وَجْهَان وَجه الْمَنْع أَن هَذِه سنة مُؤَكدَة فَيتبع فِي حَدهَا التَّوْقِيف كركعتي الصُّبْح وَوجه الْجَوَاز أَن اخْتِلَاف فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يدل على فتح الْبَاب الثَّانِي إِذا زَاد على الْوَاحِدَة فَفِي التَّشَهُّد وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يتَشَهَّد تشهدين فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَالثَّانِي أَنه يتَشَهَّد فِي الْأَخِيرَة تشهدا وَاحِدًا كَيْلا يشْتَبه بالمغرب إِن كَانَ ثَلَاثًا وكل ذَلِك مَنْقُول وَالْكَلَام فِي الأولى نعم لَو تشهد فِي كل رَكْعَة فَهَذَا لم ينْقل الثَّالِث الْأَفْضَل فِي عدد الرَّكْعَات مَاذَا فِيهِ أَرْبَعَة أوجه
أَحدهمَا أَنه ثَلَاثَة مَوْصُولَة أفضل فَإِن الرَّكْعَة المفردة لَيست صَلَاة عِنْد قوم فليحترز عَن شُبْهَة الْخلاف الثَّانِي أَن رَكْعَة فردة أولى من ثَلَاثَة مَوْصُولَة بل من إِحْدَى عشرَة مَوْصُولَة لِأَنَّهُ صَحَّ مواظبته على الفردة فِي آخر التَّهَجُّد الثَّالِث أَن ثَلَاثَة مفصولة بسلامين أفضل من ثَلَاثَة مَوْصُولَة وَلَكِن الْوَاحِدَة لَيست أفضل من ثَلَاثَة مَوْصُولَة الرَّابِع أَن الإِمَام تسْتَحب فِي حَقه الموصولة لاخْتِلَاف اعْتِقَاد المقتدين بِهِ حَتَّى تصح صلَاته فِي كل مَذْهَب الحكم الرَّابِع حق الْوتر أَن يكون موترا لما قبله فَلَو أوتر بِوَاحِدَة قبل الْفَرْض لم يَصح وتره على الْمَذْهَب وَلَو أوتر بِوَاحِدَة بعد الْفَرْض فَوَجْهَانِ وَوجه الْمَنْع أَن الموتر هُوَ النَّفْل وَكَأَنَّهُ مُقَدّمَة مَشْرُوطَة لصِحَّة الْوتر فَإِن وصل بهما تَسْلِيمَة وَاحِدَة نوى بِالْكُلِّ الْوتر وَإِن لم يصل نوى سنة ثمَّ يصير وترا بِمَا بعْدهَا وَليكن الْوتر آخر صلوَات المتهجد كَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ لَا يُوتر وينام ثمَّ يقوم وَيُصلي ويوتر وَكَانَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ يُوتر ثمَّ ينَام وَيقوم ويتهجد
ووتره سَابق فَتَرَافَعَا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ هَذَا أَخذ بالحزم عَنى بِهِ أَبَا بكر وَهَذَا أَخذ بِالْقُوَّةِ عَنى بِهِ عمر وَكَانَ ابْن عمر يُوتر ثمَّ إِذا انتبه صلى رَكْعَة وَجعل وتره شفعا ويتهجد ثمَّ أعَاد الْوتر وسمى ذَلِك نقض الْوتر
وَاخْتَارَ الشَّافِعِي فعل أبي بكر رَضِي الله عَنهُ وأرضاه الْخَامِس الْقُنُوت مُسْتَحبّ فِي الْوتر فِي النّصْف الْأَخير من رَمَضَان بعد رفع الرَّأْس من الرُّكُوع وَقَالَ أَبُو حنيفَة يقنت قبل الرُّكُوع فِي الْوتر جَمِيع السّنة وَقَالَ مَالك بعد الرُّكُوع فِي جَمِيع شهر رَمَضَان وَفِي الْجَهْر بِالْقُنُوتِ خلاف وَالْعَادَة قِرَاءَة ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ و ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ فِي الْأَوليين وَقِرَاءَة سُورَة الْإِخْلَاص والمعوذتين فِي الْأَخِيرَة وَقيل إِن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا رَوَت ذَلِك
الْفَصْل الثَّانِي فِي غير الرَّوَاتِب
وهى تَنْقَسِم إِلَى مَا يشرع فِيهِ الْجَمَاعَة كالعيدين والخسوفين وَالِاسْتِسْقَاء وَهِي أفضل مِمَّا لَا جمَاعَة فِيهِ وأفضلها العيدان لتأقيتهما ثمَّ الخسوفان أما الرَّوَاتِب فأفضلها الْوتر وركعتا الْفجْر وَفِيهِمَا قَولَانِ أَحدهمَا أَن الْوتر أفضل لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ وَإِن زادكم صَلَاة هى خير لكم من حمر النعم وَالثَّانِي رَكعَتَا الْفجْر أفضل لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام رَكعَتَا الْفجْر خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
