أما التَّحَمُّل فِيمَا لَا يَصح دون الشَّهَادَة كَالنِّكَاحِ فالإجابة إِلَى التَّحَمُّل فِيهِ من فروض الكفايات وَمن امْتنع لَا يَأْثَم لِأَنَّهُ غير مُتَعَيّن أما التَّحَمُّل فِي الْأَمْوَال والأقارير هَل هُوَ من فروض الكفايات فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا لاستغنائه عَنهُ وَالثَّانِي نعم لحَاجَة الْإِثْبَات عِنْد النزاع وَكَذَا الْخلاف فِي كتبه الصَّك لِأَنَّهُ لَا يسْتَغْنى عَنهُ فِي عصمَة الْحُقُوق
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الرَّابِع فِي الشَّاهِد وَالْيَمِين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وكل وَاقعَة يقْضى فِيهَا بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ فَيقْضى بِشَاهِد وَيَمِين إِلَّا عُيُوب النِّسَاء وبابها وَقد صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقَضَاء بِشَاهِد وَيَمِين قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَال وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يقبل شَاهد وَيَمِين ثمَّ عندنَا يَنْبَغِي أَن تتقدم شَهَادَة الشَّاهِد وتعديله على الْيَمين إِذْ الْيَمين قبل تأيد جَانب الْحَالِف بِالْيَدِ أَو اللوث سَاقِط الْأَثر وَيجب على الْحَالِف أَن يصدق الشَّاهِد فِي يَمِينه فَيَقُول أَنا محق وَهُوَ صَادِق وَلَا خلاف فِي أَنه لَو حلف مَعَ امْرَأتَيْنِ لم يجز ثمَّ هَذَا الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ أَو بِالْيَمِينِ أَو بهما وَيظْهر الْأَثر فِي الْغرم عِنْد الرُّجُوع فِيهِ
ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِد يعضد جَانب الْحَالِف كاللوث وَالثَّانِي أَنه بِالشَّاهِدِ لما رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قضى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين وَالثَّالِث أَنه بهما جَمِيعًا ثمَّ إِن قُلْنَا إِنَّه بِالْيَمِينِ أمكن إِيجَاب غرم أَيْضا على الشَّاهِد إِذْ الْيَمين نفذ بِشَهَادَتِهِ كَمَا يجب على رَأْي على الْمُزَكي لِأَن الشَّهَادَة نفذت بتعديله وَتَمام الْبَاب بمسائل أَربع الأولى لَو أَقَامَ الْوَرَثَة شَاهدا وَاحِدًا على دين لمورثهم وحلفوا جَمِيعًا استحقوا وَلَو حلف وَاحِد اسْتحق الْحَالِف نصِيبه دون الناكل وَلَو مَاتَ الناكل لم يكن لوَارِثه أَن يحلف إِذْ بَطل حق الْحلف بِالنّكُولِ وَإِن مَاتَ قبل النّكُول فلوارثه أَن يحلف وَلَكِن هَل يجب إِعَادَة الشَّهَادَة فِيهِ وَجْهَان وَكَذَا لَو جَاءَ الْوَارِث بِشَاهِد آخر هَل يجب على الأول الْإِعَادَة فِيهِ قَولَانِ مأخذهما أَن هَذِه دَعْوَى جَدِيدَة أَو فِي حكم الْبناء وَلَو نكل الْوَارِث وللميت غَرِيم فَهَل يحلف فِيهِ قَولَانِ ذكرناهما فِي الْقسَامَة أما إِذا كَانَ فيهم غَائِب أَو مَجْنُون فَإِذا عَاد أَو أَفَاق حلف من غير حَاجَة إِلَى إِعَادَة الشَّهَادَة بل نفذت تِلْكَ الشَّهَادَة فِي الْحق الْمُشْتَرك بِدَعْوَى وَاحِد من الْوَرَثَة وَإِنَّمَا تخْتَص الدَّعْوَى وَالْحلف دون الْمُشَاهدَة أما إِذا أوصى لشخصين فَحلف أَحدهمَا مَعَ شَاهد وَالثَّانِي غَائِب فَإِذا عَاد فَلَا بُد من إِعَادَة الشَّهَادَة إِذْ ملكه مُنْفَصِل بِخِلَاف حُقُوق الْوَرَثَة فَإِنَّهُ إِنَّمَا يثبت أَولا لشخص وَاحِد وَهُوَ الْمَيِّت
فرع
لَو حلف بَعضهم مَعَ الشَّاهِد فَهَل يخرج نصيب الْغَائِب من يَد الْمُدعى عَلَيْهِ فِيهِ
قَولَانِ كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْحَيْلُولَة بِشَاهِد وَاحِد لَكِن هَذَا أبعد لِأَن صَاحب الْحق لم يدع إِلَّا أَن اتِّحَاد الْمَيِّت كَأَنَّهُ يَجْعَل دَعْوَى الْوَاحِد كدعوى الْجَمِيع وَلذَلِك لَا تستعاد الشَّهَادَة أما النَّصِيب الَّذِي أَخذه الْحَالِف الْوَارِث فَلَا يُشَارِكهُ الْغَائِب فِيهِ نَص عَلَيْهِ وَقَالَ فِي كتاب الصُّلْح لَو ادّعى الوارثان عينا فَأقر لأَحَدهمَا بِنَصِيبِهِ شَاركهُ الآخر فَمنهمْ من قَالَ قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج وَالصَّحِيح أَنه فرض هَهُنَا فِي الدّين وَذَلِكَ إِنَّمَا يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ فَلَا يُشَارِكهُ فِيهِ وَفِي الصُّلْح فِي جُزْء من الْعين وَهُوَ مُشْتَرك بِإِقْرَارِهِ فَكيف ينْفَرد بِهِ أما إِذا أَقَامَ أَحدهمَا شَاهِدين فينتزع نصيب الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَأما نصيب الْغَائِب فينتزع أَيْضا إِن كَانَ عينا وَإِن كَانَ دينا فَوَجْهَانِ يجريان فِي كل دين يقر بِهِ لغَائِب أَن الْوَالِي هَل يَسْتَوْفِيه أَو يتْركهُ عَلَيْهِ وَهَذَا فِي الوراثة أما الْوَصِيَّة فَيتْرك نصيب الْغَائِب وَإِن كملت بَيِّنَة الْحَاضِر الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة إِذا ادّعى ثَلَاثَة أَن أباهم وقف عَلَيْهِم ضَيْعَة وعَلى أَوْلَادهم على التَّرْتِيب وحلفوا مَعَ شَاهد وَاحِد استحقوا وَفِيه وَجه أَن الْوَقْف كَالْعِتْقِ وَلَا يثبت بِشَاهِد وَيَمِين إِن قُلْنَا إِن الْملك فِيهِ لله تَعَالَى وَهُوَ بعيد غير مُعْتَد بِهِ ثمَّ الْبَطن الثَّانِي هَل يَحْتَاجُونَ إِلَى الْحلف عِنْد مَوْتهمْ إِن قُلْنَا إِنَّهُم يَأْخُذُونَ الْحق من الْبَطن الأول فيكفيهم يَمِين الْبَطن الأول وَإِن قُلْنَا من الْوَاقِف فَلَا بُد من التَّجْدِيد لأَنهم لَا يسْتَحقُّونَ بِيَمِين غَيرهم فَلَو كَانَ الشَّرْط الصّرْف إِلَى الْمَسَاكِين بعد مَوْتهمْ فعلى هَذَا لَا يُمكن تَحْلِيف الْمَسَاكِين إِذْ لَا ينحصرون فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا أَنهم يسْتَحقُّونَ بِغَيْر يَمِين للضَّرُورَة وَالثَّانِي أَن الْوَقْف قد تعذر مصرفه وَفِيه خلاف أَنه يبطل أَو يصرف إِلَى أقرب شخص إِلَى الْوَاقِف وَلَو مَاتَ وَاحِد من