الْقَيْد الرَّابِع المؤداة أما الغائبة فَفِيهَا ثَلَاثَة أَقْوَال الْجَدِيد أَنه يُقيم لَهَا وَلَا يُؤذن لِأَن الْإِقَامَة للشروع وَالْأَذَان للإبلاغ وَالْقَدِيم أَنه يُؤذن وَيُقِيم نظرا إِلَى حُرْمَة الصَّلَاة وَنَصّ فِي الْإِمْلَاء أَنه إِن كَانَ يَرْجُو جمَاعَة أذن وَإِلَّا اقْتصر على الْإِقَامَة فَإِن قُلْنَا يُؤذن فَلَو كَانَ يُؤَدِّي فوائت فَلَا يُؤذن إِلَّا مرّة وَاحِدَة لَا سَبِيل إِلَى مُوالَاة أذانين فِي وَقت وَاحِد
وَلَو قدم الْعَصْر إِلَى وَقت الظّهْر يُؤذن لِلظهْرِ أَولا وَيُقِيم للعصر بعده وَلَا يُؤذن فَإِن أخر الظّهْر إِلَى وَقت الْعَصْر فَإِن قُلْنَا يُؤذن كالفائتة فَيُؤذن لِلظهْرِ ثمَّ يُقيم للعصر بعده وَإِن قُلْنَا لَا يُؤذن للفائتة فَلَا يُؤذن لِلظهْرِ لِأَنَّهَا كالفائتة ثمَّ لَا يُؤذن للعصر أَيْضا كَيْلا تَنْقَطِع الْمُوَالَاة بَين الصَّلَاتَيْنِ وَيشْهد لَهُ أَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جمع بَين الظّهْر وَالْعصر فِي وَقت الظّهْر بِعَرَفَة بِأَذَان وَإِقَامَتَيْنِ وَأخر الْمغرب إِلَى الْعشَاء بِمُزْدَلِفَة بإقامتين
فرع الْجَمَاعَة الثَّانِيَة فِي الْمَسْجِد المطروق هَل يُؤذن لَهَا فِيهِ قَولَانِ نقلهما صَاحب التَّقْرِيب أَحدهمَا لَا فَإِن كل وَاحِد من الْجمع مدعُو بِالْأَذَانِ الأول مُجيب وَالثَّانِي نعم لِأَن الدعْوَة الأولى تمت بالإجابة الأولى ثمَّ إِذا قُلْنَا هَاهُنَا وَفِي الْمُنْفَرد إِنَّه لَا يُؤذن فَفِي الْإِقَامَة خلاف
الْفَصْل الثَّانِي فِي صفة الْأَذَان
ويشرع فِيهِ أُمُور خَمْسَة
الأول الْأَذَان مثنى مَعَ الترتيل وَالْإِقَامَة فُرَادَى مَعَ الإدراج بأخبار صحت فِيهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة الْإِقَامَة كالأذان إِلَّا فِي الترتيل
وَبَالغ مَالك فِي الْإِفْرَاد وَاكْتفى بقوله الله أكبر مرّة وَاحِدَة الثَّانِي الترجيع مَأْمُور بِهِ لقَوْل أبي مَحْذُورَة عَلمنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَذَان تسع عشرَة كلمة وكيفيته أَن يذكر كلمتي الشَّهَادَة مَعَ خفض الصَّوْت مرَّتَيْنِ ثمَّ يعود إِلَيْهِ وَيرْفَع الصَّوْت وَالأَصَح أَنه لَيْسَ ركنا إِذْ لَا إبلاغ فِيهِ الثَّالِث التثويب فِي أَذَان الصُّبْح مَشْرُوع على الْقَدِيم وَقَالَ فِي الْجَدِيد أكره ذَلِك لِأَن أَبَا مَحْذُورَة لم يحكه
