْ يبْقى الانهدام عَيْبا مَحْضا وَإِن قُلْنَا لَا يُؤْخَذ النَّقْض وجعلناه كَأحد الْعَبْدَيْنِ أَخذ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ وَإِن قُلْنَا إِنَّه كَالْيَدِ احْتمل الْقَوْلَيْنِ إِذْ يبعد أَن يفوز المُشْتَرِي بشئ مجَّانا

وَكَذَا الْخلاف لَو تلف النَّقْض بجنابة أَجْنَبِي وَحصل الْغرم للْمُشْتَرِي الرَّابِعَة إِذا اشْترى الشّقص بِأَلف ثمَّ انحطت مائَة فللحط أَرْبَعَة أَسبَاب الأول أَن يكون ببإبراء البَائِع فَإِن كَانَ بعد اللُّزُوم فَهُوَ مُسَامَحَة مَعَ المُشْتَرِي لَا يلْحق الشَّفِيع خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله وَإِن كَانَ فِي زمَان الْخِيَار فَالْأَظْهر أَنه يلْحقهُ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يَنْبَنِي على أَقْوَال الْملك فَإِن قُلْنَا الْخِيَار لَا يمْنَع الْملك فَيصح الْإِبْرَاء وَفِي اللحوق بِالْعقدِ وَالشَّفِيع وَجْهَان وَإِن قُلْنَا يمْنَع الْملك فَلم يسْتَحق البَائِع الثّمن فَفِي نُفُوذ الْإِبْرَاء خلاف فَإِن صَحَّ فَيلْحق الشَّفِيع وَالأَصَح صِحَة الْإِبْرَاء واللحوق لِأَنَّهُ يُمكنهُ فِي الِابْتِدَاء أَن تصير الزِّيَادَة وَسِيلَة إِلَى دفع الشُّفْعَة فَيُبَاع بأضعاف الثّمن وَيبرأ فِي الْمجْلس السَّبَب الثَّانِي أَن يجد البَائِع بِالثّمن عَيْبا فَإِن كَانَ الثّمن عبدا فَإِن رده قبل أَخذ الشَّفِيع فَهُوَ أولى أم الشَّفِيع فِيهِ قَولَانِ

مرتبان على المُشْتَرِي إِذا أَرَادَ رد الشّقص بِالْعَيْبِ وَالْأولَى هَاهُنَا تَقْدِيم البَائِع فَإِنَّهُ لَا حق للشَّفِيع عَلَيْهِ وَلم يسلم لَهُ العَبْد وَإِن وجد الْعَيْب بعد أَخذ الشَّفِيع فَالصَّحِيح أَن الشُّفْعَة لَا تنقض وَلَكِن يرد العَبْد وَيرجع إِلَى قيمَة الشّقص فَإِن كَانَ تِسْعمائَة أَو كَانَ ألفا وَمِائَة فَهَل يجْرِي التراجع من الشَّفِيع وَالْمُشْتَرِي بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَن الشُّفْعَة بِنَاء على العقد وَهَذَا أَمر حَادث وَالثَّانِي نعم يرجع الشَّفِيع على المُشْتَرِي إِن نقص وَالْمُشْتَرِي على الشَّفِيع إِن زَاد إِذْ صَار هَذَا مقَام الشّقص بِهِ على الْمُشْتَرى السَّبَب الثَّالِث الْمَسْأَلَة بِحَالِهَا وَقد طَرَأَ على العَبْد عيب حَادث منع الرَّد فطالب البَائِع المُشْتَرِي بِالْأَرْشِ فقد اسْتمرّ بِمِقْدَار الثّمن فَإِن رَضِي بِالْعَيْبِ فَهَل يقْتَصر من الشَّفِيع بِقِيمَة الْمَعِيب فِيهِ وَجْهَان من