الحالفين فَنصِيبه للباقين الَّذين حلفوا مَعَه فِي دَرَجَته لِأَنَّهُ وقف تَرْتِيب وَفِي تَجْدِيد يمينهم قَولَانِ مرتبان وَالصَّحِيح أَنه لَا يحْتَاج إِلَيْهِ لأَنهم قد حلفوا مرّة على الْجُمْلَة أما إِذا نكلوا جَمِيعًا فالبطن الثَّانِي لَا يسْتَحقُّونَ إِن لم يحلفوا وَإِن حلفوا استحقوا هَذَا إِن قُلْنَا إِنَّهُم يَأْخُذُونَ من الْوَاقِف وَإِن قُلْنَا يَأْخُذُونَ من الْبَطن الأول فَلَا أثر لحلفهم إِذْ قد بَطل حق الْحلف بنكول الْبَطن الأول أما إِذا حلف وَاحِد وَنكل اثْنَان ثمَّ مَاتُوا فولد الْحَالِف يسْتَحق إِن حلف وَإِن لم يحلف فَقَوْلَانِ وَولد الناكل لَا يسْتَحق إِن لم يحلف وَإِن حلف فَقَوْلَانِ وَإِن مَاتَ الْحَالِف أَولا فَشرط الْوَقْف أَن يكون للآخرين لَكِن أبطلوا حُقُوقهم بِالنّكُولِ وَفِيه ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يصرف إِلَى ولد الْحَالِف وَقد التحقا بالموتى لنكولهم وَهُوَ بعيد وَالثَّانِي أَنه يصرف إِلَيْهِم ويستحقون بِيَمِين الْمَيِّت وَالثَّالِث أَنه قد تعذر مصرفه إِذن فينتزع من يَد الْمُدعى عَلَيْهِ أما نصيب الناكلين فَيبقى فِي يَد الْمُدعى عَلَيْهِ فَإِن قُلْنَا يصرف إِلَى الناكلين فَفِي إِيجَاب الْحلف عَلَيْهِم قَولَانِ مرتبان على مَا إِذا كَانَا قد
حلفا وَهَهُنَا أولى بِالْحلف الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة لَو كَانَ الْوَقْف وقف التَّشْرِيك وَحلف الثَّلَاثَة ثمَّ ولد لوَاحِد ولد صَار الْوَقْف أَربَاعًا بعد أَن كَانَ أَثلَاثًا وَيُوقف الرّبع للطفل وَكَذَا غَلَّته فَإِن بلغ وَحلف اسْتحق وَإِن نكل فالنص أَنه يرد على الثَّلَاثَة وَكَأن الناكل مَعْدُوم وَقَالَ الْمُزنِيّ رَحمَه الله كَيفَ يرد عَلَيْهِم وهم مقرون بِأَنَّهُم لَا يستحقونه فَهُوَ وقف تعذر مصرفه وَالْقِيَاس مَا ذكره فنجعله قولا مخرجا فَلَو قَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ ردُّوهُ إِلَيّ فَلَا طَالب لَهُ غَيْرِي فَلَا خلاف أَنه لَا يردهُ إِلَيْهِ إِذْ قد انتزع من يَده بِحجَّة فَلَا يُمكن الرَّد إِلَيْهِ الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة جَارِيَة لَهَا ولد ادعِي إِنْسَان على صَاحب الْيَد أَنَّهَا مستولدته وَالْولد مِنْهُ وَأقَام شَاهدا وَاحِدًا وَحلف سلمت لَهُ الْجَارِيَة وَثَبت ملكه ثمَّ تعْتق عَلَيْهِ إِذا مَاتَ بِإِقْرَارِهِ وبالإستيلاد لَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين أما الْوَلَد فَفِي حُرِّيَّته وَنسبه قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يثبت بطرِيق التّبعِيَّة للْأُم وَالثَّانِي وَهُوَ الْقيَاس وَاخْتِيَار الْمُزنِيّ أَنه لَا يثبت لِأَنَّهُ إِنْسَان مُسْتَقل تدعى فِيهِ الْحُرِّيَّة وَالنّسب كَمَا يدعى فِي الْأُم الإستيلاد وَاسْتشْهدَ الْمُزنِيّ بِمَا لَو أَقَامَ هَذِه الْحجَّة على عبد بِأَنَّهُ كَانَ ملكه وَقد أعْتقهُ فَإِنَّهُ لَا يسمع لِأَنَّهُ معترف فِي الْحَال بحريَّته مَعَ أَنه قد سبق لَهُ ملك فَكيف يسمع فِي الْوَلَد وَلم يجر عَلَيْهِ رق أصلا فَمن أَصْحَابنَا من طرد الْقَوْلَيْنِ وَمِنْهُم من فرق بِأَن الحكم هَاهُنَا وجد منتسبا من ملك حَاضر وَهُوَ الْأُم بِخِلَاف مَسْأَلَة العَبْد وَالْقِيَاس مَا ذكره الْمُزنِيّ رَحمَه الله
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الْخَامِس فِي الشَّهَادَة على الشَّهَادَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالنَّظَر فِي خَمْسَة أَطْرَاف الطّرف الأول فِي مجاريه وَهُوَ جَار فِيمَا لَيْسَ بعقوبة وَفِي الْعُقُوبَات ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه لَا يجْرِي لِأَنَّهُ بدل فَلَا يَخْلُو عَن شُبْهَة وَالثَّانِي أَنه يجْرِي لِأَن كَونه بَدَلا لَا يُوجب الشُّبْهَة وَالثَّالِث أَنه يجْرِي فِي حُقُوق الْآدَمِيّين كَالْقصاصِ وحد الْقَذْف دون حُدُود الله تَعَالَى فَإِنَّهُ يتسارع إِلَيْهِ السُّقُوط بِالشُّبُهَاتِ وَكَذَا الْخلاف فِي كتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي وَكَذَا فِي التَّوْكِيل بِاسْتِيفَاء الْقصاص لِأَن الْوَكِيل بدل عَن الْمُوكل فَإِذا منعنَا ذَلِك فَلَا معنى لدعوى الْقصاص على غَائِب الطّرف الثَّانِي فِي التَّحَمُّل وَلَا يجوز أَن يشْهد على شَهَادَة غَيره مَا لم يعلم أَن عِنْده شَهَادَة مجزومة ثَابِتَة وَذَلِكَ بِأَن يَقُول لَهُ عِنْدِي شَهَادَة بِكَذَا وَأَنا أشهدك على شهادتي وَإِمَّا بِأَن يرَاهُ بَين يَدي حَاكم وَهُوَ يَقُول أشهد أَن لفُلَان على فلَان كَذَا فَلهُ أَن يتَحَمَّل وَإِن لم يقل لَهُ أشهدك لِأَن ذَلِك لَيْسَ تفويضا حَتَّى يحْتَاج إِلَى إِشْهَاد نعم إِذا رَآهُ يخبر عَن
الشَّيْء لَا فِي معرض الشَّهَادَة وَلَا بِلَفْظ الشَّهَادَة فالإنسان قد يتساهل فِيهِ وَلَو كلف الشَّهَادَة امْتنع فَلذَلِك لَا يتَحَمَّل أما إِذا قَالَ فِي غير مجْلِس القَاضِي عِنْدِي شَهَادَة مثبوتة لَا أتمارى فِيهَا فَفِي جَوَاز التَّحَمُّل وَجْهَان أَحدهمَا نعم لانْقِطَاع الإحتمال وَالثَّانِي لَا إِذْ قد يكون لَهُ فِيهِ غَرَض وَإِذا طُولِبَ بِالْإِقَامَةِ توقف أما إِذا اقْتصر على قَوْله أَنا أشهد بِكَذَا لم يعْتَمد ذَلِك لظُهُور اعْتِمَاد التساهل وَلِأَنَّهُ قد يرِيه بِهِ الْوَعْد وَلَا يَفِي بِهِ فَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ ألف فَيشْهد على إِقْرَاره وَلَا يقدر احْتِمَال إِرَادَة وعد لِأَن الْإِنْسَان لَا يتساهل فِي الْإِقْرَار على نَفسه ويتساهل فِي الْإِخْبَار عَن الْغَيْر وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي رَحمَه الله لَا يشْهد على إِقْرَاره مَا لم يضفه إِلَى إِتْلَاف أَو ضَمَان أَو غير ذَلِك مِمَّا يقطع هَذَا الإحتمال وَهُوَ بعيد غير مُعْتَد بِهِ ثمَّ الشَّاهِد يَنْبَغِي أَن يَحْكِي مُسْتَند تحمله بِأَن شَاهد الأَصْل أشهده أَو رَآهُ يشْهد عِنْد القَاضِي فَإِنَّهُ رُبمَا لَا يعرف كَيْفيَّة التَّحَمُّل حَتَّى يبْحَث عَنهُ القَاضِي فَلَو كَانَ فَقِيها فيكفيه أَن يَقُول أشهد على شَهَادَته وَله الْإِصْرَار عَلَيْهِ فَلَو سَأَلَهُ القَاضِي لم يلْزمه التَّفْصِيل الطّرف الثَّالِث فِي الطوارىء على شُهُود الأَصْل وَلَا يضر مَوْتهمْ وغيبتهم ومرضهم بل هُوَ المُرَاد من شُهُود الْفَرْع وَقد ذكرنَا حد الْغَيْبَة أما طرآن فسقهم وعداوتهم وردتهم فَلَا يُؤثر طرآنه بعد الْقَضَاء بِشَهَادَة الْفَرْع وَلَو