وَالْفَتْوَى على الْقَدِيم لِأَنَّهُ صَحَّ عَن أبي مَحْذُورَة وَإِن لم يبلغ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ تمّ الْمَشْهُور أَنه لَيْسَ ركنا وَجها وَاحِدًا وَفِيه احْتِمَال الرَّابِع الْقيام واستقبال الْقبْلَة فِي جَمِيع الْأَذَان مَشْرُوع وَهل يعْتد بِالْأَذَانِ دونهمَا فعلى وَجْهَيْن
ينظر فِي أَحدهمَا إِلَى حُصُول مَقْصُود الإبلاغ دونهمَا وَفِي الثَّانِي إِلَى اسْتِمْرَار الْخلق عَلَيْهِ كَمَا فِي الْقيام فِي الْخطْبَتَيْنِ وَالْقعُود بَينهمَا وعَلى الْوَجْهَيْنِ يسْتَحبّ أَن يَقُول حَيّ على الصَّلَاة مرَّتَيْنِ ملتفتا إِلَى الْيَمين بِحَيْثُ لَا يحول صَدره على الْقبْلَة وَفِي حَيّ على الْفَلاح إِلَى الْيَسَار وَاخْتَارَ الْقفال أَنه يقسم الحيعلتين على الْجِهَتَيْنِ أما رفع الصَّوْت فركن إِذْ لَا يحصل الإبلاغ دونه ثمَّ لَا تتأدى سنة هَذَا الشعار إِلَّا بِأَن يعم صَوت المؤذنين جَمِيع أَطْرَاف الْبَلَد الْخَامِس يشْتَرط التَّرْتِيب والموالاة فِي كَلِمَات الْأَذَان فَإِن عكسها لم يعْتد بِهِ وَإِن طول السُّكُوت فِي أَثْنَائِهَا فَقَوْلَانِ وَوجه الْبطلَان أَنه يكَاد يفوت مَقْصُود الإبلاغ بِهِ فَإِن قُلْنَا لَا يبطل فَلَو تكلم فِي مثل تِلْكَ الْمدَّة فَقَوْلَانِ وَلَو بنى عَلَيْهِ غَيره فَقَوْلَانِ مرتبان لزِيَادَة اللّبْس
وَلَو ارْتَدَّ وَطَالَ الزَّمَان فَقَوْلَانِ مرتبان على السُّكُوت وَلَو قصر الزَّمَان فَقَوْلَانِ وَوجه الْبطلَان أَن الرِّدَّة تحبط مَا مضى من الْعِبَادَة وَلَو تكلم فِي أثْنَاء الْأَذَان بِكَلَام يسير لم يضر إِلَّا إِذا رفع صَوته على حد الْأَذَان فَفِيهِ تردد لِأَنَّهُ يجر لبسا
الْفَصْل الثَّالِث فِي صِفَات الْمُؤَذّن
والمشروط ثَلَاث صِفَات
أَن يكون مُسلما عَاقِلا ذكرا فَلَا يعْتد بِأَذَان الْكَافِر وَيتَصَوَّر ذَلِك مِنْهُ إِذا كَانَ عيسويا يعْتَقد أَن مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رَسُول الله إِلَى الْعَرَب
وَلَا يعْتد بِأَذَان الْمَجْنُون والسكران المخبط وَيصِح أَذَان الصَّبِي الْمُمَيز وَلَا يعْتد بِأَذَان الْمَرْأَة أَعنِي أَذَان الإبلاغ للرِّجَال إِذْ رفع الصَّوْت محرم عَلَيْهَا
وَالصِّفَات المسنونة ثَلَاث
الأولى الطَّهَارَة فيعتد بِأَذَان الْجنب والمحدث مَعَ كَرَاهِيَة وكراهية الْجنب أَشد والكراهية فِي الْإِقَامَة أَشد الثَّانِيَة أَن يكون صيتًا حسن الصَّوْت ليَكُون أرق لسامعيه الثَّالِثَة أَن يكون عدلا ثِقَة لإشرافه على بيُوت النَّاس ولتقلده عُهْدَة مَوَاقِيت الْعِبَادَات
مسَائِل ثَلَاثَة بهَا ختام الْبَاب
