فِي جنسه خلافًا لأبي حنيفَة وَيجْرِي الرِّبَا عندنَا فِي دَار الْحَرْب خلافًا لَهُ وَإِذا اشْترى الشَّيْء بِأَقَلّ مِمَّا بَاعه نَقْدا صَحَّ العقدان عندنَا وَقَالَ مَالك بَطل العقدان لِأَنَّهُ ذَرِيعَة إِلَى الرِّبَا وَقَالَ أَبُو حنيفَة بَطل العقد الثَّانِي
وأدلة هَذِه الْمسَائِل مستقصاة فِي الْخلاف وَالنَّظَر الْآن إِنَّمَا يطول فِي الرِّبَا الْفضل فان التَّقَابُض وَتَحْرِيم النَّسِيئَة فرعان لَهُ يجريان فِي كل عينين جمعتهما قرينَة الجنسية من النقدية أَو الطّعْم وَالْكَلَام يتَعَلَّق بأطراف
الطّرف الأول فِيمَا يجْرِي الرِّبَا فِيهِ بعلة الطّعْم
وَهُوَ كل مَا ظهر مِنْهُ قصد الطّعْم وان ظهر مِنْهُ قصد آخر وَيدخل فِيهِ الْفَوَاكِه والأدوية وَمِنْه الطين الأرضي وَكَذَا الطين الَّذِي يُؤْكَل سفها على الصَّحِيح وَكَذَا الزَّعْفَرَان وان قصد مِنْهُ الصَّبْغ وَكَذَا المَاء فانه مطعوم وَفِي دهن البنفسج ودهن الْكَتَّان وودك السّمك خلاف وَقطع الْعِرَاقِيُّونَ بِأَن الرِّبَا لَا يجْرِي فِيهَا لِأَنَّهَا لَا تُؤْكَل فِي حَالهَا على عُمُوم وَلَا على الندور بل دهن الْكَتَّان للاستصباح وودك السّمك لطلي السفن
أما دهن البنفسج قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ القَوْل الْمَنْصُوص فِيهِ انه يجْرِي فِيهِ الرِّبَا لِأَن النَّاس لَا يتناولونه ضنة بِهِ وَفِيه قَول قديم مخرج وَمن أَصْحَابنَا من أجْرى الرِّبَا فِي الْكل نظرا إِلَى الأَصْل الَّذِي مِنْهُ الاستخراج وإعراضا عَن الْحَال
الطّرف الثَّانِي فِي الْخَلَاص من رَبًّا الْفضل
والمطعوم يَنْقَسِم فَالَّذِي يعْتَاد تَقْدِيره تحصل الْمُمَاثلَة فِيهِ بمعيار الشَّرْع وَالْعبْرَة فِيهِ بعصر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يُوزن مَكِيل فِي عصره وَلَا يُكَال مَوْزُون فَإِن فعل فَلَا أثر لَهُ فِي الصِّحَّة وان وجد شَيْء لَا يعرف لَهُ معيار فِي عصره فخمسة أوجه أَحدهمَا الْوَزْن لِأَنَّهُ احصر الثَّانِي الْكَيْل لِأَنَّهُ أَعم الثَّالِث التَّخْيِير للتعادل الرَّابِع يرجع إِلَى عَادَة أهل الْعَصْر وَهُوَ الأفقه الرَّابِع يرجع إِلَى معيار اصله أَن كَانَ مستخرجا من أصل وَيجوز الْكَيْل بقصعة لَا يعْتَاد الْكَيْل بهَا كَمَا يجوز التَّعْدِيل بِالْوَضْعِ فِي كفتي الْمِيزَان وللقفال فِي الْكَيْل بالقصعة تردد
أما إِذا بَاعَ صبرَة بَصِيرَة جزَافا فَهُوَ بَاطِل وَإِن خرجتا متماثلتين خلافًا لزفَر أما غير الْمُقدر كالبطيخ والسفرجل والقثاء وَالْبيض والجوز مِمَّا لَهُ كَمَال فِي حَالَة جفافه فَلَا يُبَاع بعضه بِالْبَعْضِ فِي حَالَة الرُّطُوبَة أصلا وَإِن لم يكن لَهُ حَالَة جفاف فَوَجْهَانِ أَحدهمَا جَوَاز البيع بِالْوَزْنِ مُتَسَاوِيا وَالثَّانِي أَنه لَا يجوز إِذْ لَيْسَ للشَّرْع فِيهِ معيار وَلَا للْعَادَة ثمَّ إِن جفف نَادرا فَفِي بيع بعضه بِالْبَعْضِ وزنا وَجْهَان مرتبان على حَالَة الرُّطُوبَة وَأولى بِالْجَوَازِ وَوجه الْمَنْع أَن الْجَفَاف نَادِر فِيهِ غير مَقْصُود فَيلْحق بِحَالَة الرُّطُوبَة كَأَنَّهُ لم يُوجد الْجَفَاف وَالْجَوَاز أَقيس
الطّرف الثَّالِث فِي الْحَالة الَّتِي تعْتَبر الْمُمَاثلَة فِيهَا
وَقد سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ فَقَالَ أينقص الرطب إِذا جف فَقَالَ السَّائِل نعم فَقَالَ فَلَا إِذا منع وَعلل بتوقع النُّقْصَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَة الْجَفَاف فَدلَّ على أَن الْمَطْلُوب التَّمَاثُل بِالْإِضَافَة إِلَى تِلْكَ الْحَالة فَلَا يُبَاع الرطب
بالرطب وَالْعِنَب بالعنب وان تماثلا لَان تفَاوت النُّقْصَان عِنْد الْجَفَاف لَا يَنْضَبِط وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يجوز بيع الرطب بالرطب وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ جَمِيعًا وَمَا تخْتَلف حَاله من المطعومات ثَلَاثَة الْفَوَاكِه والحبوب والمعروضات على النَّار أما الْفَوَاكِه فَكل مَا يجفف للادخار يحرم بَيْعه فِي حَالَة الرُّطُوبَة
فروع أَرْبَعَة
أَحدهَا الرطب الَّذِي لَا يتهمر فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا منع البيع لِأَن لَهُ حَالَة جفاف على الْجُمْلَة والرطوبة توجب تَفَاوتا وَالثَّانِي الْجَوَاز لأَنا فهمنا رِعَايَة الْمُمَاثلَة فِي أكمل الْأَحْوَال وَفِي أشرف الْأَشْيَاء والشرف فِي الطّعْم وَكَمَال الْحَال فِي الرُّطُوبَة فِيمَا يفْسد بالجفاف وعَلى هَذَا لَا يجوز بيع رطبه بِالتَّمْرِ هَذَا مَدْلُول كَلَام الْأَصْحَاب وينقدح جَوَازه كَمَا جَازَ بالرطب