طَرَأَ قبل الْقَضَاء منع الْقبُول لِأَن هَذِه أُمُور لَا تهجم بل يتقدمها مُقَدمَات وَلِأَنَّهُ يقبح أَن يشْهد على شَهَادَة مُرْتَد وفاسق وَلَو حضر شُهُود الأَصْل فكذبوا الْفَرْع بعد الْقَضَاء لم يُؤثر وَقبل الْقَضَاء لَو ثَبت تكذيبهم فِي الْغَيْبَة بِبَيِّنَة أَو رجوعهم امْتنع شَهَادَة الْفَرْع وَلَو بَان بعد الْقَضَاء أَنهم كَانُوا كذبُوا أَو رجعُوا قبل الْقَضَاء نقض الحكم قولا وَاحِدًا أما طرآن الْعَمى وَالْجُنُون فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا يُؤثر كالموت وَهُوَ الْأَصَح وَالثَّانِي أَنه يُؤثر إِذْ بطلت أهليتها والمقبول شَهَادَتهمَا وَإِنَّمَا اسْتثْنى الْمَوْت للضَّرُورَة وَالثَّالِث أَن الْجُنُون بِخِلَاف الْعَمى فَإِن الْأَعْمَى أهل وَإِنَّمَا يمْتَنع عَلَيْهِ التَّعْيِين أما الْإِغْمَاء فَلَا يُؤثر فِي الْغَيْبَة وَفِي الْحُضُور ينْتَظر زَوَاله فَلَا يُسَلط شَاهد الْفَرْع على الشَّهَادَة ثمَّ إِذا قُلْنَا يمْتَنع بالجنون فَلَو زَالَ فَفِي وجوب تَجْدِيد التَّحَمُّل وَجْهَان أقيسهما أَنه
لَا يجب وأشهرهما أَنه يجب كَمَا لَو أَفَاق الْمُوكل الطّرف الرَّابِع فِي الْعدَد والكمال أَن يشْهد على كل شَاهد شَاهِدَانِ فَإِن شهد اثْنَان على شَهَادَة وَاحِد وهما بأعيانهما شَهدا على الآخر فَقَوْلَانِ أقيسهما أَنه يجوز كَمَا لَو شهد اثْنَان على ألف رجل بِالْإِقْرَارِ وَهُوَ اخْتِيَار أبي حنيفَة رَحمَه الله والمزني وَالثَّانِي لَا لِأَن هَذِه حجَّة وَاحِدَة فَلَا يقوم شخص بطرفيها كَمَا لَو شهد أحد شَاهِدي الأَصْل بال
فرع
ية على شَهَادَة آخر فَإِن منعنَا ذَلِك فَلَو شهد أَرْبَعَة على شَهَادَتهمَا فَوَجْهَانِ أَصَحهَا الْجَوَاز إِذْ شهد على كل وَاحِد اثْنَان فتعرضهما للثَّانِي يَنْبَغِي أَن يَجْعَل كَالْعدمِ وَالثَّانِي لَا لِأَن من اسْتَقل بشق لَا تعْتَبر شَهَادَته فِي الثَّانِي وَلَيْسَ أحد الشقين بالإسقاط بِأولى من الآخر وَلَا خلاف أَن مَا يثبت بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ فالشهادة على شَهَادَتهم تجْرِي مجْرى الشَّهَادَة على ثَلَاثَة أشخاص
فرع الزِّنَا إِن قُلْنَا يثبت بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة فيجتمع فِي عدد الْفَرْع أَرْبَعَة
أَقْوَال فَفِي قَول يَكْفِي اثْنَان يَشْهَدَانِ على شَهَادَة الْأَرْبَعَة الْأُصُول وَهُوَ بِنَاء على أَن الْإِقْرَار بِالزِّنَا يثبت بِشَاهِدين على قَول فَكَذَلِك الشَّهَادَة وَفِي قَول لَا بُد من الْأَرْبَعَة وَفِي قَول ثَمَانِيَة وَفِي قَول سِتَّة عشر ومنشؤه التَّرَدُّد فِي أصلين أَحدهمَا عدد شُهُود الْفَرْع وَالْآخر عدد شُهُود الْإِقْرَار الطّرف الْخَامِس فِي الْعذر المرخص لشهادة الْفَرْع وَهُوَ الْمَوْت والغيبة وَالْمَرَض والغيبة إِلَى مَسَافَة الْقصر ترخص وَدون مَسَافَة الْعَدْوى لَا وَفِيمَا بَينهمَا وَجْهَان وَالْمَرَض هُوَ الْقدر الَّذِي يجوز ترك الْجُمُعَة بِهِ وَهُوَ مَا فِيهِ مشقة لَا مَا يمْنَع مَعَه الْحُضُور وَلَيْسَ على القَاضِي أَن يحضر دَار الْمَرِيض أَو يبْعَث نَائِبه إِلَيْهِ فَإِن ذَلِك يغض من منصب الْقَضَاء وَشَهَادَة الْفَرْع قريب وَلذَلِك جَازَت الرِّوَايَة من الْفَرْع مَعَ حُضُور الشَّيْخ وَالْخَوْف من الْغَرِيم كالمرض
فرع
لَيْسَ على شُهُود الْفَرْع الثَّنَاء على شُهُود الأَصْل وتعديلهم عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله بل لَو عدلوا ثبتَتْ الْعَدَالَة وَالشَّهَادَة جَمِيعًا بِشَهَادَتِهِم وَإِلَّا بحث القَاضِي عَنْهُم وَلَيْسَ عَلَيْهِم أَيْضا أَن يشْهدُوا على صدق شُهُود الأَصْل فَإِنَّهُم لَا يعْرفُونَ بِخِلَاف الْحَالِف مَعَ الشَّاهِد فَإِنَّهُ يعرف صدقه وَالله أعلم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب السَّادِس فِي الرُّجُوع عَن الشَّهَادَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالنَّظَر فِي الْعُقُوبَات والبضع وَالْمَال الأول الْعُقُوبَات وللرجوع ثَلَاثَة أَحْوَال الأول أَن يكون قبل الْقَضَاء فَيمْنَع الْقَضَاء فَإِن كَانَ فِي زنا وَجب حد الْقَذْف فَإِن قَالُوا غلطنا فَفِي وجوب الْحَد قَولَانِ مرتبان على مَا إِذا نقص عدد الشُّهُود وَهَذَا أولى بِالْإِيجَابِ لِأَن التحفظ وَاجِب عَلَيْهِم وَهُوَ إِلَى اختيارهم فَإِن حددنا لم تقبل شَهَادَتهم بعد ذَلِك إِلَّا بعد التَّوْبَة والإستبراء وَإِن لم نجدهم لم تسْقط عدالتهم فَتقبل شَهَادَتهم وَلَو رجعُوا فِي الشَّهَادَة وفسقناهم فعادوا بعد التَّوْبَة وَقَالُوا كذبنَا فِي الرُّجُوع لم تقبل تِلْكَ الشَّهَادَة أصلا مُؤَاخذَة لَهُم بقَوْلهمْ فِي الرُّجُوع الأول وَلَو لم يُصَرح الشَّاهِد بِالرُّجُوعِ وَلَكِن قَالَ للْقَاضِي توقف فَيتَوَقَّف القَاضِي فَإِن عَادوا إِلَى الشَّهَادَة فَفِي الْقبُول وَجْهَان لتطرق التُّهْمَة بِسَبَب التَّوَقُّف والإستمهال للتروي فَإِن قُلْنَا لَا يمْنَع الإستمهال فَهَل يجب إِعَادَة تِلْكَ الشَّهَادَة فِيهِ وَجْهَان