الأولى أَن الْإِمَامَة أفضل من التأذين على الْأَصَح لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واظب على الْإِمَامَة وَلم يُؤذن وَقيل سَبَب ذَلِك أَنه لَو قَالَ حَيّ على الصَّلَاة للَزِمَ الْحُضُور وَقيل سَببه أَنه لَو قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله لخرج عَن جزل الْكَلَام
وَلَو قَالَ أشهد أَنِّي رَسُول الله لتغير نظم الْأَذَان الثَّانِيَة يسْتَحبّ أَن يكون فِي الْمَسْجِد المطروق مؤذنان أَحدهمَا للصبح قبل الْفجْر وَالْآخر بعده كعادة بِلَال وَابْن أم مَكْتُوم وَإِذا كثر المؤذنون فَلَا يسْتَحبّ أَن يتراسلوا بل إِن وسع الْوَقْت ترتبوا وَإِن ضَاقَ أذنوا آحادا فِي أقطار الْمَسْجِد ثمَّ إِنَّمَا يُقيم من أذن أَولا فَإِن تساووا أَقرع بَينهم وَوقت الْإِقَامَة مَنُوط بِنَظَر الإِمَام وَوقت الْأَذَان مَنُوط بِنَظَر الْمُؤَذّن وَلَو سبق الْمُؤَذّن الرَّاتِب أَجْنَبِي بِالْأَذَانِ لم يسْتَحق ولَايَة الْإِقَامَة على الْأَصَح الثَّالِثَة للْإِمَام أَن يسْتَأْجر على الْأَذَان من بَيت المَال إِذا لم يجد مُتَطَوعا وَهل لآحاد النَّاس ذَلِك فِيهِ خلاف وَوجه الْمَنْع أَن الْفَائِدَة لَا تخْتَص بِهِ فَلَيْسَ لَهُ بذل المَال عوضا عَمَّا لَا يحصل لَهُ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقد كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسْتَقْبل الصَّخْرَة من بَيت الْمُقَدّس مُدَّة مقَامه بِمَكَّة وَهِي قبْلَة الْأَنْبِيَاء وَكَانَ يقف بَين الرُّكْنَيْنِ اليمانيين إِذْ كَانَ لَا يُؤثر استدبار الْكَعْبَة فَلَمَّا هَاجر إِلَى الْمَدِينَة لم يُمكن استقبالها إِلَّا باستدبار الْكَعْبَة وعيرته الْيَهُود وَقَالُوا إِنَّه على ديننَا وَيُصلي إِلَى قبلتنا فَسَأَلَ الله تَعَالَى أَن يحوله إِلَى الْكَعْبَة فَنزل قَوْله تَعَالَى ﴿قد نرى تقلب وَجهك فِي السَّمَاء﴾ الْآيَة
ثمَّ للاستقبال ثَلَاثَة أَرْكَان الصَّلَاة الَّتِى فِيهَا الِاسْتِقْبَال والقبلة وَالْمُصَلي
الرُّكْن الأول الصَّلَاة
وَيتَعَيَّن الِاسْتِقْبَال فِي فرائضها من أَولهَا إِلَى آخرهَا إِلَّا فِي شدَّة الْخَوْف حَال الْقِتَال
وَلَا يجوز أَدَاء الْفَرَائِض على الرَّاحِلَة وَأما الْمَنْذُور فَجَائِز إِن قُلْنَا يسْلك بِهِ مَسْلَك جَائِز الشَّرْع لَا مَسْلَك واجبه وَالأَصَح أَن صَلَاة الْجِنَازَة لَا تُقَام على الرَّاحِلَة لِأَن الرُّكْن الْأَظْهر فِيهَا الْقيام ثمَّ لَيْسَ منع الْفَرْض على الرَّاحِلَة للانحراف عَن الْقبْلَة فَقَط بل لَو صلى على بعير مَعْقُول أَو فِي أرجوحة معلقَة بالحبال لم تجز لِأَنَّهَا غير معدة للقرار بِخِلَاف
