الْملك فَلَا يجوز إِلَّا بِشَرْط الْغِبْطَة كَمَا فِي الرَّد بِالْعَيْبِ وَحَيْثُ يكون جالب ملك لَا مزيلا فَلَا حجر عَلَيْهِ إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ الِاكْتِسَاب والتحصيل وَمن أطلق علل بِأَن الْملك لم يثبت بعد فَهُوَ فِي الِابْتِدَاء بِخِلَاف الرَّد بِالْعَيْبِ
فرعان
الأول أَنه لَو كَانَ لَهُ على غَيره دين فَأنْكر فَرد الْيَمين عَلَيْهِ فنكل أَو كَانَ لَهُ شَاهد وَلم يحلف فَلَيْسَ للْغَرِيم أَن يحلف إِذْ لَا حق لَهُ على غير من عَلَيْهِ الدّين وَنَصّ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على الْقَوْلَيْنِ فِي نُكُول الْوَارِث أَن الْغَرِيم هَل يحلف فَمنهمْ من خرج هَاهُنَا قولا وَوَجهه أَنه لَا يبطل حق الْغَرِيم بِالْإِبْرَاءِ فَكَذَا بِالنّكُولِ
وَمِنْهُم من فرق بِأَن الْوَارِث لَيْسَ يَدعِي الدّين لنَفسِهِ فَهُوَ والغريم سَوَاء فِي أَنَّهُمَا يدعيان للْمَيت وَالْمَيِّت عَاجز وَأما هَاهُنَا الْمُسْتَحق حَيّ فاليمين من غير الْمُسْتَحق مَعَ نُكُوله بعيد وَكَذَلِكَ الْأَصَح أَن الْغَرِيم هَاهُنَا لَا يَبْتَدِئ بِالدَّعْوَى على الْإِنْسَان بِأَن للْمُفلس عَلَيْهِ حَقًا بِخِلَاف الْمَيِّت وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد إِذا قُلْنَا يحلف لَا يبعد أَن يَدعِي ابْتِدَاء بِهِ وَالثَّانِي لَو أَرَادَ من عَلَيْهِ الدّين سفرا مَنعه من لَهُ دين حَال وَمن لَهُ دين مُؤَجل فَلَا بل يلازمه إِن أَرَادَ مُطَالبَته عِنْد حُلُول الْأَجَل وَفِي سفر للغزو خلاف لِأَن الْمصير إِلَى الْهَلَاك الذى هُوَ سَبَب الْحُلُول وَهُوَ بعيد وَلَو طلب صَاحب الدّين كَفِيلا أَو إشهادا لم يلْزمه وَفِي لُزُوم الْإِشْهَاد وَجه بعيد وَفِي سَماع الدَّعْوَى بِالدّينِ الْمُؤَجل خلاف وَكَذَا بِالدّينِ الْحَال مَعَ الِاعْتِرَاف بالإفلاس وَكَذَا بِالدّينِ على العَبْد وَكَذَا دَعْوَى الْمُسْتَوْلدَة الِاسْتِيلَاد على الْمَبِيع قبل أَن تعرض على البيع
الحكم الثَّانِي بيع مَال الْمُفلس وقسمته
وللقاضي ذَلِك بِشَرْط رِعَايَة الْغِبْطَة والمصلحة فيبيع بِثمن الْمثل وَلَا يسلم الْمَبِيع قبل قبض الثّمن ويبادر إِلَى بيع الْحَيَوَان وَلَا يطول مُدَّة الْحجر وَيبِيع بِحُضُور الْمُفلس فَهُوَ أبعد عَن التُّهْمَة وَرُبمَا يطلع الْمُفلس على زبون يَشْتَرِي بِزِيَادَة وَيجمع أَثمَان السّلع ليقسم على نِسْبَة الدُّيُون دفْعَة وَاحِدَة فَإِن لم يصبروا قسم كل مَا يحصل وَلَا يُكَلف الْغُرَمَاء حجَّة على أَن لَا غَرِيم سواهُم اكْتِفَاء بِأَنَّهُ لَو كَانَ لظهر مَعَ استفاضة الْحجر فَلَو ظهر غَرِيم بدين قديم لم ينْقض الْقِسْمَة بل رَجَعَ على كل غَرِيم بِمَا يَقْتَضِيهِ التَّوْزِيع وَلَو خرج مَبِيع مُسْتَحقّا رَجَعَ المُشْتَرِي بِالثّمن على الْغُرَمَاء وَتقدم بمقداره لَا بطرِيق الْمُضَاربَة فَإِن بيع مَاله من مصلحَة الْحجر وَلَا يرغب النَّاس فِيهِ مَا لم يثقوا بِضَمَان الدَّرك على الْكَمَال ثمَّ لَا يَبِيع جَمِيع مَاله بل ينْفق عَلَيْهِ مُدَّة الْحجر وعَلى زَوجته وأقاربه وَيتْرك لَهُ عِنْد البيع نَفَقَة يَوْمه وَكَذَا لزوجته وأقاربه وَلم يلْحق بالمعسر فِي إِسْقَاط نَفَقَة الْقَرِيب عَنهُ فِي هَذَا الْيَوْم وَيتْرك لَهُ دست ثوب يَلِيق بمنصبه حَتَّى الطيلسان والخف إِن كَانَ حطه عَنهُ يخرق مروءته وَكَذَلِكَ لَو مَاتَ قدم تكفينه وتجهيزة فَإِنَّهُ حَاجَة وقته ثمَّ يقْتَصر على ثوب وَاحِد أم لَا بدل لَهُ من ثَلَاثَة أَثوَاب فِيهِ خلاف ذَكرْنَاهُ فِي الْجَنَائِز
وَالْمذهب أَنه يُبَاع مَسْكَنه وخادمه وَنَصّ فِي الْكَفَّارَات على أَنه يعدل إِلَى الصَّوْم وَإِن وجد خَادِمًا ومسكنا فَقيل يطرد الْقَوْلَيْنِ نقلا وتخريجا وَقيل بِالْفرقِ من حَيْثُ إِن حق الله مَبْنِيّ على المساهلة وَأَن الْكَفَّارَة لَهَا بدل وَقيل أَيْضا يُبَاع الْخَادِم دون الْمسكن ثمَّ يقْتَصر على مَا يَلِيق بِهِ فِي الْمسكن وَمَا يتْرك لَهُ إِذا كَانَ مَوْجُودا فِي يَده يشترى لَهُ إِذا لم يكن ثمَّ لَا يستكسب فِي أَدَاء الدُّيُون بإجارته خلافًا لِأَحْمَد بن حَنْبَل رَحمَه الله وَقَالَ مَالك إِذا كَانَ مثله يُؤَاجر نَفسه كلف ذَلِك وَفِي إِجَارَة مستولدته وَجْهَان وَكَذَا إِجَارَة مَا وقف عَلَيْهِ فَإِن قُلْنَا يفعل ذَلِك فالحجر يَدُوم إِلَى الْوَفَاء بِتمَام الدُّيُون لِأَن ذَلِك لَا مرد لَهُ ثمَّ إِذا اعْترف الْغُرَمَاء بِأَن لَا مَال لَهُ سوى مَا قسم فَهَل يَنْفَكّ الْحجر أم يحْتَاج إِلَى فك القَاضِي خيفة غَرِيم آخر يظْهر فِيهِ وَجْهَان وَكَذَا الْخلاف لَو تطابقوا على رفع الْحجر عَنهُ وَمِنْه يتشعب خلاف فِي أَنه لَو لم
يكن لَهُ إِلَّا غَرِيم وَاحِد فَبَاعَ مَاله مِنْهُ بِالدّينِ الذى عَلَيْهِ قَالَ صَاحب التَّلْخِيص يَصح إِذا لحق لَا يعدوهما وَفِيه رفع الْحجر بِسُقُوط الدّين وَقَالَ أَبُو زيد لَا يَصح فَرُبمَا يكون لَهُ غَرِيم آخر قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ لَو بَاعَ بِإِذن الْغَرِيم من أَجْنَبِي أَو بَاعه من الْغَرِيم لَا بِالدّينِ لم يَصح وفَاقا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رفع الْحجر قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ يحْتَمل أَن يُقَال يَصح إِذْ الْحق لَا يعدوهما