فَأَما مَا عدا الرَّوَاتِب مِمَّا لَا تشرع الْجَمَاعَة فِيهَا كَصَلَاة الضُّحَى وتحية الْمَسْجِد وركعتي الطّواف وَسَائِر التطوعات الَّتِى لَا سَبَب لَهَا وَفِي التَّرَاوِيح ثَلَاثَة أوجه أَحدهمَا أَن الْجَمَاعَة أولى تأسيا بعمر رَضِي الله عَنهُ وَالثَّانِي الِانْفِرَاد أولى لِأَن الأستخلاء بِصَلَاة اللَّيْل أبعد من الرِّيَاء وَالثَّالِث أَنه إِن كَانَ لَا يخَاف الكسل ويحفظ الْقُرْآن فالانفراد أولى وَإِلَّا فالجماعة وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فضل تطوع الرجل فِي بَيته على تطوعه فِي الْمَسْجِد كفضل صَلَاة الْمَكْتُوبَة فِي الْمَسْجِد على صلَاته فِي بَيته وَرُوِيَ أَنه قَالَ صَلَاة فِي
مَسْجِدي هَذَا أفضل من مائَة صَلَاة فِي غَيره من الْمَسَاجِد وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أفضل من ألف صَلَاة فِي مَسْجِدي وَأفضل من ذَلِك كل رجل يُصَلِّي فِي زَاوِيَة بَيته رَكْعَتَيْنِ لَا يعلمهما إِلَّا الله
قَوَاعِد ثَلَاثَة
الأولى التطوعات الَّتِى لَا سَبَب لَهَا لَا حصر لركعاتها فَإِن تحرم بِرَكْعَة جَازَ لَهُ أَن يُتمهَا مائَة بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة إِن تحرم بِمِائَة جَازَ لَهُ أَن يقْتَصر على وَاحِدَة فَمَا فَوْقهَا وَله أَن يتَشَهَّد بَين كل رَكْعَتَيْنِ أَو فِي كل رَكْعَة أَو فِي آخر الصَّلَاة فَقَط وَالْأولَى من التطوعات مثنى مثنى على نهج الرَّوَاتِب الثَّانِيَة فِي قَضَاء النَّوَافِل ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهمَا أَنَّهَا تقضى قِيَاسا على الْفَرَائِض وَالثَّانِي لَا وَالْأَصْل أَن الْقَضَاء يجب بِأَمْر مُجَدد فَأَما الْفَرَائِض فَإِنَّهَا دُيُون لَازِمَة وَالثَّالِث مَا تأقت بِوَقْت وَلم يتبع فَرِيضَة كَصَلَاة الْعِيد وَالضُّحَى يقْضى والتوابع لَا تقضى فَإِن فرعنا على الْقَضَاء فَالصَّحِيح أَنه يقْضى أبدا
وَقيل إِن فَائت النَّهَار يقْضى بِالنَّهَارِ وفائت اللَّيْل بِاللَّيْلِ وَلَا يتَجَاوَز ذَلِك وَقيل تقضى نَافِلَة كل صَلَاة مَا لم يدْخل وَقت فَرِيضَة أُخْرَى أما رَكعَتَا الصُّبْح فتؤدى بعد فعل الصُّبْح وَلَا يكون قَضَاء فَإِن تَقْدِيمه أدب الثَّالِثَة يُؤَدِّي النَّافِلَة قَاعِدا مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام وَفِي الِاضْطِجَاع خلاف وَلَو قَالَ لله عَليّ أَن أقوم فِي كل نَافِلَة لم يلْزمه كَمَا لَو الْتزم الْإِتْمَام وَالصَّوْم فِي السّفر فَإِن هَذَا تَغْيِير الشَّرْع فخلاف مَا لَو قَالَ لله عَليّ أَن أُصَلِّي أَربع رَكْعَات قَائِما فَإِن ذَلِك يلْزمه وَلَو لم يقل قَائِما وَقُلْنَا النّذر ينزل على وَاجِب الشَّرْع لَا على جائزه يلْزمه
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي فضل الْجَمَاعَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهى مُسْتَحبَّة غير وَاجِبَة إِلَّا فِي صَلَاة الْجُمُعَة وَهِي وَاجِبَة عِنْد دَاوُد وَأحمد وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا هى فرض على الْكِفَايَة
وفيهَا خمس مسَائِل
الأولى الْجَمَاعَة فِي الْجمع الْكثير أفضل إِلَّا إِذا تعطل فِي جواره مَسْجِد فإحياؤه وَلَو بِجمع قَلِيل أفضل الثَّانِيَة تحوز الْمَرْأَة فضل الْجَمَاعَة اقتدت بِرَجُل أَو امْرَأَة قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام تقف إِمَام النِّسَاء وسطهن وَكَانَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا تفعل كَذَلِك
وَقَالَ أَبُو حنيفَة الِانْفِرَاد وَالْجَمَاعَة فِي حَقّهَا سَوَاء الثَّالِثَة وَردت رغائب فِي فَضِيلَة التَّكْبِيرَة الأولى وَذَلِكَ بِشُهُود الْمُقْتَدِي تحرم الإِمَام واتباعه لَهُ وَقيل مدرك الرُّكُوع مدرك لفضيلتها وَقيل لَا بُد من إِدْرَاك الْقيام أما فَضِيلَة الْجَمَاعَة فَتحصل بِأَن يدْرك الإِمَام فِي الرُّكُوع الْأَخير وَلَا تحصل بِمَا بعده لِأَنَّهُ لَيْسَ محسوبا لَهُ فِي صلَاته الرَّابِعَة إِذا أحس الإِمَام بداخل فِي الرُّكُوع فمده ليدركه الدَّاخِل فَثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَن ذَلِك لَا يجوز بل لَو طول بطلت صلَاته وَالثَّانِي أَنه لَا يبطل وَلَكِن يكره وَالثَّالِث أَنه يسْتَحبّ وَلَكِن بِشَرْط أَن لَا يظْهر التَّطْوِيل وَأَن لَا يُمَيّز بَين دَاخل وداخل الْخَامِسَة من صلى فِي جمَاعَة لم يسْتَحبّ لَهُ إِعَادَتهَا فِي جمَاعَة أُخْرَى عل الصَّحِيح فَأَما الْمُنْفَرد فَيُعِيد بِالْجَمَاعَة ثمَّ الْفَرْض أَيهمَا فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه الأولى لسُقُوط الْخطاب بِهِ وعَلى هَذَا لَا ينوى فِي الثَّانِيَة
