وان كَانَ غَائِبا فليشهد على الرَّد اثْنَيْنِ فان عجز فليحضر مجْلِس القَاضِي مبادرا وليخبره بِالرَّدِّ فان رفع إِلَى القَاضِي والخصم حَاضر فمقصر وان كَانَ الشُّهُود حضورا فَرفع إِلَى القَاضِي فَوَجْهَانِ إِذْ فِي الرّفْع إِلَى القَاضِي مزِيد تَأْكِيد وَلَو كَانَ الْمَعِيب دَابَّة فركبها فِي طَرِيقه إِلَى القَاضِي أَو عبدا فاستخدمه بَطل حَقه وَكَذَلِكَ إِن حمل الدَّابَّة إكافا أَو سرجا فليحطمها كَمَا عثر على الْعَيْب وَلَا يجب حل العذار فَهُوَ فِي مَحل التسامح وَكَذَلِكَ لَو عسر سوق دَابَّة وقودها جَازَ الرّكُوب وعَلى الْجُمْلَة مدرك التَّقْصِير الْعرف وَذَلِكَ ظَاهر
فرع
إِذا بَطل حَقه بالتقصير فَلَا أرش لَهُ بِخِلَاف مَا لَو تعذر الرَّد بِسَبَب وَلَكِن لَو تَرَاضيا على الْأَرْش مَعَ إِمْكَان الرَّد فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَن ذَلِك جَائِز إِذْ الْحق لَا يعدوهما وَالثَّانِي لَا إِذْ لَا تقَابل سلطنته الْخِيَار بعوض وَمَا فَاتَ بِالْعَيْبِ قوبل بغرامة عِنْد عسر الرَّد لضَرُورَة الْعَجز عَن تدارك الْحق بطرِيق أقرب مِنْهُ وَالْمعْنَى بِالْأَرْشِ حَيْثُ نوجب أَن يعرف قدر النُّقْصَان بِسَبَب الْعَيْب وينسب إِلَى تَمام الْقيمَة فَإِن كَانَ عشر الْقيمَة رَجَعَ إِلَى عشر الثّمن وَالْقيمَة مُعْتَبرَة لمعْرِفَة النِّسْبَة لَا لإِيجَاب عينهَا
الْمَانِع الثَّالِث هَلَاك الْمَعْقُود عَلَيْهِ
حسيا بالتلف أَو حكما بِالْعِتْقِ وَالِاسْتِيلَاد فَإِذا اطلع بعد الْفَوات فَلَا رد إِذْ
لَا مَرْدُود وَتعين الْحق فِي الْأَرْش وَهُوَ جُزْء من الثّمن كَمَا سبق وَهل يبرأ عَن ذَلِك الْجُزْء من الثّمن بِمُجَرَّد الِاطِّلَاع أم يتَوَقَّف على طلبه فِيهِ تردد وميل القَاضِي إِلَى انه لَا يتَوَقَّف على الطّلب بِخِلَاف مَا لَو قدر على الرَّد فان الْفَسْخ لَا يحصل دون طلبه وَمن الْأَصْحَاب من قَالَ كَمَا بَقِي لَهُ طَرِيق الرِّضَا بالمعيب بِكُل الثّمن مَعَ الْبَقَاء يبْقى لَهُ ذَلِك بعد الْفَوات فَلَا بُد من الطّلب فان قيل لَو كَانَ قد استوفى الثّمن وَطلب المُشْتَرِي الْأَرْش فَهَل يتَعَيَّن حَقه فِي عين الثّمن أم يجوز للْبَائِع الْإِبْدَال قُلْنَا فِيهِ تردد للأصحاب إِذْ يحْتَمل أَن يُقَال الْمَعِيب فِي مُقَابلَة كل الثّمن إِن رَضِي بِهِ وَإِلَّا فَهُوَ فِي مُقَابلَة بعضه فَيخرج ذَلِك الْبَعْض عَن الْمُقَابلَة وَتعين لاستحقاقه وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب وَكَأن الْمُقَابلَة تَغَيَّرت وَلَكِن جوز ذَلِك مهما اسْتندَ إِلَى سَبَب فِي اصل العقد وان كَانَ لَا يجوز ذَلِك بِالتَّرَاضِي عِنْد إِلْحَاق زِيَادَة بِالثّمن بعد اللُّزُوم وَيحْتَمل أَن يُقَال هَذِه غَرَامَة وَكَأن البَائِع جعل معيبا لملك المُشْتَرِي إِذْ العقد الْوَاحِد لَا يَقْتَضِي مقابلتين فِي حالتين وَيشْهد لَهُ أَن مُشْتَرِي الْجَارِيَة بِعَبْد معيب يعلم عَيبه يسْتَحل وَطأهَا وَلَو كَانَ جُزْء مِنْهُ لغَرَض الْعود إِلَى بَائِع الْجَارِيَة لَو اطلع على عيب العَبْد لَا ورث توقعه شُبْهَة وَهَذِه المباحثة من دَقِيق الْفِقْه فلتفهم
فرع
لَو تلف أحد الْعِوَضَيْنِ فِي بيع العَبْد بالجارية فَمن وجد عَيْبا بالقائم رده وَرجع إِلَى قيمَة المعوض الْفَائِت اعْتِمَادًا فِي الرَّد على قيام الْمَرْدُود وَلَو اشْترى عَبْدَيْنِ فَتلف أَحدهمَا وَقُلْنَا يمْتَنع إِفْرَاد أحد الْعَبْدَيْنِ بِالرَّدِّ لتفريق الصَّفْقَة رَجَعَ بِالْأَرْشِ وَالْقيمَة الْمعرفَة لنسبة الارش حَيْثُ يرجع إِلَى الارش قيمَة يَوْم العقد أَو قيمَة يَوْم الْقَبْض فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا يَوْم العقد فانه يَوْم الِاسْتِحْقَاق وَالثَّانِي يَوْم الْقَبْض لانه يَوْم الضَّمَان وَالثَّالِث اقل الْقِيمَتَيْنِ نظرا لجَانب المُشْتَرِي
الْمَانِع الرَّابِع زَوَال الْملك عَن البيع
يمنعهُ من الرَّد فِي الْحَال فَلَو عَاد إِلَيْهِ بَان بَاعَ فَرد إِلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَلهُ الرَّد على الأول لَان الْعَائِد هُوَ الْملك الأول وان عَاد إِلَيْهِ بِبيع مُسْتَأْنف فَإِن رد على الْأَخير حَتَّى إِذا رد عَلَيْهِ على الأول
جَازَ وان ابْتَدَأَ بِالْأولِ ورد عَلَيْهِ فَوَجْهَانِ وَكَذَلِكَ لَو عَاد إِلَيْهِ بِهِبَة فَوَجْهَانِ مرتبان وَأولى بِالْجَوَازِ إِذْ فِي البيع قدر على الرَّد على الثَّانِي حَتَّى يرد على الأول بعد الْعود إِلَيْهِ بِالرَّدِّ ومنشأ الْوَجْهَيْنِ أَن الزائل الْعَائِد كَالَّذي لم يزل أَو كَالَّذي لم يعد وَيجْرِي ذَلِك فِي رُجُوع شطر الصَدَاق بِالطَّلَاق وَفِي رُجُوع البَائِع إِلَى السّلْعَة بعد إفلاس المُشْتَرِي بِالثّمن فَمن قَائِل رد مَا اشْترى كَمَا اشْترى وَمن قَائِل لَيْسَ هَذَا الْملك الَّذِي ينقصهُ مَا اسْتَفَادَ مِنْهُ بل استفاده بِالْهبةِ وَإِنَّمَا ذَلِك الْملك قد زَالَ وَلم يعد فَصَارَ كَمَا إِذا فَاتَ ثمَّ إِذا منعناه من الرَّد ثَبت لَهُ الارش وان كَانَ ذَلِك فِي ملك الْغَيْر وَامْتنع الرَّد فِي الْحَال وَلَكِن قُلْنَا لَو عَاد لقدر على الرَّد فَفِي جَوَاز الْمُطَالبَة بالارش فِي الْحَال لوُقُوع الْحَيْلُولَة وَجْهَان يقربان من الْقَوْلَيْنِ فِي شُهُود الْأَمْوَال إِذا رجعُوا لَان الْحَيْلُولَة وَاقعَة فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وتوقع الْوُصُول إِلَى أصل الْحق مرجو فيهمَا وَالأَصَح جَوَاز طلب الْبَدَل فِي الْحَال