الحكم الثَّالِث حَبسه إِلَى ثُبُوت إِعْسَاره
فَإِذا قسم مَا وجد من مَاله وَبَقِي بعض الدّين أَو ادّعى على من لَا مَال لَهُ ظَاهرا واعترف فَيحْبس فَإِن ظهر للْقَاضِي عناده فِي إخفاء المَال يترقى إِلَى تعزيره بِمَا لَا يزِيد فِي كل نوبَة على الْحَد فَإِن أَقَامَ بَيِّنَة على الْإِعْسَار خلي فِي الْحَال وَأنْظر إِلَى ميسرَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا تسمع بَيِّنَة الْإِعْسَار إِلَّا بعد مُضِيّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَو شَهْرَيْن فِي رِوَايَة ثمَّ ليشهد من يخبر بواطن أَحْوَاله فَإِنَّهُ يشْهد على النَّفْي فَإِذا قَالَ الشَّاهِد خبرت بواطن أَحْوَاله كفى ذَلِك فَإِنَّهُ عدل فَيصدق فِيهِ كَمَا فِي أصل الشَّهَادَة وَكَذَا الشَّهَادَة على أَن لَا وَارِث سوى الْحَاضِر ثمَّ للْغَرِيم أَن يحلفهُ مَعَ الشَّاهِد فَلَعَلَّ لَهُ مَالا لَا يطلع الشَّاهِد عَلَيْهِ فَإِن قَالَ لست أطلب يَمِينه لم يحلف وَإِن سكت فَالْقَاضِي هَل يحلفهُ ثمَّ يخليه من
الْحَبْس أَو يخليه دون التَّحْلِيف فِيهِ وَجْهَان فَمن قَالَ يحلفهُ جعل ذَلِك من أدب الْقَضَاء وَأما إِذا عجز عَن إِقَامَة بَيِّنَة الْإِعْسَار فَإِن عهد لَهُ من قبل يسَار فَلَا يُغْنِيه إِلَّا الْبَيِّنَة وَإِن لم يعْهَد قطّ مُوسِرًا فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا القَوْل قَوْله إِذْ الأَصْل الْفقر واليسار طَارِئ وَالثَّانِي لَا إِذْ الْغَالِب على الْحر الْقُدْرَة وَالثَّالِث أَن الدّين إِن لزمَه بِاخْتِيَارِهِ فَالظَّاهِر أَنه لم يلْتَزم إِلَّا مَعَ الْقُدْرَة وَإِلَّا فَالْقَوْل قَوْله التَّفْرِيع إِن قُلْنَا القَوْل قَوْله فَيقبل يَمِينه على البدار وَكَانَ يحْتَمل هَاهُنَا توقف كَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة فِي الشُّهُود وَإِن قُلْنَا لَا يقبل فَلَو كَانَ غَرِيبا فتخليد الْحَبْس عَلَيْهِ إِضْرَار فللقاضي أَن يُوكل بِهِ شَاهِدين يستخبران عَن منشئه ومولده ومنقلبه وَيحصل لَهما غَلَبَة ظن فِي إِعْسَاره بِقَرِينَة حَاله فيشهدان على الْإِعْسَار
فرع فِي حبس الْوَالِدين فِي دين الْوَلَد وَجْهَان أَحدهمَا الْمَنْع لِأَنَّهُ تَعْذِيب وعقوبة وَالْولد لَا يسْتَحق عُقُوبَة على وَالِديهِ وَهَذَا ضَعِيف لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ الإرهاق إِلَى قَضَاء الْحق وَمنعه يُؤَدِّي إِلَى أَن يعْتَرف الْوَالِد بِالدّينِ وَيمْتَنع عَن الْأَدَاء مَعَ الْيَسَار ويعجز عَن اسْتِيفَائه فَإِن قيل يلازم إِلَى أَن يُؤَدِّي قُلْنَا إِن لم يمْنَع عَن تردده فِي حاجاته مَعَ الْمُلَازمَة فَهُوَ تَعْذِيب للملازم وَلَا يجدي شَيْئا وَإِن منع من التَّرَدُّد إِلَى أَن يقْضِي الدّين فَلَا معنى للحبس إِلَّا هَذَا والسجان هُوَ الملازم
الْقسم الثَّانِي من الْكتاب فِيمَا إِذا كَانَت الدُّيُون لَازِمَة من أَثمَان السّلع وَهِي قَائِمَة
فَللْبَائِع الرُّجُوع فِي عين مَتَاعه لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من مَاتَ أَو أفلس فَصَاحب الْمَتَاع أَحَق بمتاعه إِذا وجده بِعَيْنِه وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يثبت الرُّجُوع وَضبط الْمَذْهَب أَن يقدر اسْتِيفَاء كَمَال الْعِوَض الْحَال الْمُسْتَحق فِي مُعَاوضَة مَحْضَة سَابِقَة على الْحجر بِسَبَب إفلاس الْمُسْتَحق عَلَيْهِ يثبت الرُّجُوع على الْفَوْر إِلَى عين المعوض إِذا كَانَ قَائِما بِحَالهِ
والضبط مُقَيّد بقيود لَا بُد من بَيَانهَا الْقَيْد الأول التَّعَذُّر وَهُوَ مُؤثر فَإِنَّهُ لَو قدر على اسْتِيفَاء كَمَال الثّمن بعد الإفلاس لتجدد مَال أَو لكَون المَال مُسَاوِيا للديون فَلَا رُجُوع لَهُ وَلَو قَالَ الْغُرَمَاء خُذ تَمام الثّمن بعد الإفلاس فَنحْن نقدمك بِهِ ثَبت الرُّجُوع لِأَنَّهُ رُبمَا لَا يتقلد مِنْهُم ويحذر ظُهُور غَرِيم آخر لَا يرضى بِهِ فالتعذر حَاصِل أما الْحَال فقد احترزنا بِهِ عَن الْمُؤَجل فَلَا رُجُوع بِهِ إِذْ الرُّجُوع يَنْبَنِي على تعذر الثّمن والتعذر يَنْبَنِي على توجه الطّلب وَلم يتَوَجَّه الطّلب وَمِنْهُم من قَالَ يثبت الْفَسْخ وَلَكِن يُقرر الْمَبِيع وَتوقف إِلَى أَن يحل الْأَجَل فَيسلم إِلَيْهِ وَلَا يفْتَقر إِلَى اسْتِئْنَاف حجر بِسَبَبِهِ وَفِيه وَجه آخر أَن الدّين يحل بالفلس كَمَا يحل بِالْمَوْتِ وَالْجُنُون فَهُوَ كالديون الْحَالة وَهُوَ بعيد ثمَّ إِذا قُلْنَا لَا فسخ فَلَو صرف الْمَبِيع إِلَى حُقُوق الْغُرَمَاء فَلَا كَلَام وَإِن حل الْأَجَل قبل أَن يتَّفق الصّرْف إِلَيْهِم فَفِي ثُبُوت خِيَار الْفَسْخ الْآن وَجْهَان وَالأَصَح ثُبُوته كَمَا لَو حل قبل الْحجر