السَّفِينَة الْجَارِيَة والزورق المشدود على السَّاحِل لِأَنَّهَا كالسرير وَالْمَاء كالأرض والسفينة الْجَارِيَة تمس حَاجَة الْمُسَافِر إِلَيْهَا إِذْ الْخُرُوج إِلَى السَّاحِل مُتَعَذر للصَّلَاة وَفِي صَلَاة الْمُقِيم بِبَغْدَاد فِي الزواريق الْجَارِيَة مَعَ تَمام الِاسْتِقْبَال وَالْأَفْعَال تردد وَاحْتِمَال أما النَّوَافِل فَيجوز إِقَامَتهَا فِي السّفر الطَّوِيل رَاكِبًا وماشيا رخصَة وترغيبا فِي تَكْثِير النَّوَافِل روى ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته أَنِّي تَوَجَّهت بِهِ دَابَّته
وَرُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوتر على الْبَعِير فاستدل بِهِ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على أَنه غير وَاجِب فِي السّفر الْقصير قَولَانِ
أَحدهمَا جَوَاز التنقل على الرَّاحِلَة لمسيس الْحَاجة وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ تغير ظَاهر لهيئة الصَّلَاة فتختص بالطويل لَا الْقصير وَذهب الْإِصْطَخْرِي إِلَى جَوَاز ذَلِك للمقيم وَهُوَ خلاف نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ ثمَّ نظر فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة للمتنفل وَكَيْفِيَّة أَحْوَاله أما الِاسْتِقْبَال فَفِي ابْتِدَاء الصَّلَاة أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا أَنه يجب الِاسْتِقْبَال عِنْد التَّحْرِيم لِأَنَّهُ لَا عسر فِيهِ بِخِلَاف الدَّوَام فَأشبه النِّيَّة وَالثَّانِي أَنه لَا يجب لِأَن هَذِه الْحَاجة تعم جَمِيع الصَّلَاة الثَّالِث أَن الْعَنَان والزمام إِذا كَانَ بِيَدِهِ وَجب لتيسره وَإِن كَانَت الدَّابَّة مقطرة فَلَا الرَّابِع أَن وَجه الدَّابَّة إِن كَانَت إِلَى الْقبْلَة فَلَا يجوز تحريفها وَإِن كَانَ إِلَى الطَّرِيق فَلَا يلْزمه تحريفها إِلَى الْقبْلَة وَإِن كَانَ إِلَى غَيرهمَا فَلَا بُد من التحريف فليحرفها إِلَى الْقبْلَة ثمَّ ليستبد فِي الطَّرِيق
ثمَّ من أوجب فِي الِابْتِدَاء تردد فِي وَقت السَّلَام كَمَا فِي النِّيَّة أما دوَام الصَّلَاة فَلَا يجب الِاسْتِقْبَال فِيهَا لَكِن صوب الطَّرِيق بدل عَن الْقبْلَة فَلَو كَانَ رَاكب تعاسيف فَلَا يتَنَفَّل أصلا لِأَن الثُّبُوت فِي جِهَة لَا بُد مِنْهُ
فَلَو كَانَ لمقصده صوب وَلَكِن لم يسْلك طَرِيقا مَعْلُوما فَقَوْلَانِ فرع لَو انحرفت الدَّابَّة فِي أثْنَاء الصَّلَاة عَن صوب الطَّرِيق نظر فَإِن كَانَ بتحريفه عمدا وَلَو فِي لَحْظَة بطلت صلَاته وَإِن كَانَ نَاسِيا للصَّلَاة وتدارك مَعَ قصر الزَّمَان لم تبطل وَإِن طَال فَفِيهِ خلاف وَمثله جَار فِي الاستدبار نَاسِيا ثمَّ إِذا لم تبطل يسْجد للسَّهْو وَإِن كَانَ بجماح الدَّابَّة بَطل إِن طَال الزَّمَان كَمَا إِذا أمال الْمُسْتَقْبل إِنْسَان