فرعان
أَحدهمَا لَو رَضِي المُشْتَرِي الثَّانِي بِالْعَيْبِ فَالْأَصَحّ أَن للْأولِ الْمُطَالبَة
بالارش فان تبرع غَيره عَلَيْهِ لَا يلْزمه التَّبَرُّع على غَيره الثَّانِي إِذا كَانَ عوض الْمَرْدُود خَارِجا عَن الْملك وعائدا فَالْأَصَحّ أَن ذَلِك لَا يضر وَجها وَاحِدًا لَان عود ذَلِك يجْرِي قهرا فَيرجع إِلَى عينه وَلِأَنَّهُ لَو تلف لرجع إِلَى قِيمَته جبرا لَهُ والآن هُوَ بِعَيْنِه قَائِم فَهُوَ أولى بِأَن يكون جَائِزا
الْمَانِع الْخَامِس الْعَيْب الْحَادِث
يمْنَع من الرَّد بِالْعَيْبِ الْقَدِيم لَان جَانب البَائِع أَيْضا يصان عَن الضَّرَر الْحَادِث كَمَا صين جَانب المُشْتَرِي عَن الْقَدِيم فمسلك التَّدَارُك أَن يضم المُشْتَرِي أرش الْعَيْب الْحَادِث إِلَيْهِ وَيرد أَو يغرم البَائِع أرش الْعَيْب الْقَدِيم حَتَّى لَا يرد فَإِن اتفقَا على أحد المسلكين فَذَاك وان تنَازعا فِي التَّعْيِين فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَن البَائِع متبوع لَان الأَصْل أَلا يلْحقهُ دَرك أصلا إِلَّا إِذا لم يتَضَرَّر وَالثَّانِي المُشْتَرِي متبوع لَان الأَصْل إِن تَمام الثّمن لَا يلْزمه إِلَّا بمبيع سليم وَالثَّالِث أَن من يَدْعُو إِلَى ارش الْعَيْب الْقَدِيم أولى لِأَن اسْتِرْدَاده يسْتَند إِلَى اصل العقد أما ملك الارش عَن الْعَيْب الْحَادِث فجديد لَا مدْخل لَهُ فِي العقد فان قيل لَو زَالَ الْعَيْب الْحَادِث بعد اخذ الارش عَن الْقَدِيم هَل يعود حَقه فِي الرَّد
قُلْنَا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا بلَى إِذْ الارش مَأْخُوذَة للْحَيْلُولَة الناجزة وَالثَّانِي لَا لوُقُوع الرِّضَا بِالْعَيْبِ فان لم يقبض بعد وَلَكِن قضى القَاضِي بالارش فَوَجْهَانِ مرتبان وَأولى بِأَن يعود الْحق أما إِذا لم يطلع حَتَّى زَالَ الْعَيْب الْحَادِث فَالْمَذْهَب جَوَاز الرَّد بِالْعَيْبِ الْقَدِيم هَذَا إِذا لم يكن للعيب الْحَادِث أمد ينْتَظر زَوَاله فَإِن كَانَ لَهُ أمد كعدة الْوَطْء بِالشُّبْهَةِ إِذا طرأت على الْجَارِيَة فانه عيب فَلَو اطلع على الْعَيْب وَلم يرد فِي الْحَال منتظرا زَوَاله فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يبطل حَقه إِذْ قدر على طلب الارش وَالثَّانِي لَا لكَونه مَعْذُورًا فِي الِانْتِظَار
فروع ثَلَاثَة
أَحدهَا لَو أنعل الدَّابَّة ثمَّ اطلع على الْعَيْب فلينزع النَّعْل وليرده إِن كَانَ لَا يتعيب بالنزع وَلَيْسَ يلْزم البَائِع قبُول النَّعْل وان كَانَ يعِيبهُ فَلهُ الرَّد وعَلى البَائِع
قبُول النَّعْل فانه تَابعا وَلَو قَالَ المُشْتَرِي لَا اسمح بالنعل وأطلب الارش لم يكن لَهُ ذَلِك فَإِنَّهُ كالمحتقر فِي مُؤنَة الرَّد نعم تردد الْأَصْحَاب فِي أَن ذَلِك إِعْرَاض عَن النَّعْل أَو تمْلِيك حَتَّى لَو سقط فَهُوَ للْبَائِع أَو المُشْتَرِي وَهُوَ مُحْتَمل أما إِذا صبغ الثَّوْب وزادت قِيمَته فَلهُ الرَّد بِالْعَيْبِ الْقَدِيم إِن لم يطْلب قيمَة الصَّبْغ وَلَيْسَ للْبَائِع الِامْتِنَاع وان طلب قيمَة الصَّبْغ فَهَل يجب على البَائِع ذَلِك مَعَ رد الثّمن وَجْهَان وَالْفرق إِن النَّعْل تَابع والصبغ مَقْصُود وَلَا يسمح بِهِ فَإِن قُلْنَا لَا نكلفه قِيمَته فَهُوَ كعيب حَادث فتعود الْأَوْجه الثَّلَاثَة فِي أَن تمْلِيك أرش عيب حَادث أولى أم غرم أرش الْعَيْب الْقَدِيم وَلم يذهب أحد إِلَى أَن المُشْتَرِي يبْقى شَرِيكا بالصبغ لِأَن المُشْتَرِي يتَضَرَّر بذلك بِخِلَاف الْغَاصِب إِذا صبغ فَإنَّا نبقيه شَرِيكا وَلَا نلتفت إِلَى تضرره لعدوانه
أما إِذْ اشْترى رجلَانِ عَبْدَيْنِ فَفِي انْفِرَاد أَحدهمَا برد نصِيبه قَولَانِ وَوجه الْمَنْع تَفْرِيق الصَّفْقَة إِن قُلْنَا إِنَّهَا تتحد مَعَ تعدد المُشْتَرِي أَو عيب التَّبْعِيض على البَائِع إِذا عَاد إِلَيْهِ النّصْف وَإِذا عللنا بِهَذَا جَوَّزنَا الرَّد فِيمَا لَا ينقصهُ التَّبْعِيض وَالْمَقْصُود أَنا لَو منعناه من الْأَفْرَاد فَاشْترى نصيب شَرِيكه واخذ برد الْكل دافعا عَنهُ ضَرَر التَّبْعِيض وَيُطَالب بِقِيمَة النّصْف فَهَل يجْبر البَائِع عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَان كَمَا فِي الصَّبْغ الثَّانِي اشْترى حليا وَزنه ألف دِرْهَم بِأَلف حدث بِهِ عيب انكسار واطلع على عيب قديم فَلَو ضم إِلَيْهِ أرش الْعَيْب الْحَادِث لاسترد ألفا ورد مَا يزِيد عَلَيْهِ وَهُوَ عين الرِّبَا وَلَو كلف البَائِع أرش الْعَيْب الْقَدِيم لصار الْألف بعد حط الارش فِي مُقَابلَة الْألف فَهُوَ رَبًّا فَقَالَ ابْن سُرَيج هَذَا عقد تعذر إمضاؤه فينفسخ وَيسْتَرد الثّمن وَلَا ترد الْحلِيّ بل يغرم قِيمَته غير معيب بِالْعَيْبِ الْحَادِث بِالذَّهَب إِن كَانَ الْحلِيّ من الْفضة
