الوسيط في المذهبصفحات 69-109
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين

صفحات 69-109

الرُّكْن الْخَامِس فِي قدر الْجِزْيَة الْوَاجِبَة والواجبات عَلَيْهِم خَمْسَة

الأول نفس الْجِزْيَة وأقلها دِينَار فِي السّنة على كل محتلم كَمَا سبق أَو اثْنَي عشر درهما نقرة وَيُخَير الإِمَام بَينهمَا والتخيير مُسْتَنده قَضَاء عمر رَضِي الله عَنهُ وَإِلَّا فَلم يرد فِي الْخَبَر إِلَّا الدِّينَار وشبب بعض الْأَصْحَاب بِأَن النقرة نقومها بِالذَّهَب كَمَا فِي نِصَاب السّرقَة ثمَّ إِن لم يبذلوا إِلَّا دِينَار وَجب الْقبُول وَللْإِمَام أَن يماكس فِي الزِّيَادَة فَإِن بذل زِيَادَة ثمَّ علم أَن الزِّيَادَة لم تكن وَاجِبَة لم يَنْفَعهُ وَكَانَ كمن اشْترى بِالْغبنِ نعم لَو نبذ إِلَيْنَا الْعَهْد ثمَّ رَجَعَ وَطلب العقد بِدِينَار وَجَبت الْإِجَابَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله على الْفَقِير دِينَار وعَلى الْغَنِيّ أَرْبَعَة وعَلى الْمُتَوَسّط دِينَارَانِ وَعِنْدنَا لَا فرق

وَلَو أسلم أَو مَاتَ بعد مُضِيّ السّنة استوفي عندنَا وَلَو تكَرر سنُون لم تتداخل خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَو كَانَ عَلَيْهِ دُيُون وَمَات قدمت الْجِزْيَة على وَصَايَاهُ وديونه وَمِنْهُم من قَالَ بل الْجِزْيَة من حُقُوق

الله فَتقدم على حق الْآدَمِيّ فِي قَول وتؤخر فِي قَول وتستوي فِي قَول

فرع

لَو مَاتَ فِي أثْنَاء السّنة فَفِي وجوب قسطه قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يجب إِلَّا لتَمام السّنة كَالزَّكَاةِ وَالثَّانِي أَنه يجب كالأجرة وَيُشِير هَذَا إِلَى تردد فِي أَنَّهَا هَل تجب بِأول السّنة لَكِن تَسْتَقِر بِتَمَامِهَا أَو تجب شَيْئا شَيْئا وبنوا على هَذَا أَن الإِمَام لَو طلب شَيْئا فِي أثْنَاء السّنة هَل يجوز

مَعَ اسْتِمْرَار الْحَيَاة وَالظَّاهِر الْمَنْع لِأَنَّهُ على خلاف سير الْأَوَّلين الْوَاجِب الثَّانِي الضِّيَافَة وَقد وظف عمر رَضِي الله عَنهُ الضِّيَافَة لمن يطرقهم من أَبنَاء السَّبِيل فاتفقوا على جَوَاز ذَلِك بِشَرْط أَن نبين لكل وَاحِد عدد الضيفان وَقدر الطَّعَام والأدم وجنسه وعلف الدَّابَّة ومنازل الضيفان وليفاوت بَين الْغَنِيّ وَالْفَقِير فِي عدد الضيفان لَا فِي جنس الطَّعَام كي لَا يُؤَدِّي إِلَى التزاحم على الْغَنِيّ وَيبين مُدَّة إِقَامَة الضَّيْف من يَوْم إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام فقد ورد أَن الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام فَمَا زَاد صَدَقَة وَيُقَال إجَازَة يَوْم وَلَيْلَة أَعنِي مَا يُعْطي الضَّيْف ليتزود فِي الطَّرِيق إِذا رَحل ثمَّ هَذَا مَحْسُوب لَهُم من نفس الدِّينَار إِذْ كَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ لَا يطالبهم بالجزية مَعَ الضِّيَافَة وَمِنْهُم من أَبى ذَلِك لِأَن الْإِطْعَام لَيْسَ بِتَمْلِيك وَهُوَ كالتغدية فِي الْكَفَّارَة

فَإِن قُلْنَا إِنَّه من الْجِزْيَة فَمَا نقص من الدِّينَار يجب أَن يكمل وَلَو أَرَادَ نقلهم عَن الضِّيَافَة إِلَى الدَّنَانِير بعد ضربه بِغَيْر رضاهم فَفِيهِ وَجْهَان وَكَأَنَّهُ تردد فِي أَن ضربه هَل ينقعد لَازِما وَالصَّحِيح أَنه إِن قُلْنَا إِنَّه من الدِّينَار فَيجوز الْإِبْدَال وَإِن قُلْنَا إِنَّه أصل فَلَا بُد من رضاهم فِي الْإِبْدَال ثمَّ إِذا أبدلت فقد كَانَت الضِّيَافَة لجَمِيع الطارقين فَهَل يصرف الْبَدَل إِلَى جَمِيع الْمصَالح أم يخْتَص بِأَهْل الْفَيْء فِيهِ وَجْهَان وَالظَّاهِر أَنه لأهل الْفَيْء لِأَن ذَلِك احْتمل فِي الضِّيَافَة لعسر الضَّبْط الْوَاجِب الثَّالِث الإهانة والتصغير عِنْد الْأَخْذ لقَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ قيل مَعْنَاهُ أَن يطأطىء الذِّمِّيّ رَأسه وَيصب مَا مَعَه فِي كف المستوفي فَيَأْخُذ المستوفي بلحيته وَيضْرب فِي لهازمه