الثَّانِي المشمش والخوخ وَمَا يجفف على ندور فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا الْمَنْع لِأَن لَهُ حَالَة جفاف وَالثَّانِي الْجَوَاز لِأَن الرُّطُوبَة أكمل أَحْوَاله وَالثَّالِث الْمَنْع رطبا ويابسا إِذا لم يَتَقَرَّر لَهُ حَالَة كَمَال وللعنب فِي الْكَمَال حالتان الزَّبِيب والخل الثَّالِث يُبَاع الزَّيْتُون بالزيتون وَاللَّبن بِاللَّبنِ وَهِي أَحْوَال كمالها فَإِن الزَّيْت وَالسمن وَمَا إِلَيْهِ مصيرهما لَيْسَ من جنسهما الرَّابِع يحرم بيع التَّمْر بعد نزع النَّوَى لِأَنَّهُ يفْسد كَمَاله وادخاره وللعراقيين فِيهِ وَجه وَاللَّحم يُبَاع الْبَعْض بِالْبَعْضِ فِي حَالَة التَّعَدُّد بعد نزع الْعظم وَمَعَ الْعظم لَا لِأَن الْإِصْلَاح فِي نَزعه وَقيل إِنَّه يجوز بيع اللَّحْم فِي حَالَة الرُّطُوبَة بِاللَّحْمِ لِأَن التَّقْدِير فِيهِ كالنادر وَقيل إِن نزع الْعظم غير وَاجِب وَهُوَ بعيد وَأما المشمش والخوخ مِنْهُم من ألحقهما بِالتَّمْرِ وَمِنْهُم من ألحقهما بِاللَّحْمِ
فِي وجوب نزع النَّوَى أَو مَنعه أما الْحُبُوب فَلَا خلاص عَن الرِّبَا فِيهَا بالمماثلة إِلَّا فِي حَالَة كمالها وَهُوَ أَن يكون حبا فكمال الْبر فِي حَالَة كَونه برا إِلَّا أَن تكون مقلية أَو مبلولة أَو كشكا مهرسا فان كل ذَلِك يفْسد الادخار والأرز لَا يبطل ادخاره بتنحية قشرته وَفِي الجاورش تردد فان خرج عَن كَونه حبا فَلَا خلاص فِيهَا بالمماثلة كالدقيق والسويق والكعك وَالْخبْز وَسَائِر أَجزَاء الْبر وَللشَّافِعِيّ نُصُوص قديمَة فِي أَجزَاء الْبر مضطربة وَلَكِن قَرَار الْمَذْهَب مَا ذَكرْنَاهُ نعم السمسم وَمَاله دهن من الْحُبُوب يجوز بيع الدّهن بالدهن مِنْهُ متماثلا لِأَنَّهُ أَيْضا حَالَة كَمَال أما اللَّبن فكماله أَن يكون لَبَنًا وَيُبَاع الزّبد بالزبد أَيْضا كَمَا فِي دهن السمسم بدهن السمسم وَكَذَا المخيض بالمخيض إِلَّا أَن يكون فِيهِ مَاء
وَيُبَاع اللَّبن بالرائب المنعقد وان كَانَ خاثرا إِلَّا أَن يكون معروضا على النَّار وأجزاء اللَّبن كالمصل والأقط والجبن لَا يُبَاع بَعْضهَا بِبَعْض وَلَا بالمخيض وَلَا بِاللَّبنِ لمفارقة حَالَة الْكَمَال وأجزاء اللَّبن كالدقيق وَالْخبْز مَعَ الْبر أما المعروضات على النَّار فَهِيَ مُفَارقَة لحالة الْكَمَال وَمِنْه اللَّحْم المشوي والمطبوخ والدبس أما السكر والفانيذ والقند واللبأ وَهُوَ لبن عرض على النَّار أدنى عرض وَالْعَسَل الْمُصَفّى بالنَّار فِي كل ذَلِك خلاف لضعف أثر النَّار وَالْعَسَل الْمُصَفّى بالشمس حَاله حَال كَمَال وفَاقا وَالصَّحِيح جَوَاز بيع الْعَسَل بالعسل وان عرض على النَّار لَان ذَلِك للتمييز فَهُوَ كَبيع السّمن بالسمن فانه جَائِز وان كَانَ لَا يجوز بيع السّمن بالزبد لَان اثر النَّار عِنْد ذَلِك يظْهر التَّفَاوُت
الطّرف الرَّابِع فِي اتِّحَاد الْجِنْس واختلافه
وَالنَّظَر فِي اللحوم والألبان والأدقة والأدهان والخلول والحلاوات أما اللحوم فَفِيهَا قَولَانِ أصَحهمَا وَهُوَ اخْتِيَار الْمُزنِيّ أَنَّهَا أَجنَاس
لاخْتِلَاف الْحَيَوَانَات وَكَيف يجانس لحم العصفور لحم الْإِبِل وَالثَّانِي أَنَّهَا جنس لِأَنَّهَا اندرجت تَحت اسْم وَاحِد لَا يتَمَيَّز بَعْضهَا إِلَّا بِالْإِضَافَة كأنواع التَّمْر وَالْعِنَب وعَلى هَذَا فِي الْبري مَعَ البحري وَجْهَان لأَنا قد لَا ندرج الْحُوت تَحت اسْم اللَّحْم فِي التَّمْيِيز وان قُلْنَا إِنَّهَا أَجنَاس فأنواع الْغنم من الضَّأْن والمعز جنس وَاحِد وَكَذَا أَنْوَاع الْحمام من الدبسي والفواخت والبحريات جنس وَاحِد إِن أطلقناه أَحللنَا الْكل بتسميتها حوتا وان لم ندرجها تَحت اسْم الْحُوت فَهِيَ أَجنَاس فان قيل الكرش والكبد وَالطحَال والرئة والأمعاء وَمَا يخْتَص باسم وَاحِد خَاص مَا حكمهَا إِن قُلْنَا إِن اللحوم أَجنَاس فَهَذِهِ مَعَ اخْتِلَاف الْأَسَامِي أولى وان قُلْنَا أَنَّهَا جنس فَهَذَا يَنْبَنِي على الْيَمين فَكل مَا يَحْنَث الْحَالِف على تنَاول اللَّحْم بتناوله فَهُوَ جنس اللَّحْم وكل مَا لَا يَحْنَث بِهِ فَفِيهِ وَجْهَان لَان الْيَمين يبْنى على الِاسْم لَا على حَقِيقَة الجنسية وَالْمذهب أَن الْحَالِف على اللَّحْم لَا يَحْنَث بِشَيْء من ذَلِك وَيحنث بالروس والأكارع وَلَا يَحْنَث بالشحم والإلية وَيحنث بسمين اللَّحْم وَألْحق المراوزة الْقلب بِاللَّحْمِ وألحقه الْعِرَاقِيُّونَ بالكبد