الْحَالة الثَّانِيَة الرُّجُوع بُد الْقَضَاء وَقب الإستيفاء وَفِيه ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا تستوفى لِأَن الْحُدُود تسْقط بِالشُّبُهَاتِ وَالثَّانِي أَنه تستوفى كالأموال لِأَن الْمَحْكُوم بِوُجُوب قَتله كالمقتول وَالثَّالِث وَهُوَ الأعدل أَن حُقُوق الْآدَمِيّين لَا تسْقط كأموالهم وَتسقط حُقُوق الله تَعَالَى الْحَالة الثَّالِث الرُّجُوع بعد اسْتِيفَاء الْعقُوبَة وَله صور الأولى أَن يَقُولُوا تعمدنا الْكَذِب مَعَ الْعلم بِأَن شهادتنا تقبل فيلزمهم الْقصاص عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله وَلَا خلاف أَن الدِّيَة الْمُغَلَّظَة تجب فِي مَالهم وَلَو رَجَعَ مَعَهم ولي الْقصاص وَهُوَ الَّذِي بَاشر وَجب عَلَيْهِ الْقصاص وَهل يجب على الشُّهُود مَعَه فِي وَجْهَان
أَحدهمَا لَا إِذْ الشَّاهِد بِالشَّهَادَةِ صَار كالممسك مَعَ الْمُبَاشر وَالثَّانِي يجب لأَنهم بِالشَّهَادَةِ أهدروا الدَّم وأبطلوا الْعِصْمَة وَالْقَاضِي إِذا رَجَعَ شَارك الشُّهُود فِي الْقصاص وَالدية الْمُغَلَّظَة فَإِن رَجَعَ الْمُزَكي فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه كالشهود وَالثَّانِي أَنه كالممسك وَالثَّالِث أَنه يصلح فعله لإِيجَاب الدِّيَة دون الْقصاص الصُّورَة الثَّانِيَة إِذا قَالُوا أَخْطَأنَا فَلَا قصاص وَقد يعزرهم القَاضِي وَالدية فِي مَالهم فَإِن صدقهم الْعَاقِلَة فَفِيهِ تردد سَيَأْتِي وَلَو قَالَ بَعضهم أَخْطَأنَا فَلَا قصاص على الْمُعْتَرف بالعمد لِأَنَّهُ شريك خاطىء وَلَو قَالَ كل وَاحِد تَعَمّدت وَأَخْطَأ شَرِيكي فَفِي الْقصاص وَجْهَان أَحدهمَا لَا يجب لِأَنَّهُ إِقْرَار بِأَنَّهُ شريك خاطىء فَلَا يجب الْقصاص عَلَيْهِ بِدَعْوَى
الشَّرِيك العمدية وَالثَّانِي أَنه يجب لِأَن دَعْوَاهُ خطأ الشَّرِيك وَهُوَ مُنكر لَا يدْرَأ عَنهُ قصاص الْعمد الصُّورَة الثَّالِثَة إِذا قَالُوا تعمدنا وَلَكِن مَا عرفنَا أَنه تقبل شهادتنا فَلَا يجب الْقصاص عِنْد الْأَكْثَرين إِذْ لم يظْهر قصدهم إِلَى الْقَتْل مَعَ أَن نفس الشَّهَادَة لَيْسَ تقتل بِخِلَاف مَا لَو ضرب شخصا ضربا يقتل الْمَرِيض دون الصَّحِيح وَجَهل كَونه مَرِيضا فَإِن الْأَظْهر أَنه يجب الْقصاص وَيحْتَمل فِيهِ وَجه من هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِن قُلْنَا لَا قصاص لجهلهم قَالَ صَاحب التَّقْرِيب لتكن الدِّيَة مُؤَجّلَة فَإِنَّهُ قريب من شبه الْعمد
الطّرف الثَّانِي فِيمَا لَا تدارك لَهُ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاق
وموجبه الْغرم وَفِي مِقْدَار مَا يجب على الرَّاجِع فِي الْبضْع قبل الْمَسِيس وَبعده كَلَام سبق وَنَذْكُر الْآن فرعين الأول لَو شهد رجل وَامْرَأَتَانِ على الْعتْق مثلا فالغرم الْوَاجِب يجب على الرجل النّصْف وعَلى الْمَرْأَتَيْنِ النّصْف وَلَو كَانُوا عشر نسْوَة فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ إِلَّا النّصْف إِذْ نصف الْبَيِّنَة قَامَ بِالرجلِ أما إِذا شهد رجل وَعشر نسْوَة على رضَاع محرم أوجب التَّفْرِيق بَين الزَّوْجَيْنِ ثمَّ رجعُوا
بعد التَّفْرِيق فَيقسم الْغرم بِاثْنَيْ عشر سَهْما على الرجل سَهْمَان وعَلى كل امْرَأَة سهم وننزل امْرَأتَيْنِ منزلَة رجل لِأَن هَذِه الشَّهَادَة تنفرد بهَا النِّسَاء فَلَا يتَعَيَّن الرجل بِشَطْر هَذِه الْحجَّة وَلَو رَجَعَ الرجل وست نسْوَة فقد أصر أَربع نسْوَة يستقللن بِإِثْبَات الرَّضَاع فَفِي وجوب شَيْء على الراجعين وَجْهَان الصَّحِيح أَنه لَا يجب لِأَن الْحجَّة بعد قَائِمَة وَالثَّانِي أَنه يجب على الراجعين بِقدر حصتهم أما لَو رَجَعَ مَعَه سبع نسْوَة بطلت الْحجَّة فعلى الْوَجْه الضَّعِيف عَلَيْهِم حصتهم وَهِي سَبْعَة من اثْنَي عشر وعَلى الصَّحِيح إِنَّمَا بَطل ربع الْحجَّة فَعَلَيْهِم ربع الْغرم الْفَرْع الثَّانِي أَن شُهُود الْإِحْصَان هَل يشاركون شُهُود الزِّنَا فِي الْغرم عِنْد الرُّجُوع فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا نعم إِذْ تمّ الرَّجْم بهم وَالثَّانِي لَا لأَنهم مَا شهدُوا إِلَّا على خِصَال كَمَال وَكَذَا الْخلاف فِي شُهُود التَّعْلِيق وَالصّفة فَإِن قُلْنَا يجب فَفِي حصتهم وَجْهَان أَحدهمَا التَّسْوِيَة وَالثَّانِي أَنه يجب عَلَيْهِم الثُّلُث إِذْ يَكْفِي فِي الْإِحْصَان شَاهِدَانِ وَفِي الزِّنَا أَرْبَعَة وَيتَفَرَّع من هَذَا أَنه لَو شهد على الْإِحْصَان شَاهِدَانِ وعَلى الزِّنَا أَرْبَعَة وَرجع أحد شَاهِدي
الْإِحْصَان فَفِي قَول لَا شَيْء عَلَيْهِ وَفِي قَول يجب السُّدس وَهُوَ قَول التَّثْلِيث وَفِي قَول يجب الرّبع وَهُوَ قَول التَّسْوِيَة بَين الْإِحْصَان وَالزِّنَا وَكَذَلِكَ يتَفَرَّع صور فِي زِيَادَة الشُّهُود على الْعدَد الْوَاجِب وَفِي رُجُوع بعض شُهُود الزِّنَا وَلَا يخفى تخريجها على الْأَقْوَال السَّابِقَة على متأمل
الطّرف الثَّالِث فِيمَا يقبل التَّدَارُك
كَمَا لَو شَهدا على عين مَال ورجعا بعد التَّسْلِيم فَلَا يقبل رجوعهما فِي الإسترداد وَفِي وجوب الْغرم للْحَيْلُولَة قَولَانِ أَحدهمَا لَا يجب لِأَنَّهُ يتَوَقَّع إِقْرَار الْخصم فَكيف يغرم وَالْعين قَائِم لَا كالعتاق وَالطَّلَاق اللَّذين لَا تدارك لَهما وَالثَّانِي وَهُوَ الأقيس أَنه يجب لِأَن الْحَيْلُولَة تنجزت وَإِقْرَار الْخصم بعيد وَكَذَا الْقَوْلَانِ فِيمَن أقرّ بدار لزيد ثمَّ لعَمْرو وتسلم الدَّار إِلَى زيد وَهل يغرم الْقيمَة لعَمْرو للْحَيْلُولَة فِيهِ قَولَانِ
فرع
لَو ظهر كَون الشَّاهِدين عَبْدَيْنِ أَو كَافِرين أَو صبيين انْتقض الْقَضَاء وَبَان أَنه لَا طَلَاق وَلَا عتاق وَكَذَا إِن كَانَا فاسقين وَقُلْنَا ينْقض الْقَضَاء وَإِن كَانَ ذَلِك أمرا لَا يتدارك كَقَتل فَيجب الْغرم على القَاضِي بخطئه وَمحله مَاله أَو بَيت المَال فِيهِ قَولَانِ وَلَا يرجع على الصَّبِيَّيْنِ لِأَن التَّقْصِير من جِهَته إِذْ لم يبْحَث وَلَا على الْفَاسِقين فَإِنَّهُمَا معذوران فِي كتمان الْفسق وَهل يرجع على الْعَبْدَيْنِ والكافرين فِيهِ قَولَانِ ذكرنَا