وَفِي الْفَسْخ بعد الْحجر إِذا حل الدّين قبل الْحجر وَجه ضَعِيف أَنه لَا يثبت من حَيْثُ إِن البيع لم يقتض حبس الْمَبِيع إِذا كَانَ الثّمن مُؤَجّلا فِي العقد أما قَوْلنَا الْمُسْتَحق فِي مُعَاوضَة مَحْضَة احترزنا بِهِ عَن النِّكَاح وَالْخلْع وَالصُّلْح عَن الدَّم فَإِن تعذر الْعِوَض فِيهِ لَا يُوجب الْفَسْخ وجوبنا بِهِ الْإِجَارَة وَالسّلم فَإِذا تعذر الْمُسلم فِيهِ بإفلاس الْمُسلم إِلَيْهِ رَجَعَ الْمُسلم إِلَى رَأس المَال إِن كَانَ بَاقِيا بِعَيْنِه وَإِلَّا ضَارب بِقِيمَة الْمُسلم فِيهِ فَمَا يسلم لَهُ بِالْقِسْمَةِ يَشْتَرِي بِهِ جنس حَقه وَيسلم إِلَيْهِ إِذْ الِاعْتِيَاض غير مُمكن عَنهُ فَلَو سلم إِلَيْهِ مائَة دِرْهَم فَصَارَ يُوجد الْمُسلم فِيهِ بِكَمَالِهِ بِعشْرَة لانخفاض الأسعار فعلى وَجه يشترى لَهُ بِالْعشرَةِ كَمَال حَقه وَالْبَاقِي يسْتَردّ وعَلى وَجه لَا يسلم لَهُ كَمَال حَقه كَمَا لم يسلم للباقين فَيقدر كَأَن الْقيمَة كَانَت كَذَلِك فِي حَال الْقِسْمَة فَمَا يفضل مِنْهُ يرد إِلَى البَاقِينَ وَهُوَ الْقيَاس وَفِي الْإِجَارَة إِذا أفلس الْمُكْتَرِي بِالْأُجْرَةِ فمصادفة الْمكْرِي عين الدَّار أَو الدَّابَّة المكراة كمصادفته عين ملكه فَيفْسخ العقد فِيهِ لِأَن مَحل الْمَنْفَعَة قَائِم مقَام الْمَنْفَعَة
وَفِيه وَجه أَن الْمَنْفَعَة لَيْسَ عينا حَتَّى يُقَال وجد عين مَتَاعه وَهُوَ ضَعِيف ثمَّ إِن كَانَ مكتري الدَّابَّة فِي أثْنَاء الطَّرِيق حَيْثُ أفلس فَلَا يضيعه بل يَنْقُلهُ إِلَى مأمن بِأُجْرَة الْمثل وَيقدم بهَا على الْغُرَمَاء وَلَا يلْزمه النَّقْل إِلَى مقْصده وَكَذَلِكَ لَو كَانَ أَرضًا فزرعها فَلَيْسَ لَهُ قلع زرعه بل يبْقى الزَّرْع بِأُجْرَة الْمثل وَيقدم بهَا على الْغُرَمَاء لِأَن فِيهِ مصلحَة مَال الْغُرَمَاء وَهُوَ الزَّرْع وَلَيْسَ هُوَ كَمَا لَو بَاعَ الأَرْض وَرجع فِيهَا بعد زراعة المُشْتَرِي فَإِنَّهُ يلْزمه تبقية الزَّرْع بِغَيْر أُجْرَة لِأَن الْمَنْفَعَة غير مَقْصُودَة فِي البيع بِخِلَاف الْإِجَارَة وَفِيه أَيْضا وَجه مَنْقُول عَن ابْن سُرَيج أَنه يُطَالب بِالْأُجْرَةِ كَمَا لَو بَقِي الْغِرَاس وَالْبناء أما إِذا أفلس الْمكْرِي وَالْإِجَارَة وَارِدَة على عين الدَّابَّة أَو الدَّار فالمكري يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَة فَإِن حَقه تعلق بِالْعينِ فيتقدم بِهِ وَلَا يتراخى عَن الْمُرْتَهن ثمَّ يُبَاع فِي حق الْغُرَمَاء فِي الْحَال إِذا قُلْنَا الْإِجَارَة لَا تمنع البيع وَإِن قُلْنَا تمنع فيؤخر بَيْعه كَمَا يُؤَخر بيع الْمَرْهُون وَأما إِذا أورد الْإِجَارَة فِي الدَّوَابّ على الذِّمَّة فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الرُّجُوع إِلَى الْأُجْرَة إِن قَامَ بِعَينهَا أَو الْمُضَاربَة بِقِيمَة الْمَنْفَعَة فَإِن كَانَت الْمَنْفَعَة لَا تتجزأ كالقصارة فِي ثوب وَاحِد وكالحمل إِلَى بلد يُؤَدِّي تقطيعه إِلَى أَن يبْقى فِي الطَّرِيق
ضائعا فَلهُ الْفَسْخ بِهَذَا الْعذر ليضارب بِالْأُجْرَةِ أما قَوْلنَا سَابِقَة على الْحجر احترزنا بِهِ عَمَّا يجْرِي سَبَب لُزُومه بعد الْحجر كَمَا إِذا بَاعَ من الْمُفلس الْمَحْجُور عَلَيْهِ فِي أَنه هَل يتَعَلَّق بِعَين مَتَاعه وَقد ذكرنَا ذَلِك وَكَذَلِكَ لَو أفلس الْمكْرِي وَالدَّار فِي يَد الْمُكْتَرِي فانهدمت ثَبت لَهُ الرُّجُوع إِلَى الْأُجْرَة وَهل يزاحم بِهِ الْغُرَمَاء فِيهِ وَجْهَان مِنْهُم من قَالَ لَا فَإِنَّهُ دين جَدِيد وَمِنْهُم من قَالَ بلَى لِأَنَّهُ سَببه سَابق وَهُوَ الْإِجَارَة وَكَذَلِكَ لَو بَاعَ جَارِيَة بِعَبْد فَتلفت الْجَارِيَة فِي يَد الْمُفلس الْمَحْجُور فَرد بَائِعهَا العَبْد بِعَيْب فَلهُ طلب قيمَة الْجَارِيَة قطعا لِأَنَّهُ أَدخل فِي مقابلتها عبدا فِي يَد الْغُرَمَاء وَلَكِن هَل يتَقَدَّم بِالْقيمَةِ أم يضارب بهَا ذكر القَاضِي وَجْهَيْن وَالأَصَح الْمُضَاربَة أما قَوْلنَا بِسَبَب إفلاس الْمُسْتَحق عَلَيْهِ احترزنا بِهِ عَن الِامْتِنَاع مَعَ الْقُدْرَة فَذَاك لَا يثبت الرُّجُوع لِأَن السُّلْطَان قَادر على اسْتِيفَائه فَلَيْسَ التَّعَذُّر محققا وَفِيه وَجه آخر أَنه يثبت وَلَو كَانَ بِانْقِطَاع جنس الثّمن فَإِن جَوَّزنَا الِاعْتِيَاض عَنهُ فَلَا تعذر وَإِن منعنَا فَيثبت الرُّجُوع لِأَنَّهُ تعذر مُحَقّق فَكَانَ فِي معنى الإفلاس وَهُوَ كانقطاع الْمُسلم فِيهِ فَإِنَّهُ يثبت الرُّجُوع إِلَى رَأس المَال
أما قَوْلنَا إِنَّه يثبت الرُّجُوع على الْفَوْر احترزنا فِيهِ عَن التَّأْخِير وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يبطل بِهِ كالرد بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ لدفع ضرار وَالثَّانِي أَنه على التَّرَاخِي لِأَنَّهُ نتيجة توجه الطّلب بِالثّمن فَمَا دَامَ الطّلب قَائِما كَانَ الرُّجُوع ثَابتا كمطالبة الْمَرْأَة فِي الْإِيلَاء بِالطَّلَاق أما قَوْلنَا إِذا كَانَ قَائِما احترزنا بِهِ عَن الْهَالِك وَالْخَارِج عَن ملكه فَإِن تعذر الرُّجُوع فِيهِ فَلَا يبْقى إِلَّا الْمُضَاربَة بِالثّمن لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي الْفَسْخ إِذْ لَو أمكن تَقْدِيمه بِالْقيمَةِ لقدم بِالثّمن وَإِذا لم يكن بُد من الْمُضَاربَة فالثمن أولى مَا يضارب بِهِ وَفِيه وَجه آخر أَنه إِذا كَانَت الْقيمَة زَائِدَة على الثّمن فَلهُ الْفَسْخ ليضارب بهَا أما إِذا زَالَ الْملك ثمَّ عَاد فَهُوَ مَبْنِيّ على الْقَوْلَيْنِ فِي أَنه كَالَّذي لم يزل أَو كَالَّذي لم يعد وَإِذا تعلق بِالْمَبِيعِ حق لَازم كَالرَّهْنِ وَالْكِتَابَة فَهُوَ كفوات الْعين وَلَكِن لَو كَانَ فَزَالَ فَلَا أثر لما مضى فَهُوَ فِي الْحَال وَاجِد عين مَاله أما قَوْلنَا بِحَالهِ احترزنا بِهِ عَن تغير الْمَبِيع وَهُوَ منقسم إِلَى التَّغَيُّر بِالنُّقْصَانِ وَإِلَى التَّغَيُّر بِالزِّيَادَةِ أما النُّقْصَان فينقسم إِلَى نُقْصَان صفة ونقصان عين