أَو بِالْفِضَّةِ إِن كَانَ من الذَّهَب فِرَارًا من رَبًّا الْفضل وَهَذَا يستمد مِمَّا نفرد من أَن الارش يتَعَيَّن فِي الثّمن وَيتَعَيَّن الْمُقَابلَة بِأَخْذِهِ وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب بل يغرم البَائِع أرش الْعَيْب الْقَدِيم فَإِن ذَلِك الْأَرْش غرم فِي مُقَابلَة الْعَيْب وَكَأن البَائِع هُوَ الْمَعِيب وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَنه لَا يتَعَيَّن فِي الثّمن وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ بل يغرم المُشْتَرِي أرش الْعَيْب الْحَادِث وَيرد وَلَا مُقَابلَة إِلَّا بَين الثّمن والحلي وهما متوازيان وَهَذِه غَرَامَة عيب حدث فِي يَد المُشْتَرِي مَضْمُونا وَهَذَا أَيْضا بعيد لَان الارش كالبدل عَن ذَلِك الْجُزْء من الْمَعْقُود عَلَيْهِ الَّذِي فَاتَ بِالْعَيْبِ حَتَّى يرد الْفَسْخ عَلَيْهِ فتتناوله الْمُقَابلَة فتحصلنا على احْتِمَالَيْنِ فِي حَقِيقَة كل وَاحِد من الأرشين وَأَنه غرم مُبْتَدأ أم هُوَ من مُقَابلَة الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَالْمَشْهُور مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن سُرَيج فيهمَا جَمِيعًا الثَّالِث إِذا قور الْبِطِّيخ وَكسر الْجَوْز وَالرُّمَّان وَالْبيض واطلع على عيب بَاطِن فَإِن زَاد فِي الْكسر على حَاجَة الْمعرفَة فعيب حَادث وَإِن اقْتصر فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه عيب حَادث وَهُوَ ظَاهر النَّص
وَالثَّانِي أَنه يرد من غير أرش إِذْ يَسْتَحِيل أَن يبطل رده بطرِيق الِاطِّلَاع والاطلاع سَبَب الرَّد وَالثَّالِث وَهُوَ الأعدل أَن استقلاله بِالرَّدِّ لَا يبطل وَلَكِن يضم أرش الْكسر حَتَّى لَا يتَضَرَّر البَائِع أَيْضا أما إِذا لم يبْق لَهُ بعد الْكسر قيمَة كالبيضة المذرة قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ يسْتَردّ كَمَال الثّمن فَقَالَ الْأَصْحَاب مَعْنَاهُ انه يسْتَردّ أرش النُّقْصَان وَلَكِن أرش النُّقْصَان كَمَال الثّمن إِذا لم يبْق لَهُ قيمَة وَفَائِدَته أَن القشرة تبقى مُخْتَصَّة بالمشتري فَتبقى الطَّرِيق عَنْهُمَا وَالْوَجْه أَن يُقَال تبين أَن العقد بَاطِل إِذْ ورد على غير مُتَمَوّل وَهُوَ تَأْوِيل كَلَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ والقشرة مُخْتَصَّة بالبائع فَإِن فرض لَهُ قيمَة قبل الْكسر للنقش وَلعب الصّبيان فقد بطلت الْمَالِيَّة الْآن فَإِن قُلْنَا إِن طَرِيق الِاطِّلَاع من عُهْدَة البَائِع حَتَّى لَا يجب بِهِ أرش فها هُنَا أَيْضا ينقدح مَعَه اسْتِرْدَاد تَمام الثّمن وَيجْعَل كَأَنَّهُ لم يشتر إِلَّا مَا بَقِي بعد الإطلاع وَإِن جعل ذَلِك من ضَمَان المُشْتَرِي فَلَا ينقدح مَعَه اسْتِرْدَاد تَمام الثّمن هَذَا تَمام القَوْل فِي لُزُوم العقد وجوازه واختتام الْقسم بِثَلَاثَة فُصُول
الْفَصْل الأول فِي حَقِيقَة الرَّد وَالْفَسْخ
وَهُوَ عندنَا رفع العقد من وقته وَلذَلِك لم يمْتَنع الرَّد بِالْعَيْبِ بالزوائد الْمُنْفَصِلَة وَلَا بِوَطْء الثّيّب وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله هُوَ رفع للْعقد من أَصله ولأجله خَالف فِي وَطْء الثّيّب والزوائد الْمُنْفَصِلَة أما الْفَسْخ قبل الْقَبْض فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه رفع من أَصله لِأَن العقد بعد ضَعِيف لم يتكامل وعَلى هَذَا نقُول الزَّوَائِد الْحَاصِلَة قبل الْقَبْض تنْقَلب بِالْفَسْخِ إِلَى البَائِع وَالثَّانِي انه رفع من وقته كَمَا بعد الْقَبْض وعَلى هَذَا فالزوائد تبقى للْمُشْتَرِي فَإِن قُلْنَا تنْقَلب بِالْفَسْخِ إِلَى البَائِع فَلهُ حبس الزَّوَائِد للثّمن إِذا قُلْنَا لَهُ حبس الْمَبِيع لانه يتَوَقَّع التَّعَلُّق بِهِ وان قُلْنَا تسلم للْمُشْتَرِي فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ حق الْحَبْس فان قيل وَمَا وَجه رُجُوع الزَّوَائِد إِلَى ملك البَائِع وَقد حدثت فِي ملك المُشْتَرِي كَمَا بعد الْقَبْض قُلْنَا لأَجله قَالَ فريق لَا يرجع إِلَيْهِ وَالْقَائِل الآخر يتَعَلَّق بِمَا رُوِيَ انه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن غلَّة الْمَبِيع تسلم للْمُشْتَرِي بعد الْفَسْخ وَبعد الْقَبْض فَقَالَ الْخراج بِالضَّمَانِ أَي هُوَ على خطر الضَّمَان
بِالْقَبْضِ فالغنم بالغرم وَمَفْهُومه أَنه لَا يسلم قبل الْقَبْض لَهُ وَالْقَائِل الأول يتبع الْقيَاس وَيَقُول ذَلِك عِلّة لمنع الرُّجُوع ذكره لقطع استبعاد السَّائِل وَقبل الْقَبْض لَا يرجع لعِلَّة أُخْرَى وَهُوَ أَنه حدث من ملكه وَالْحكم قد يُعلل بعلتين
الْفَصْل الثَّانِي فِي حَقِيقَة الْإِقَالَة وَفِيه قَولَانِ
الْجَدِيد أَنه فسخ لَان اللَّفْظ يُنبئ عَنهُ وَلِأَنَّهُ جَائِز قبل الْقَبْض وَفِي الْمُسلم فِيهِ وَالْبيع لَا يجوز وَالْقَدِيم أَنه بيع جَدِيد وَلَيْسَ لَهُ وَجه وان تكلفنا لَهُ تقريرا فِي كتاب الْبَسِيط فِي الْمَذْهَب
فرع
لَو كَانَ الْمَبِيع تَالِفا فَفِي جَوَاز الْإِقَالَة على الْجَدِيد وَجْهَان أَحدهمَا الْمَنْع كالرد بِالْعَيْبِ فانه يمْتَنع بعد الْفَوات وَالثَّانِي الْجَوَاز فَإِن العقد مُعْتَمد الْفَسْخ وَهُوَ قَائِم وَالرَّدّ يعْتَمد الْمَرْدُود وَهُوَ هَالك فَإِن كَانَ الْهَالِك أحد الْعَبْدَيْنِ فَفِي جَوَاز الْإِقَالَة وَجْهَان مرتبان وَأولى بِالْجَوَازِ إِذْ الْقَائِم يستتبع الْهَالِك وَإِن كَانَا قَائِمين فَأَرَادَ إِفْرَاد أَحدهَا بِالْفَسْخِ فليلتفت على تَفْرِيق الصَّفْقَة وَالْمذهب جَوَازه لَا سِيمَا فِي الدَّوَام
الْفَصْل الثَّالِث فِي النزاع فِي الرَّد بِالْعَيْبِ