وَإِن قصر الزَّمَان فَوَجْهَانِ فِي الإمالة وَالظَّاهِر أَنه فِي الجماح أَنه لَا يبطل لِأَن جماح الدَّابَّة عَام ثمَّ هَاهُنَا لَا يسْجد للسَّهْو إِذْ لَا تَقْصِير مِنْهُ أما كَيْفيَّة الْأَفْعَال فَإِن كَانَ فِي مرقد فليتم الرُّكُوع وَالسُّجُود وَإِن كَانَ
على سرج أَو رَحل فينحني لَهما وَيجْعَل السُّجُود أَخفض من الرُّكُوع وَلَا يلْزمه أَن ينحني بِحَيْثُ يُسَاوِي الساجد على الأَرْض وَلَا أَن تمس جَبهته شَيْئا لِأَن نزقات الدَّابَّة لَا تؤمن أما الْمَاشِي فيتنفل عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة وَحكم استقباله حكم رَاكب بِيَدِهِ زِمَام دَابَّته وَنقل عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَن الْمَاشِي يرْكَع وَيسْجد وَيقْعد ويستقر لابثا فِي هَذِه الْأَركان وَلَا يمشي إِلَّا فِي حَالَة الْقيام قَارِئًا
وَخرج ابْن سُرَيج قولا أَنه لَا يلبث ويقتصر على الْإِيمَاء بِالسُّجُود وَالرُّكُوع كَيْلا يتعطل مَقْصُود السّفر
فرعان
الأول لَو مسي فِي نَجَاسَة قصدا فَسدتْ صلَاته بِخِلَاف مَا لَو وطئ فرسه نَجَاسَة وَلَا يُكَلف الْمَاشِي أَن يُبَالغ فِي التحفظ عَن النَّجَاسَات الْيَابِسَة فَإِن ذَلِك مِمَّا يكثر فِي الطّرق الثَّانِي لَو عزم على الْإِقَامَة وَهُوَ فِي أثْنَاء الصَّلَاة فَلَيْسَ لَهُ أَن يتمم رَاكِبًا
بل عَلَيْهِ أَن ينزل ويتمم وَإِن لم يعزم على الْإِقَامَة وَهُوَ مُتَرَدّد لِحَاجَتِهِ فِي الْبَلَد أَو وَاقِف على رجله فَلهُ أَن يتمم
الرُّكْن الثَّانِي الْقبْلَة
وفيهَا مسَائِل تتشعب من موقف الْمُسْتَقْبل
الْموقف الأول جَوف الْكَعْبَة فالواقف فِيهَا لَهُ أَن يسْتَقْبل أَي جِدَار شَاءَ وَلَهُم عقد الْجَمَاعَة متدابرين مُسْتَقْبلين للجدران وَلَو اسْتقْبل الْبَاب وَهُوَ مَرْدُود صَحَّ لِأَنَّهُ من أَجزَاء الْبَيْت وَإِن كَانَ مَفْتُوحًا والعتبة مُرْتَفعَة قدر مؤخرة الرحل جَازَ وَإِن كَانَت أقل فَلَا وَلَو انْهَدَمت الْكَعْبَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَوقف فِي وسط الْعَرَصَة لم تصح صلَاته إِلَّا أَن يكون بَين يَدَيْهِ شَجَرَة أَو بَقِيَّة من حيطان الْبَيْت