الْفَرْضِيَّة بل يكون ظهرا نفلا كَمَا فِي حق الصَّبِي وَقيل إِن كَانَ فِي الْمغرب يزِيد رَكْعَة حَتَّى لَا يبْقى وترا فَإِن الأحب فِي النَّوَافِل الشفع الثَّانِي أَن الْفَرْض أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه يحتستب الله تَعَالَى أَيهمَا شَاءَ فعلى هَذَا يَنْوِي الْفَرْض فِي الثَّانِي
قَاعِدَة
لَا رخصَة فِي ترك الْجَمَاعَات إِلَّا بِعُذْر عَام كالمطر مَعَ الوحل وَالرِّيح
الْعَاصِفَة بِاللَّيْلِ دون النَّهَار أَو خَاص مثل أَن يكون مَرِيضا أَو جائعا أَو ممرضا أَو هَارِبا من السُّلْطَان أَو مديونا مُعسرا يحذر الْحَبْس أَو حَافظ مَال أَو منشد ضَالَّة أَو عَلَيْهِ قصاص يَرْجُو الْعَفو عِنْد سُكُون الغليل أَو كَانَ حاقنا وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يصلين أحدكُم وَهُوَ زناء وروى وَهُوَ ضام وركيه أَي حاقنا
وَقيل إِنَّه إِذا ألحقته الْحَاجة بِحَيْثُ تبطل الْخُشُوع لم تصح صلَاته
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي صِفَات الْأَئِمَّة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول فِيمَن يَصح الِاقْتِدَاء بِهِ
وكل من لَا تُجزئ صلَاته عَن وجوب الْقَضَاء فَلَا يَصح الِاقْتِدَاء بِهِ كمن لم يجد مَاء وَلَا تُرَابا وَلَو اقْتدى بِهِ مثله فَفِيهِ تردد وَمن صحت صلَاته فِي نَفسه صَحَّ الِاقْتِدَاء بِهِ إِلَّا الْمُقْتَدِي وَالْمَرْأَة والأمي فَيصح الِاقْتِدَاء بِالصَّبِيِّ وَالرَّقِيق والمتيمم وَالْمَرِيض الْقَاعِد وَيقف الْمُقْتَدِي قَائِما وَيصِح الِاقْتِدَاء بالأعمى وَهُوَ أولى من الْبَصِير لِأَنَّهُ أخشع خلافًا لأبي حنيفَة أما الْمُقْتَدِي فَهُوَ تَابع فَلَا يقْتَدى بِهِ وَأما الْمَرْأَة فَلَا يَقْتَدِي الرجل بهَا وَإِن كَانَ محرما وَلَا بالخنثى وَلَا يَقْتَدِي الْخُنْثَى بالخنثى فَإِن اقْتدى بخنثى ثمَّ بَان بعد الصَّلَاة كَونه رجلا فأصح الْقَوْلَيْنِ وجوب الْقَضَاء لِأَن التَّرَدُّد منع الصِّحَّة فِي الِابْتِدَاء أما الْمَرْأَة فتقتدي بِالرجلِ وبالخنثى وَلَا بَأْس بِحُضُور الْعَجُوز الْمَسْجِد ووقوفها فِي آخر الصَّفّ وَمن الْعلمَاء من كره ذَلِك
أما الْأُمِّي وَهُوَ الذى يحسن الْفَاتِحَة أَو شَيْئا مِنْهَا فَيصح اقْتِدَاء الْأُمِّي بِهِ وَلَا يَصح للقارئ الِاقْتِدَاء بِهِ عل الْجَدِيد لِأَنَّهُ بصدد تحمل الْفَاتِحَة عَن الْمَسْبُوق وَيجوز فِي الْقَدِيم وَهُوَ مَذْهَب الْمُزنِيّ وَهُوَ مُقْتَضى قِيَاس الِاقْتِدَاء بالمتيمم وَالْمَرِيض وَخرج قَول ثَالِث إِنَّه لَا يجوز فِي الجهرية على قَوْلنَا إِن الْمَأْمُوم فِي الجهرية لَا يقْرَأ وَيجوز فِي السّريَّة
فرعان
أَحدهمَا من يحسن النّصْف الأول من الْفَاتِحَة لَا يَقْتَدِي بِمن لَا يحسن إِلَّا النّصْف الْأَخير لِأَنَّهُ أُمِّي فِي بعض مَا يُحسنهُ المقتدى والأمي فِي حرف كالأمي فِي الْكل الثَّانِي لَو تبين بعد الصَّلَاة أَنه كَانَ أُمِّيا لم يلْزمه الْقَضَاء كَمَا لَو بَان كَونه جنبا أَو مُحدثا وَلَو بَان كَونه امْرَأَة أَو كَافِرًا لزمَه الْقَضَاء لِأَن ذَلِك مِمَّا تظهر علامته غَالِبا وَلَا يعرف بِصَلَاتِهِ كَونه مُسلما مَا لم يسمع مِنْهُ كلمة الشَّهَادَة وَلَو بَان كَونه زنديقا فَوَجْهَانِ لِأَن ذَلِك يخفى فِي غَالب الْأَمر
الْفَصْل الثَّانِي فِيمَن هُوَ أولى بِالْإِمَامَةِ
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام يؤمكم أقرؤكم فَإِن لم يكن فأعلمكم بِالسنةِ فَإِن لم يكن فأقدمكم سنا إِلَّا أَن الأفقه مقدم على الأقرأ لِأَن حَاجَة الصَّلَاة إِلَى الْفِقْه أَكثر والفقيه أَيْضا مقدم على الْمَشْهُور بالورع لذَلِك وَإِن كَانَ الْوَرع مقدما عل الْفَقِيه الْفَاسِق وَقدم رَسُول الله صلى عَلَيْهِ وَسلم الأقرأ إِذْ كَانَ أقرأهم فِي ذَلِك الْعَصْر أفقههم فأحق الْخِصَال الْفِقْه ثمَّ ظُهُور الْوَرع ثمَّ السن وَالنّسب وَفِيهِمَا قَولَانِ