فَإِذا قَالَ المُشْتَرِي هَذَا الْعَيْب قديم وَقَالَ البَائِع بل هُوَ حَادث فَالْقَوْل قَول البَائِع لَان الأَصْل السَّلامَة وَلُزُوم العقد فَلَو حلف ثمَّ جرى الْفَسْخ بعده بتحالف فَأخذ يُطَالب المُشْتَرِي بأرشه وَزعم أَنِّي أثبت حُدُوثه بيميني لم نمكنه لَان يَمِينه صلحت للدَّفْع عَنهُ فَلَا يصلح لشغل ذمَّة المُشْتَرِي بل للْمُشْتَرِي أَن يحلف الْآن على أَنه لَيْسَ بحادث ثمَّ قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ يحلف أَنِّي بِعته وَمَا بِهِ عيب فَقَالَ الْمُزنِيّ بل يزِيد وَيَقُول بِعته وأقبضته وَمَا بِهِ عيب فَقَالَ الْأَصْحَاب أَرَادَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ مَا إِذا لم يدع المُشْتَرِي إِلَّا عَيْبا قبل العَبْد فيكفيه يَمِين على مُطَابقَة ضد الدَّعْوَى قَالَ ابْن أبي ليلِي كَيفَ يحلف على الْبَتّ مَا بِهِ عيب فَلَعَلَّهُ كَانَ وَلم يعرفهُ فليحلف على نفي الْعلم قَالَ الْأَصْحَاب بل يحلف على الْبَتّ كَمَا قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله كَمَا يشْهد على الْملك والإعسار وَنفي وَارِث سوى الْحَاضِر وكل ذَلِك على النَّفْي يعرف بطول الْخِبْرَة بل أَمر الْيَمين أسهل وَلذَلِك ثَبت الْحلف على اعْتِمَاد حَظّ أَبِيه فَلَا يشْهد بِهِ فَإِذا لم يعرف عَيْبا جَازَ لَهُ أَن يُطلق الْيَمين لأجل الْحَاجة
فرع
لَو توافقا على وجود بياضين بِالْعَبدِ أَحدهمَا قديم وَالْآخر حَادث وَقد زَالَ أَحدهمَا وتنازعا فِي أَن الزائل هُوَ الْقَدِيم أَو الْحَادِث فدعواهما على التَّعَارُض وَالْقَوْل قَول البَائِع لِأَن الأَصْل هُوَ اللُّزُوم
الْقسم الثَّالِث من كتاب البيع فِي حكمه قبل الْقَبْض وَبعده
وَالنَّظَر فِي الْقَبْض يتَعَلَّق بثمرته وَحكمه ثمَّ بصورته وكيفيته ثمَّ بِصفتِهِ فِي الْوُجُوب والإجبار عَلَيْهِ
النّظر الأول فِي ثَمَرَته وَحكمه وَله حكمان
الحكم الأول نقل الضَّمَان
إِذْ الْمَبِيع عندنَا وَعند أبي حنيفَة رَحمَه الله فِي ضَمَان البَائِع قبل الْقَبْض على معنى أَنه يَنْفَسِخ العقد بتلفه وَيسْتَرد الثّمن وَقَالَ أَبُو ثَوْر هُوَ من ضَمَان المُشْتَرِي بِمُجَرَّد العقد واليه ذهب مَالك رَحمَه الله وَلَكِن فِيمَا يشترى جزَافا لَا تَقْديرا هَذَا إِذا تلف بِآفَة سَمَاوِيَّة فَإِن أتْلفه المُشْتَرِي فَهُوَ قبض من جِهَته مُقَرر للْعقد
وَإِن أتْلفه أَجْنَبِي فطريقان قطع الْعِرَاقِيُّونَ بِأَنَّهُ لَا يَنْفَسِخ لِأَن الْمَالِيَّة بَاقِيَة بِبَقَاء الْقيمَة وَقَالَ المراوزة قَولَانِ وَوجه الِانْفِسَاخ أَن مُتَعَلق العقد الْعين وَقد فَاتَت فَإِن قُلْنَا لَا يَنْفَسِخ فالبائع هَل يحبس الْقيمَة لتسليم الثّمن كَمَا يحبس الْمُرْتَهن قيمَة الْمَرْهُون أم يُقَال هَذَا حق ضَعِيف وَلَا يسري إِلَى الْبَدَل فِيهِ وَجْهَان فَلَو أثبتا لَهُ حبس الْقيمَة فَفِي الِانْفِسَاخ بِتَلف الْقيمَة أَيْضا وَجْهَان أما
إِتْلَاف البَائِع فَمنهمْ من نزله منزلَة إِتْلَاف الْأَجْنَبِيّ لِأَنَّهُ متعرض وَهَا هُنَا يبعد إِثْبَات الْحَبْس لَهُ من الْقيمَة وَهُوَ المعتدي بِالْإِتْلَافِ وَمِنْهُم من قَالَ هُوَ كالآفة السماوية إِذْ هُوَ عَاقد فَلَا يتَعَرَّض لضمان الْأَجَانِب وَلذَلِك لم نطالب الْمُرضعَة بِمهْر الْمثل مُطَالبَة الْأَجْنَبِيَّة إِذا فوتت النِّكَاح بِالرّضَاعِ فَإِن قيل فَلَو فَاتَ بعض الْمَعْقُود عَلَيْهِ قُلْنَا يَنْفَسِخ فِي ذَلِك الْقدر وَفِي الْبَاقِي قولا تَفْرِيق الصَّفْقَة فَإِن قيل فَلَو نقصت صفة بِالْعَيْبِ قبل الْقَبْض قُلْنَا فَائِدَته إِثْبَات الْخِيَار فَإِن أجَاز يُخَيّر بِكُل الثّمن وَلَا يُطَالب بِأَرْش أصلا إِلَّا إِذا كَانَ بِجِنَايَة أَجْنَبِي فَيُطَالب الْأَجْنَبِيّ بالارش إِن أجَاز وَإِن فسخ فالبائع يُطَالِبهُ وَجِنَايَة البَائِع فِي إِيجَاب الارش مترددة بَين الآفة السماوية وَبَين جِنَايَة الْأَجْنَبِيّ كَمَا سبق فِي الْإِتْلَاف فَإِن قيل احتراق سقف الدَّار قبل الْقَبْض مَا حكمه قُلْنَا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه عيب كسقوط يَد العَبْد لِأَنَّهُ تَابع للدَّار وَلَيْسَ كموت أحد الْعَبْدَيْنِ وَالثَّانِي أَنه كَأحد الْعَبْدَيْنِ لِأَنَّهُ مُسْتَقل بالمالية عِنْد تَقْدِير الِانْفِصَال بِخِلَاف الْيَد من العَبْد
فرع
لَو اغتصب المُشْتَرِي الْمَبِيع حَيْثُ أثبتا للْبَائِع الْحَبْس فَللْبَائِع اسْتِرْدَاده فَلَو أتْلفه البَائِع قبل الِاسْتِرْدَاد ذكر صَاحب التَّقْرِيب قَوْلَيْنِ أَحدهمَا أَنه بِالْإِتْلَافِ قَابض ومتلف فَيكون كالإتلاف قبل الْقَبْض وَالثَّانِي أَنه كَالْأَجْنَبِيِّ لوُقُوعه بعد جَرَيَان صُورَة الْقَبْض وَقبل عود صُورَة الْيَد إِلَيْهِ
الحكم الثَّانِي للقبض تسلط المُشْتَرِي على التَّصَرُّف
فَلَيْسَ للْمُشْتَرِي بيع مَا اشْتَرَاهُ قبل الْقَبْض لنهي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن بيع مَا لم يقبض فَنَشَأَ من الحَدِيث تصرف فِي ثَلَاث مَرَاتِب
الأولى فِيمَا يلْحق بِالْبيعِ من التَّصَرُّفَات
فَكل تمْلِيك بعوض فَهُوَ بيع وَالْعِتْق لَا يلْحق بِهِ لِأَن منع البيع إِمَّا أَن يُعلل
بِضعْف الْملك أَو بتوالي الضامنين وَلَا تَأْثِير للعلتين فِي الْعتْق نعم لَو كَانَ قبل تَوْفِيَة الثّمن فَهُوَ كعتق الْمَرْهُون وَأولى بالنفوذ لضعف حق الْحَبْس أما الْإِجَارَة فَفِيهَا وَجْهَان إِن عللنا بِضعْف الْملك منعناها وَإِن عللنا بتوالي الضامنين فَالْإِجَارَة لَا توجب ضَمَان الْعين فَلَا يتواليان وَالتَّزْوِيج كَالْإِجَارَةِ إِلَّا أَنه ينقبض فقد يمْنَع مِنْهُ قبل تَوْفِيَة الثّمن وَأما الهيبة وَالرَّهْن فيجريان مجْرى الْعتْق قَالَ صَاحب التَّقْرِيب رهن مَا لَا يَصح بَيْعه بَاطِل وَهَذَا لَا يَصح بَيْعه فَيتَّجه بطرِيق الدّلَالَة مَنعه وَفِي الْهِبَة أَيْضا وَجه أَنه ينزل منزلَة هبة الْمَرْهُون