تفصيلهما فِي كتاب ضَمَان الْوُلَاة
ومجامع الْخُصُومَات يحويها خَمْسَة أَرْكَان الدَّعْوَى وَالْإِنْكَار وَالْيَمِين والنكول وَالْبَيِّنَة
الرُّكْن الأول الدَّعْوَى
ونقدم عَلَيْهَا مُقَدّمَة فِي بَيَان من يحْتَاج إِلَى الدَّعْوَى فَنَقُول من لَهُ حق عِنْد إِنْسَان فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون عينا أَو عُقُوبَة أَو دينا أما الْعين فَلهُ أَن ينتزعه من يَده إِن قدر عَلَيْهِ قهرا إِذا كَانَ لَا يُؤَدِّي ذَلِك إِلَى تَحْرِيك فتْنَة وَأما الْعقُوبَة فَلَا يسْتَقلّ باستيفائها أصلا دون القَاضِي لما فِيهِ من الْخطر وَأما الدّين فَإِن كَانَ على معترف مماطل أَو مُنكر يُمكن رَفعه إِلَى القَاضِي فَلَا يجوز الإنفراد باستيفائه إِذْ لَا يتَعَيَّن حَقه من الدّين إِلَّا بِتَعْيِين من عَلَيْهِ أَو بِتَعْيِين القَاضِي فَإِن
تعذر رَفعه إِلَى القَاضِي لتعززه أَو تواريه أَو هربه فَإِذا ظفر بِجِنْس حَقه فَلهُ أَن يَأْخُذهُ ويتملكه مستبدا فَإِن ظفر بِغَيْر جنس حَقه فَفِي جَوَاز الْأَخْذ قَولَانِ أَحدهمَا نعم لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لهِنْد خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ وَلم يفرق بَين الْجِنْس وَغَيره وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ كَيفَ يتَمَلَّك وَلَيْسَ من جنس حَقه وَكَيف يَبِيع ملك غَيره بِغَيْر إِذْنه فَإِن قُلْنَا يَأْخُذ فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا وَهُوَ القَوْل الْمَشْهُور أَنه يرفع إِلَى القَاضِي حَتَّى يَبِيع بِجِنْس حَقه وَلم يذكر الْقفال غير هَذَا وَالثَّانِي أَنه ينْفَرد بِبيعِهِ كَمَا ينْفَرد بِالتَّعْيِينِ فِي جنس حَقه فَإِن هَذِه رخصَة وَلَو كلف ذَلِك كلفه القَاضِي الْبَيِّنَة وَرُبمَا عسر عَلَيْهِ وَالثَّالِث أَنه يتَمَلَّك مِنْهُ بِقدر حَقه وَلَا معنى للْبيع وَهَذَا بعيد فِي الْمَذْهَب وَإِن كَانَ متجها فَإِن قُلْنَا يَبِيع فَإِن كَانَ حَقه نَقْدا بَاعَ بِالنَّقْدِ وَإِن كَانَ حِنْطَة أَو شَعِيرًا قَالَ القَاضِي يَبِيع بِالنَّقْدِ ثمَّ يَشْتَرِي بِهِ الْحِنْطَة فَإِنَّهُ كَالْوَكِيلِ الْمُطلق لَا يَبِيع بِالْعرضِ وَقَالَ غَيره وَهُوَ الْأَصَح يَبِيع بِجِنْس حَقه وَلَا معنى للتطويل هَذَا كُله فِيمَن لَهُ بَيِّنَة فَإِن لم يكن وَعلم أَنه لَو رَفعه إِلَى القَاضِي لجحد وَحلف فَكَلَام
الْقفال فِي تَكْلِيفه بِالرُّجُوعِ إِلَى القَاضِي فِي البيع وَإِقَامَة الْبَيِّنَة يشْعر بِأَنَّهُ لَا يَأْخُذ شَيْئا وَإِنَّمَا لَهُ حق التَّحْلِيف فَقَط وَلَا يبعد عِنْدِي أَن يجوز لَهُ الْأَخْذ إِذا ظفر بِهِ لِأَن الْمَقْصُود إِيصَال الْحق إِلَيْهِ إِذا تعذر
فروع
الأول لَو تلفت الْعين الْمَأْخُوذَة قيل بَيْعه فَهِيَ من ضَمَانه وَلَيْسَ لَهُ الإنتفاع بِهِ قبل البيع وَعَلِيهِ مبادرة البيع فَلَو قصر فنقصت الْقيمَة كَانَ محسوبا عَلَيْهِ وَمَا ينقص قبل التَّقْصِير فَلَيْسَ عَلَيْهِ وَالزِّيَادَة على مِقْدَار حَقه فِي ضَمَانه لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي أَخذهَا إِلَّا إِذا كَانَ
حَقه خمسين وَلم يظفر إِلَّا بِسيف يُسَاوِي مائَة فَفِي دُخُول الزِّيَادَة فِي ضَمَانه وَجْهَان أَحدهمَا نعم كالأصل وَالثَّانِي لَا يضمن لِأَنَّهُ لم يَأْخُذ بِحقِّهِ فَكَانَ مَعْذُورًا فِيهِ بل قَالَ القَاضِي لَو احْتَاجَ إِلَى نقب جِدَاره فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَان النقب إِذْ بِهِ يتَوَصَّل إِلَى حَقه الْفَرْع الثَّانِي لَو كَانَ حَقه صحاحا فظفر بالمكسور جَازَ لَهُ أَن يَتَمَلَّكهُ ويرضى بِهِ وَلَو كَانَ بِالْعَكْسِ فَلَا يَتَمَلَّكهُ وَلَا يَبِيعهُ بالمكسر مَعَ التَّفَاضُل لِأَنَّهُ رَبًّا بل يَبِيع بِالدَّنَانِيرِ وَيَشْتَرِي بِهِ قدر حَقه وَيخرج جَوَاز أَخذه على الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ إِذا احْتَاجَ إِلَى البيع فَهُوَ كَغَيْر جنس حَقه وَمِنْهُم من قَالَ هُوَ كجنس حَقه وَلَكِن لَا بُد من البيع للضَّرُورَة الْفَرْع الثَّالِث إِذا اسْتحق شخصان كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه مَا لَا يحصل فِيهِ التَّقَاصّ إِلَّا بِالتَّرَاضِي فَجحد أَحدهمَا فَهَل للْآخر أَن يجْحَد حَقه فعلى وَجْهَيْن يلتفتان إِلَى الظفر بِغَيْر جنس حَقه هَذِه هِيَ الْمُقدمَة رَجعْنَا إِلَى الرُّكْن الأول وَهِي الدَّعْوَى وَالْأَصْل فِيهَا قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي واليمن على من أنكر وَفِي حَده قَولَانِ
أَحدهمَا أَن الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي يخلى وسكوته وَالثَّانِي أَنه الَّذِي يَدعِي أمرا خفِيا على خلاف الأَصْل وَيظْهر أثر هَذَا فِي الزَّوْجَيْنِ إِذا أسلما قبل الْمَسِيس فَقَالَ الزَّوْج أسلمنَا مَعًا فَالنِّكَاح