أَحدهمَا تَقْدِيم النّسَب لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قدمُوا قُريْشًا وَالثَّانِي تَقْدِيم السن لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أقدمكم سنا فَإِن تَسَاوَت هَذِه الصِّفَات فيرجح بِحسن المنظر ونظافة الثَّوْب وَمن كره الْقَوْم إِمَامَته كره لَهُ ذَلِك وَأما بِاعْتِبَار الْمَكَان فالوالي أولى من الْمَالِك وَالْمَالِك أولى من غَيره وَالْمُسْتَأْجر أولى من الْمَالِك وَالسَّيِّد أولى من العَبْد السَّاكِن وَفِي الْمُسْتَعِير والمعير تردد للأصحاب وَالله تَعَالَى أعلم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي شَرَائِط الْقدْوَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وشروطها الْمُتَابَعَة قصدا وفعلا وموقفا وَيرجع ذَلِك إِلَى شُرُوط سِتَّة الأول أَن لَا يتَقَدَّم فِي الْموقف على الإِمَام فَإِن فعل بطلت صلَاته على الْجَدِيد خلافًا لمَالِك وَلَا تبطل بتقدمه صَلَاة الإِمَام وَلَا بتقدم الْمَرْأَة إِذا اقتدت خلافًا لأبي حنيفَة وَلَو ساواه جَازَ وَلَكِن التَّخَلُّف قَلِيلا أحب ثمَّ التعويل على مُسَاوَاة الكعب فَإِن الْمشْط قد يطول وَالْمُسْتَحب إِذا كَانُوا ثَلَاثَة أَن يصطفوا خَلفه وَالْوَاحد يقف على يَمِينه والاثنان يصطفان عندنَا وَقَالَ ابْن مَسْعُود يقف أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن يسَاره وَلَو أم بِرَجُل وامراة وقف الرجل عَن يَمِينه وَالْمَرْأَة خَلفه وَلَو أم بِامْرَأَة وَخُنْثَى وقفت الْمَرْأَة خلف الْخُنْثَى وَمِمَّا يسْتَحبّ فِي الْموقف أَن لَا يقف الدَّاخِل مُنْفَردا إِذا وجد صفا فَلْيدْخلْ الصَّفّ أَو يجذب إِلَى نَفسه وَاحِدًا مِنْهُم إِن ضَاقَ الصَّفّ وَحقّ الْمَجْرُور أَن يساعده وَصَلَاة
الْمُنْفَرد فِي الصَّفّ مَكْرُوهَة صَحِيحَة وَقَالَ أَحْمد هى بَاطِلَة
فرع
لَو وقفُوا حول الْكَعْبَة أَو دَاخل الْبَيْت مُتَقَابلين صحت صلَاتهم إِذْ لَا يظْهر فِيهِ التَّقَدُّم وَقد قيل يَنْبَغِي أَن يكون الْمَأْمُوم أقرب إِلَى الْكَعْبَة فِي جِهَته من الإِمَام الشَّرْط الثَّانِي أَن يجْتَمع الْمَأْمُوم وَالْإِمَام فِي مَكَان وَاحِد فَلَا يبعد تخلفه وَلَا يكون بَينهمَا حَائِل لتحصل نِسْبَة الِاجْتِمَاع والمواضع ثَلَاثَة مَوضِع بنى للصَّلَاة فَهُوَ جَامع وَإِن اخْتلف الْبناء وَبعد التَّخَلُّف فَهُوَ كالمسجد فَلَو وقف على السَّطْح الإِمَام فِي بِئْر فِي الْمَسْجِد صَحَّ وَلَو كَانَا فِي بَيْتَيْنِ فِي الْمَسْجِد أَو مسجدين متجاورين وَبَينهمَا بَاب لافظ مَفْتُوح أَو مَرْدُود وَصَحَّ الْموضع الثَّانِي الساحة الَّتِى لَا يجمعها حَائِط فَيَنْبَغِي أَن يكون الْمَأْمُوم فِيهَا على حد قرب وَهُوَ غلوة سهم مَا بَين مِائَتي ذِرَاع إِلَى ثلثمِائة لِأَن الْمَكَان إِذا اتَّسع كَانَ هَذَا اجتماعا وَقيل إِنَّه مَأْخُوذ من مَسَافَة بعد المقابلين فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع عَن رَسُول الله
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَنهم كَانُوا مقتدين وَحكم الصَّلَاة مُسْتَمر عَلَيْهِم وَيُمكن حد ذَلِك بِمَا يبلغ الْمَأْمُوم فِيهِ صَوت الإِمَام عِنْد الْجَهْر الْمُعْتَاد وَهَذَا جَار فِي الْأَمْلَاك والبيوت الواسعة وَقيل إِنَّه يشْتَرط اتِّصَال الصَّفّ فِي الْملك وَهُوَ بعيد
فرع
إِذا كَانَ بَين الإِمَام وَالْمَأْمُوم شَارِع مطروق أَو نهر لَا يَخُوض فِيهِ غير السابح فَفِي انْقِطَاع الِاجْتِمَاع بِهِ وَجْهَان أما النَّهر الذى يَخُوض فِيهِ السابح فَلَا يقطع الِاتِّصَال الْموضع الثَّالِث الْأَبْنِيَة الْمَمْلُوكَة وَبهَا تلتحق الْمدَارِس والرباطات فَإِذا وَقفا فِي بناءين لم يَصح إِلَّا باتصال محسوس كَمَا إِذا تواصلت المناكب على الْبَاب المفتوح بَين البنائين فَلَو بَقِي على العتبة مقَام وَاقِف لم يحز وَإِن تخَلّل فُرْجَة لَا تتسع لواقف