الْمرتبَة الثَّانِيَة فِيمَا يلْحق بيد البَائِع من الْأَيْدِي
فَكل يَد ثَابِتَة لمملك عَن جِهَة مُعَاوضَة مَحْضَة فَهِيَ يَد بَائِع كَمَا فِي الصّرْف وَالسّلم وَالتَّوْلِيَة والاشتراك وَمَا لَا يسْتَند إِلَى مُعَاوضَة كيد الْأَمَانَة وَالرَّهْن وَالْهِبَة وَالْعَارِية وَالْغَصْب والسوم وَيَد المُشْتَرِي فِي الْمَبِيع بعد الِانْفِسَاخ لَا يلْحق لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَن مُعَاوضَة وتمليك
وَيَد تمْلِيك الصَدَاق وَالْبدل فِي الْخلْع وَالصُّلْح عَن دم الْعمد يخرج على أَنَّهَا مَضْمُونَة ضَمَان العقد أم ضَمَان الْيَد فَإِن فرعنا على ضَمَان العقد ألحقناه بيد البَائِع وَإِلَّا فَلَا
الْمرتبَة الثَّالِثَة النّظر فِي أَنْوَاع الْمَبِيع
وَهُوَ منقسم إِلَى عين وَدين أما الْعين فَلَا تبَاع قبل الْقَبْض مَنْقُولًا كَانَ أَو عقارا وَجوز أَبُو حنيفَة بيع الْعقار قبل الْقَبْض وَأما الدّين والمثمن مِنْهُ كَالْمُسلمِ فِيهِ وَالْحِنْطَة الْمَبِيعَة وَصفا فِي الذِّمَّة فَلَا يجوز بَيْعه قبل الْقَبْض وَلَا الِاعْتِيَاض عَنهُ وَفِي جَوَاز الْحِوَالَة فِي الْمُسلم فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا الْمَنْع هُوَ الْأَصَح لِأَن فِيهِ معنى الْمُعَاوضَة وَالثَّانِي الْجَوَاز تَغْلِيبًا لِمَعْنى الِاسْتِيفَاء وَالثَّالِث أَنه تجوز الْحِوَالَة عَلَيْهِ فَإِن لَا يتبدل عين الْمُسْتَحق وَلَا تجوز الْحِوَالَة بِهِ فَإِنَّهُ تَبْدِيل وتحويل إِلَى ذمَّة أُخْرَى
أما الثّمن فَإِن عين فَتعين عندنَا بِالتَّعْيِينِ خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله وينفسخ العقد عندنَا بتلفه وَلَكِن إِذا كَانَ فِي الذِّمَّة فَفِي جَوَاز الِاسْتِبْدَال ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا الْمَنْع قِيَاسا على الثّمن وَالثَّانِي الْجَوَاز لما رُوِيَ عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا أَنه قَالَ كُنَّا نبيع الْإِبِل فِي زمَان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالدَّنَانِيرِ فنأخذ بهَا الدَّرَاهِم وبالدراهم فنأخذ بهَا الدَّنَانِير فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام لَا بَأْس إِذا تفرقتما وَلَيْسَ بَيْنكُمَا لبس وَالْقَائِل الأول يحمل الحَدِيث على جَرَيَانه فِي مجْلِس العقد فَيكون تغييرا للْعقد فِي حَالَة الْجَوَاز وَالثَّالِث أَنه يسْتَبْدل أحد النَّقْدَيْنِ عَن الآخر للْحَدِيث وَلَا يسْتَبْدل سَائِر الْأَجْنَاس عَنْهَا للْقِيَاس وَهَذَا أعدل ويتأيد باتحاد مَقْصُود النقدية مِنْهُمَا
فَإِن قيل وَبِمَ يتَمَيَّز الثّمن عَن الْمُثمن قُلْنَا فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا ثمن إِلَّا النقدان وَالثَّانِي أَن الثّمن مَا يتَّصل بِهِ بَاء الثمينة وَالثَّالِث أَن الصَّفْقَة إِن اشْتَمَلت على نقد فَهُوَ الثّمن وَإِلَّا فَمَا اتَّصل بِهِ بَاء الثمينة وَهُوَ الأعدل فَإِن قُلْنَا إِنَّه لَا ثمن إِلَّا لنقد فَلَو قَالَ بِعْت هَذِه الدَّرَاهِم بِالْعَبدِ فَفِي صِحَة العقد خلاف لتغيير نظم العقد وَالصَّحِيح الصِّحَّة وَكَذَلِكَ نقُول الْأَصَح جَوَاز السّلم فِي الدَّرَاهِم فَإِن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ جعل الثّمن كالمثمن فِي التَّعْيِين بِالتَّعْيِينِ فَإِن قُلْنَا حكم الثمينة غير مَقْصُود على النَّقْدَيْنِ فجواز الِاسْتِبْدَال هَل يتَعَدَّى إِلَى غير النَّقْدَيْنِ فِيهِ وَجْهَان وَمن يُلَاحظ الحَدِيث وَمعنى النقدية لم يجوز الِاسْتِبْدَال فِي غير النَّقْدَيْنِ بِحَال وَلَعَلَّه الأولى أما الْفُلُوس إِن راجت رواج النُّقُود فَالصَّحِيح أَنَّهَا كالعروض فَإِن قيل الدّين الثَّابِت بالقرض أَو بِالْإِتْلَافِ أَو بِسَبَب غير الْمُعَاوضَة مَا حكمه قُلْنَا بَيْعه من غير من عَلَيْهِ الدّين فِيهِ قَولَانِ وَالْمَنْع غير مَأْخُوذ من قَاعِدَة الْقَبْض وَلكنه من ضعف الْملك لعدم التَّعْيِين وَلَعَلَّ الْأَصَح الْمَنْع فَإِنَّهُ لَيْسَ مَالا حَاضرا وَإِن
كَانَ لَهُ حكم المَال من بعض الْوُجُوه وَإِن بَاعه مِمَّن عَلَيْهِ الدّين فَإِن استبدل عَنهُ عينا وَقبض فِي الْمجْلس جَازَ وَإِن استبدل دينا لم يجز لِأَنَّهُ منطبق على بيع الكالئ بالكالئ وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ والكالئ هُوَ الدّين وَإِن استبدل عينا وَلم يقبض فِي الْمجْلس فَإِن جَوَّزنَا بيع الدّين فَلَا مَأْخَذ لاشْتِرَاط الْقَبْض وَإِن لم نجوز فَلَا بُد من الْقَبْض إِذْ يجوز الِاسْتِبْدَال على تَقْدِير كَونه اسْتِيفَاء للمالية فَيخْتَص بِمَجْلِس الِاسْتِيفَاء إِذْ الأَصْل فِيهِ الْفِعْل دون القَوْل
النّظر الثَّانِي فِي صُورَة الْقَبْض وكيفيته
والمقبوض إِن عقارا فمجرد التَّخْلِيَة كَاف إِلَّا إِذا كَانَ غَائِبا فَفِي نظر يذكر فِي الرَّهْن واما الْمَنْقُول هَل يَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَة الْمُجَرَّدَة فِيهِ ثَلَاثَة أوجه الْأَصَح أَنه لَا بُد من النَّقْل لَان الِاعْتِمَاد فِيمَا نيط باسم الْقَبْض على الْعرف وَالْعرْف يفرق بَين الْمَنْقُول وَالْعَقار وَنقل حَرْمَلَة قولا للشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ أَنه يكْتَفى بِالتَّخْلِيَةِ وَهُوَ مَذْهَب مَالك لِأَن الْمَقْصُود اسْتِيلَاء المُشْتَرِي وَقد حصل وَالثَّالِث أَن التَّخْلِيَة تَكْفِي لنقل الضَّمَان لِأَنَّهُ حق البَائِع وَقد أدّى مَا عَلَيْهِ وَلَا يَكْفِي التسليط على التَّصَرُّف فَإِنَّهُ حق المُشْتَرِي وَقد قصر إِذْ لم يقبض وَلم ينْقل وَهَذَا يعضده أَن ركُوب الدَّابَّة وَالْجُلُوس على الباسط قد يَجعله سَببا لضمان الْغَصْب دون النَّقْل