وَخرج ابْن سُرَيج قولا إِنَّه يَصح صلَاته لِأَن بَين يَدَيْهِ أَرض الْكَعْبَة وَهُوَ مستعل عَلَيْهَا الْموقف الثَّانِي سطح الْكَعْبَة وَلَا تصح الصَّلَاة عَلَيْهَا إِن لم يكن بَين يَدَيْهِ شئ شاخص من نفس الْكَعْبَة كسترة أَو خَشَبَة لِأَنَّهُ لَا يُسمى مُسْتَقْبلا بِخِلَاف مَا لَو وقف على أبي قبيس والكعبة تَحْتَهُ فَإِنَّهُ يُسمى مُسْتَقْبلا لِخُرُوجِهِ مِنْهَا وَلَو وضع بَين يَدَيْهِ شَيْئا لَا يَكْفِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءا وَلَو غرز بَين يَدَيْهِ خَشَبَة فَوَجْهَانِ لِأَن الْمُثبت بالغرز قد يعد من أَجزَاء الْبناء
الثَّالِث الْوَاقِف فِي الْمَسْجِد يلْزمه محاذاة الْكَعْبَة فَلَو وقف على طرف وَنصف بدنه فِي محاذاة ركن فَفِي صِحَة صلَاته وَجْهَان وَلَو امْتَدَّ صف مستطيل قريب من الْبَيْت فالخارجون عَن سمت الْبَيْت ومحاذاته لَا صَلَاة لَهُم وَهَؤُلَاء بعينهم قد يفْرض تراخيهم إِلَى آخر بَاب الْمَسْجِد فَتَصِح صلواتهم لحُصُول صُورَة الِاسْتِقْبَال من حَيْثُ الِاسْم الرَّابِع الْوَاقِف بِمَكَّة خَارج الْمَسْجِد يَنْبَغِي أَن يُسَوِّي محرابه بِنَاء على عيان الْكَعْبَة فَإِن دخل بَيْتا وَلم يقدر على مُعَاينَة الْكَعْبَة لتسوية الْقبْلَة فَلهُ أَن يسْتَدلّ على الْكَعْبَة بِمَا يدل عَلَيْهِ الْخَامِس الْوَاقِف بِالْمَدِينَةِ ينزل محراب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَقه منزلَة الْكَعْبَة إِذْ لَا يُمكن الْخَطَأ فِيهِ وَلَا يجوز الِاجْتِهَاد فِيهِ بالتيامن والتياسر
أما فِي سَائِر الْبِلَاد فَيجوز الِاعْتِمَاد على الْمِحْرَاب الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَالظَّاهِر جَوَاز الِاجْتِهَاد فِي التَّيَامُن والتياسر وَقيل إِن ذَلِك مَمْنُوع
الرُّكْن الثَّالِث فِي الْمُسْتَقْبل
فَإِن كَانَ قَادِرًا على معرفَة جِهَة الْقبْلَة يَقِينا لم يجز لَهُ الِاجْتِهَاد فَإِن عجز عَن الْيَقِين اجْتهد فَإِن عجز عَن الِاجْتِهَاد بالعمى فليقلد شخصا مُكَلّفا مُسلما عَارِفًا بدلائل الْقبْلَة أما الْمُجْتَهد فَلَيْسَ لَهُ أَن يُقَلّد غَيره فَإِن ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْت وَهُوَ مار فِي نظره فَهُوَ كمن يتناوب مَعَ جمع على بِئْر وَعلم أَن النّوبَة لَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ إِلَّا بعد الْوَقْت وَقد ذكرنَا حكمه وَإِن ارتج عَلَيْهِ طَرِيق الصَّوَاب وتحير فَفِي تَقْلِيده