فَالْأَصَحّ الْجَوَاز وَلَو تقدم على الصَّفّ الْمُتَّصِل فِي الْبناء الذى لَيْسَ فِيهِ الإِمَام لم تصح صلَاته وَلَو وقف وَرَاءَهُمْ صَحَّ فَأَما إِذا كَانَ الِاتِّصَال بتلاحق الصُّفُوف بِأَن كَانَ الْبناء الآخر وَرَاء الإِمَام لَا على طرق جَنْبَيْهِ فَإِن زَاد مَا بَين الصفين على ثَلَاثَة أَذْرع لم يَصح وَإِن لم يزدْ فَوَجْهَانِ بِخِلَاف اتِّصَال المناكب فَإِن ذَلِك اتِّصَال مُحَقّق وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ اخْتِلَاف الْبناء لَا يضر إِذا لم يكن بَينهمَا جِدَار حَائِل
فروع ثَلَاثَة
الأول الْبَحْر كالموات فَلَو كَانَ فِي سفينتين مكشوفتين وَبَينهمَا أقل من غلوة سهم جَازَ فَإِن مَا بَينهمَا بحوض السَّفِينَة لَا كالنهر على الأَرْض وَقَالَ الْإِصْطَخْرِي لَا يحوز إِلَّا إِذا كَانَت إِحْدَاهمَا مربوطة بِالْأُخْرَى بِحَيْثُ يُؤمن من التباعد الثَّانِي إِذا اخْتلف الْموقف ارتفاعا وانخفاضا فَهُوَ كاختلاف الْبناء فَلَا بُد من
اتِّصَال محسوس وَهُوَ أَن يلقى رَأس المتسفل ركبة العالي تَقْديرا لَو قدر لكل وَاحِد مِنْهُمَا قامة معتدلة الثَّالِث إِذا اخْتلف الْبِقَاع بِأَن وقف الإِمَام فِي الْمَسْجِد وَالْمَأْمُوم فِي ملك فَهُوَ كَمَا لَو كَانَا فِي بناءين مملوكين وَإِن كَانَ الْمَأْمُوم فِي موَات وَلَا حَائِل فَيعْتَبر غلوة سهم من موقف الإِمَام على وَجه وَمن آخر الْمَسْجِد على وَجه وَلَو كَانَ بَينهمَا حَائِل يمْنَع الْبَصَر والوصول كالجدار لم يجز على الْأَصَح وَمَا يمْنَع الْوُصُول دون الْبَصَر كالشباك أَو الْبَصَر دون الْوُصُول كالباب الْمَرْدُود فَوَجْهَانِ وَالْبَاب المغلق كالجدار
الشَّرْط الثَّالِث نِيَّة الِاقْتِدَاء
فَلَو تَابع من غير النِّيَّة بطلت صلَاته وَلَا يجب على الإِمَام نِيَّة الْإِمَامَة وَلَكِن لَا ينَال الثَّوَاب إِذا لم ينْو وَلَا يجب على الْمَأْمُوم تعْيين الإِمَام وَلَو عينه وَأَخْطَأ بَطل بِخِلَاف الإِمَام إِذا عين الْمُقْتَدِي وَأَخْطَأ وَلَو ربط الْمُقْتَدِي نِيَّته بالحاضر وَقَالَ نَوَيْت الِاقْتِدَاء بزيد الْحَاضِر فَإِذا هُوَ عَمْرو فَفِي الصِّحَّة وَجْهَان كَمَا إِذا قَالَ بِعْت هَذِه الرمكة فَإِذا هى نعجة
وَاخْتِلَاف نِيَّة الإِمَام وَالْمَأْمُوم لَا يضر فَيجوز اقْتِدَاء المتنفل بالمفترض وَعَكسه وَفِي الْأَدَاء بِالْقضَاءِ وَعَكسه وَإِن كَانَ أَحدهمَا ظهرا وَالْآخر عصرا خلافًا لأبي حنيفَة
الشَّرْط الرَّابِع توَافق الصَّلَاتَيْنِ فِي النّظم
فَلَا يَصح الِاقْتِدَاء فِي الرَّوَاتِب بِمن يُصَلِّي على الْجِنَازَة أَو صَلَاة الخسوف لتعذر الْمُتَابَعَة وَقيل إِنَّه يَصح ثمَّ عِنْد الْمُخَالفَة ينْفَرد فرَاغ الإِمَام مِمَّا يُخَالف وَهُوَ بعيد نعم لَو اخْتلف عدد الرَّكْعَات فَإِن كَانَ صَلَاة الْمَأْمُوم أطول جَازَ وَيكون كالمسبوق إِذا أسلم الإِمَام وَإِن كَانَ أقصر كَمَا لَو اقْتضى فِي الصُّبْح بِمن يُصَلِّي الظّهْر فَوَجْهَانِ أصَحهمَا الصِّحَّة ثمَّ إِذْ قَامَ الإِمَام إِلَى الثَّالِثَة تخير فَإِن شَاءَ سلم وَإِن شَاءَ صَبر حَتَّى
يعود إِلَيْهِ الإِمَام فَيسلم مَعَه وَلَا يُقَال يقوم ويوافق وَلَا يحْتَسب لَهُ لِأَن ذَلِك لَا يحْتَمل فِي رَكْعَات مُسْتَقلَّة الشَّرْط الْخَامِس الْمُوَافقَة وَهُوَ أَن لَا يشْتَغل بِمَا تَركه الإِمَام من سُجُود تِلَاوَة أَو قعُود للتَّشَهُّد الأول فَإِن فعل بطلت صلَاته فَأَما جلْسَة الاسْتِرَاحَة فَلَا بَأْس وَأما الْقُنُوت فَلَا بَأْس بِهِ أَيْضا إِن أدْرك الإِمَام فِي السُّجُود إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا تخلف يسير الشَّرْط السَّادِس الْمُتَابَعَة وَهُوَ أَن لَا يتَقَدَّم على الإِمَام وَلَا يتَخَلَّف عَنهُ تخلفا كثيرا وَلَا يساوقه بل يُتَابِعه فَإِن ساوق لم يضر إِلَّا فِي التَّكْبِير فَإِن ابْتِدَاء تكبيره يَنْبَغِي أَن يكون بعد فرَاغ الإِمَام على الْعَادة وَالْمُسْتَحب أَن يكبر الإِمَام إِذا ظن اسْتِوَاء الصُّفُوف بعد قَوْله