فان قيل هَل يجوز بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ قُلْنَا لَا إِذْ ورد النَّهْي فِيهِ وَذَلِكَ فِي بيع لحم الْغنم بالغنم أما الْبَقر وَغير الْغنم يبْنى على اتِّحَاد الْجِنْس إِن قُلْنَا اللحوم جنس حرم وان قُلْنَا أَجنَاس فَقَوْلَانِ أقيسهما الصِّحَّة إِذْ فهمنا تَقْدِير اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ إِذا قوبل بِجِنْسِهِ إِذْ لَو استرسلنا على الْعُمُوم انجر إِلَى منع بيع اللَّحْم بالحمار وبالعبد وَنحن قد نخصص الْعُمُوم بِقَرِينَة معنوية تفهم من اللَّفْظ كتخصيصنا اللَّمْس بِغَيْر الْمَحَارِم وحرمان الْمِيرَاث بِمن لَيْسَ مُسْتَحقّا للْقَتْل حَتَّى لَا يحرم الْمُقْتَص والجلاد أما الأدقة فَهِيَ أَجنَاس مُخْتَلفَة وَالْمذهب أَن الألبان كاللحوم لِأَنَّهَا أجزاؤها انحصرت مِنْهَا والأدهان مُخْتَلفَة وَقيل يخرج على قولي اللحوم أما الدّهن وَالْكَسْب فجنسان كالسمن والمخيض والخلول كالأدهان وَفِي خل الْعِنَب وعصيره وَجْهَان أظهرهمَا اخْتِلَاف الْجِنْس وان كَانَ ذَلِك بِغَيْر الصّفة لَان تَغْيِير الصّفة قد يَجْعَل غير الرِّبَوِيّ ربويا وَالظَّاهِر أَن السكر والفانيذ جنسي لَان اصلهما الْقصب والتفاوت يسير
الطّرف الْخَامِس فِي قَاعِدَة مد عَجْوَة
وَضبط الْقَاعِدَة أَن الصَّفْقَة مهما اشْتَمَلت على مَال الرِّبَا من الْجَانِبَيْنِ وَاخْتلف الْجِنْس من الْجَانِبَيْنِ أَو من أَحدهمَا فَالْبيع بَاطِل ولأجله يبطل بيع الْهَرَوِيّ بالهروي وبالنقرة وبالنيسابوري وَكَذَلِكَ بيع المعجونات والمخلوطات بَعْضهَا بِبَعْض وَكَذَلِكَ الشهد فانه عسل وشمع وَكَذَا الْجُبْن فَفِيهِ مَاء وملح وَكَذَا خل الزَّبِيب فَفِيهِ مَاء وَبيع مد وَدِرْهَم بمدين أَو دِرْهَمَيْنِ أَو مد وَدِرْهَم بَاطِل وَالْأَصْل فِيهِ مَا روى فضَالة بن عبيد أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتِي بقلادة فِيهَا ذهب وخرز
تبَاع بِالذَّهَب فَأمر بِنَزْع الذَّهَب وَقَالَ الذَّهَب بِالذَّهَب وزنا بِوَزْن ولان مَا فِي أحد الْجَانِبَيْنِ إِذا وزع على مَا فِي الْجَانِب الثَّانِي بِاعْتِبَار الْقيمَة أفْضى إِلَى المفاضلة أَو الْجَهْل بالمماثلة وَهَذَا الْمَعْنى يجْرِي فِي اخْتِلَاف النَّوْع فنص الشَّافِعِي على انه لَو راطل مائَة دِينَار عتق وَمِائَة دِينَار رَدِيء بِمِائَتي دِينَار وسط بَطل العقد وَهَذَا مُشكل مَعَ تحقق الْمُمَاثلَة فِي الْوَزْن بَين الْعِوَضَيْنِ وَلَكِن التَّوْزِيع بِاعْتِبَار الْقيمَة يُفْضِي إِلَى المفاضلة
وَكَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ يُخَالف الْمَذْهَب فِي مَسْأَلَة المراطلة وَيبْطل التَّعْلِيل بالتوزيع ويعلل بِالْجَهْلِ بالمماثلة وَذَلِكَ يجْرِي عِنْد اخْتِلَاف الْجِنْس
فروع ثَلَاثَة
الأول إِذا بَاعَ خَمْسَة دَرَاهِم مكسرة وَخَمْسَة صحاحا بِعشْرَة مكسرة أَو صَحِيحَة فِيهِ وَجْهَان ذكرهمَا الْأَصْحَاب أَحدهمَا الْبطلَان كَمَا فِي مَسْأَلَة
المراطلة لِأَن الْقيمَة تخْتَلف بِالصِّحَّةِ والتكسر وَالثَّانِي الصِّحَّة إِذْ الْغَالِب جَرَيَان الْمُسَامحَة باشتمال الدَّرَاهِم على مكسرات فصفة الصِّحَّة فِي مَحل الْمُسَامحَة فَهُوَ خَارج عَن الْقَصْد بِخِلَاف الْعتْق والرداءة فِي الذَّهَب بل هَذَا كاشتمال الصَّاع على تميزات رَدِيئَة لَو ميزت لنَقص قيمتهَا بِالْإِضَافَة إِلَيّ غَيرهَا وَلَا خلاف أَن ذَلِك غير مَنْظُور إِلَيْهِ الثَّانِي إِذا بَاعَ الْحِنْطَة بِالشَّعِيرِ وَفِي أَحدهمَا حبات من جنس الآخر إِن كَانَ مِقْدَارًا يقْصد اخْتِلَاطه أَو تَحْصِيله فَهُوَ مَانع وَإِلَّا فَلَا وَكَذَلِكَ إِن بيع الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ وَفِيهِمَا تُرَاب إِن كَانَ يظْهر أَثَره فِي الْمِكْيَال فَبَاطِل لِأَنَّهُ يتَفَاوَت الْقدر وتجهل الْمُمَاثلَة ويرعى فِي الحبات من جنس الآخر ظُهُور قصد الْمَالِيَّة لَا النُّقْصَان فِي الْمِكْيَال الثَّالِث بيع الشَّاة اللَّبُون بِالشَّاة اللَّبُون بَاطِل لَان اللَّبن مَقْصُود مَعَ الشَّاة وَفِي بيع دَار فِيهَا جمة مَاء بِمِثْلِهَا وَجْهَان إِذا قُلْنَا المَاء رِبَوِيّ لَان المَاء لَا يقْصد عينه مَعَ الدَّار وَاللَّبن مَقْصُود مَعَ الشَّاة وَسوى أَبُو الطّيب بن سَلمَة بَين اللَّبُون وَبَين مَسْأَلَة الدَّار فِي الْمَنْع