التَّفْرِيع
إِذا قُلْنَا لَا بُد من النَّقْل فَإِن وجد من المُشْتَرِي فَهُوَ الْكَامِل وَذَلِكَ بِأَن ينْتَقل إِلَى مَحل يخْتَص بِهِ وَلَا اخْتِصَاص للْبَائِع بِهِ فَلَو نقل إِلَى زَاوِيَة من دَار البَائِع فَلَا يَكْفِي لِأَن الدَّار وَمَا فِيهَا فِي يَد البَائِع إِلَّا أَن يَأْذَن البَائِع فِي الْقَبْض وَالنَّقْل إِلَيْهِ فَيكون إِعَادَة لتِلْك الزاوية فَيحصل الْقَبْض هَذَا إِذا قبض بِرِضا البَائِع
فَإِن أَخذه قهرا إِن كَانَ بعد تَوْفِيَة الثّمن فَهُوَ صَحِيح وَإِن قبله وأثبتا حق الْحَبْس فَهُوَ فَاسد يصلح لنقل الضَّمَان وَهل يُفِيد التَّصَرُّف فِيهِ وَجْهَان أما البَائِع إِذا نَقله إِلَى دَار المُشْتَرِي أَو وَضعه بَين يَدَيْهِ أَو فِي جُحْره أَو فِي مَحل قريب مِنْهُ وَالْمُشْتَرِي رَاض حصل الْقَبْض وان كَانَ كَارِهًا فَوَجْهَانِ هَذَا فِي مَنْقُول بيع جزَافا فَإِن بيع مكايلة كصبرة الْحِنْطَة إِذْ قَالَ بعتها كل صَاع بدرهم فتمام الْقَبْض بِالْكَيْلِ على المُشْتَرِي فَلَو قَبضه المُشْتَرِي وَلم يكل فَالضَّمَان انْتقل إِلَيْهِ وَهل يتسلط على البيع فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا يتسلط وَهَذَا قبض فَاسد إِذْ نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن بيع الطَّعَام حَتَّى يجْرِي فِيهِ الصاعان صَاع البَائِع وَصَاع المُشْتَرِي إِذْ من عَادَة الْعَرَب فِي المواسم شِرَاء صبرَة من الْحِنْطَة مكايلة وَبَيْعهَا بِزِيَادَة ربح مكايلة فَلَا بُد من إِجْرَاء الصَّاع قبل البيع حَتَّى يكون الحَدِيث مُفِيدا وَهُوَ الَّذِي قطع بِهِ الْمُحَقِّقُونَ وَالشَّيْخ
أَبُو مُحَمَّد إِذْ مثل هَذَا النَّهْي لَا يحمل إِلَّا على الْفساد وَلَو حمل على اصل الْقَبْض كَانَ إِلْغَاء لفائدة خُصُوص هَذَا الحَدِيث وَالأَصَح أَنه لَو اشْترى الطَّعَام مكايلة وأبقاه فِي المكاييل وباعاها مكايلة ثمَّ صبه على المُشْتَرِي للْمُشْتَرِي جَازَ فصورة أَجزَاء الصَّاع لَا يُرَاد لعَينه وَمِنْهُم من قَالَ لَا بُد من التَّفْرِيع أَولا ليبني صِحَة البيع الثَّانِي عَلَيْهِ لظَاهِر الحَدِيث وَهُوَ ضَعِيف إِذْ دوَام الْكَيْل فِي معنى ابْتِدَائه وَلما كَانَ قَرَار العقد مَوْقُوفا على التَّقَابُض فِي الْمجْلس فِي بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ اخْتلفُوا فِي أَنه لَو بَاعَ الْحِنْطَة بِالشَّعِيرِ مكايلة وتقاضيا جزَافا فَإِن العقد هَل يَنْفَسِخ وَهَذَا مُرَتّب على حكم البيع وَأولى بألا يَسْتَدْعِي قَرَار العقد جَرَيَان الْكَيْل
فرع
الْقَبْض يجْرِي فِيهِ النِّيَابَة وَلَكِن لَو قَالَ لمستحق الْحِنْطَة فِي ذمَّته اكتل على نَفسك من صبرتي هَذِه قدر حَقك فَفعل فَفِي تعين حَقه بِهِ وَجْهَان من حَيْثُ إِنَّه من وَجه اتَّحد الْقَابِض والمقبض لِأَنَّهُ مقبض بِالْإِذْنِ وقابض لنَفسِهِ وَإِنَّمَا يسلم ذَلِك للْأَب يقبض لنَفسِهِ من طِفْله ولطفله من نَفسه كَمَا يسلم لَهُ فِي تولي طرفِي البيع وَلَو قَالَ لمستحق الدّين اقبض حَقك مِمَّا لي على فلَان فَقبض لم
يَصح لِأَنَّهُ لَا بُد وَأَن يقبض للْمُسْتَحقّ ثمَّ يقبض لنَفسِهِ فَلَو قَالَ اقبضه لي ثمَّ اقبضه لنَفسك صَحَّ قَبضه لَهُ وَفِي قَبضه لنَفسِهِ الْوَجْهَانِ وَلَو ألْقى إِلَيْهِ كيسا وَقَالَ خُذ مِنْهُ قدر حَقك فَلَا يملك بِمُجَرَّد الْأَخْذ دون الْوَزْن قطعا وَإِنَّمَا الْخلاف بعد الْوَزْن فِي تعْيين حَقه لكَونه قَابِضا قبضا وَلَكِن هُوَ مَضْمُون عَلَيْهِ لَو تلف لِأَنَّهُ أَخذه ليتملكه فضاهى اخذ المستام والكيس لَيْسَ مَضْمُونا لِأَن يَده فِيهِ يَد الْوَكِيل وَلم يَأْخُذ الْكيس ليتملكه وَلَو دفع إِلَيْهِ دَرَاهِم وَقَالَ اشْتَرِ بهَا قدر حَقك لم يَصح الشِّرَاء لَهُ وَالْقَبْض لَهُ وَفِي قَبضه لنَفسِهِ الْوَجْهَانِ
النّظر الثَّالِث فِي وجوب الْبِدَايَة بِالْقَبْضِ وَفِيه أَرْبَعَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه يجب على البَائِع الْبِدَايَة بِتَسْلِيم الْمَبِيع لانه متسلط على التَّصَرُّف فِي الثّمن فليتسلط المُشْتَرِي على الْمَبِيع وَالثَّانِي أَن الْبِدَايَة بالمشتري لِأَن حَقه مُتَعَيّن فليغير حق البَائِع وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله وَالثَّالِث أَنَّهُمَا يتساويان فَيجْبر كل وَاحِد مِنْهُمَا من غير تَقْدِيم وَالرَّابِع أَنَّهُمَا لَا يجبران بل إِن تبرع أَحدهمَا بالبدار أجبر الثَّانِي
التَّفْرِيع