حَيْثُ إِنَّه قد يظنّ أَن هَذِه مُسَامَحَة مَعَ المُشْتَرِي على الْخُصُوص السَّبَب الرَّابِع أَن يجد المُشْتَرِي عَيْبا بالشقص فَإِن كَانَ بعد أَخذ الشَّفِيع فَلَا رد لَهُ وَلَا أرش لِأَنَّهُ روج على غَيره كَمَا روج عَلَيْهِ إِلَّا أَن يرد الشَّفِيع عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَعِنْدَ ذَلِك لَهُ الرَّد على البَائِع فَإِن وجد الْعَيْب قبل أَخذ الشَّفِيع وَقد حدث بِهِ عيب مَانع فاسترد الْأَرْش فَهَذَا يلْحق الشَّفِيع قطعا لِأَنَّهُ مُوجب العقد فِي عين الشّقص وَلَو تصالحا على عوض وَصحح الصُّلْح فَفِي لُحُوق ذَلِك بالشفيع وَجْهَان إِذْ قد يظنّ أَنه عوض عَن حق الْخِيَار الْخَامِسَة إِذا اشْترى بكف من الدَّرَاهِم مَجْهُولَة الْمِقْدَار نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على سُقُوط الشُّفْعَة إِذْ الْأَخْذ بِالْمَجْهُولِ غير مُمكن نعم لَو ادّعى على المُشْتَرِي الْعلم بِهِ فَيحلف على نفي الْعلم وَقَالَ ابْن سُرَيج لَا تسْقط الشُّفْعَة بل يعين الشَّفِيع قدرا وَيحلف الْمُشْتَرى عَلَيْهِ فَإِن أصر على قَوْله لَا أعرف جعل ناكلا وَحلف الشَّفِيع فَإِن حلف على مِقْدَار يظنّ أَنه صدق فِيهِ فقد اسْتحق

وَإِن حلف المُشْتَرِي على أَن مَا عينه الشَّفِيع هُوَ دون مَا اشْتَرَاهُ بِهِ وَلكنه لَا يدْرِي قدر الزِّيَادَة فَيُقَال للشَّفِيع زد وادع إِلَى أَن يحلف المُشْتَرِي أَو ينكل وَهُوَ كَمَا لَو ادّعى ألفا على إِنْسَان دينا فَقَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ لَا أَدْرِي مِقْدَاره فَإِنَّهُ لَا يسمع بل يَجْعَل ناكلا إِن اسْتمرّ عَلَيْهِ وَالْمذهب الأول السَّادِسَة الشَّفِيع يسلم الثّمن إِلَى المُشْتَرِي وَالْمُشْتَرِي إِلَى البَائِع وَلَا مُعَاملَة بَين الشَّفِيع وَالْبَائِع هَذَا هُوَ الْمَذْهَب وَفِيه وَجه أَنه يسلم إِلَى البَائِع وَكَأن المُشْتَرِي عقد لَهُ وَلَو كَانَ الْمَبِيع فِي يَد البَائِع وتعلل المُشْتَرِي بِهِ لم يكن ذَلِك عذرا فَإِنَّهُ إِذا سلم الثّمن أجبر البَائِع على أَخذ الثّمن وَرفع الْيَد وَلَو خرج الثّمن مُسْتَحقّا نظر إِن خرج ثمن العقد مُسْتَحقّا فقد بَان بطلَان العقد وَانْتِفَاء الشُّفْعَة وَإِن خرج ثمن الشَّفِيع مُسْتَحقّا بعد أَن أَخذ فَإِن لم يعرف الشَّفِيع فَهُوَ مَعْذُور وَالْقَوْل قَوْله أَنه لم يعرف وَلَكِن هَل يتَبَيَّن أَنه لم يحصل ملكه بذلك الثّمن وَإِنَّمَا يحصل بِالثَّانِي فِيهِ وَجْهَان

وَإِن عرف كَونه مُسْتَحقّا فَفِي بطلَان شفعته بتقصيره وَجْهَان وَوجه بَقَاء الْحق أَنه لم يقصر فِي الطّلب وَالْأَخْذ ثمَّ فِي تَبْيِين بطلَان الْملك بِالثّمن الْمُسْتَحق وَجْهَان مرتبان وَهَاهُنَا أولى بِأَن يتَبَيَّن وَيُقَال حصل الْملك بِالثّمن الثَّانِي وَتظهر فَائِدَة ذَلِك فِي ارْتِفَاع الْملك وزيادته وَلَو خرج الثّمن زُيُوفًا لَا يبطل الْملك الْحَاصِل وَلَا حق الشُّفْعَة لِأَن ذَلِك مِمَّا يُمكن الرضاء بِهِ فرع لَو خرج الشّقص مُسْتَحقّا بعد أَن بنى فِيهِ الشَّفِيع نقض الْمُسْتَحق بناءه مجَّانا قَالَ القَاضِي وَيرجع الشَّفِيع على المُشْتَرِي بِأَرْش النَّقْض إِذا قُلْنَا يرجع المُشْتَرِي على الْغَاصِب أخذا من قَاعِدَة الْغرُور وَفِيه إِشْكَال لِأَن المُشْتَرِي مقهور هَاهُنَا فَكيف يُحَال الْغرُور إِلَيْهِ ثمَّ قد يكون جَاهِلا