اسْتَووا رحمكم الله وَالنَّاس يسوون صفوفهم بعد فرَاغ الْمُؤَذّن من الْإِقَامَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة يسوون عِنْد قَوْله حَيّ على الصَّلَاة وَيكبر الإِمَام عِنْد قَوْله قد قَامَت الصَّلَاة وَالصَّحِيح أَن السَّلَام كَسَائِر الْأَركان فَيجوز المساوقة فِيهِ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد هُوَ كالتكبيرة أما التَّخَلُّف إِن كَانَ بِرُكْن وَاحِدًا لم يبطل وَإِن كَانَ بركنين بَطل لَو لم يرْكَع حَتَّى سجد الإِمَام بطلت صلَاته قطعا وَلَو لم يرْكَع حَتَّى رفع رَأسه من الرُّكُوع
فَوَجْهَانِ أَحدهمَا يبطل لِأَن الِاعْتِدَال أَيْضا ركن فقد سبق بركنين وَالثَّانِي لَا لعلتين إِحْدَاهمَا أَنه لَيْسَ ركنا مَقْصُودا فعلى هَذَا لَا تبطل مَا لم يلابس السُّجُود قبل رُكُوع الْمَأْمُوم الثَّانِيَة أَن الِاعْتِدَال إِنَّمَا يكون سَابِقًا بِهِ إِذا فرغ عَنهُ لَا بِالشُّرُوعِ فِيهِ فعلى هَذَا إِذا هوى للسُّجُود قبل رُكُوعه بطلت صلَاته وَإِن لم يلابس السُّجُود بعد وَحكم التَّقَدُّم كالتخلف وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد التَّقَدُّم بِرُكْن وَاحِد يبطل لِأَنَّهُ لَا يَلِيق بالمتابعة كالتقدم فِي الْمَكَان وَهُوَ بعيد فِي الْمَذْهَب هَذَا كُله إِذا تَأَخّر بِغَيْر عذر فَإِن كَانَ مَعْذُورًا كالمسبوق إِذا أدْرك بعض الْفَاتِحَة فَثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا يتْرك الْفَاتِحَة ويركع لِأَن السَّبق يسْقط كل الْفَاتِحَة فبعضها أولى وَالثَّانِي يتمم لِأَنَّهُ الْتزم الْخَوْض وَالثَّالِث إِن اشْتغل بِدُعَاء الاستفتاح فقد قصر فليتدارك وَإِلَّا فليركع فَإِن قُلْنَا بتدارك فَرفع الإِمَام رَأسه من الرُّكُوع قبل رُكُوعه فقد فَاتَتْهُ هَذِه الرَّكْعَة وَتبطل صلَاته على أحد الْوَجْهَيْنِ لِأَن هَذَا الرُّكُوع قَائِم مقَام رَكْعَة فَكَأَنَّهُ سبقه بِرَكْعَة وَهُوَ بعيد
فروع خَمْسَة
الأول الْمَسْبُوق يَنْبَغِي أَن يكبر للْعقد ثمَّ للهوي فَإِن اقْتصر على وَاحِد وَقصد الْهَوِي بِهِ لم ينْعَقد وَإِن قصد العقد انْعَقَد بِشَرْط أَن يَقع تكبيره فِي اعتداله وَإِن أطلق فَالْقِيَاس أَنه ينْعَقد لقَرِينَة الْبِدَايَة
وَنقل الْعِرَاقِيُّونَ عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه لَا ينْعَقد لِأَنَّهُ قارنته قرينَة الْهَوِي وَلَا مُخَصص الثَّانِي إِذا نوى قطع الْقدْوَة فِي أثْنَاء الصَّلَاة فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا الْمَنْع وَفَاء بالملتزم وَالثَّانِي الْجَوَاز لِأَنَّهُ نفل فَلَا يلْزم بِالشُّرُوعِ وَالثَّالِث الْجَوَاز للمعذور بِعُذْر يجوز ترك الْجَمَاعَة بِهِ وعَلى الْأَقْوَال إِذْ أحدث الإِمَام انْقَطَعت الْقدْوَة وَلم تبطل صَلَاة الْمَأْمُوم الثَّالِث الْمُفْرد إِذا أنشأ الْقدْوَة فِي أثْنَاء الصَّلَاة فالنص الْجَدِيد يدل على مَنعه وَالْقَدِيم على جَوَازه وَيشكل على الْجَدِيد جَوَاز الِاسْتِخْلَاف فَإِن فِيهِ اقْتِدَاء بِمن لم يقتد بِهِ وَإِنَّمَا منع الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ الِاسْتِخْلَاف فِي الْقَدِيم وَلَكِن لَيْسَ فِي الِاسْتِخْلَاف انْتِقَال الْمُنْفَرد إِلَى الِاقْتِدَاء بل هُوَ تَبْدِيل المقتدى بِهِ الرَّابِع إِذا شكّ الْمَسْبُوق فَلم يدر أَن الإِمَام فَارق حد الراكعين قبل رُكُوعه فَقَوْلَانِ أَحدهمَا أَنه مدرك إِذْ الأَصْل بَقَاء الرُّكُوع وَالثَّانِي لَا إِذْ الأَصْل عدم الْإِدْرَاك
الْخَامِس إِذا كَانَ مَسْبُوقا فَسلم الإِمَام نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على أَنه يقوم من غير تَكْبِير وعلته أَنه كبر فِي ارتفاعه عَن السُّجُود مَعَ الإِمَام وَهُوَ الِانْتِقَال فِي حَقه وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد يكبر هَاهُنَا للانتقال
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي الْقصر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ رخصَة جَائِزَة عِنْد وجود السَّبَب وَالْمحل وَالشّرط