المُشْتَرِي إِذا بَادر قبل الْقَبْض وَسلم الثّمن فَيجب تَسْلِيم الْمَبِيع فَلَو كَانَ آبقا فَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْدَاد بل لَهُ الْفَسْخ إِن شَاءَ والاسترداد بعده وَإِن علم إباقة فَلَا يلْزمه تَسْلِيم الثّمن قولا وَاحِدًا وَأما البَائِع إِذا بَدَأَ فَيجْبر المُشْتَرِي على الْقبُول وَلم يكن كَالدّين فَإِنَّهُ قد لَا يجْبر مُسْتَحقّه على الْقَبْض لِأَن حَقه غير مُتَعَيّن فِيهِ فَإِن أَبى وَلم يقبض فَتلف فِي يَد البَائِع فَهُوَ من ضَمَانه لدوام صُورَة الْيَد وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب إِذا أَبى المُشْتَرِي فَللْبَائِع أَن يقبض لَهُ من نَفسه لتصير يَده يَد أَمَانَة أَو يرفع يَده الى القَاضِي حَتَّى يودعه عِنْده وَهُوَ بعيد وَقبض القَاضِي عَنهُ وإيداعه لَهُ أقرب قَلِيلا وَإِن قبل المُشْتَرِي وَقبض طُولِبَ بِالثّمن من سَاعَته فَإِن تحقق إفلاسه وَلم يكن لَهُ شَيْء سوى الْمَبِيع أَو كَانَ وزادت الدُّيُون عَلَيْهِ فَللْبَائِع الرُّجُوع إِلَى عين السّلْعَة وَإِن كَانَ غَنِيا وَلَكِن مَاله غَائِب قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ يجْبر المُشْتَرِي على دفع الثّمن سَاعَته فَإِن كَانَ مَاله غَائِبا أشهد على وقف مَاله فَإِن وفى أطلق الْوَقْف عَنهُ وَهَذَا حجر غَرِيب يرَاهُ الشَّافِعِي من حَيْثُ إِن البَائِع على خطر من إِنْفَاقه جَمِيع أَمْوَاله واستهلاك الثّمن بالإفلاس فالحجر أقرب من حَبسه أَو فسخ البيع أَو إهمال الْحق وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يحْجر عَلَيْهِ وَهَذَا لتخريجه وَجه وَلكنه مُخَالف للنَّص ثمَّ اتَّفقُوا على أَنه لَا حجر عِنْد إِمْكَان الْفَسْخ بالفلس فَإِنَّهُ لَا حَاجَة إِلَى الْحجر
وَلَكِن قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ إِن كَانَ المَال غَائِبا فَوق مَسَافَة الْقصر فَهُوَ كالفلس لِأَنَّهُ عجز فِي الْحَال وَإِن كَانَ دون مَسَافَة الْقصر فَوَجْهَانِ وَإِن كَانَ فِي الْبَلَد فَلَا فسخ بل يحْجر عَلَيْهِ وَالصَّحِيح مَا قَالَه ابْن سُرَيج من أَن الْغَيْبَة لَيْسَ كَالْعدمِ بل الإعدام يُوجب الْفَسْخ والغيبة توجب الْحجر فَأَما إِذا كَانَ فِي الْبَلَد فَلَا فسخ وَلَا حجر بل يُطَالب بِهِ
الْقسم الرَّابِع
الأول الْأَلْفَاظ الْمُطلقَة فِي العقد وَهِي مَشْهُورَة وَالْغَرَض بَيَان لفظين
الأولى التَّوْلِيَة
فَإِذا اشْترى شَيْئا وَقَالَ لغيره وليتك هَذَا العقد فَقَالَ قبلت صَحَّ البيع بِهَذَا اللَّفْظ وَنزل على ثمن العقد الأول وَهُوَ ملك متجدد يَتَجَدَّد بِسَبَبِهِ حق الشُّفْعَة وتسلم الزَّوَائِد للْمُشْتَرِي الأول أَعنِي مَا حصل قبل التَّوْلِيَة وَلَو حط عَن الثّمن الأول شَيْء انحط عَن الثَّانِي لِأَن التَّوْلِيَة توجب نُزُوله فِي الثّمن منزلَة الأول حَتَّى لَا يُطَالب إِلَّا بِمَا يُطَالب الأول فَهُوَ فِي حق الثّمن كالبناء وَفِي حق نقل الْملك كالابتداء وَلما عسر الْفرق بَين هَذَا وَبَين سَلامَة الزَّوَائِد وَالشُّفْعَة ذكر القَاضِي فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَجْهَيْن ورد التَّرَدُّد إِلَى أَن هَذَا ملك بِنَاء أَو ابْتِدَاء وَهُوَ ضَعِيف فَلَا وَجه للتردد فِي الشُّفْعَة والزوائد نعم ينقدح وَجه أَن الْحَط لَا يلْحق كَمَا لَا يلْحق الشَّفِيع إِلَّا أَن يكون الْحَط فِي مجْلِس العقد فَإِن ذَاك فِيهِ خلاف فِي حق الشَّفِيع أَيْضا
فرع
فِي التَّوْلِيَة قبل الْقَبْض وَجْهَان وَوجه التجويز الاستمداد من حكم الْبناء حَتَّى كَانَ المطرد هُوَ الْملك الأول
ويتأيد ذَلِك بلحوق الْحَط وَفِي تَوْلِيَة البَائِع خلاف مُرَتّب على البيع من البَائِع الأول وَأولى بِالصِّحَّةِ اللَّفْظ الثَّانِي الْإِشْرَاك فَلَو قَالَ أَشْرَكتك فِي هَذَا العقد على المناصفة كَانَ حكمه التَّوْلِيَة فِي النّصْف من غير فرق وَلَو أطلق وَلم يذكر المناصفة فَفِي الصِّحَّة وَجْهَان أَحدهمَا الْمَنْع لِأَنَّهُ لم يبين الْمِقْدَار فَكَانَ مَجْهُولا وَالثَّانِي الْجَوَاز وَينزل الْمُطلق على التشطير
الْقسم الثَّانِي مَا يُطلق فِي الثّمن وَهُوَ أَلْفَاظ الْمُرَابَحَة
فَإِذا قَالَ بِعْت بِمَا اشْتريت وَربح ده يازده نزل على مَا قَالَه إِن كَانَ مَا اشْتَرَاهُ مَعْلُوما للْمُشْتَرِي الثَّانِي وَكَذَلِكَ فِي صُورَة التَّوْلِيَة يشْتَرط أَن يكون ثمن الأول مَعْلُوما للْمُشْتَرِي فَإِن لم يُعلمهُ فَلْيقل بِعْت بِمَا اشْتريت وَهُوَ مائَة فَإِن لم يذكر بَطل كَمَا لَو قَالَ بِعْت بِمَا بَاعَ بِهِ فلَان فرسه وَفِيه وَجه أَن هَذَا يَصح لارتباط العقد الأول بالعاقد وسهولة الِاطِّلَاع عَلَيْهِ ثمَّ تردد هَؤُلَاءِ فِي انه هَل يشْتَرط زَوَال الْجَهَالَة فِي الْمجْلس أما إِذا قَالَ بِعْت بِمَا قَالَ عَليّ دخل فِيهِ الثّمن وَأُجْرَة الدَّلال والكيال وَكَذَا الْبَيْت الَّذِي تحفظ فِيهِ الأقمشة وكل مَا يعد من خرج التِّجَارَة بِخِلَاف قَوْلنَا بِعْت بِمَا اشْتريت وَلَو تعاطى الْكَيْل بِنَفسِهِ أَو كَانَ الْبَيْت مَمْلُوكا لَهُ لم يقدر لَهُ أُجْرَة وَكَذَلِكَ علف الدَّابَّة لَا يضم إِلَيْهَا والمحكم الْعرف فَإِن ذَلِك لَا يعد من خرج التِّجَارَة عرفا
فرعان
أَحدهمَا إِذا اشْترى شَيْئا بِعشْرَة وَبَاعه بِخَمْسَة عشر ثمَّ اشْتَرَاهُ بِعشْرَة ثمَّ قَالَ بِعْت بِمَا قَالَ عَليّ فَالظَّاهِر أَنه ينزل على الْعشْرَة وَقَالَ ابْن سُرَيج يحْسب الرِّبْح عَلَيْهِ فَتكون السّلْعَة قد قَامَت بِخَمْسَة فَينزل عَلَيْهَا وَلَا خلاف فِي أَنه لَو كَانَ يدل ربح الْخَمْسَة خسران خَمْسَة لم ينزل هَذَا اللَّفْظ على خَمْسَة عشر وَهَذَا يضعف تَوْجِيه مذْهبه الثَّانِي إِذا قَالَ بِعْت بِمَا اشْتريت بحط ده يازده وَكَانَ قد اشْترى بِمِائَة وَعشرَة مثلا فَالظَّاهِر هُوَ مَذْهَب أبي يُوسُف وَابْن أبي ليلى أَنه ينزل على الْمِائَة وتحط الْعشْرَة فَيكون قد حط من كل أحد عشر درهما وَاحِدًا لتبقى نِسْبَة ده يازده بَين الأَصْل والمحطوط وَفِيه وَجه آخر غامض أَنه ينزل على مائَة دِرْهَم إِلَّا درهما فيحط عَن كل عشرَة دِرْهَم وَاحِد كَمَا كَانَ يُزَاد على عشرَة وَاحِد فِي ربح ده يازده فَإِن قيل لَو لم يصدق المُشْتَرِي فِي قدر الثّمن وَزَاد أَو كَانَ قد طَرَأَ بعد الشِّرَاء عيب فَلم يذكرهُ فَهَل يحط عَن الثَّانِي بِقدر الْعَيْب قُلْنَا ليعلم أَن هَذَا العقد عقد