فَإِن كَانَ مقهورا لم ينقدح الرُّجُوع وَإِن رَضِي بِالثّمن أَو طلبه انقدح ثمَّ إِن كَانَ جَاهِلا انقدح أَن يرجع هُوَ بِهِ على البَائِع فَإِنَّهُ منشأ الْغرُور السَّابِعَة أَن يزِيد الثّمن على الشَّفِيع بِأَن يَبْنِي المُشْتَرِي ويغرس فَلَيْسَ لَهُ قلعة مجَّانا بل عَلَيْهِ أَن يبْذل قِيمَته ويتملك عَلَيْهِ أَو ينْقضه بِأَرْش أَو يبقيه باجره كَمَا يفعل الْمُعير بالمستعير خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله فَإِنَّهُ قَالَ ينْقضه مجَّانا فَأَما زرعه فيبقيه بِغَيْر أُجْرَة لِأَن أمده مَعْلُوم وَكَأن الْمَنْفَعَة كالمستوفاة بالزراعة فَهُوَ كَمَا لَو اشْترى أَرضًا مزروعة إِذْ الشَّفِيع من المُشْتَرِي كالمشتري من البَائِع وَفِي الْعَارِية تبقى بِأُجْرَة وَقد خرج فِي مَسْأَلَتنَا أَيْضا مِنْهُ وَجه وَلكنه غَرِيب وَقد اعْترض الْمُزنِيّ على الْمَسْأَلَة وَقَالَ عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَا يثبت

شُفْعَة الْجوَار وَلَا يتَصَوَّر الْبناء على الْمُشْتَرك إِلَّا بِالرِّضَا فَإِن لم يكن رضَا فَهُوَ عدوان منقوض فَقَالَ الْأَصْحَاب يتَصَوَّر بِأَن يقاسم الشَّرِيك المُشْتَرِي على ظن أَنه وَكيل البَائِع أَو يكون غَائِبا فَيقسم القَاضِي عَنهُ أَو يكون قد وكل وَكيلا فِي الْقِسْمَة وَهُوَ غَائِب فَلَا يسْقط حَقه بشئ من ذَلِك فَإِن قيل فَالشُّفْعَة لرفع ضَرَر مُؤنَة الاستقسام وكيفما كَانَ فقد انْقَطع وَهُوَ الْآن جَار لَا يحذر الاستقسام قُلْنَا ذَلِك يعْتَبر حَالَة الِاسْتِحْقَاق ودوامه حَالَة الْأَخْذ لَا تعْتَبر فَإِن قيل فَلَو بَاعَ نصِيبه مَعَ الْجَهْل بِالشُّفْعَة فَفِي بطلَان الشُّفْعَة خلاف لانْقِطَاع السَّبَب عَن الْأَخْذ فالانقطاع بِالْقِسْمَةِ هلا كَانَ كالانقطاع بِالْبيعِ حَتَّى يخرج على الْخلاف قُلْنَا قطع الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ هَاهُنَا لِأَنَّهُ إِن زَالَت الشّركَة بَقِي الْجَوَاز وَهُوَ نوع اتِّصَال كَانَ شركَة فِي الِابْتِدَاء فَلَا يَنْقَطِع حكمهَا مَا لم يزل تَمام الِاتِّصَال فَكَأَن الْجَوَاز يصلح للاستصحاب إِن لم يصلح للابتداء أما تَصَرُّفَات المُشْتَرِي بِالْوَقْفِ وَالْهِبَة وَالْوَصِيَّة فَكلهَا منقوضة وَإِن بَاعَ فالشفيع بِالْخِيَارِ بَين أَن يَأْخُذ بِالثَّانِي أَو ينْقض الثَّانِي وَيَأْخُذ بِالْأولِ وَعَن أبي إِسْحَاق الْمروزِي أَنه لَا ينْقض بَيْعه لِأَن الْأَخْذ بِهِ مُمكن كَمَا لَا ينْقض بِنَاؤُه مجَّانا الثَّامِنَة إِذا تنَازع المُشْتَرِي وَالشَّفِيع فَإِن تنَازعا فِي قدر الثّمن فَالْقَوْل قَول