خلاف وَاخْتِيَار الْمُزنِيّ جَوَازه لِأَنَّهُ الْآن كالأعمى وَمِنْهُم من منع لِأَنَّهُ نَاظر والتقليد لَا يَلِيق بِهِ فَإِن قُلْنَا لَا يُقَلّد فيصلى على حسب حَاله ثمَّ يقْضِي كالأعمى إِذْ لم يجد من يرشده وَالأَصَح أَنه يُقَلّد وَلَكِن يقْضى لِأَن هَذَا عذر نَادِر أما الْبَصِير الْجَاهِل بالأدلة فيبتنى أمره على أَن تعلم أَدِلَّة الْقبْلَة هَل يتَعَيَّن وَفِيه خلاف فَإِن قُلْنَا يتَعَيَّن فالتقليد لَا يسْقط الْقَضَاء عَنهُ لِأَنَّهُ مقصر وَإِن قُلْنَا إِنَّه لَا يتَعَيَّن فَهُوَ كالأعمى
هَذَا بَيَان مَحل التَّقْلِيد وَالِاجْتِهَاد فَأَما حكم الِاجْتِهَاد فَإِنَّهُ إِذا بنى عَلَيْهِ لم يلْزمه قَضَاء الصَّلَاة إِلَّا إِذا تعين لَهُ الْخَطَأ وَبَان جِهَة الصَّوَاب فَفِي الْقَضَاء قَولَانِ أَحدهمَا لَا يجب لِأَنَّهُ أدّى مَا كلف وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة والمزني وَالثَّانِي أَنه يجب لِأَنَّهُ فَاتَ الْمَقْصُود وَالْقَوْلَان جاريان فِي الِاجْتِهَاد فِي الْأَوَانِي وَالثيَاب وَكَذَا فِي وَقت الصَّوْم وَالصَّلَاة إِن بَان لَهُ أَنه أداهما قبل الْوَقْت فَأَما إِذا وَقع بعد الْوَقْت فَلَا قَضَاء هَذَا فِيمَن عجز عَن دَرك الْيَقِين فِي الْوَقْت فَأَما من اجْتهد فِي أول الْوَقْت وَهُوَ مُتَمَكن من الصَّبْر فَالْأَوْجه أَن يُقَال اجْتِهَاده صَحِيح بِشَرْط الْإِصَابَة وسلامة الْعَاقِبَة أما إِذا بَان الْخَطَأ يَقِينا وَلم تظهر لَهُ جِهَة الصَّوَاب إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ فَفِي
الْقَضَاء قَولَانِ مرتبان وَأولى بِأَن لَا يجب لِأَن الْخَطَأ أَيْضا مُمكن فِي الْقَضَاء فَأشبه خطأ الحجيج يَوْم عَرَفَة أما إِذا تغير حَاله فِي الصَّلَاة بِأَن تَيَقّن أَنه مستدبر للكعبة فَإِن أَوجَبْنَا الْقَضَاء بطلت صلَاته وَلَزِمَه الِاسْتِئْنَاف وَإِن قُلْنَا لَا قَضَاء فَقَوْلَانِ
أَحدهمَا أَنه يتَحَوَّل إِلَى الْجِهَة الْأُخْرَى وَالثَّانِي أَنه يسْتَأْنف لِأَن الْجمع فِي صَلَاة واحده بَين جِهَتَيْنِ مستنكر وَلَو تبين بِالِاجْتِهَادِ أَنه مستدبر فَحكمه حكم التيقن أما إِذا ظهر الْخَطَأ يَقِينا أَو ظنا وَلَكِن لم تظهر جِهَة الصَّوَاب فَإِن طَال زمَان التحير بَطل وَإِن قصر فَقَوْلَانِ ثمَّ حد الطول أَن يمْضِي ركن أَو وَقت مُضِيّ ركن وَالْقصر دون ذَلِك فَإِن عجز عَن الدَّرك بِالِاجْتِهَادِ على الْقرب بطلت صلَاته وَإِن قدر على ذَلِك فَفِي الْبطلَان قَولَانِ مرتبان وَأولى بِالْبُطْلَانِ لأجل التحير ثمَّ مُدَّة الْقرب تعْتَبر بِمَا إِذا صرف وَجه
الْمُصَلِّي عَن الْقبْلَة قهرا هَذَا كُله فِي الْخَطَأ فِي الْجِهَة فَإِن بَان لَهُ الْخَطَأ فِي التَّيَامُن والتياسر فَهَذَا هَل