أَمَانَة فَإِن المُشْتَرِي لَا يوطن نَفسه على ذَلِك الثّمن وَعلم أَن المُشْتَرِي لم يسمع بِالثّمن الَّذِي ذكره البَائِع وشترى بِهِ إِلَّا تعويلا على مماكسته واستقصائه فِي طلب الْغِبْطَة فيرضى لنَفسِهِ مَا ارْتَضَاهُ الأول لنَفسِهِ فَيجب عَلَيْهِ الْأَخْبَار بِكُل مَا طَرَأَ من عيب أَو جِنَايَة منقصة للعين كالإحصاء أَو للقيمة وَإِن اشْترى بِأَجل وَجب ذكره وَلَا يجب ذكر الزِّيَادَات الْحَادِثَة وَلَا ذكر مَا اشْترى مَعَه إِذا قوم هَذَا الْقدر بِحِصَّتِهِ وَلَا ذكر البَائِع إِذا اشْترى من وَلَده وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يجب ذكر ذَلِك كُله وَلَو اشْترى بِغَبن وَهُوَ عَالم بِهِ فَالْأَظْهر أَنه لَا يجب ذكره وَفِيه وَجه أَنه يجب لِأَن الثَّانِي اعْتمد على أَنه لَا يحْتَمل الْغبن وَهَذَا الْقَائِل يُوجب أَن يذكر إِذا اشْترى من وَلَده الطِّفْل وَكَذَلِكَ إِذا اشْترى بدين غير مُؤَجل وَلَكِن الرجل مطول لِأَن ذَلِك سَبَب احْتِمَال غبن على الْجُمْلَة ثمَّ إِن كذب المُشْتَرِي فَزَاد فِي الثّمن أَو لم يخبر عَمَّا طَرَأَ من الْعَيْب فَهَل يحط عَن الثَّانِي قدر التَّفَاوُت
فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يحط لِأَنَّهُ جزم العقد بِمِائَة مثلا وَكذب فِي قَوْله اشْتريت بِهِ نعم لَهُ الْخِيَار إِن شَاءَ لتلبيسه فَإِن أجَاز فليجر لكل الثّمن وَالثَّانِي أَنه يحط لِأَنَّهُ لم يقْتَصر على ذكر الْمِائَة بل ربط وَقَالَ بِعْت بِمِائَة وَهُوَ الَّذِي اشْتريت بِهِ فَلَا تلْزمهُ الْمِائَة
التَّفْرِيع
إِن قُلْنَا يحط فَفِي ثُبُوت الْخِيَار للْمُشْتَرِي قَولَانِ وَوجه الْإِثْبَات أَنه رُبمَا يكون لَهُ غَرَض فِي الشِّرَاء بِمِائَة لتحلة قسم أَو وَفَاء بموعود فَإِن قُلْنَا لَهُ الْخِيَار مَعَ ذَلِك فَأجَاز أَو قُلْنَا لَا خِيَار لَهُ فَفِي ثُبُوته للْبَائِع وَجْهَان وَوجه الْإِثْبَات أَنه طمع فِي سَلامَة الْمِائَة لَهُ وَلم تسلم وَإِن قُلْنَا لَا يحط عَن الْمِائَة فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَار قطعا لِأَنَّهُ مظلوم بالتلبيس إِلَّا أَن يكون التَّفَاوُت من جِهَة
الْعَيْب وَكَانَ قد علم طرآن الْعَيْب فَيكون رَاضِيا مَعَ ذَلِك لما اشْترى فَإِن هم بِالْفَسْخِ فَقَالَ البَائِع لَا تفسخ فَإِنِّي أحط لِأَجلِك فَهَل يبطل خِيَاره فِيهِ وَجْهَان وَوجه بَقَاء الْخِيَار أَنه رُبمَا يكون لَهُ غَرَض فِي الشِّرَاء بِالْمِائَةِ كَمَا سبق هَذَا إِذا تبين خَطؤُهُ بتذكر المُشْتَرِي أمرا مشاهدا أَو بقوله أَخْطَأت إِقْرَارا على نَفسه أَو بِقِيَام بَيِّنَة على مِقْدَار مَا اشْترى بِهِ فَأَما إِذا قَالَ تَعَمّدت الْكَذِب وَإِنَّمَا اشْتريت بِكَذَا وَكَذَا فَحكمه مَا سبق وَلَكِن حَيْثُ ترددنا ثمَّ فِي ثُبُوت الْخِيَار فها هُنَا الْإِثْبَات أولى إِذْ أظهر بقوله خيانته فَرُبمَا يكذب فِيمَا يخبر عَنهُ الْآن من الْبَقِيَّة أَيْضا وَإِن علم المُشْتَرِي كذبه حَالَة الشِّرَاء فَلَا خِيَار لَهُ إِلَّا أَن يَقُول كنت أَظن أَنه يحط مَعَ علمي بِالنُّقْصَانِ فَفِي ثُبُوت الْخِيَار بِهَذَا الظَّن وَجْهَان
هَذَا إِذا كذب بِالزِّيَادَةِ فَلَو كذب بِالنُّقْصَانِ فَكَانَ اشْترى بِمِائَة فَقَالَ اشْتريت بسبعين فميل الْأَصْحَاب هَا هُنَا إِلَى الْبطلَان لانه لَا بُد من الزِّيَادَة وَلَا سَبِيل إِلَيْهَا إِذْ الزِّيَادَة لَا تلْحق الثّمن أما الْحَط فيلحقه وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد رَحمَه الله لَا فرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ إِذْ لَيست الْمِائَة عبارَة عَن تسعين كَمَا لَيست التِّسْعُونَ عبارَة عَن الْمِائَة فليبطل فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَو ليَصِح فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ تَنْزِيلا على الصدْق لَا على مَا كذب بِهِ وَقد حكى صَاحب التَّقْرِيب قولا أَنه يبطل العقد فِي صُورَة الزِّيَادَة أَيْضا وَمَا ذكره الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد يُشِير الى أَن الْحَط لَيْسَ بطرِيق الْإِبْرَاء بل هُوَ بطرِيق تبين نزُول العقد عَلَيْهِ ابْتِدَاء وَمَا ذكره الْأَصْحَاب يُشِير الى أَنه نزل العقد على اقدر الْمُسَمّى والحط يضاهي حط أرش الْعَيْب وَهَذَا أولى فَإِنَّهُ لَا يمْنَع من الْإِجَازَة وَالرِّضَا بِالْمِائَةِ وَلِأَنَّهُ طرد بذلك فِي صُورَة ظُهُور النُّقْصَان بِعَيْب طَارِئ مَعَ أَنه صَادِق فِي إخْبَاره عَمَّا اشْترى بِهِ وَالْخلاف فِي كل وَاحِد
فرع
إِذْ ادّعى البَائِع أَنه اشْترى بِزِيَادَة وَكذبه المُشْتَرِي فَلَا تسمع الدَّعْوَى البَائِع وبينته لِأَنَّهُ على نقيض قَوْله السَّابِق وَهل أَن يحلفهُ على نفي الْعلم فِيهِ وَجْهَان يبنيان على أَن يَمِين الرَّد كالبينة أَو كإقرار الْمُدعى عَلَيْهِ فَإِن جعلنَا كإقراره فَلهُ ذَلِك على رَجَاء النّكُول ورد الْيَمين ليَكُون ذَلِك