أما نُقْصَان الصّفة إِن حصل بِآفَة سَمَاوِيَّة فالبائع إِمَّا أَن يقنع بِعَيْبِهِ أَو يضارب مَعَ الْغُرَمَاء بِالثّمن كَمَا لَو تعيب الْمَبِيع فِي يَد البَائِع قبل الْقَبْض وَإِن تعيب بِجِنَايَة أَجْنَبِي فَيرجع إِلَى الْبَاقِي فيضارب بِقسْطِهِ من الثّمن وَلَا يُطَالب بِالْأَرْشِ إِذْ رُبمَا يكون الأَرْض مثل الْقيمَة بِأَن يكون الْجَانِي قد قطع يَدَيْهِ فغرم كَمَال قِيمَته وَذَلِكَ يعْتَبر فِي حق المُشْتَرِي دون البَائِع وَإِن كَانَ بِجِنَايَة المُشْتَرِي فطريقان مِنْهُم من قَالَ جِنَايَته كجناية الْأَجْنَبِيّ وَمِنْهُم من قَالَ بل كالآفة السماوية أما النُّقْصَان بِفَوَات الْبَعْض كَمَا لَو تلف أحد الْعَبْدَيْنِ وقيمتهما على التَّسَاوِي فالنص أَنه يرجع إِلَى الْبَاقِي ويضارب بِثمن التَّالِف وَقيل إِنَّه إِن أَرَادَ الرُّجُوع فليأخذ الْبَاقِي بِكُل الثّمن احْتِرَازًا عَن تَفْرِيق الصَّفْقَة وَلَو بَاعَ عَبْدَيْنِ بِمِائَة وَقبض خمسين وَتلف أحد الْعَبْدَيْنِ وقيمتهما على التَّسَاوِي
فالنص أَنه يرجع إِلَى الْبَاقِي ويحصر الْمَقْبُوض فِي التَّالِف وَفِيه قَول مخرج أَنا نشيع فَنَقُول يرجع إِلَى نصف العَبْد الْبَاقِي ويضارب بِنصْف ثمن التَّالِف وَمَا قبض موزع عَلَيْهِمَا جَمِيعًا
فرع
اشْترى بِعشْرَة دَرَاهِم عشرَة أَرْطَال زيتا وأغلاه حَتَّى عَاد إِلَى ثَمَانِيَة أَرْطَال وَرجعت الْقيمَة إِلَى سَبْعَة دَرَاهِم فَهُوَ نُقْصَان صفة لزوَال الثّقل أَو نُقْصَان عين لفَوَات بعض الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَان أما التَّغَيُّر بِالزِّيَادَةِ فَالزِّيَادَة تَنْقَسِم إِلَى مَا حصلت من عينه وَإِلَى مَا اتَّصل بِهِ من خَارج أما الْحَاصِل من عينه فَمَا هُوَ مُتَّصِل من كل وَجه كالسمن وَكبر الشَّجَرَة فَلَا حكم لَهَا وَيسلم ذَلِك مجَّانا للْبَائِع وَلَا أثر للزِّيَادَة الْمُتَّصِلَة إِلَّا فِي الصَدَاق والمنفصلة من كل وَجه كَالْوَلَدِ الْمُنْفَصِل وَالثَّمَرَة الْمُنْفَصِلَة لَا أثر لَهَا أَيْضا بل تسلم للْمُشْتَرِي وَيرجع البَائِع إِلَى الأَصْل وَفِي الْبذر إِذا زرعه المُشْتَرِي حَتَّى نبت وَالْبيض إِذا تفرخ فِي يَده والعصير إِذا
انْقَلب خمرًا ثمَّ انْقَلب خلا خلاف أَنه يَجْعَل كزيادة عَيْنِيَّة كَمَا فِي الْغَصْب أم يَجْعَل مَوْجُودا متجددا وَيُقَال الْمَبِيع قد عدم وَهَذَا غَيره أما الزِّيَادَة الْمُتَّصِلَة من وَجه دون وَجه فَهُوَ الْحمل فَإِن كَانَ مجتنا عِنْد البيع وَالرُّجُوع الْتحق بالسمن وَإِن كَانَ مجتنا حَالَة الْبيعَة مُنْفَصِلا حَالَة الرُّجُوع فَقَوْلَانِ أَحدهمَا أَنه يسلم للْمُشْتَرِي لِأَنَّهَا زِيَادَة حدثت بالانفصال وَلَا حكم لوُجُوده قبله وَالثَّانِي أَن الْحمل كَانَ مَوْجُودا وَإِنَّمَا الِانْفِصَال نمو وَتغَير حَال وَإِن كَانَ حَائِلا عِنْد البيع وحاملا عِنْد الرُّجُوع فَالظَّاهِر أَن الْحمل يتبع فِي الرُّجُوع كَمَا فِي البيع وَفِيه وَجه أَنه يبْقى على ملك المُشْتَرِي لِأَنَّهُ زِيَادَة حَادِثَة على ملكه وَالثَّمَرَة مَا دَامَت غير مؤبرة فَهِيَ كالحمل المجتن وَلَكِن الثَّمَرَة أولى بِأَن يعْطى لَهَا حكم الِاسْتِقْلَال
فروع أَرْبَعَة
الأول إِذا كَانَ الْوَلَد مُنْفَصِلا فَفِي رُجُوعه فِي الْأُم دون الْوَلَد تَفْرِيق بَينهمَا فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه مُخَيّر بَين الْمُضَاربَة بِالثّمن أَو أَن يبْذل قيمَة الْوَلَد ليرْجع فِي عين الْأُم فَإِن لم يبْذل فَهُوَ كالفاقد عين مَاله إِذْ تعلق بِهِ حق لَازم للْوَلَد لَيْسَ يُمكنهُ قطعه عَنهُ
وَالثَّانِي أَنه لَا يَجْعَل بِهِ فاقدا بل تبَاع الْأُم وَالْولد ويخصص بِقِيمَة الْأُم الثَّانِي إِذا قَالَ البَائِع رجعت فِي الْأَشْجَار الْمَبِيعَة قبل التَّأْبِير فَرجع الثِّمَار إِلَيّ وَكذبه الْمُفلس فَالْقَوْل قَوْله إِذْ الأَصْل اسْتِمْرَار ملك الْمُفلس فَإِن صدقه الْغُرَمَاء لم يقبل قَوْلهم على الْمُفلس وللمفلس أَن يَأْخُذ الثِّمَار ويجبرهم على الْقبُول من جِهَة دينه فَإِن أَبَوا وَزَعَمُوا أَنه حرَام لم يمكنوا مِنْهُ بل عَلَيْهِم الْقبُول أَو الْإِبْرَاء ثمَّ إِن قبلوا فَللْبَائِع الِاسْتِرْدَاد مِنْهُم مُؤَاخذَة لَهُم بقَوْلهمْ وَكَذَا السَّيِّد إِذا حمل إِلَيْهِ العَبْد النُّجُوم فِي الْكِتَابَة فَقَالَ هُوَ مَغْصُوب لِأَن قَوْله