وَالنَّظَر الأول فِي السَّبَب
وَهُوَ كل سفر طَوِيل مُبَاح فَهَذِهِ ثَلَاثَة قيود
الأول السّفر
وَحده الِانْتِقَال مَعَ ربط الْقَصْد بمقصد مَعْلُوم فالهائم وراكب التعاسيف لَا يترخص وَإِن مَشى ألف فَرسَخ وَأمر السّفر ظَاهر وَإِنَّمَا الغموض فِي بدايته ونهايته أما الْبِدَايَة فَهِيَ الِانْفِصَال عَن الوطن والمستقر
والمستقر ثَلَاثَة
الأول الْبَلَد والانفصال عَنهُ بمجاوزة السُّور فَإِن لم يكن لَهُ سور فبمفارقة الْبُنيان
فَإِن كَانَ وَرَاء الْبُنيان خراب فَفِي اشْتِرَاط مجاوزته تردد وَلَا يشْتَرط مُجَاوزَة الْمزَارِع والبساتين الَّتِى يخرج إِلَيْهَا للتنزه الثَّانِي الْقرْيَة وَلَا بُد فِيهَا من مُجَاوزَة الْبَسَاتِين والمزارع المحوطة دون الَّتِى لَيست محوطة وَإِن اتَّصَلت أبنية قَرْيَة بِأُخْرَى فَالْقِيَاس أَن يَكْفِيهِ مُجَاوزَة قريته وَنقل الْعِرَاقِيُّونَ عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَن ذَلِك لَا يَكْفِي الثَّالِث الصَّحرَاء والانفصال عَنْهَا بمجاوزة الْخيام والنادي والدمن وَإِن نزلُوا على منهل أَو محتطب فَلَا بُد من مجاوزتهما إِلَّا أَن يَتَّسِع بِحَيْثُ لَا يخْتَص بالنازلين وَإِن تَفَرَّقت الْخيام بِحَيْثُ لَا يَسْتَعِين بَعضهم بِبَعْض فَلِكُل حلَّة حكمهَا وَقد قَالَ
الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَو نزلُوا فِي وَاد وَالسّفر فِي عرضه فَلَا بُد من جزعه وَقَالَ الْأَصْحَاب إِن كَانُوا على ربوة فَلَا بُد من الهبوط أَو فِي وهدة فَلَا بُد من الصعُود
فرع
إِذا رَجَعَ الْمُسَافِر ليَأْخُذ شَيْئا خَلفه فَلَا يقصر فِي الرُّجُوع وَلَا فِي مستقره فَإِن لم يكن المستقر وطنا بل أَقَامَ بهَا غَرِيبا فأظهر الْوَجْهَيْنِ أَنه كسفره
أما نِهَايَة السّفر فَتحصل بِأحد أُمُور ثَلَاثَة
الأول الْوُصُول إِلَى عمرَان الوطن الثَّانِي الْعَزْم على الْإِقَامَة مُطلقًا أَو مُدَّة تزيد على ثَلَاثَة أَيَّام فِي مَوضِع تتَصَوَّر الْإِقَامَة بِهِ وَلَو فِي وَاد فَإِن كَانَ لَا يتَصَوَّر فَالْأَصَحّ أَنه يترخص لِأَن الْعَزْم فَاسد الثَّالِث الْإِقَامَة فِي صورتهَا إِذا زَادَت على ثَلَاثَة أَيَّام انْقَطع التَّرَخُّص وَلَا
يحْسب فِي الثَّلَاث يَوْم الدُّخُول وَيَوْم الْخُرُوج ثمَّ الْمُقِيم فَوق الثَّلَاثَة إِذا كَانَ عَازِمًا على أَن يشْغلهُ أَلا يتنجز فِي الثَّلَاثَة فَلَا يترخص كالمتفقه والتاجر تِجَارَة كَبِيرَة إِلَّا إِذا كَانَ شغله قتالا فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا يترخص لما رُوِيَ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قصر فِي بعض الْغَزَوَات ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا وَرُوِيَ سَبْعَة عشر وَرُوِيَ عشْرين
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ مُقيم والقتال المجدد لَا يرخص فِي الْقصر وَفعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحمل على عزمه الارتحال فِي كل يَوْم إِن تنجز غَرَضه فَإِن قُلْنَا يترخص فَفِي الزِّيَادَة على هَذِه الْمدَّة قَولَانِ الأقيس الْجَوَاز لِأَنَّهُ لَو طَال الْقِتَال على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتمرّ على الْقصر وَلما رُوِيَ أَن ابْن عمر أَقَامَ على الْقِتَال بِأَذربِيجَان سِتَّة أشهر وَكَانَ يقصر أما إِذا كَانَ عزمه الْخُرُوج فِي كل سَاعَة لَو تنجز غَرَضه وَلَكِن انْدفع بعائق فَإِن كَانَ غَرَضه الْقِتَال يرخص على الصَّحِيح للْخَبَر وَمن منع حمل ذَلِك على أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتنقل من مَوضِع إِلَى مَوضِع وَإِن كَانَ غَرَضه غير الْقِتَال فَقَوْلَانِ أَحدهمَا الْمَنْع لِأَن هَذَا خاصية الْقِتَال وَإِلَّا فَهُوَ مُقيم من حَيْثُ الصُّورَة
وَالثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَار الْمُزنِيّ أَنه يترخص لِأَنَّهُ منزعج بِالْقَلْبِ وَلَا فرق بَين الْقِتَال وَبَين غَيره فِي حكم الْقيَاس
فرع