المُشْتَرِي لِأَنَّهُ أعرف بِهِ وَالْملك ملكه فَلَا يزَال إِلَّا بِحجَّة وَإِن أنكر المُشْتَرِي كَونه شَرِيكا فَعَلَيهِ إِثْبَات كَونه شَرِيكا وَإِلَّا فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي يحلف على أَنه لَا يعلم لَهُ فِي الدَّار شُرَكَاء وَلَا يلْزمه الْبَتّ بِخِلَاف مَا لَو ادّعى ملكا فِي يَده فَإِنَّهُ يجْزم الْيَمين على نفي ملك الْغَيْر لِأَن هَذَا ينزل منزلَة نفي فعل الْغَيْر وَإِن أنكر المُشْتَرِي الشِّرَاء فَإِن كَانَ للشَّفِيع بَيِّنَة أَقَامَهَا وَأخذ الشّقص وَالثمن يسلم إِلَى المُشْتَرِي إِن أقرّ وَإِن أصر على الْإِنْكَار فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يبْقى فِي يَد الشَّفِيع وَالثَّانِي يحفظ كَمَا يحفظ المَال الضائع وَالثَّالِث أَنه يجْبر المُشْتَرِي على الْقبُول حَتَّى تَبرأ الشَّفِيع وَيحصل لَهُ الْملك أما إِذا لم يكن لَهُ بَيِّنَة وَكَانَ البَائِع مقرا فاختيار الْمُزنِيّ أَنه تثبت الشُّفْعَة لِأَن البَائِع وَالشَّفِيع متقاران على أَن قَرَار الْملك للشَّفِيع فَلم يمْتَنع بقول من لَا قَرَار لملكه وَالثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَار ابْن سُرَيج وَمذهب أبي حنيفَة أَنه لَا يثبت لِأَنَّهُ فرع المُشْتَرِي وَلَا يثبت الشِّرَاء إِلَّا بقول المُشْتَرِي أَو بِحجَّة

التَّفْرِيع

إِن قُلْنَا لَهُ الشُّفْعَة فَمَاذَا يصنع بِالثّمن نظر إِن قَالَ البَائِع مَا قبضت الثّمن فَيسلم إِلَيْهِ وَفِي كيفيته وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يسلم إِلَيْهِ ابْتِدَاء لِأَنَّهُ الْأَقْرَب وَالثَّانِي أَنه ينصب القَاضِي عَن المُشْتَرِي نَائِبا ليقْبض لَهُ ثمَّ يسلم عَن جِهَته إِلَى البَائِع وَفِيه إِشْكَال إِذْ نصب النَّائِب عَمَّن يُنكر الْحق لنَفسِهِ بعيد وَإِن قَالَ البَائِع قبضت الثّمن فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه يتْرك فِي يَد الشَّفِيع فَلَعَلَّ المُشْتَرِي يقر وَالثَّانِي يحفظه القَاضِي فَإِنَّهُ ضائع وَقيل إِنَّه تسْقط الشُّفْعَة إِذا أقرّ البَائِع بِالْقَبْضِ لعسر الْأَمر

الْفَصْل الثَّالِث فِي الْأَخْذ عِنْد تزاحم الشُّرَكَاء

وَله ثَلَاثَة أَحْوَال

الْحَالة الأولى

إِذا توافقوا فِي الطّلب وزع القَاضِي عَلَيْهِم بِالسَّوِيَّةِ فَأن تفاوتت حصصهم فَقَوْلَانِ أَحدهمَا أَنه يوزع على عدد الرؤوس وَهُوَ القَوْل الْقَدِيم وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله والمزني وَالثَّانِي أَنه يوزع على الحصص وَهُوَ الْجَدِيد وتوجيهه مَذْكُور فِي الْخلاف

فروع ثَلَاثَة

الأول إِذا مَاتَ الشَّفِيع وَخلف ابْنا وبنتا وَقُلْنَا الشُّفْعَة على قدر الرؤوس فهاهنا فِي التَّفَاوُت وَجْهَان ومأخذه أَن الْوَارِث يَأْخُذ بشركته الناجزة أَو يَرث حق الشُّفْعَة وَالأَصَح أَنه يَرث ويتفاوتان للتفاوت فِي الْإِرْث وَالثَّانِي مَاتَ رجل وَخلف ابْنَيْنِ ودارا بَينهمَا فَمَاتَ أحد الِابْنَيْنِ وَخلف وَلدين فَبَاعَ أَحدهمَا نصِيبه