يُؤثر فِيهِ خلاف مَبْنِيّ على أَن الْمَطْلُوب جِهَة الْكَعْبَة أَو عينهَا هَكَذَا قَالَه الْأَصْحَاب وَفِيه نظر لِأَن الْجِهَة لَا تَكْفِي بِدَلِيل الْقَرِيب من الْكَعْبَة إِذْ خرج عَن محاذاة
الرُّكْن فَإِنَّهُ لَا تصح صلَاته مَعَ اسْتِقْبَال الْجِهَة ومحاذاة الْعين أَيْضا لَيْسَ بِشَرْط
فَإِن الصَّفّ الطَّوِيل فِي آخر الْمَسْجِد لَو تزاحفوا إِلَى الْكَعْبَة خرج بَعضهم عَن محاذاة الْعين وَتَصِح صلَاتهم فَكيف الصَّفّ الطَّوِيل فِي أقْصَى الْمشرق فَلَعَلَّ مُرَاد الْأَصْحَاب أَن بَين موقف المحاذي الذى يَقُول الحاذق فِيهِ إِنَّه على غَايَة السداد وَبَين موقفه الذى يُقَال فِيهِ إِنَّه خرج عَن اسْم الِاسْتِقْبَال بِالْكُلِّيَّةِ مَوَاقِف يُقَال فِيهَا إِن بَعْضهَا أَسد من بعض وَإِن كَانَ الْكل سديدا فَطلب الْأسد هَل يجب فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لإمكانه وَالثَّانِي لَا لِأَن حَقِيقَة الْمُحَاذَاة فِي الْمَسْجِد مُمكن ثمَّ لم تجب اكْتِفَاء بِالِاسْمِ فَكَذَا هَاهُنَا
فروع أَرْبَعَة
الأول لَو صلى أَربع صلوَات إِلَى أَربع جِهَات بِأَرْبَع اجتهادات فالنص أَنه لَا قَضَاء قولا وَاحِدًا لِأَن الْخَطَأ لم يتَعَيَّن وَخرج صَاحب التَّقْرِيب أَنه يقْضِي الْكل كَمَا لَو نسي ثلث صلوَات من أَربع صلوَات الثَّانِي إِذا صلى الظّهْر بِاجْتِهَاد فَهَل يلْزمه اسْتِئْنَاف الِاجْتِهَاد للعصر فعلى وَجْهَيْن ينظر فِي أَحدهمَا إِلَى تعدد الصَّلَاة وَإِمْكَان تغير الِاجْتِهَاد وَفِي الثَّانِي إِلَى اتِّحَاد الْقبْلَة واتحاد الْمَكَان الثَّالِث إِذا أدّى اجْتِهَاد رجلَيْنِ إِلَى جِهَتَيْنِ فَلَا يَقْتَدِي أَحدهمَا بِالْآخرِ
الرَّابِع إِذا تحرم الْمُقَلّد بِالصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ من هُوَ دون مقلده أَو مثله أَخطَأ بك فلَان لم يلْزمه قبُوله وَإِن كَانَ أعلم مِنْهُ فَهُوَ كتغير اجْتِهَاد الْبَصِير فِي أثْنَاء الصَّلَاة وَلَو قطع بخطئه وَقَالَ الْقبْلَة وَرَاءَك وَهُوَ عدل فَيلْزمهُ الْقبُول لِأَن قطعه أرجح من ظن غَيره وَلَو قَالَ بَصِير للأعمى المتلبس بِالصَّلَاةِ أَنْت مُسْتَقْبل الشَّمْس وَعلم الْأَعْمَى أَن الْقبْلَة لَيست فِي جِهَة الشَّمْس فَعَلَيهِ قبُوله لِأَن هَذَا إِخْبَار عَن محسوس لَا اجْتِهَاد
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الرَّابِع فِي كَيْفيَّة الصَّلَاة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأفعال الصَّلَاة تَنْقَسِم إِلَى أَرْكَان وأبعاض وَسنَن وهيئات