لَا يقبل على الْمكَاتب فَلَو قَالُوا أَخذنَا حقوقنا فَلهُ الْإِجْبَار ليعجل فك الْحجر عَن نَفسه فَلهُ فِيهِ غَرَض فَإِن قَالُوا فككنا الْحجر وَقُلْنَا إِنَّه يَنْفَكّ بفكهم فينبني على أَن مُسْتَحقّ الدّين هَل يجْبر على الْقبُول وَلَو صدقه الْبَعْض وَكذبه الْبَعْض فتصرف الثَّمَرَة إِلَى من صدق الْمُفلس كَيْلا يُؤَدِّي إِلَى الضَّرَر فَإِن هَذَا مُمكن فَلَو كَانَ للمصدق ألف وَقد أَخذ الثَّمَرَة بِخَمْسِمِائَة وللمكذب أَيْضا ألف وَقد بَقِي من المَال خَمْسمِائَة فَالصَّحِيح أَنه يقسم بَينهمَا أَثلَاثًا وَفِيه وَجه أَن الْمُصدق يَقُول مَا أَخَذته فَهُوَ حرَام بزعمك عَليّ فألفي بَاقٍ كَمَاله بزعمك فأساويك وَهُوَ ضَعِيف الثَّالِث إِذا بَقِي الثِّمَار للْمُشْتَرِي فَلَيْسَ للْبَائِع مَنعه من الْإِبْقَاء إِلَى أَوَان الْجذاذ فَكَذَا لَا يقْلع زرعه فَلَو قَالَ الْمُفلس أقلعه لأقضي ديني بِمَا يَشْتَرِي بِهِ وأفك الْحجر عَن نَفسِي فَلهُ ذَلِك لِأَنَّهُ غَرَض صَحِيح وَإِن كَانَ الْحجر لَا يَنْفَكّ فَهُوَ مَمْنُوع لِأَنَّهُ إِضَاعَة مَال من غير فَائِدَة
الرَّابِع أَنه إِذا كَانَ الرُّجُوع يَقْتَضِي عود الثِّمَار إِلَيْهِ وَلَكِن كَانَت الثِّمَار قد تلفت فَيرجع بِحِصَّة الثِّمَار من الثّمن مُضَارَبَة وَيرجع فِي عين الشَّجَرَة وتعرف حِصَّته بالتوزيع على الْقيمَة وَيعْتَبر فِي الثَّمَرَة أقل الْقيمَة فِي يَوْم العقد إِلَى الْقَبْض تقليلا للْوَاجِب عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِن كَانَ يَوْم العقد أقل فَلم يدْخل مَا تنَاوله العقد فِي ضَمَانه وَإِن كَانَ أَكثر فَهُوَ زِيَادَة على ملكه وَفِي الشَّجَرَة وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يعْتَبر أَكثر الْقِيمَتَيْنِ من العقد إِلَى الْقَبْض لِأَن فِيهِ أَيْضا تقليل الْوَاجِب على المُشْتَرِي وَعَلِيهِ مَا سبق وَالثَّانِي ذكره القَاضِي أَنه يعْتَبر الْأَقَل لِأَنَّهُ إِن كَانَ قيمَة يَوْم العقد أقل فَمَا زَاد بعده عَاد إِلَيْهِ بِعُود الشَّجَرَة فَهِيَ زِيَادَة مُتَّصِلَة تسلم لَهُ مجَّانا فَلَا يحْتَسب عَلَيْهِ وللزيادة الْمُتَّصِلَة مَرَاتِب إِن تلفت لَا يطْلب البَائِع قيمتهَا وَإِن بقيت فَازَ بهَا البَائِع مجَّانا وَلَا يُطَالب بِقِيمَتِه وَإِن كَانَ بِتَقْدِير قِيمَته تخْتَلف قيمَة غَيره فَهَل يحْتَسب عَلَيْهِ فِيهِ هَذَا الْخلاف أما الزِّيَادَة الْمُتَّصِلَة بِالْمَبِيعِ من خَارج فَثَلَاثَة أَقسَام عين مَحْض وَأثر مَحْض وَمَا هُوَ عين من وَجه وَوصف من وَجه
أما الْعين الْمَحْض هُوَ أَن يَبْنِي فِي الأَرْض أَو يغْرس فِيهَا فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَن الْمُتَغَيّر بِهِ كالمفقود إِذْ يُؤَدِّي رُجُوعه إِلَى الْإِضْرَار بالمشتري وَالثَّانِي أَنه وَاجِد عين مَاله وَلَكِن لَا يرجع فِيهِ بل يُبَاع ويفوز بِقِيمَة الأَرْض دون الْبناء وَالْغِرَاس وَالأَصَح هُوَ الثَّالِث أَنه يرجع فِي عين الأَرْض وَيتَخَيَّر فِي الْغِرَاس بَين أَن يتَمَلَّك بِبَدَل أَو ينْقض وَيغرم الْأَرْش أَو يبقي بِأُجْرَة ورأيه فِي التَّعْيِين مُتبع هَذَا إِذا كَانَت الزِّيَادَة قَابِلَة للتمييز فَإِن لم تقبل كَمَا لَو خلط مكيلة زَيْت بمكيلة من عِنْده فَإِن كَانَ مَا عِنْده أردأ أَو من جنسه فالبائع يرجع إِلَى مكيله وَيقسم بَينهمَا فَإِن نقص وَصفه فَهُوَ عيب حصل بِفعل المُشْتَرِي وَإِن كَانَ مَا عِنْده أَجود فَقَوْلَانِ أَحدهمَا الرُّجُوع كالصورة الأولى وَالثَّانِي هُوَ فَاقِد لِأَن فِي رُجُوعه إِضْرَارًا بالمشتري أَو تناقضا فِي كَيْفيَّة الرُّجُوع وَمن الْأَصْحَاب من طرد قولا فِي منع الرُّجُوع فِي الْخَلْط بِالْجِنْسِ وَهُوَ خلاف النَّص
فَإِن قُلْنَا يرجع فَقَوْلَانِ أَحدهمَا أَنه يُبَاع الْجَمِيع ويوزع عَلَيْهِمَا على نِسْبَة قيمَة ملكيهما وَالثَّانِي أَنه يقسم الزَّيْت بِنَفسِهِ على نِسْبَة الْقيمَة حَتَّى أَنه لَو كَانَ مكيلة البَائِع تَسَاوِي درهما ومكيلة المُشْتَرِي تَسَاوِي دِرْهَمَيْنِ فَلِلْمُشْتَرِي مكيلة وَثلث وَللْبَائِع ثلثا مكيلة وَهَذَا فِيهِ مَحْظُور من بَاب الرِّبَا وَفِي البيع اعْتِرَاف بِالْعَجزِ عَن الرُّجُوع عَن الْعين وطرد ابْن سُرَيج الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْصِيل الرُّجُوع فِي الْخَلْط بالأردأ وَكَانَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَن يمِيل إِلَى صِيَانة جَانب المُشْتَرِي وَلَا يُبَالِي بِنُقْصَان فِي جَانب البَائِع وَابْن سُرَيج يُسَوِّي بَينهمَا وَإِن خلط الزَّيْت بالشيرج فَالصَّحِيح أَنه فَاقِد عين ملكه لِأَنَّهُ انْقَلب الْجِنْس بِهِ الْقسم الثَّانِي مَا هُوَ وصف من وَجه وَعين من وَجه كَمَا لَو صبغ الثَّوْب بصبغ من عِنْده فَإِن لم يزدْ فِي قيمَة الثَّوْب فَإِن البَائِع يرجع بِالثَّوْبِ وَإِن زَادَت الْقيمَة فَهُوَ شريك بِالْقدرِ الذى زَاد فَإِن كَانَ قيمَة الصَّبْغ درهما وَقِيمَة الثَّوْب عشرَة فَصَارَ بالصبغ يُسَاوِي خَمْسَة عشر فَلِلْمُشْتَرِي مِنْهُ قدر دِرْهَم وَللْبَائِع مِنْهُ قدر عشرَة وَالْأَرْبَعَة حصلت بالصنعة على الثَّوْب لَا على الصَّبْغ لِأَن الصَّبْغ تبع