لَو خرج من بَغْدَاد يقْصد الرّيّ فَبَدَا لَهُ أثْنَاء الطَّرِيق الْعود انْقَطع سَفَره فَلَا يقصر فِي الْحَال مَا لم يُفَارق مَكَانَهُ كمشي السّفر ثمَّ إِن فَارق وَكَانَ بَينه وَبَين مقْصده مرحلتان قصر وَإِلَّا فَلَا وَلَو انْتقض عزمه فِي الْعود وَأَرَادَ التَّمَادِي إِلَى الرّيّ وَلم تبْق مرحلتان لَا يقصر وَكَذَا لَو غير عزيمته من الرّيّ إِلَى هَمدَان انْقَطع ذَلِك السّفر فليفارق مَكَانَهُ ثمَّ ليترخص
الْقَيْد الثَّانِي الطَّوِيل
وَحده مسيرَة يَوْمَيْنِ وبالمراحل مرحلتان وبالأميال ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ ميلًا بالهاشمي كل ثَلَاثَة أَمْيَال فَرسَخ
وَقَالَ أَبُو حنيفَة هُوَ مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام
ثمَّ رخص السّفر ثَمَانِيَة
أَرْبَعَة مِنْهَا تتَعَلَّق بالقصير والطويل كَالصَّلَاةِ على الرَّاحِلَة على أصح الْقَوْلَيْنِ وَترك الْجُمُعَة وَالتَّيَمُّم وَأكل الْميتَة وَأَرْبَعَة تتلعق بالطويل الْقصر وَالْفطر وَالْمسح ثَلَاثَة أَيَّام وَالْجمع فِي أصح الْقَوْلَيْنِ ثمَّ الصَّوْم أفضل من الْفطر وَفِي الْقصر والإتمام قَولَانِ وَقَالَ الصيدلاني الْقصر أفضل وَفِي الْفطر قَولَانِ لِأَن بدل الصَّوْم يثبت فِي الذِّمَّة ونقصان الْقصر لَا يثبت فِي الذِّمَّة
ثمَّ لطول السّفر أَرْبَعَة شَرَائِط
الأول أَن يعزم عَلَيْهِ فِي الأول فَلَو خرج فِي طلب الْآبِق على عزم أَن ينْصَرف مهما لقِيه لم يترخص وَإِن مَشى ألف فَرسَخ إِلَّا إِذا علم أَولا أَنه لَا يلقاه قبل مرحلَتَيْنِ الثَّانِي أَن لَا يحْسب الإياب فِي طول السّفر فَلَو كَانَ مَجْمُوع الإياب
والذهاب مرحلَتَيْنِ لَا يقصر لَا ذَاهِبًا وَلَا جائيا الثَّالِث أَن يكون طوله ضَرُورِيًّا فَلَو ترك الطَّرِيق الْقصير وسلك الطَّوِيل لم يقصر إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ غَرَض من أَمن أَو سهولة طَرِيق وَفِي غَرَض التَّنَزُّه والتفرج وَجْهَان الرَّابِع أَن لَا يعزم على الْإِقَامَة فِي الطَّرِيق فَلَو قصد سفرا طَويلا على أَن يُقيم فِي كل مرحلة أَرْبَعَة أَيَّام لم يترخص
الْقَيْد الثَّالِث الْمُبَاح
فالعاصي بِسَفَرِهِ لَا يترخص كالآبق والعاق وقاطع الطَّرِيق لِأَن الرُّخْصَة إِعَانَة وَلَا يعان على الْمعْصِيَة وَمن عين مقصدا وَلَا غَرَض لَهُ لم يترخص لِأَنَّهُ عَاص بإتعابه نَفسه قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد من الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة طوف الصُّوفِي إِذا لم يكن لَهُ غَرَض سوى رُؤْيَة الْبِلَاد وَفِي جَوَاز أكل الْميتَة وَالْمسح يَوْمًا وَلَيْلَة للعاص وَجْهَان الْأَصَح الْجَوَاز فَإِنَّهُ لَيْسَ من خَصَائِص السّفر فَأشبه تنَاول الْمُبَاحَات أما العَاصِي فِي سَفَره بالشرب وَغَيره فيترخص
فرع
لَو أنشأ سفرا مُبَاحا ثمَّ غير الْقَصْد إِلَى مَعْصِيّة فالنص أَنه يترخص لِأَن الشُّرُوط إِنَّمَا تعْتَبر عِنْد ابْتِدَاء الْأَسْبَاب وَقد انْعَقَد هَذَا السّفر سَببا مرخصا وَكَذَا على الْعَكْس الْآبِق إِذا توجه إِلَى سَيّده لم يترخص لفقد الشَّرْط فِي الِابْتِدَاء وَخرج ابْن سُرَيج قولا أَن النّظر إِلَى الْحَال لَا إِلَى الِابْتِدَاء وَهَذَا أوضح
النّظر الثَّانِي فِي مَحل الْقصر
وَهُوَ كل صَلَاة ربَاعِية مُؤَدَّاة فِي السّفر أدْرك وَقتهَا فِي السّفر والرباعية احْتِرَاز عَن الْمغرب وَالصُّبْح فَلَا قصر فيهمَا والمؤداة احْتِرَاز عَن المقضية وَلَا قصر إِذا قضى فِي السّفر مَا فَاتَ فِي الْحَضَر وَلَو فَاتَ فِي السّفر فَفِي قَضَائهَا ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا وَهُوَ مَذْهَب الْمُزنِيّ جَوَاز الْقصر إِذْ لم يجب إِلَّا هَذَا الْقدر وَالثَّانِي الْمَنْع لِأَنَّهُ هَذِه رخصَة وَوقت الْقَضَاء متسع الثَّالِث إِن قضى فِي السّفر قصر وَأما فِي الْحَضَر فَلَا وَإِن تحلل حضر بَين سفرين فَوَجْهَانِ
فرع
نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَن الْمُسَافِر فِي آخر الْوَقْت يقصر وَنَصّ فِي