فان قيل مَا الْفرق بَين التَّمْر والشهد وَفِي التَّمْر نوى كَمَا أَن فِي الشهد شمعا قُلْنَا النَّوَى من صَلَاح التَّمْر وَلَيْسَ الشمع من صَلَاح الْعَسَل فَلم يعد جُزْءا مِنْهُ فان قيل إِذا جوزتم بيع اللَّبن بِاللَّبنِ وَلم تقدروه سمنا ومخيضا فَلم منعتم بيع السّمن بِاللَّبنِ وهلا قُلْتُمْ لَا يقدر السّمن فِي اللَّبن كَمَا لم يقدر إِذا قوبل اللَّبن بِاللَّبنِ قُلْنَا لَان الجنسية مَعْلُومَة بَين اللبنين فَلَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير وَلَا تَمْيِيز بَين السّمن والمخيض فِيهِ حَتَّى نحكم باجتماع الجنسين وَإِذا قوبل السّمن بِاللَّبنِ لم يُمكن إِطْلَاق القَوْل بالجنسية وَلَا باخْتلَاف الْجِنْس لِأَن فِيهِ من جنسه فغلب جَانب التَّحْرِيم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي فَسَاد العقد من جِهَة نهي الشَّارِع عَنهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعِنْدنَا أَن مُطلق النَّهْي عَن العقد يدل على فَسَاد العقد إِلَّا إِذا ظهر تعلق النَّهْي بِأَمْر غير العقد اتّفق مجاورته للْعقد كَقَوْلِه تبَارك وَتَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا البيع﴾ فَحكم بِصِحَّة البيع فِي وَقت النداء إِذْ علم قطعا أَن النَّهْي عَن البيع لَا لأمر رَاجع إِلَى عينه فانه غير مَحْذُور والمحذور ترك الْجُمُعَة وَقد حصل البيع وَهُوَ غير مُتَعَلق بمقاصد البيع فَلم يتأثر بِهِ فَإِذن المناهي قِسْمَانِ
الْقسم الأول مَا لم يدل على الْفساد وَهِي خَمْسَة
الأول نَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن النجش
قَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ ذَلِك من أَخْلَاق ذَوي الدّين والنجش هُوَ الرّفْع والناجش من يطْلب سلْعَة بَين يَدي الرَّاغِب فِيهَا بِأَكْثَرَ من قيمتهَا وَهُوَ لَا يريدها ليرغب فِيهَا المستام فَهَذِهِ خديعة مُحرمَة وَلَكِن العقد صَحِيح من الْعَاقِدين وَالْإِثْم يلْحق غَيرهمَا ثمَّ لَا خِيَار إِن لم تجر مواطأة من البَائِع وان جرى فَوَجْهَانِ أَحدهمَا لَا كَمَا لَا يثبت بِالْغبنِ فِي كل بيع وَالثَّانِي نعم لِأَنَّهُ غبن اسْتندَ إِلَى تلبيس فضاهى غبن الْمُصراة وَصُورَة تلقي الركْبَان
الثَّانِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لَا يبيعن أحدكُم على بيع أَخِيه وَلَا يسومن على سوم أَخِيه
فَإِذا كَانَ المتعاقدان فِي مجْلِس العقد فَطلب طَالب السّلْعَة بِأَكْثَرَ من الثّمن ليرغب البَائِع فِي فسخ العقد فَهَذَا هُوَ البيع على بيع الْغَيْر وَهُوَ محرم لِأَنَّهُ إِضْرَار بِالْغَيْر وَلكنه مُنْعَقد لِأَن نفس البيع غير مَقْصُودَة بِالنَّهْي فَإِنَّهُ لَا خلل فِيهِ وَكَذَلِكَ إِذا رغب المُشْتَرِي فِي الْفَسْخ لغَرَض سلْعَة أَجود مِنْهَا بِمثل ثمنهَا أَو مثلهَا بِدُونِ ذَلِك الثّمن والسوم على السّوم أَن يطْلب السّلْعَة بِزِيَادَة على مَا اسْتَقر الْأَمر عَلَيْهِ بَين المتساومين قبل البيع
وَإِنَّمَا يحرم على من بلغه الْخَبَر فان تَحْرِيمه خَفِي قد لَا يعرفهُ كل وَاحِد بِخِلَاف النجش فان تَحْرِيم الخداع جلي فِي الشَّرْع ثمَّ قَالَت المراوزة الْخطْبَة على الْخطْبَة أَيْضا مُحرمَة كالسوم وَلَكِن سكُوت الْوَلِيّ ثمَّ كالإجابة على أحد الْقَوْلَيْنِ كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي النِّكَاح وَالسُّكُوت فِي البيع لَا يحرم السّوم وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا فرق بل التعويل على فهم الرِّضَا بِالْقَرِينَةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَيحرم ذَلِك بعد فهم الرِّضَا بالإجابة فيهمَا وَهَذَا أفقه
الثَّالِث نهى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن أَن يَبِيع حَاضر لباد
وَهُوَ أَن يَأْتِي البدوي الْبَلدة وَمَعَهُ قوت يَبْغِي التسارع إِلَى بَيْعه رخيصا فَيَقُول لَهُ الْبَلَدِي اتركه عِنْدِي لأغالي فِي بيعَته فَهَذَا الصَّنِيع محرم لما فِيهِ من الْإِضْرَار بِالْغَيْر وَالْبيع إِذا جرى مَعَ المغالاة
مُنْعَقد وَهَذَا إِذا كَانَت السّلْعَة مِمَّا تعم الْحَاجة إِلَيْهَا فان كَانَت سلْعَة مِمَّا لَا تعم الْحَاجة إِلَيْهَا وَكَثُرت الأقوات واستغني عَنهُ فَفِي التَّحْرِيم وَجْهَان يعول فِي أَحدهمَا على عُمُوم ظَاهر النَّهْي وحسم بَاب الضَّرَر وَفِي الثَّانِي على معنى الضَّرَر
الرَّابِع قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تتلقوا الركْبَان بِالْبيعِ فَمن تلقي فَصَاحب السّلْعَة بِالْخِيَارِ بعد أَن يقدم السُّوق
وَصورته أَن يسْتَقْبل الركْبَان ويكذب فِي سعر الْبَلَد وَيَشْتَرِي بِأَقَلّ من ثمن الْمثل فَهُوَ تغرير محرم وَلَكِن الشِّرَاء مُنْعَقد