فينبني على أَن الصَّنْعَة يسْلك بهَا مَسْلَك الْأَثر أم الْعين كَمَا سَيَأْتِي الْقسم الثَّالِث الْأَثر الْمَحْض كَمَا لَو طحن الْحِنْطَة وراض الدَّابَّة وَقصر الثَّوْب وَعلم العَبْد حِرْفَة فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَن لَهُ حكم الْعين كَمَا فِي الصَّبْغ وَقد سبق حكمه وَالثَّانِي أَنه أثر لَا قيمَة لَهُ كَمَا إِذا صدر من الْغَاصِب فِي الْمَغْصُوب بِخِلَاف الصَّبْغ فَإِنَّهُ عين وَالْفرق ظَاهر من حَيْثُ إِن عمل المُشْتَرِي مُحْتَرم وَقد حصل وَصفا يسْتَأْجر عَلَيْهِ ببذل المَال فَكَانَ مُتَقَوّما وَفعل الْغَاصِب عدوان لَا يتقوم بِخِلَاف صبغه فعلى هَذَا نجْعَل القصارة كالصبغ ويوزع الثّمن عِنْد بيع الثَّوْب عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَار قيمتهمَا وَإِن تضاعفت الْقيمَة فيضاعف حق كل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِن ارْتَفع قيمَة الثَّوْب دون القصارة كَانَ الزَّائِد حق البَائِع دون المُشْتَرِي فرع لَو اسْتَأْجر أَجِيرا للقصارة وأفلس قبل أَدَاء الْأُجْرَة وَالثَّوْب بَاقٍ فَإِن قُلْنَا إِن القصارة أثر فَلَيْسَ للْأَجِير إِلَّا الْمُضَاربَة وَإِن قُلْنَا إِنَّه عين فَلهُ حق حبس الثَّوْب فَإِن كَانَ قيمَة الثَّوْب عشرَة وَقِيمَة القصارة خَمْسَة وَالْأُجْرَة دِرْهَم فَيخْتَص البَائِع بِعشْرَة والأجير بدرهم وَيصرف أَرْبَعَة إِلَى سَائِر الْغُرَمَاء
وَلَو كَانَت الْأُجْرَة خَمْسَة وَقِيمَة القصارة درهما فَإِن البَائِع يخْتَص بِعشْرَة وَصرف الدِّرْهَم الزَّائِد إِلَى الْأَجِير وَله الْمُضَاربَة بالأربعة الْبَاقِيَة هَكَذَا نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَلم يحكم بِأَن الْأَجِير وجد عين مَتَاعه وَهُوَ القصارة فَيفْسخ ويقنع بهَا زَادَت الْقيمَة أَو نقصت وَمن الْأَصْحَاب من قضى بذلك طردا لقياس تَنْزِيله منزلَة الْعين من كل وَجه وَهُوَ خلاف النَّص فَإِنَّهُ لَا يُمكن إِلْحَاقه بِالْعينِ من كل وَجه وَلَكِن لم ير الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ تَعْطِيل حق المُشْتَرِي ولمحصله أَيْضا حق حبس ووثيقة فِيهِ وَهُوَ الْأَجِير فَأَما أَن نجْعَل عين سلْعَة حَتَّى يفْسخ العقد فِيهَا فَهُوَ بعيد
أَسبَاب الْحجر خَمْسَة الصبى وَالْجُنُون وَالرّق والفلس وَقد ذَكرنَاهَا والتبذير وَهُوَ عبارَة عَن الْفسق مَعَ صرف المَال إِلَى وَجه لَيْسَ فِيهِ غَرَض صَحِيح ديني أَو دُنْيَوِيّ وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله خَالَفنَا فِي هَذَا الْحجر وَفِي حجر الْمُفلس وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول فِي السَّبَب
وَهُوَ يتَّصل تَارَة بِالصَّبِيِّ وَتارَة يطْرَأ بعد الْبلُوغ فَإِن اتَّصل بِالصَّبِيِّ بِأَن بلغ الصَّبِي غير رشيد اطرد حجر الصَّبِي وَيَكْفِي لدوام الْحجر أحد الْمَعْنيين وَهُوَ الْفسق أَو الْإِسْرَاف فِي المَال لِأَن كل وَاحِد يُنَافِي اسْم الرشد وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا﴾ وَإِن طَرَأَ بعد أَن بلغ رشيدا فَلَا بُد من مَجْمُوع الْأَمريْنِ فَإِن طَرَأَ التبذير بِأَن كَانَ يصرف المَال إِلَى ملذ الْأَطْعِمَة على وَجه لَا يَلِيق بِهِ اقْتضى الْحجر ثمَّ فِي عود الْحجر أَو الْحَاجة إِلَى إِعَادَة القَاضِي وَجْهَان أظهرهمَا الْحَاجة إِلَى الْإِعَادَة فَإِنَّهُ يدْرك بِضَرْب من الِاجْتِهَاد وَلَو طَرَأَ مُجَرّد الْفسق أَو مُجَرّد التبذير بِأَن كَانَ يصرف المَال إِلَى ملاذ الْأَطْعِمَة على وَجه لَا يَلِيق بِهِ فَفِي اقتضائه الْحجر وَجْهَان وَالْمذهب أَنه لَا يَقْتَضِيهِ
بِخِلَاف مَا لَو اتَّصل بِالصَّبِيِّ لِأَن الْحجر ثمَّ مستيقن فَلَا يرفع إِلَّا بِيَقِين وَلَا يتَيَقَّن الرشد مَعَ الْفسق وَالْإِطْلَاق هَاهُنَا مستيقن فَلَا يُعَاد الْحجر إِلَّا بِيَقِين وَلَيْسَ من الْإِسْرَاف أَولا صرف المَال إِلَى وُجُوه الْخيرَات فَلَا سرف فِي الْخَيْر ثمَّ ولي المبذر وَالْمَجْنُون أَبوهُ أَو جده إِن اتَّصل الْجُنُون والتبذير بِالصَّبِيِّ وَإِن عَاد بعد زَوَال ولَايَة الْوَلِيّ فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه من كَانَ فِي حَالَة الصغر وَالثَّانِي أَنه القَاضِي لِأَنَّهُ صَار مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ فَلم يكن تبعا لأصله وَمهما عرف رشده قبل الْبلُوغ فَبلغ انْفَكَّ الْحجر بِمُجَرَّد الْبلُوغ وَأَسْبَاب الْبلُوغ أَرْبَعَة الأول السن وَهُوَ خمس عشرَة سنة فِي الْغُلَام وَالْجَارِيَة
وَقَالَ أَبُو حنيفَة ثَمَان عشرَة سنة وَفِي رِوَايَة اقْتصر فِي الْجَارِيَة على سبع عشرَة سنة ومعتمدنا مَا روى الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اسْتكْمل الْمَوْلُود خمس عشرَة سنة كتب مَاله وَمَا عَلَيْهِ وأقيمت عَلَيْهِ الْحُدُود الثَّانِي الِاحْتِلَام وَيصدق فِيهِ الصَّبِي إِذْ لَا يُمكن فِيهِ الْمعرفَة إِلَّا بقوله وَفِي احْتِلَام الصبية وَجْهَان لخفاء خُرُوج المَاء مِنْهَا فِي الْغَالِب فَقيل أقيم الْحيض مقَام ذَلِك فِي حَقّهَا ثمَّ قَالَ الْأَصْحَاب إِذا احْتَلَمت وَإِن لم يحكم ببلوغها أمرناها بالاغتسال كَمَا نأمرها بِالْوضُوءِ من الْحَدث وكما إِذا احْتَلَمت بعد الْبلُوغ