فالجديد وَهُوَ الْقيَاس الْحق أَن الشُّفْعَة يشْتَرك فِيهَا أَخُوهُ وَعَمه وَالْقَوْل الْقَدِيم أَن الْأَخ مقدم لقرب الإداء بالأخوة وَهُوَ بعيد الثَّالِث إِذا بَاعَ أحد الشَّرِيكَيْنِ نصِيبه من شَخْصَيْنِ فِي صفقتين متعاقبتين فَإِن المُشْتَرِي الأول شَرِيكه عِنْد الشِّرَاء الثَّانِي فَهَل يساهم الشَّرِيك الْقَدِيم فِي الشُّفْعَة مَعَ أَن حِصَّته الَّتِى بهَا اسْتِحْقَاقه معرضة لنقض الشَّرِيك الْقَدِيم فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا لَا لِأَنَّهُ ملك مزلزل معرض للنقض فَكيف ينْقض بِهِ غَيره وَهُوَ غير مصون عَن النَّقْض فِي نَفسه وَالثَّانِي نعم لِأَنَّهُ شريك حَالَة الشِّرَاء فتوقع زَوَال ملكه لَا يمنعهُ من الْحق وَالثَّالِث أَن الشَّرِيك الْقَدِيم إِن عَفا عَن الشُّفْعَة فِي نصِيبه فقد اسْتَقر ملكه فَلهُ الْأَخْذ وَإِن كَانَ يَأْخُذهُ فَلَا يحسن الْأَخْذ بالمأخوذ فِي نَفسه الْحَالة الثَّانِيَة أَن يعْفُو بعض الشُّرَكَاء نقدم عَلَيْهِ أَن الْمُنْفَرد لَو عَفا عَن بعض حَقه سقط كل حَقه لِأَن التجزئة إِضْرَار بالمشتري وَمَا امْتنع تجزئته فإسقاط بعضه إِسْقَاط كُله كَالْقصاصِ وَفِيه وَجْهَان غَرِيبَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يسْقط شئ أصلا لِأَن مبْنى الْقصاص على السُّقُوط بِخِلَاف الشُّفْعَة

وَالثَّانِي أَنه يسْقط مَا أسْقطه وَيبقى الْبَاقِي إِن رَضِي بِهِ المُشْتَرِي أما إِذا عَفا أحد الشُّرَكَاء فَالْمَذْهَب أَن الشَّرِيك الآخر يَأْخُذ الْكل وَيسْقط حق الْمسْقط وَقيل إِنَّه يَأْخُذ الثَّانِي نصِيبه وَقيل لَا يسْقط نصيب الآخرين كَمَا فِي الْقصاص وَقيل لَا يسْقط حق السقط وَالْكل بعيد الْحَالة الثَّالِثَة إِن تغيب بعض الشُّرَكَاء فالحاضر يَأْخُذ حذارا من التشطير على المُشْتَرِي فَإِذا حضر الآخر شاطر الأول فَإِن حضر ثَالِث قاسمهما فَإِن أخر الأول تَسْلِيم كل الثّمن وَقَالَ أؤخر إِلَى حُضُور الآخرين فَفِي بطلَان حَقه وَجْهَان ثمَّ إِذا أَخذ الثَّانِي من الأول لم يُطَالِبهُ بالغلة للمدة الْمَاضِيَة لِأَنَّهُ متملك عَلَيْهِ كَمَا أَن الشَّفِيع متملك على المُشْتَرِي

فرع

لَا يجوز التَّبْعِيض على المُشْتَرِي مهما اتّحدت صفقته فَإِن تعدّدت الصَّفْقَة بِتَعَدُّد البَائِع أَو بِتَعَدُّد المُشْتَرِي فَلهُ أَخذ مَضْمُون أَحدهمَا وَفِيمَا إِذا اتَّحد المُشْتَرِي وتعدد البَائِع وَجه أَنه لَا يَأْخُذ إِلَّا الْكل أما إِذا اشْترى شقصين من دارين وَالشَّرِيك فيهمَا وَاحِد فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا يَأْخُذ الْكل حذارا من تَفْرِيق الصَّفْقَة وَهِي متحدة وَالثَّانِي لَهُ الِاقْتِصَار على وَاحِد كَمَا لَو لم يكن شَرِيكا إِلَّا فِي أَحدهمَا

فصول الكتاب · 3 فصل · 713 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الوسيط في المذهب · 713 صفحة
المقدمة
الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين
الْبَاب الرَّابِع فِي الْقِسْمَة
جارٍ التحميل