ثمَّ إِن كذب وَظهر الْغبن ثَبت الْخِيَار وَإِن صدق فَوَجْهَانِ يعول فِي أَحدهمَا على عُمُوم النَّهْي وَفِي الآخر على معنى الضَّرَر فجامع هَذِه المناهي يرجع إِلَى عقد لَا خلل فِيهِ ويتضمن إِضْرَارًا ولأجله نهى عَلَيْهِ السَّلَام عَن الاحتكار وَهُوَ ادخار الأقوات للغلاء وَنهى عَن التسعير لَان تصرف الإِمَام فِي الأسعار يُحَرك الرغبات ويفضي إِلَى الْقَحْط وَقَالَ الْعلمَاء يكره بيع السِّلَاح من قطاع الطَّرِيق وَبيع الْعصير من الْخمار لِأَنَّهُ إِعَانَة على الْمعْصِيَة والإضرار
الْخَامِس نهى عَن التَّفْرِيق بَين الوالدة وَوَلدهَا فِي البيع
وَالظَّاهِر أَن الْوَالِد فِي معنى الوالدة وَلَا يتَعَدَّى إِلَى غَيرهمَا من الْأَقَارِب وَفِي الْجدّة احْتِمَال
ثمَّ يخْتَص بِمَا قبل التَّمْيِيز فَلَا يجْرِي فِيمَا بعد الْبلُوغ وَفِيمَا بَين السنين وَجْهَان وَفِي فَسَاد هَذَا البيع قَولَانِ أَحدهمَا لَا لِأَن النَّهْي رَاجع للأضرار فَيحرم وَلَا يفْسد البيع إِذْ لَا خلل فِي نَفسه وَالثَّانِي أَنه لَا ينْعَقد لَان التَّسْلِيم تَفْرِيق وَهُوَ محرم والممنوع شرعا كالممتنع حسا فَيلْحق بِالْعَجزِ عَن التَّسْلِيم وَيقرب من هَذَا بيع السِّلَاح من أهل الْحَرْب قَالَ الْأَصْحَاب هُوَ بَاطِل لأَنهم لَا يعدون إِلَّا لقتالنا فالتسليم إِلَيْهِم إِعَانَة مُحرمَة وَفِيه وَجه آخر أَنه محرم وَينْعَقد كَالْبيع من قطاع الطَّرِيق وَهُوَ منقاس وَلكنه غير مَشْهُور
الْقسم الثَّانِي من المناهي مَا حمل على الْفساد
وَذَلِكَ إِمَّا لتطرق خلل إِلَى الْأَركان والشرائط الَّتِي سبقت فِي الْبَاب
الأول أَو لِأَنَّهُ لم يبْق للنَّهْي مُتَعَلق سوى العقد مُنْفَصِلا عَنهُ فَحمل على الْفساد وَهِي ثَمَانِيَة
الأول نَهْيه عَن بيع حَبل الحبلة وَله تَأْوِيلَانِ
أَحدهمَا أَن يَبِيع بِثمن إِلَى اجل وَهُوَ وضع نتاج النَّاقة فَإِنَّهُ اجل مَجْهُول يطْرق جهلا إِلَى الثّمن وَالثَّانِي بيع نتاج النِّتَاج قبل الْوُجُود على عَادَة الْعَرَب وَهُوَ بيع مَا لَيْسَ بمملوك وَلَا مَقْدُور وَلَا مَعْلُوم
الثَّانِي نَهْيه عَن بيع الملاقيح والمضامين
والملقاح هُوَ مَا فِي بطن الْأُم
والمضامين مَا هُوَ فِي أصلاب الفحول فَهِيَ غير مقدورة وَلَا مَعْلُومَة
الثَّالِث نَهْيه عَن بيع الْمُلَامسَة وَله تَأْوِيلَانِ
أَحدهمَا أَن يَقُول مهما لمست ثوبي فَهُوَ مَبِيع مِنْك وَهُوَ بَاطِل لانه تَعْلِيق أَو عدُول عَن الصِّيغَة الشَّرْعِيَّة وَقيل مَعْنَاهُ أَن يَجْعَل اللَّمْس بِاللَّيْلِ فِي الظلمَة قَاطعا للخيار وَيرجع ذَلِك إِلَى تَعْلِيق اللُّزُوم وَهُوَ غير نَافِذ وَنهى عَن بيع الْمُنَابذَة وَهُوَ فِي معنى الْمُلَامسَة فالنبذ كاللمس وَقيل مَعْنَاهُ أَن تتنابذ السّلع وَتَكون معاطاة وَلَا ينْعَقد بهَا البيع عندنَا
الرَّابِع نهى عَن بيع الْحَصَاة
وَهُوَ أَن يَجْعَل رمي الْحَصَاة بيعا أَو يَقُول بِعْت مِنْك من السّلع مَا تقع عَلَيْهِ حصاتك إِذا رميت أَو بِعْت من الأَرْض إِلَى حَيْثُ تَنْتَهِي حصاتك فَالْكل فَاسد لما سبق من الْمعَانِي
الْخَامِس نَهْيه عَن بيعَتَيْنِ فِي بيعَة ذكر الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ تأولين
أَحدهمَا أَن تَقول بِعْتُك بِأَلفَيْنِ نَسِيئَة أَو بِأَلف نَقْدا أَيهمَا شِئْت أخذت بِهِ فاخذ بِأَحَدِهِمَا فَهُوَ فَاسد لانه إِبْهَام وَتَعْلِيق وَالْآخر أَن تَقول بِعْتُك عَبدِي على أَن تبيعني فرسك وَهُوَ فَاسد لانه شَرط لَا يلْزم ويتفاوت بِعَدَمِهِ مَقْصُود العقد وَقد نهى مُطلقًا عَن بيع وَشرط وَكَذَلِكَ نهى عَن بيع وَسلف وَمَعْنَاهُ أَن يشْتَرط فِيهِ قرضا
السَّادِس نهى عَن ثمن الْكَلْب وَالْخمر
وَهُوَ مُعَلل بِالنَّجَاسَةِ فيتعدى إِلَى كل نجس عندنَا وَصحح أَبُو حنيفَة رَحمَه الله شِرَاء الْخمر للْمُسلمِ بوكالة الذِّمِّيّ إِذا بَاشرهُ الذِّمِّيّ وَهُوَ وَكيل
السَّابِع نهى عَن بيع مَا لم يقبض
وَعَن بيع الطَّعَام حَتَّى يجْرِي فِيهِ الصاعان وَعَن بيع الكالئ بالكالئ وَسَيَأْتِي تَفْصِيله وَنهى عَن بيع الْغرَر
وَعَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ وَقد ذَكرْنَاهُ وَقد نهى عَن ثمن عسب الْفَحْل وَذَلِكَ لانه غير مَقْدُور على التَّسْلِيم
الثَّامِن نهى عَن بيع وَشرط