الثَّالِث الْحيض فِي حق النِّسَاء الرَّابِع نَبَات الْعَانَة فِي حق صبيان الْكفَّار إِذْ أَمر عَلَيْهِ السَّلَام بالكشف عَن مؤتزرهم وَكَانَ يقتل من أنبت مِنْهُم وَفِي تعرف ذَلِك فِي صبيان الْمُسلمين خلاف وَالْأَظْهَر أَنه لَا يتبع إِذْ هى أَمارَة تعلقنا بهَا للعجز عَن معرفَة سنهم واحتلامهم إِلَّا بقَوْلهمْ ثمَّ لاشك أَن بقول الْوَجْه وإنبات الْإِبِط أبلغ فِي الدّلَالَة وَأما انفراق الأرنبة ونهود الثدي وبحوحة الصَّوْت فَلَا تعويل عَلَيْهِ فرع الْخُنْثَى إِذا احْتَلَمَ بفرج الرِّجَال أَو حاض بفرج النِّسَاء لم يحكم بِبُلُوغِهِ للاحتمال فَإِن اجْتمع الْأَمْرَانِ فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا لَا لتعارض الْأَمر فِي الْعَلامَة إِذْ كل وَاحِد أسقط حكم الآخر وَالثَّانِي أَنه الْأَصَح أَنه يقْضى بِبُلُوغِهِ وَيبقى الْإِشْكَال فِي الذُّكُورَة وَالْأُنُوثَة وينقدح ظَاهرا أَن يحكم بِالْبُلُوغِ بِأَحَدِهِمَا كَمَا نحكم بالذكورة وَالْأُنُوثَة بِأَحَدِهِمَا بِنَاء على ظن غَالب ثمَّ ننقض ذَلِك الظَّن إِن ظهر نقيضه
الْفَصْل الثَّانِي فِيمَا ينفذ من التَّصَرُّفَات وَمَا لَا ينفذ
والضبط فِيهِ أَن كل مَا كَانَ لَا يدْخل تَحت حجر الْوَلِيّ فِي حق الصَّبِي كَالطَّلَاقِ وَالظِّهَار وَالْخلْع واستلحاق النّسَب وَالْإِقْرَار بِمَا يُوجب الْقصاص أَو الْحَد مِمَّا لَا يتَعَلَّق بِالْمَالِ مَقْصُودا فَهُوَ مُسْتَقل بِهِ لِأَنَّهُ مُكَلّف والمتضي للحجر صِيَانة مَاله وَذَلِكَ لَا يتضى الْحجر فِي هَذِه التَّصَرُّفَات وَمَا يتَعَلَّق بِالْمَالِ ينظر فِيهِ فَمَا هُوَ فِي مَظَنَّة الضَّرَر هُوَ مسلوب الِاسْتِقْلَال فِيهِ كالتبرعات وَالْبيع وَالشِّرَاء وَالْإِقْرَار بِالدّينِ وَلَو عين لَهُ الْوَلِيّ تَصرفا أَو وَكله أَجْنَبِي فَفِي سلب عِبَارَته خلاف وَالظَّاهِر صِحَة عِبَارَته كَمَا فِي الطَّلَاق وَغَيره وَقيل إِنَّه مسلوب الْعبارَة لِأَن الْحجر قد اطرد فِي المَال فَلم يُؤثر الْبلُوغ فِيهِ وَكَذَلِكَ فِي الْعبارَة الْمُتَعَلّقَة بِهِ وَمِنْهُم من قَالَ تصح عِبَارَته فِي النِّكَاح دون الْأَمْوَال وعَلى الْعبارَة يخرج قبُوله الْهِبَة وَالْوَصِيَّة فَإِنَّهُ لَا ضَرَر فِيهِ فَأَما تَدْبيره ووصيته فَفِيهِ قَولَانِ مرتبان على الصَّبِي وَأولى بالنفوذ
فروع ثَلَاثَة
الأول لَو أقرّ بِإِتْلَاف مَال الْغَيْر فِيهِ وَجْهَان الْقيَاس الْمَنْع كَالصَّبِيِّ وَالثَّانِي أَنه يقبل لِأَنَّهُ مُكَلّف قَادر على الْإِتْلَاف فليقدر على الْإِقْرَار الثَّانِي بيع الاختبار الذى يبتلى بِهِ الصَّحِيح فَسَاده إِن جرى قبل الْبلُوغ وَإِنَّمَا المُرَاد الامتحان بمقدمات البيع ثمَّ مهما امتحن فَبلغ انْفَكَّ أَيْضا الْحجر لمُجَرّد الْبلُوغ من غير حَاجَة إِلَى إنْشَاء الفك وَلَو بلغ غير رشيد ثمَّ صَار رشيدا فَالْأَظْهر أَنه يَنْفَكّ أَيْضا من غير حَاجَة إِلَى إنْشَاء الفك الثَّالِث لَو أحرم بِالْحَجِّ انْعَقَد إِحْرَامه ثمَّ إِن كَانَ عَن فرض إِسْلَامه هيأ الْوَلِيّ أَسبَابه والأمتعة من الزَّاد وَالرَّاحِلَة ثمَّ فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه كالمحصر فيتحلل وَالْآخر أَنه كالمفلس لَا يتَحَلَّل إِلَّا بلقاء الْبَيْت
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي الصَّحِيح وَالْفَاسِد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالصُّلْح عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَيْسَ عقدا مُخَالفا للْبيع أَو للهبة وَلكنه إِن كَانَ بمعاوضة فَهُوَ بيع يَصح بِلَفْظ البيع وَيصِح البيع بِلَفْظِهِ وَاسْتثنى صَاحب التَّلْخِيص الصُّلْح عَن أرش الْجِنَايَات فَقَالَ لَا يَصح بِلَفْظ البيع وَاسْتثنى بعض الْأَصْحَاب البيع ابْتِدَاء من غير تقدم خُصُومَة فَقَالُوا لَا يَصح بِلَفْظ الصُّلْح فَلَا يُطلق لفظ الصُّلْح إِلَّا بعد تقدم خصومه فَلَا يحسن أَن يُقَال لصَاحب الْمَتَاع صالحني عَن متاعك على كَذَا أما اسْتثِْنَاء صَاحب التَّلْخِيص فقد استدرك الشَّيْخ أَبُو عَليّ عَلَيْهِ وَقَالَ هُوَ بيع دين وَيجوز أَن يسْتَعْمل فِيهِ لفظ البيع إِن كَانَ مَعْلُوم الْقدر وَالصّفة وَلَا يجوز لفظ الصُّلْح أَيْضا إِن كَانَ مَجْهُول الْقدر وَالصّفة وَإِن كَانَ مَعْلُوم الْقدر مَجْهُول الصّفة كإبل الدِّيَة فَفِي جَوَاز بَيْعه بطرِيق الِاعْتِيَاض عَنهُ وَجْهَان بِلَفْظ الصُّلْح وَالْبيع جَمِيعًا نعم لَو قُلْنَا مُوجب الْعمد الْقود الْمَحْض فالمصالحة عَنهُ على مَال جَائِز وَلَا يَصح إِطْلَاق لفظ البيع فِيهِ