دَائِم وَقَالَت بل على التَّعَاقُب فَالْقَوْل قَوْلهَا إِن قُلْنَا إِن الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي يَدعِي أمرا خفِيا فَإِن الْأَغْلَب التَّعَاقُب فِي الْإِسْلَام والتساوق خَفِي وَإِن قُلْنَا إِنَّه الَّذِي يخلى وسكوته فَهِيَ مدعية فَالْقَوْل قَول الزَّوْج لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يخلى وسكوته وَقد قَالَ مَالك رَحمَه الله لَا تسمع الدَّعْوَى على من لَا مُعَاملَة بَينه وَبَين الْمُدعى عَلَيْهِ وَهُوَ ضَعِيف وَقَالَ الْإِصْطَخْرِي لَا تسمع دَعْوَى الخسيس على الشريف فِي تَزْوِيج ابْنَته وَلَا تسمع أَيْضا دَعْوَى فَقير على سُلْطَان أَو على أَمِير أَنه أقْرضهُ مَالا وَهُوَ ضَعِيف أَيْضا وَلَا خلاف عندنَا أَن الْمُودع إِذا ادّعى رد الْوَدِيعَة صدق بِيَمِينِهِ وَسَببه الْحَاجة فَإِن الْمُودع اعْترف بِأَنَّهُ أَمِينه فَلَزِمَهُ تَصْدِيقه وَإِذا ثَبت أَن حكم الدَّعْوَى توجه الْيَمين بهَا على الْمُدعى عَلَيْهِ فَلَا بُد من دَعْوَى صَحِيحَة وَهِي الدَّعْوَى الْمَعْلُومَة الملزمة وَيخرج على الوصفين مسَائِل الأولى أَنه من يَدعِي على غَيره هبة أَو بيعا لم تسمع إِذْ رُبمَا تكون قبل الْقَبْض وَيكون البيع مَعَ الْخِيَار بل يَنْبَغِي أَن يَقُول ويلزمك التَّسْلِيم إِلَيّ فَيحلف الْمُدعى عَلَيْهِ أَنه لَا يلْزمه التَّسْلِيم وَكَذَلِكَ من قَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة بِملك فَلَيْسَ لَهُ أَن يحلف الْمُدَّعِي مَعَ الْبَيِّنَة إِلَّا أَن ينشىء دَعْوَى صَحِيحَة كدعوى بيع أَو إِبْرَاء وَلَو ادّعى جرح الشُّهُود فَعَلَيهِ الْبَيِّنَة وَهل لَهُ
تَحْلِيف الْمُدعى على نفي الْعلم بفسقهم فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا لَا إِذْ لَيْسَ يَدعِي حَقًا لَازِما وَالثَّانِي أَنه يسمع لِأَنَّهُ ينْتَفع بِهِ فِي حق لَازم كَمَا لَو قذف مَيتا وَطلب الْوَارِث الْحَد فَإِن لَهُ أَن يطْلب يَمِين الْوَارِث على نفي الْعلم بزنا الْمَقْذُوف وَكَذَا يجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَو ادّعى على إِنْسَان إِقْرَارا بِحَق لِأَن الْحق لَا يسْتَحق بِالْإِقْرَارِ وَلَكِن ثُبُوته يُوجب الْحق ظَاهرا فَفِي التلحيف بِهِ وَجْهَان وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ بعد قيام الْبَيِّنَة قد أقرّ لي بِهَذَا وَكَذَلِكَ إِذا توجه الْيَمين على الْمُدعى عَلَيْهِ فَقَالَ قد حلفني بِهِ مرّة وَأَرَادَ أَن يحلفهُ عَلَيْهِ فَفِي سَماع هَذِه الدعاوي وَجْهَان مأخذهما أَن مَا لَيْسَ عين الْحق وَلَكِن ينفع فِي الْحق فَهَل تسمع الدَّعْوَى بِهِ وَلَا خلاف أَنه لَا تسمع الدَّعْوَى على الشَّاهِد وَالْقَاضِي بِالْكَذِبِ وَلَا يتَوَجَّه الْحلف وَإِن كَانَ ينفع ذَلِك لَكِن يُؤَدِّي فتح بَابه إِلَى فَاسد عَظِيم عَام الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة لَو قَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ وَقد قَامَت عَلَيْهِ الْبَيِّنَة أمهلوني فَإِن لي بَيِّنَة دافعة حَتَّى أحضرها قَالَ الْأَصْحَاب يُمْهل ثَلَاثَة أَيَّام وَقَالَ القَاضِي بل يَوْم وَاحِد لِأَنَّهُ يشبه أَن يكون مُتَعَنتًا
وَلَو قَالَ أبرأني عَن الْحق فحلفوه سمع فَيحلف الْمُدَّعِي أَولا ثمَّ يسْتَوْفى وَقَالَ القَاضِي بل يسْتَوْفى أَولا ثمَّ يحلف لِأَن هَذِه خُصُومَة جَدِيدَة وَهُوَ بعيد نعم لَو قَالَ لي بَيِّنَة على بَيْعه مني أَو على الْإِبْرَاء فَيجوز أَن يُقَال هَذَا يحْتَاج إِلَى مهلة فَلَا يُمْهل أما التَّحْلِيف فِي الْحَال فَيمكن فَكيف يُؤَخر وَلَو قَالَ أبرأني عَن الدَّعْوَى فَهَذَا لَا يسمع إِذْ لَا معنى للإبراء عَن الدَّعْوَى إِلَّا الصُّلْح على الْإِنْكَار وَهُوَ فَاسد وَقَالَ الْإِصْطَخْرِي يسمع الثَّالِثَة فِي الدَّعْوَى الْمُطلقَة وَفِي البيع وَالنِّكَاح نُصُوص مُخْتَلفَة وحاصلها فِي البيع قَولَانِ وَفِي النِّكَاح ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه لَا بُد من التَّفْصِيل بِذكر الْوَلِيّ وَالشَّاهِد ورضاها وَلَا خلاف أَنه لَا يشْتَرط انْتِفَاء الْمَوَانِع المفسدات من الرِّدَّة وَالْعدة وَالرّضَاع وَالثَّانِي أَنه يَكْفِي دَعْوَى النِّكَاح وَلَا خلاف أَن من ادّعى دينا أَو عينا لَا يلْزمه ذكر
الْجِهَة وَالتَّفْصِيل وَالثَّالِث أَنه إِن ادّعى النِّكَاح فَلَا بُد من التَّفْصِيل وَإِن قَالَ هِيَ زَوْجَتي فَلَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا خلاف أَن الْقصاص لَا بُد من تَفْصِيل الدَّعْوَى فِيهِ لِأَن أَمر الْعقُوبَة مخطر
التَّفْرِيع
إِن قُلْنَا يجب التَّفْسِير فيذكر فِي البيع أَهْلِيَّة الْعَاقِد وَرضَاهُ وَالثمن وَإِن قُلْنَا لَا يشْتَرط فَهَل يجب التَّقْيِيد بِالصِّحَّةِ فِيهِ وَجْهَان وَالأَصَح أَنه يشْتَرط لِأَنَّهُ لفظ جَامع وَيجب الْقطع باشتراطه فِي النِّكَاح وَحَيْثُ يشْتَرط تَفْصِيل الدَّعْوَى فَكَذَلِك الشَّهَادَة لِأَنَّهَا تَصْدِيق الدَّعْوَى فتبنى عَلَيْهَا وَالْأَظْهَر أَنه لَا يتشرط التَّفْصِيل فِي إِقْرَار الْمَرْأَة بِالنِّكَاحِ الرَّابِعَة دَعْوَى الزَّوْجِيَّة من الْمَرْأَة إِنَّمَا تسمع إِذا ذكرت النَّفَقَة أَو الْمهْر فَإِن ذكرت مُجَرّد الزَّوْجِيَّة فَفِي سماعهَا وَجْهَان أَحدهمَا لَا إِذْ الزَّوْجِيَّة حق عَلَيْهَا فَكَأَنَّهَا تَدعِي أَنَّهَا رقيقَة فَلَيْسَتْ دَعْوَى ملزمة وَالثَّانِي أَنه تسمع إِذْ الزَّوْجِيَّة تتَعَلَّق بهَا حُقُوقهَا إِذا ثبتَتْ فَإِن قُلْنَا تسمع فَهَل تبطل بِمُجَرَّد إِنْكَار الزَّوْج فِيهِ وَجْهَان مأخذهما أَن الْإِنْكَار هَل هُوَ طَلَاق ويتبين أَثَره فِي أَنه لَو قَالَ غَلطت فِي الْإِنْكَار هَل تسلم الزَّوْجَة إِلَيْهِ فِيهِ خلاف وَقَالَ الْقفال تسلم إِلَيْهِ كَمَا لَو ادَّعَت انْقِضَاء الْعدة قبل الرّجْعَة ثمَّ قَالَت غَلطت إِذْ لَا خلاف أَنه تسمع وَإِن