فَاقْتضى مطلقه امْتنَاع كل شَرط فِي البيع وَالْمَفْهُوم من تَعْلِيله انه إِذا انْضَمَّ شَرط إِلَى البيع بقيت مَعَه علقَة بعد العقد يتَصَوَّر بِسَبَبِهَا مُنَازعَة ويفوت بفواتها مَقْصُود الْعَاقِد وينعكس على أصل العقد فيحسم الْبَاب وَلم يكن مَحْذُور هَذَا النَّهْي مُنْفَصِلا عَن العقد فَيدل على فَسَاده أَو فَسَاد الشَّرْط لَا محَالة وَيسْتَثْنى من هَذَا الأَصْل حَال الْإِطْلَاق سِتَّة شُرُوط الأول أَن يشْتَرط مَا يُوَافق العقد كَقَوْلِه بِعْت بِشَرْط أَن تنْتَفع بِهِ وتتصرف كَمَا تُرِيدُ لَا يبْقى علقَة
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أَلا يَأْكُل إِلَّا الهريسة وَلَا تلبس إِلَّا الْخَزّ وَمَا لَا غَرَض فِيهِ لانه لَيْسَ فِيهِ علقَة يتَعَلَّق بهَا نزاع يتَغَيَّر بِهِ غَرَض فَهُوَ هذيان سَاقِط وَهَذَا اسْتثِْنَاء عَن صُورَة اللَّفْظ وَلكنه منطبق على الْمَعْنى الْمَفْهُوم الثَّانِي شَرط الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا دونه بِشَرْط أَن يكون مَعْلُوما وان لَا يكون زَائِدا وَسَببه الْحَاجة لِكَثْرَة الغبينة وَعرف ذَلِك بِنَصّ الْأَحَادِيث الثَّالِث شَرط المهلة فِي الثّمن إِلَى مِيقَات مَعْلُوم عرف ذَلِك بِالنَّصِّ ويتأيد ذَلِك بِالْحَاجةِ الْعَامَّة الرَّابِع شَرط الْوَثِيقَة فِي الثّمن بِالرَّهْنِ أَو الْكَفِيل أَو الشَّهَادَة عرف ذَلِك بِالنَّصِّ ويعلل بِعُمُوم الْحَاجة لكَي يعرف الْكَفِيل بتعيينه والمرهون بتعيينه
أَن الْغَرَض يتَفَاوَت بِهِ وَلَا يشْتَرط تعْيين الشُّهُود إِذْ لَا يتَفَاوَت الْغَرَض وَهل يشْتَرط تعْيين من يعدل الرَّهْن على يَده فِيهِ وَجْهَان وَلَو عين الشُّهُود فَهَل يتَعَيَّن فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا يتَعَيَّن كالكفيل وَالثَّانِي لَا كتعيين الْمِيزَان إِذا لَا أرب فِيهِ فان قُلْنَا لَا يتَعَيَّن فَلَا يفْسد بِهِ العقد بل هُوَ لاغ لَا يتأثر العقد بِهِ وَلَو شَرط أَن يكون الْمَبِيع رهنا بِالثّمن قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ البيع مفسوخ قَالَ الْأَصْحَاب ذَلِك يبْنى على قَوْلنَا الْبِدَايَة فِي التَّسْلِيم بالبائع اَوْ فان قُلْنَا الْبِدَايَة بالبائع أَو يجب التَّسْلِيم عَلَيْهِمَا فيتخيران بالمشتري أَو يتساويان ليَكُون الشَّرْط مغيرا مُقْتَضى العقد وتعليله أَن التَّسْلِيم إِذا وَجب عَلَيْهِ بِمُقْتَضى العقد فَاشْترط أَن يكون البيع رهنا فِي يَده على الثّمن فقد غير مُقْتَضى العقد فِي إِيجَاب التَّسْلِيم
فَيفْسد وان قُلْنَا الْبِدَايَة بالمشتري فَوَجْهَانِ أَحدهمَا الصِّحَّة إِذْ لَا مَانع وَالثَّانِي الْبطلَان لَان يَد البَائِع يَد ضَمَان وَلَيْسَ يَد الْمُرْتَهن يَد ضَمَان بل يَد أَمَانَة فهما ضدان فَلَا يجمع بَين حكميهما فِي حَال وَاحِدَة وَالْأول أظهر ثمَّ هَذِه الشُّرُوط إِذا صححت فَلَو امْتنع المُشْتَرِي عَن الْوَفَاء بالكفيل وَالرَّهْن وَالْإِشْهَاد ثَبت لَهُ الْخِيَار فِي البيع وَلَو أجَاب فَامْتنعَ البَائِع من قبُول الرَّهْن مثلا فَيجْبر أم يُخَيّر بَين الْقبُول وَبطلَان الْخِيَار فِيهِ تردد ذكره صَاحب التَّقْرِيب وَيثبت الْخِيَار مهما تلف الْمَرْهُون قبل التَّسْلِيم وَكَذَلِكَ إِذا خرج الْعين الْمعِين للرَّهْن معيبا وَهُوَ لم يطلع عَلَيْهِ وَلَو تلف بعد الْقَبْض فِي الْمَرْهُون فَلَا خِيَار وَلَو اطلع بعد فَوَاته فِي يَده على عيب فَفِي ثُبُوت الْخِيَار فِي اصل البيع وَجْهَان
أَحدهمَا لَا لانه لم يتَمَكَّن من الرَّد وَالثَّانِي نعم إِذْ بَان أَن مَا سبق لم يكن وَفَاء بالملتزم فان قيل فَهَذِهِ الشُّرُوط لَو فَسدتْ بِجَهَالَة أَو غَيرهَا أَو ذكر شرطا لَيْسَ فِي هَذِه الْأَقْسَام المستثناة وَحكم بفسادها فَهَل يفْسد العقد وَتبقى علته وَذَلِكَ فِي الْأَجَل وَالْخيَار وَغَيره وَفِي شَرط الْوَثِيقَة قَولَانِ وَوجه الْفرق أَنَّهَا أُمُور مُسْتَقلَّة مُنْفَصِلَة ففسادها لَا يُوجب فَسَاد العقد بل يَلْغُو والاقيس الأول لانه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام نهى عَن بيع وَشرط وَالْمَقْصُود بِالنَّهْي البيع فليفسد العقد بِمُطلق النَّهْي ولان مَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ إِذا ضم إِلَى العقد تأثر بِهِ فاشبه الْخِيَار وَالْأَجَل وَحكى صَاحب التَّقْرِيب وَالشَّيْخ أَبُو عَليّ نصا غَرِيبا أَن البيع لَا يفْسد بالشرائط الْفَاسِدَة بل يَلْغُو الشَّرْط كَمَا فِي النِّكَاح وَحَكَاهُ أَبُو ثَوْر أَيْضا عَن الشَّافِعِي وَهُوَ بعيدَة
الْخَامِس مِمَّا اسْتثْنِي عَن النَّهْي شَرط الْعتْق فِي الْمَبِيع لما روى أَن بَرِيرَة قَالَت لَهَا
عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا لَو باعك أولياؤك لصببت لَهُم ثمنك صبا فَقَالَ السَّادة لَا نَفْعل ذَلِك إِلَّا بِشَرْط أَن تعتقك وَيكون الْوَلَاء لنا فَذكرت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا ذَلِك لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام اشْترِي واشترطي لَهُم الْوَلَاء ثمَّ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ مَا بَال أَقوام يشترطون شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله عز وَجل فِي خطْبَة طَوِيلَة فَأذن فِي ذَلِك وَلَا يَأْذَن فِي بَاطِل وَأنكر هَذَا التَّكْلِيف عَلَيْهِم مَعَ الْإِذْن فِي الْإِجَابَة وَخرج بعض الْأَصْحَاب قولا أَن شَرط الْعتْق كَسَائِر الشُّرُوط الْفَاسِدَة وَهُوَ الْقيَاس وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَلكنه لَا وَجه لَهُ بتأييد القَوْل الْغَرِيب بِهِ وَهُوَ أَن العقد صَحِيح وَالشّرط فَاسد وَتَأْويل الحَدِيث انه إِذن فِي العقد وَالشّرط أما العقد فَصَحِيح واما الشَّرْط فَغير لَازم وَلَكِن كَانَ يَثِق بعائشة أَنَّهَا تفي بِالشّرطِ تكرما وَهَذَا أولى كي لَا يكون مناقضا للْقِيَاس والتأويل بِالْقِيَاسِ غير مَمْنُوع
وَنَصّ الشَّافِعِي رَحمَه الله على مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ مُوَافقَة الحَدِيث فِي تَصْحِيح الشَّرْط وَالْعقد أما الْمصير إِلَى فَسَاد العقد فَلَا يعقل لَهُ وَجه مَعَ الحَدِيث بِحَال وَلَو قَالَ بِهِ قَائِلُونَ والتفريع بِهِ على النَّص فِي صِحَة الشَّرْط فعلى هَذَا لَو شَرط الْوَلَاء للْبَائِع فَوَجْهَانِ أَحدهمَا يَصح وَله الْوَلَاء لقصة بَرِيرَة رَحمهَا الله وانه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا يَأْمر بِفساد وَالثَّانِي الْمَنْع فانه فِي غَايَة الْبعد عَن الْقيَاس وَاحْتِمَال تَقْدِير مساهلة من الشَّارِع فِي هَذِه المشارطة أَهْون من تشويش قَاعِدَة الْقيَاس وَهَذَا أَيْضا يشوش التَّعَلُّق بِالنَّصِّ فِي اصل الشَّرْط فليقبل النَّص جملَة وتفصيلا فان قيل الْعتْق الْمُسْتَحق بعد صِحَة الشَّرْط لمن هُوَ قُلْنَا اخْتلف أَصْحَابنَا فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ هُوَ حق الله تَعَالَى
كَأَنَّهُ الْتزم الْعتْق بِشَرْطِهِ فاشبه النّذر وَمِنْهُم من قَالَ هُوَ حق البَائِع لانه ثَبت بِشَرْطِهِ ويبتنى عَلَيْهِ ثَلَاثَة أُمُور أَحدهمَا أَنه هَل تثبت لَهُ الْمُطَالبَة فان قُلْنَا حَقه فَنعم وان قُلْنَا حق الله تَعَالَى فَوَجْهَانِ أصَحهمَا انه يملك الطّلب إِذْ ثَبت بِشَرْطِهِ وَتعلق بِهِ غَرَضه وان كَانَ لله تَعَالَى فِيهِ حق الثَّانِي انه هَل يسْقط اللُّزُوم بعفوه وان قُلْنَا حق الله تَعَالَى فَلَا وان قُلْنَا حَقه فَوَجْهَانِ إِذْ رب الْحق لَا يقبل الْإِسْقَاط إفرادا كالأجل ويطرد هَذَا فِي عَفْو مُسْتَحقّ الْكَفِيل وَالرَّهْن وعَلى الِاحْتِمَالَيْنِ لَا يجْرِي إِعْتَاق المُشْتَرِي إِيَّاه عَن الْكَفَّارَة لتَعلق اسْتِحْقَاق الْغَيْر بِهِ الثَّالِث إِذا امْتنع المُشْتَرِي من الْإِعْتَاق ذكر صَاحب التَّقْرِيب قَوْلَيْنِ
أَحدهمَا ثُبُوت الْخِيَار للْبَائِع كَمَا فِي الِامْتِنَاع من الْكَفِيل وَالرَّهْن وَالثَّانِي انه يجْبر على الْعتْق كَمَا يجْبر الْمولى على الطَّلَاق وَهَذَا يلْتَفت على انه حق الله تَعَالَى فَلَا وَجه لإسقاطه بِفَسْخ البَائِع وَلَا بإجازته وَرضَاهُ بِعَدَمِ الْعتْق
فرع
لَو مَاتَ العَبْد قبل اتِّفَاق الْعتْق فقد تصدى تَفْوِيت حق البَائِع من الْعتْق إِلَى غير بدل أَو إِيجَاب بدل بعد زَوَال ملكه وسلامة الثّمن لَهُ فَاخْتلف الْأَصْحَاب مِنْهُم من قَالَ يفْسخ العقد فيسترد الثّمن وَيضمن المُشْتَرِي الْقيمَة حذارا عَن ارْتِكَاب محَال وَمِنْهُم من قَالَ الِانْفِسَاخ بعد الْقَبْض من غير سَبَب أَيْضا محَال فَيغرم المُشْتَرِي قدر التَّفَاوُت بَين قِيمَته مَعَ الشَّرْط وَقِيمَته دون الشَّرْط وَالثَّالِث أَن الْغرم لَا بُد مِنْهُ وَلَكِن يغرم مثل نِسْبَة هَذَا التَّفَاوُت من الثّمن لَا من الْقيمَة بِعَينهَا وَهَذَا أعدل الْوُجُوه