وَأما اسْتثِْنَاء الْأَصْحَاب وَهُوَ إِطْلَاق لفظ الصُّلْح ابْتِدَاء أَيْضا خَالف فِيهِ بعض الْأَصْحَاب أَيْضا وَقَالُوا إِنَّه جَائِز فتحصلنا فِيهِ على وَجْهَيْن الِاسْتِثْنَاء الثَّالِث أَن يُصَالح على بعض الْمُدعى فَالظَّاهِر صِحَّته وَيكون هبة للْبَعْض فَيُؤَدِّي معنى الْهِبَة وَلَفظ البيع لَا يحصل بِهِ هَذَا الْغَرَض فصلح الحطيطة بِلَفْظ البيع بَاطِل وَمن الْأَصْحَاب من حكى عَنهُ أَن الشَّيْخ أَبُو عَليّ منع هَذَا لِأَنَّهُ يُنبئ عَن الْمُعَاوضَة أَعنِي لفظ الصُّلْح وَلَا مُعَاوضَة هَاهُنَا هَذَا إِذا صَالح عَن عين فَإِن صَالح عَن دين نظر فَإِن صَالح عَن دين آخر فَلَا بُد من التَّسْلِيم فِي الْمجْلس فَإِنَّهُ بيع كالئ بكالئ وَإِن صَالح على عين وَسلم فِي الْمجْلس صَحَّ وَإِن لم يسلم فَالْأَظْهر الصِّحَّة لِأَنَّهُ عين وَفِيه وَجه يجْرِي ذَلِك فِي لفظ البيع وَصلح الحطيطة فِي الدّين بِمَعْنى الْإِبْرَاء عَن الْبَعْض صَحِيح وَلَكِن فِي افتقاره إِلَى الْقبُول خلاف كَمَا فِي الْإِبْرَاء بِلَفْظ الْهِبَة فرع لَو صَالح من ألف حَال على مُؤَجل فَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ وعد مَحْض لَا يلْزم وَمن الْمُؤَجل على الْحَال وعد من الْجَانِب الآخر وَكَذَا من الصَّحِيح على المكسر وَمن المكسر على الصَّحِيح
وَلَو صَالح من ألف صَحِيح على خَمْسمِائَة مكسر كَانَ إِبْرَاء عَن خَمْسمِائَة ووعدا من الْبَاقِي وَكَذَا عَن ألف حَال على خَمْسمِائَة مُؤَجّلَة فإمَّا عَن ألف مُؤَجل على خَمْسمِائَة حَالَة أَو عَن ألف مكسر على خَمْسمِائَة صَحِيحَة ففاسد لِأَنَّهُ نزل عَن قدر للحصول على وصف زَائِد فَهُوَ فَاسد وَلَا يَصح نُزُوله إِذْ لم يسلم لَهُ مَا طمع فِيهِ وَلَو اعتاض عَن ألفي دِرْهَم لَهُ عَلَيْهِ ألفا دِرْهَم وَخمسين دِينَارا فَالْأَصَحّ صِحَّته وَيجْعَل مُسْتَوْفيا للألف معتاضا عَن الْبَاقِي خمسين دِينَارا وَفِيه وَجه آخر أَنه مَسْأَلَة مد عَجْوَة لِأَن لفظ الصُّلْح للمعاوضة هَذَا كُله فِي الصُّلْح على الْإِقْرَار فَأَما الصُّلْح على الْإِنْكَار فَهُوَ بَاطِل عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ إِن جرى مَعَ الْمُدعى عَلَيْهِ على عين أُخْرَى
وَفِي صلح الحطيطة على الْإِنْكَار وَجْهَان وَوجه الصِّحَّة أَنه بِمَعْنى الْهِبَة وَالْإِبْرَاء وَذَلِكَ لَيْسَ يَسْتَدْعِي عوضا فَإِذا سلم لَهُ الْبَعْض واتفقا على أَنه ملكه إِذْ يملكهُ بزعم الْمُدعى عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ هبة وبزعم الْمُدعى بِكَوْنِهِ مُسْتَحقّا لم يبْق إِلَّا الْخلاف فِي الْجِهَة وَهَذَا كُله إِذا قَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ صالحني عَن دعواك أَو صالحني مُطلقًا فَلَو قَالَ بِعني الدَّار فَهُوَ إِقْرَار وَلَو قَالَ صالحني عَن الدَّار فَهَل يَجْعَل إِقْرَارا ليَصِح الصُّلْح على الْإِقْرَار فَوَجْهَانِ الظَّاهِر أَنه لَيْسَ بمقر أما الصُّلْح على الْإِنْكَار مَعَ الْأَجْنَبِيّ إِن قَالَ الْأَجْنَبِيّ هُوَ مقرّ وَأَنا وَكيله صَحَّ لتقار الْمُتَعَاقدين وَإِن قَالَ هُوَ مُنكر وَلَكِنِّي أعرف أَنَّك محق وَإِنَّمَا أصالح لَهُ فَوَجْهَانِ
ينظر فِي أَحدهمَا إِلَى إِقْرَار متعاطي العقد وَفِي الثَّانِي إِلَى من يَقع العقد لَهُ فَإِن كَانَ الْمُدعى دينا فَوَجْهَانِ مرتبان وَأولى بِالْجَوَازِ لِأَنَّهُ مُسْتَقل بِقَضَاء دين غَيره دون قَوْله فَلَا يُؤثر إِنْكَاره فِيهِ
فرعان
أَحدهمَا لَو قَالَ الْأَجْنَبِيّ أَنْت محق وَأَنا أشتريه لنَفْسي فَإِنِّي قَادر على الانتزاع من يَده فَفِي صِحَة شِرَائِهِ وَجْهَان وَجه الْمَنْع أَن الشَّرْع يمنعهُ من الانتزاع فَإِن ظَاهر الْيَد يدل على أَن ذَلِك لَهُ وَالْعجز الشَّرْعِيّ كالعجز الْحسي الثَّانِي إِذا أسلم على عشرَة نسْوَة وَمَات قبل الْبَيَان فالميراث مَوْقُوف بَينهُنَّ وَيصِح الِاصْطِلَاح على عين التَّرِكَة وَيكون التَّفَاوُت فِيهِ مَحْمُولا على الْمُسَامحَة وَالْهِبَة وَذَلِكَ مُحْتَمل وَإِن كَانَ مَجْهُولا للضَّرُورَة وَلَو جرى على غير التَّرِكَة لم يجز لِأَن من أَخذ عوضا فَلَا بُد وَأَن يثبت لَهُ ملك فِي معوض
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي التزاحم على الْأَمْلَاك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالنَّظَر فِيهِ يتَعَلَّق بالطرق والجدار الْحَائِل بَين الْملكَيْنِ والسقف الْحَائِل بَين السّفل والعلو أما الطّرق والشوارع لَا يتَعَلَّق بهَا الِاسْتِحْقَاق الطّرق وَهِي الْمَوَاضِع الَّتِى ألفيت شوارع فِي الْبِلَاد والصحاري ومبداها فِي الْبِلَاد أَن يَجْعَل الْإِنْسَان ملك نَفسه شوارع أَو يتَّفق الْملاك فِي الْأَحْيَاء على فتح أَبْوَاب الدّور إِلَى صوب وَاحِد فَلَو انْفَرد بِالتَّصَرُّفِ فِي الشوارع بِفَتْح بَاب إِلَيْهِ لم يكن جَازَ وَكَذَا لَو أخرج جنَاحا لَا يضر بالمارة لِأَن الْهَوَاء بَقِي على أصل الْإِبَاحَة والاختصاص بِالْأَرْضِ للشروع فليوضع الْجنَاح إِلَى حَيْثُ لَا يمْنَع الْمحمل مَعَ الْكَنِيسَة وَأبْعد مبعدون فَقَالُوا إِلَى أَن لَا يمْنَع الرمْح الْمَنْصُوب فِي يَد فَارس وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله وَإِن فعل ذَلِك فلآحاد الْمُسلمين الْمَنْع وَإِن