كَانَ لَهَا حَظّ فِي النِّكَاح وَهُوَ جَار فِي كل من أنكر لنَفسِهِ حَقًا ثمَّ عَاد وادعاه الْخَامِسَة إِن رَأينَا عبدا فِي يَد إِنْسَان وَادّعى أَنه حر الأَصْل فَالْقَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه لِأَن الأَصْل عدم الرّقّ وَكَونه فِي يَده وتصرفه لَا يُوجب تَصْدِيقه لِأَن الْحُرِّيَّة تدفع الْيَد نعم يجوز للْمُشْتَرِي أَن يعْتَمد الْيَد فِي الشِّرَاء مَعَ سكُوت العَبْد أما مَعَ تصريحه بالإنكار فَلَا وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد لَا يجوز مَعَ السُّكُوت بل يَنْبَغِي أَن نَسْأَلهُ حَتَّى يقر ثمَّ يَشْتَرِي وَإِن ادّعى الْإِعْتَاق فَالْقَوْل قَول السَّيِّد أما الصَّغِير الْمُمَيز إِذا ادّعى الْحُرِّيَّة هَل تسمع دَعْوَاهُ فِيهِ وَجْهَان يلْتَفت على صِحَة إِسْلَامه ووصيته وَقد قَالَ الشَّافِعِي إِن الصَّغِير الَّذِي لَا يتَكَلَّم كَالثَّوْبِ مَعْنَاهُ أَنه لَا يزَال فِي يَده إِذا قَالَ هُوَ عَبدِي ويشترى مِنْهُ بقوله فَإِن أسقطنا دَعْوَى الْمُمَيز فَبلغ وَعَاد فَفِي الْقبُول وَجْهَان أقيسهما أَنه تقبل وَالثَّانِي لَا إِذْ حكمنَا عِنْد دَعْوَاهُ بِالْملكِ بِنَاء على الْيَد وَالتَّصَرُّف وَسُقُوط الدَّعْوَى السَّادِسَة الدَّعْوَى بِالدّينِ الْمُؤَجل فِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه لَا تسمع إِذْ لَيست ملزمة فِي الْحَال وَالثَّانِي تسمع إِذْ تثبت أصل الْحق للُزُوم فِي الإستقبال وَالثَّالِث أَنه إِن كَانَت لَهُ بَيِّنَة فَتسمع للتسجيل وَإِلَّا فَلَا أما دَعْوَى الإستيلاد وَالتَّدْبِير وَتَعْلِيق الْعتْق بِصفة فَتقبل على الصَّحِيح وَمِنْهُم من خرج ذَلِك على الدّين الْمُؤَجل السَّابِعَة لَو ادّعى شَيْئا وَلم يذكر مَا هُوَ فالدعوى فَاسِدَة إِذْ طلب الْمَجْهُول غير مُمكن وَلَو دفع ثوبا يُسَاوِي خَمْسَة إِلَى دلال ليبيع بِعشْرَة فَجحد وَلم يدر الْمَالِك أَنه بَاعَ أَو أتلف فَقَالَ أَدعِي عَلَيْهِ ثوبا إِن بَاعه فلي عَلَيْهِ عشرَة وَإِن كَانَ بَاقِيا فلي عَلَيْهِ عين الثَّوْب وَإِن كَانَ تَالِفا فلي عَلَيْهِ خَمْسَة قَالَ القَاضِي اصْطلحَ الْقُضَاة على قبُول هَذِه الدَّعْوَى المرددة للْحَاجة وَمن الْأَصْحَاب من قَالَ يَنْبَغِي أَن يَدعِي هَذَا فِي دعاوي مُفْردَة ثمَّ إِذا عين
وَاحِدًا رَآهُ أقرب فنكل فَهَل لَهُ أَن يسْتَدلّ بِنُكُولِهِ وَيحلف كَمَا يسْتَدلّ بِخَط أَبِيه ويستفيد بِهِ ظنا فِيهِ وَجْهَان وَكَذَا فِي الْمُودع إِذا نكل عَن يَمِين التّلف فَهَل يحل الْحلف اسْتِدْلَالا بِنُكُولِهِ فِيهِ خلاف
الرُّكْن الثَّانِي جَوَاب الْمُدعى عَلَيْهِ
وَهُوَ إِنْكَار أَو سكُوت أَو إِقْرَار أما السُّكُوت فَهُوَ قريب من الْإِنْكَار وَأما الْإِقْرَار فَلَا يخفى حكمه وَقد ذكرنَا إِقْرَار الْمَرْأَة بِالنِّكَاحِ فِي كتاب النِّكَاح وَنَذْكُر الْآن مسَائِل الأولى لَو قَالَ لي من هَذَا الْكَلَام مخرج فَلَيْسَ بِإِقْرَار خلافًا لِابْنِ أبي ليلى فَلَعَلَّ مخرجه الْإِنْكَار وَلَو قَالَ لفُلَان عَليّ أَكثر مِمَّا لَك فَيحْتَمل الإستهزاء وَلَيْسَ بِإِقْرَار وَلَو قَالَ الشُّهُود عدُول فَلَيْسَ بِإِقْرَار إِذْ الْعدْل قد يغلط الثَّانِيَة لَو قَالَ لي عَلَيْك عشرَة فَقَالَ لَا تلزمني الْعشْرَة فَيلْزمهُ أَن يَقُول وَلَا شَيْء مِنْهَا ويكلفه القَاضِي ذَلِك فِي الْإِنْكَار وَالْيَمِين لِأَن مدعي الْعشْرَة مُدع لجَمِيع أَجْزَائِهَا وَقَالَ القَاضِي لَا يكلفه ذَلِك فِي الْإِنْكَار وَإِنَّمَا يكلفه فِي الْيَمين ثمَّ إِن اقْتصر فِي الْيَمين على نفي الْعشْرَة وأصر عَلَيْهِ فَهُوَ ناكل عَمَّا دون الْعشْرَة بِأَقَلّ الْقَلِيل فللمدعي أَن يحلف على مَا دون الْعشْرَة إِذْ لم يسند الْعشْرَة إِلَى قبُول عقد فَإِن الْمَرْأَة إِذا ادَّعَت أَنه نَكَحَهَا بِخَمْسِينَ وَأقر بِالنِّكَاحِ وَأنكر الْخمسين وَنكل فَلَيْسَ لَهَا الْحلف على مَا دون الْخمسين لِأَنَّهُ يُنَاقض دَعْوَى الْخمسين الثَّالِثَة لَو قَالَ مزقت ثوبي فلي عَلَيْك الْأَرْش فيكفيه أَن يَقُول لَا يلْزَمنِي الْأَرْش وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْجَواب عَن التمزيق فَلَعَلَّهُ جرى بِحَيْثُ لَا يُوجب الْأَرْش وَلَو أقرّ بِهِ لطولب
بِالْبَيِّنَةِ وَكَذَلِكَ من ادعِي عَلَيْهِ دين وَكَانَ قد أَدَّاهُ فيكفيه أَن يَقُول لَا يلْزَمنِي التَّسْلِيم وَكَذَا إِذا ادّعى عينا لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ عِنْده رهنا أَو إِجَارَة فكيفه أَن يَقُول لَا يلْزَمنِي التَّسْلِيم فَلَو أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَة على الْملك قَالَ القَاضِي يجب التَّسْلِيم وَهَذَا مُشكل من حَيْثُ إِن لَهُ أَن يَقُول صدق الشُّهُود فِي الْملك وَلَا يلْزَمنِي التَّسْلِيم وَهَذَا يلْتَفت على أَنه لَو صرح بِأَنَّهُ فِي يَدي بِإِجَارَة فَالْقَوْل قَول صَاحب الْيَد أَو قَول الْمَالِك وَفِيه خلاف فَإِن قُلْنَا القَوْل قَول الْمَالِك فَيلْزمهُ أَن يُقيم بَيِّنَة على رهن أَو إِجَارَة إِن كَانَ يَدعِيهِ وَقَالَ الفوراني طَرِيقه أَن يَقُول فِي الْجَواب إِن كنت تَدعِي مُطلقًا فَلَا يلْزَمنِي التَّسْلِيم وَإِن كنت تَدعِي جِهَة رهن فاذكره حَتَّى أُجِيب وَكَذَا يَقُول إِن ادعيت الدّين الَّذِي لي بِهِ مَال مَرْهُون فحتى أُجِيب وَقَالَ القَاضِي لَا يسمع هَذَا الْجَواب المردد وَلَكِن لَهُ أَن يُنكر الدّين إِن أنكر هُوَ الرَّهْن وَهَذَا بِنَاء على مَسْأَلَة الظفر بِغَيْر جنس الْحق الرَّابِعَة إِن ادّعى ملكا فِي يَد رجل فَقَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ لَيْسَ لي وَلَا لَك فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال الأولى أَن يضيف إِلَى ثَالِث حَاضر فنحضره فَإِن صدقه انصرفت الدَّعْوَى إِلَيْهِ وللمدعي أَن يحلف الأول إِن قُلْنَا إِنَّه لَو أقرّ لَهُ غرم لَهُ بحيلولته بِالْإِقْرَارِ للثَّالِث وَإِن قُلْنَا لَا