السَّادِس إِذا شَرط فِي البيع وَصفا ناجزا لَيْسَ يتَوَقَّف على إنْشَاء أَمر بعده وَذَلِكَ يَنْقَسِم إِلَى مَا يرجع إِلَى عين والى مَا هُوَ وصف مَحْض أما الْوَصْف الْمَحْض فَيصح شَرطه كَقَوْلِه بِعْت العَبْد على انه كَاتب أَو خباز ثمَّ أَن اخلف ثَبت لَهُ الْخِيَار أما مَا يرجع إِلَى الْعين كَقَوْلِه بِعْت الْجَارِيَة على أَنَّهَا حُبْلَى وَكَذَا الْبَهِيمَة فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا الْبطلَان لانه يرجع إِلَى شَرط إدراج الْحمل فِي البيع فَكَأَنَّهُ قَالَ بِعْت الْجَارِيَة وَحملهَا بِدِينَار فيلتفت على تَفْرِيق الصَّفْقَة وَوجه الأول أَن الْحمل كالوصف فِي الْحَيَوَان
أما إِذا شَرط فِي الشَّاة أَن تكون لبونا مِنْهُم من قَالَ هُوَ كوصف الحرفة وَالْكِتَابَة فانه لَيْسَ بِشَرْط وجود اللَّبن فِي الْحَال فاللبن يتَحَصَّل بِصفة غريزية ناجزة وَاللَّبن من ثَمَرَتهَا وَمِنْهُم من قَالَ هُوَ كالحمل فَيخرج على الْقَوْلَيْنِ وَلَو شَرط حَشْو فِي الْجُبَّة فَهُوَ من قبيل الْحمل وَأولى بِالصِّحَّةِ لَان الحشو يعلم وجوده وَالْحمل يتَرَدَّد فِيهِ ولسنا نشترط رُؤْيَة حَشْو الْجُبَّة على قَول منع بيع الْغَائِب لَان الْجُبَّة قد تقصد على هَذَا الْوَجْه وَكَذَلِكَ لَا نشترط أَن يرى من الدَّار كل ضبة وسلسلة على بَاب لانه صَار وَصفا وتبعا أما إِذا قَالَ بِعْتُك هَذِه الصُّبْرَة على أَنَّهَا ثَلَاثُونَ صَاعا فَالشَّرْط صَحِيح فان خرج كَذَلِك فَلَا كَلَام وان زَاد لم يَصح فِي الزَّائِد وَفِي الْبَاقِي يخرج على قولي تَفْرِيق الصَّفْقَة وان نقص فَفِي صِحَّته فِي ذَلِك الْقدر خلاف يلْتَفت على مَا إِذا قَالَ بِعْت مِنْك هَذِه النعجة فَإِذا هِيَ رمكة
فَفِي قَول يعول على الْإِشَارَة وَفِي آخر يعول على الْعبارَة وانما صححنا الشَّرْط وَلم نفسد العقد فِي الأَصْل لَان كَثْرَة الصيعان فِي حكم الْوَصْف للصبرة
فروع ثَلَاثَة
أَحدهَا إِذا قَالَ بِعْتُك وَلم يذكر الثّمن فسد وَالْمَبِيع مَضْمُون فِي يَد المُشْتَرِي أَن قَبضه وان لم يذكر الثّمن لَان البيع يَقْتَضِي بمطلقه طلب عوض وان قَالَ بِعْتُك بِلَا ثمن فَهَل ينْعَقد هبة ذكر القَاضِي قَوْلَيْنِ أَحدهمَا نعم لانه أَفَادَ مَعْنَاهُ وَهُوَ التَّمْلِيك مجَّانا وَالثَّانِي لَا لَان اللَّفْظ متهافت فان البيع يَقْتَضِي ثمنا فان قُلْنَا لم ينْعَقد فَفِي الضَّمَان على الْمُشْتَرى إِذا قبض وَجْهَان أَحدهمَا يجب ككل شِرَاء فَاسد وَالثَّانِي لَا لَان عِلّة الضَّمَان انه لم ينزل عَنهُ إِلَّا بِبَدَل فليرد إِلَيْهِ اَوْ بدله وَهَا هُنَا نزل عَنهُ مجَّانا الثَّانِي إِذا اسْتثْنى حمل الْحَيَوَان عَن البيع فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا الصِّحَّة كَمَا لَو كَانَ الْوَلَد حرا فان بيع ألام صَحِيح على الظَّاهِر وَالثَّانِي لَا لَان الْمَبِيع معرض لغرر بِسَبَب غير الْمَبِيع الثَّالِث إِذا قَالَ اشْتريت مِنْك هَذَا الزَّرْع بِدِينَار على أَن تحصده لي
من أَصْحَابنَا من قَالَ يفْسد لانه شَرط فعلا فِي عقد فَكَأَنَّهُ يَبْغِي مِنْهُ فعلا مَعَ الْمَبِيع وَمِنْهُم من قَالَ لَا بل مَعْنَاهُ اشْتريت مِنْك هَذَا الزَّرْع واستأجرتك على حَصَاده بِدِينَار فالدينار ثمن واجرة فَهُوَ جمع بَين الْإِجَارَة وَالْبيع فَيخرج على قولي تَفْرِيق الصَّفْقَة فِي الْجمع بَين مختلفات الْأَحْكَام فان جَوَّزنَا الْجمع بَين البيع وَالْإِجَارَة على الْجُمْلَة فَهَذَا يلْتَفت على اصل آخر وَهُوَ أَن أحد شقي عقد الْإِجَارَة على الْعَمَل فِي الزَّرْع جرى قبل ملك الزَّرْع والاستئجار على الْعَمَل فِي ملك الْغَيْر غير جَائِز فَيخرج على وَجْهَيْن فِيمَا إِذا قَالَ لعَبْدِهِ كاتبتك وبعتك ثوبي هَذَا بِأَلف فَقَالَ العَبْد قبلت واشتريت لانه جرى إِيجَاب البيع قبل أَن صَار العَبْد أَهلا للْبيع مِنْهُ وَلَكِن تَأَخّر الْقبُول عَنهُ وَالْمَسْأَلَة مُحْتَملَة هَذَا تَمام القَوْل فِي الشَّرَائِط الْفَاسِدَة وَمَا فسد مِنْهَا وافسد العقد قبل اللُّزُوم
فان الْملك وان لم ينْقل هَا هُنَا أَلا أَن الْمُقَابلَة بِالْعقدِ حَاصِلَة فَلَا يَنْقَلِب صَحِيحا بالحذف فِي مُدَّة الْخِيَار وَلَا فِي مجْلِس العقد خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله وَكَذَلِكَ الْجَهَالَة الْمفْسدَة إِذا رفعت فِي الْمجْلس لم ينْتَفع أما الشَّرْط الصَّحِيح إِذا الْحق بِالْعقدِ فِي الْمجْلس كالخيار وَالْأَجَل أَو زِيَادَة الثّمن والمثمن فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا الْمَنْع كَمَا بعد اللُّزُوم وَالثَّانِي انه يَصح لَان الْمجْلس كَأَنَّهُ حَرِيم العقد وأوله وَهَذَا يُفْسِدهُ قَوْلنَا أَن حذف الْجَهَالَة فِي الْمجْلس لَا يُغني فيعلل هَذَا التَّفْرِيع على قَوْلنَا الْملك غير منتقل