يغرم وَإِن أقرّ فَلَا معنى لتحليفه أما إِذا أحضرناه فَقَالَ لَيْسَ هُوَ لي فَفِيمَا يفعل بِالْمَالِ ثَلَاثَة أوجه أضعفها أَنه يسلم إِلَى الْمُدَّعِي إِذْ لَا طَالب لَهُ سواهُ وَالثَّانِي أَنه يَأْخُذهُ القَاضِي ويتوقف إِلَى ظُهُور حجَّة ويحفظه وَالثَّالِث هُوَ أَن يتْرك فِي يَد صَاحب الْيَد فَإِنَّهُ أقرّ للثَّالِث وَبَطل إِقْرَاره برده فَصَارَ كَأَنَّهُ لم يقر ثمَّ الْمقر لَهُ لَو رَجَعَ بعد ذَلِك وَقَالَ غَلطت هَل يقبل فِيهِ وَجْهَان وَإِن رَجَعَ الْمقر وَقَالَ بل كَانَت لي وغلطت فَفِي رُجُوعه وَجْهَان مرتبان وَأولى بِأَن لَا يقبل لِأَنَّهُ نفى الْملك عَن نَفسه وَهَذَا إِذا لم تزل يَده فَإِن أزلناه فَلَا أثر لرجوعه الْحَالة الثَّانِيَة إِذا أضَاف الدَّار إِلَى غَائِب قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ انصرفت الْخُصُومَة إِلَى الْغَائِب فَلَيْسَ لَهُ أَن يحلفهُ إِلَّا لأجل الْغرم على قَوْلنَا يغرم بالحيلولة إِن أقرّ للثَّانِي وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد والفوراني بل يحلف لننزع الْملك من يَده بِالْيَمِينِ والمردودة إِذْ لَو فتح هَذَا الْبَاب صَار ذَرِيعَة بعد انْقِطَاع سلطنته وَيجْرِي هَذَا الْخلاف فِي كل من نفى عَن نَفسه شَيْئا
وَرجع مهما لم يقر بِهِ لغيره أَو أقرّ وَلَكِن رد إِقْرَاره بالتكذيب فَإِن قُلْنَا إِنَّه يقبل رُجُوعه فللمدعي أَن يحلفهُ فعساه يرجع ويقر لَهُ وَإِن قُلْنَا لَا يَصح رُجُوعه فَلَا معنى لتحليفه إِلَى إِسْقَاط الدَّعْوَى بِالْإِضَافَة إِلَى غَائِب لَا يُرْجَى رُجُوعه نعم الْغَائِب إِذا رَجَعَ فالدار مَرْدُودَة إِلَيْهِ وعَلى الْمُدَّعِي اسْتِئْنَاف الْخُصُومَة مَعَه فَإِن كَانَ للْمُدَّعِي بَيِّنَة سلمت الدَّار إِلَيْهِ مَعَ الْيَمين لِأَنَّهُ قَضَاء على الْغَائِب عِنْد الْعِرَاقِيّين وَعند الشَّيْخ أبي مُحَمَّد هُوَ قَضَاء على الْحَاضِر فَلَا يحْتَاج إِلَى الْيَمين أما إِذا كَانَ لصَاحب الْيَد بَيِّنَة على أَنه للْغَائِب فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا تسمع إِلَّا أَن يثبت وكَالَة نَفسه وَالثَّانِي أَن الْبَيِّنَة تسمع لَا لإِثْبَات الْملك للْغَائِب وَلَكِن ليقطع التَّحْلِيف وَالْخُصُومَة عَنهُ وَالثَّالِث اخْتَارَهُ القَاضِي أَنه إِذا ادّعى لنَفسِهِ علقَة من وَدِيعَة أَو عَارِية سَمِعت وَإِلَّا فَلَا ثمَّ إِن سَمِعت الْبَيِّنَة لثُبُوت الْوكَالَة وَكَانَ للْمُدَّعِي بَيِّنَة قدم بَيِّنَة الْوَكِيل لأجل الْيَد وَإِن سمعنَا دون الْوكَالَة فَبَيِّنَة الْمُدَّعِي أولى فَإِنَّهُ لم تسمع إِلَّا لصرف الْيَمين عَنهُ وَلذَلِك يجب على الْغَائِب إِعَادَة الْبَيِّنَة وَلَا يُغْنِيه مَا أَقَامَهُ صَاحب الْيَد لَكِن إِذا رَجَعَ الْغَائِب جَعَلْنَاهُ صَاحب الْيَد حَتَّى إِن كَانَت لَهُ بَيِّنَة قدمت على بَيِّنَة الْمُدَّعِي وَيكْتب فِي سجل الْمُدَّعِي أَن الْغَائِب على حجَّته وعَلى يَده مهما عَاد
فرعان
أَحدهمَا من قَالَ لَا تسمع الْبَيِّنَة دون الْوكَالَة فَلَو ادّعى لنَفسِهِ رهنا أَو إِجَارَة فَفِي سَماع الْبَيِّنَة وَجْهَان فَإِن قُلْنَا تسمع فَفِي التَّقْدِيم على بَيِّنَة الْمُدَّعِي وَجْهَان وَالْأَظْهَر أَنه لَا تقدم لِأَنَّهُ إِنَّمَا أثبت إِجَارَته وَرَهنه بعد ثُبُوت ملك الْغَائِب فَإِذن لَا تُؤثر بَينته إِلَّا فِي صرف الْحلف عَنهُ الثَّانِي إِذا ثَبت ملك الْغَائِب بِبَيِّنَتِهِ بعد رُجُوعه لَكِن بعد إِقْرَار صَاحب الْيَد للْمُدَّعِي فَلَيْسَ للْمُدَّعِي تَحْلِيف الْمقر ليغرمه فَإِن الْحَيْلُولَة وَقعت بِالْبَيِّنَةِ وَكَذَلِكَ لَو أقرّ للْغَائِب أَيْضا بعد الْإِقْرَار للْمُدَّعِي لَا يغرم للْمُدَّعِي إِذْ رُجُوعه إِلَى الْغَائِب بِالْبَيِّنَةِ لَا بِإِقْرَارِهِ الْحَالة الثَّالِثَة أَن يَقُول لَيْسَ لي وَلَيْسَ يضيفه إِلَى معِين أَو قَالَ هُوَ لرجل لَا أُسَمِّيهِ فَالْمَذْهَب أَن الْخُصُومَة لَا تَنْصَرِف عَنهُ بِهَذَا الْإِقْرَار فَيحلف وَإِن نكل حلف الْمُدَّعِي وَأخذ وَمِنْهُم من قَالَ يَأْخُذ القَاضِي عَنهُ وَيكون مَوْقُوفا إِلَى أَن تظهر حجَّة وَيبقى تَحْلِيف الْمُدَّعِي صَاحب الْيَد لأجل التغريم أما إِذا أضَاف إِلَى صبي أَو مَجْنُون انصرفت الْخُصُومَة إِلَى وليهما وَلَكِن لَا حَاجَة لتحليف الْمولى وَلَا لتحليف الصَّبِي لَكِن يُؤَخر إِلَى بُلُوغه إِلَّا أَن يكون للْمُدَّعِي بَيِّنَة فَيحكم بهَا وَكَذَلِكَ لَو قَالَ هَذَا وقف على وَلَدي أَو على الْفُقَرَاء انصرفت عَنهُ الْخُصُومَة وَلَا يبْقى إِلَّا التَّحْلِيف للتغريم الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة إِذا خرج الْمَبِيع مُسْتَحقّا بِبَيِّنَة رَجَعَ المُشْتَرِي على البَائِع بِالثّمن إِن لم يُصَرح فِي إِقْرَاره بِالْملكِ للْبَائِع فَإِن صرح وَقَالَ هَذَا ملكي اشْتَرَيْته من فلَان وَكَانَ
ملكه فَفِي الرُّجُوع وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا يرجع مُؤَاخذَة لَهُ بقوله فَإِنَّهُ زعم أَن الْمُدَّعِي هُوَ الظَّالِم وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَح أَنه يرجع مهما قَالَ إِنَّمَا قلت ذَلِك على رسم الْخُصُومَة أما إِذا ادّعى جَارِيَة وَأقَام بَيِّنَة وَأَخذهَا واستولدها ثمَّ كذب نَفسه فَعَلَيهِ الْمهْر للْمقر لَهُ وَتلْزَمهُ قيمَة الْوَلَد لِأَنَّهُ انْعَقَد حرا فَلَا تَزُول الْحُرِّيَّة بِرُجُوعِهِ وَكَذَلِكَ يلْزمه قيمَة الْجَارِيَة إِذْ ثَبت لَهَا علقَة الإستيلاد فَلَا تبطل بِرُجُوعِهِ فَلَو صدقته فَالظَّاهِر أَن تصديقها لَا يسْقط علقَة الإستيلاد وَفِيه وَجه أَنه يرد الْجَارِيَة لِأَن الْحق لَا يعدوهم وَقد تصادقوا السَّادِسَة جَوَاب دَعْوَى الْقصاص على العَبْد بِطَلَب من العَبْد لَا من السَّيِّد وَجَوَاب دَعْوَى أرش الْجِنَايَة بِطَلَب من السَّيِّد لَا من العَبْد لِأَن إِقْرَار العَبْد لَا يقبل نعم إِن قُلْنَا يتَعَلَّق الْأَرْش بِذِمَّتِهِ فَيحلف فَإِن نكل وَحلف الْمُدَّعِي لم يتَعَلَّق بِالرَّقَبَةِ لِأَن الْيَمين الْمَرْدُودَة إِن كَانَت كالبينة فَلَا تتعدى إِلَى غير المتداعيين وَفِيه وَجه أَنه يتَعَلَّق بِالرَّقَبَةِ إِذا جَعَلْنَاهُ كالبينة