وَهَذَا مُسْتَحبّ أَو مُسْتَحقّ فِيهِ وَجْهَان فَإِن قُلْنَا إِنَّه مُسْتَحقّ لم يجز لَهُ تَوْكِيل الْمُسلم فِي التوفية وَلم يَصح ضَمَان الْمُسلم للجزية فَإِنَّهُ يجب قبُولهَا إِذا أسلم وَتسقط الإهانة وَلَكِن الصَّحِيح أَنه مُسْتَحبّ إِذْ يجوز إِسْقَاطهَا بِتَضْعِيف الصَّدَقَة كَمَا فعل عمر رَضِي الله عَنهُ فَإِن جمَاعَة من نَصَارَى الْعَرَب أنفوا من اسْم الْجِزْيَة وَالصغَار فَقَالُوا نَحن عرب فَخذ منا مَا يَأْخُذ بَعْضكُم من بعض يَعْنِي الزَّكَاة فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ إِنَّهَا طهرة ولستم من أَهلهَا فَقَالُوا خُذ بذلك الإسم وزد مَا شِئْت فضعف عَلَيْهِم الصَّدَقَة وَحط اسْم الْجِزْيَة والإهانة وَلَا شكّ فِي أَن الْمَأْخُوذ جِزْيَة حَتَّى لَا تُؤْخَذ من النِّسَاء وَالصبيان وَلَا بُد أَن يَفِي بِقدر الْجِزْيَة إِذا وزع على رُءُوس الْبَالِغين وَله أَن يَأْخُذ ثَلَاثَة أَمْثَال الصَّدَقَة وَله أَن يَأْخُذ نصف الصَّدَقَة إِن وفى بالجزية وَلَكِن لَا يتْرك الإهانة إِلَّا لغَرَض ظَاهر

فَإِن كَثُرُوا وَلم يُمكن عدهم لتبيين الْوَفَاء فَفِي جَوَاز أَخذه بغالب الظَّن وَجْهَان والفقراء هَل يدْخلُونَ فِي الْحساب يخرج على الْقَوْلَيْنِ فِي العقد وَهل يجوز ذَلِك مَعَ غير الْعَرَب فِيهِ وَجْهَان وَالظَّاهِر جَوَازه للْمصْلحَة ثمَّ صِيغَة العقد أَن يَقُول الإِمَام ضعفت عَلَيْكُم الصَّدَقَة فَيلْزمهُ عَلَيْكُم الصَّدَقَة فَيلْزمهُ الْوَفَاء فَيَأْخُذ من خمس من الْإِبِل شَاتين وَمن عشر أَربع شِيَاه وَمن خمس وَعشْرين بِنْتي مَخَاض وَلَا يضعف المَال فَيَجْعَلهُ كالخمسين وَيَأْخُذ حَقه بل نضعفه الصَّدَقَة ونأخذ الْخمس مِمَّا سقته السَّمَاء وَالْعشر مِمَّا سقِِي بدالية وَمن عشْرين دِينَارا دِينَارا وَاخْتلفُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهمَا أَنه هَل يحط لَهُم الوقص فِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يحط كالصدقة وَالثَّانِي لَا لِأَن ذَلِك تَخْفيف عَن الْمُسلمين وَالثَّالِث أَنه يَأْخُذ إِن لم يؤد إِلَى التجزئة فَيَأْخُذ من سَبْعَة وَنصف من الْإِبِل ثَلَاث شِيَاه وَقد حُكيَ عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَنه قَالَ يَأْخُذ من عشْرين شَاة شَاة وَمن مائَة دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم

الثَّانِيَة لَو ملك سِتا وَثَلَاثِينَ من الْإِبِل وَلَيْسَ فِي مَاله بنت لبون فَيَأْخُذ بِنْتي مَخَاض وجبرانين لكل جبران وَاحِد شَاتين أَو عشْرين درهما وَلَا يضعف الْجبرَان ثَانِيًا وَمن قَالَ بذلك فقد غلط وَكَذَلِكَ إِذا أخرج حقتين فعلى الإِمَام الْجبرَان الْوَاجِب الرَّابِع الْعشْر من البضاعة الَّتِي مَعَ تجارهم إِذا ترددوا فِي بِلَادنَا وَالنَّظَر فِيمَن يعشر مَاله وَفِي قدر الْمَأْخُوذ أما من يُؤْخَذ مِنْهُ فَهُوَ كل حَرْبِيّ يتجر فِي بِلَادنَا ضرب عمر رَضِي الله عَنهُ عَلَيْهِم الْعشْر أما الذِّمِّيّ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ إِذا اتّجر وَلَا على الْحَرْبِيّ إِذا دخل لسفارة أَو سَماع كَلَام الله تَعَالَى أما لَو تردد فِي الْحجاز لَا للتِّجَارَة فَفِي أَخذ شَيْء مِنْهُ خلاف فَقيل إِنَّه لَا يُمكن تعشير مَاله وَلَا بُد من تَعْظِيم الْحجاز فَيُؤْخَذ دِينَار وَهُوَ أقل الْجِزْيَة وَالذِّمِّيّ إِذا اتّجر فِي الْحجاز أَخذ مِنْهُ نصف الْعشْر كَذَلِك فعل عمر رَضِي الله عَنهُ ثمَّ هَذَا إِذا جرى الشَّرْط وقبلوا فَإِن دخلُوا بِأَمَان من غير شَرط فأصح الْوَجْهَيْنِ أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِم وَالثَّانِي أَن قَضَاء عمر رَضِي الله عَنهُ بذلك قَضَاء على من سَيكون مِنْهُم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَيتبع أما الْمِقْدَار فَلَا مزِيد على الْعشْر وَقل للْإِمَام أَن يزِيد إِن رأى وَأما النُّقْصَان فَجَائِز إِلَى نصف الْعشْر وَذَلِكَ فِي الْميرَة وكل مَا يحْتَاج الْمُسلمُونَ إِلَى كَثْرَة

المكاسب فِيهِ كَذَلِك فعل عمر رَضِي الله عَنهُ وَلَو رأى رفع هَذِه الضريبة أصلا فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا بُد من قبُول شَيْء وَالثَّانِي أَن هَذَا الْجِنْس يتبع فِيهِ الْمصلحَة إِذْ عمر رَضِي الله عَنهُ فعل ذَلِك بِرَأْيهِ واستصوابه وَقد يتَغَيَّر الصَّوَاب ثمَّ إِذا أَخذ الْعشْر مرّة فَلَا يَأْخُذهُ ثَانِيًا فِي تِلْكَ السّنة بل يعْطى جَوَازًا حَتَّى لَا يُطَالِبهُ عشار أصلا إِلَّا إِذا جَوَّزنَا الزِّيَادَة فَعِنْدَ ذَلِك يجوز أَخذه فِي دفعات أما إِذا جرى ترديد مَال وَاحِد إِلَى الْحجاز فِي سنة وَاحِدَة فَهَل يُكَرر الْعشْر لتعظيم الْحجاز فِيهِ خلاف وَهَذَا إِذا خرج من الْحجاز وَعَاد وَمَا دَامَ يتَرَدَّد فِيهِ فَلَا وَلَو بذل اللِّسَان عِنْد المشارطة بِزِيَادَة فَالظَّاهِر أَنه لَا يلْزم إِذْ لَيْسَ ذَلِك عقدا أَصْلِيًّا بِخِلَاف عقد الْجِزْيَة الْوَاجِب الْخَامِس الْخراج وَذَلِكَ قد يكون أُجْرَة فَلَا يسْقط بِالْإِسْلَامِ كَمَا إِذا ملكنا أراضيهم ثمَّ رددناها إِلَيْهِم بخراج كَمَا فعله عمر رَضِي الله عَنهُ وَهَذَا وَاجِب وَرَاء الْجِزْيَة أما إِذا صالحناهم على عقارهم بخراج يؤدونه فملكهم مطرد والمأخوذ فِي حكم جِزْيَة

وَمن أسلم سقط الْخراج عَنهُ فِي الْمُسْتَقْبل خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله

النّظر الثَّانِي فِي أَحْكَام عقد الذِّمَّة

وَهُوَ يَقْتَضِي وجوبا علينا وَعَلَيْهِم أما مَا علينا فَيرجع إِلَى أَمريْن الْكَفّ عَنْهُم وذب الْكفَّار دونهم أما الْكَفّ فَمَعْنَاه أَنا لَا نتعرض لأنفهسم ومالهم ونعصمهم بِالضَّمَانِ وَلَا نريق خمورهم وَلَا نتلف خنازيرهم مَا داموا يخفونه وَلَا نمنعهم من التَّرَدُّد إِلَى كنائسهم الْقَدِيمَة وَلَو أظهرُوا الْخُمُور أرقناها وَمن دخل دَارهم وأراقها فقد تعدى وَلَا ضَمَان عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله وَلَو غصبهَا وَجب مئونة الرَّد وَفِيه وَجه أَنه لَا يجب إِلَّا التَّخْلِيَة وَلَو بَاعَ خمرًا من مُسلم أريق على الْمُسلم وَلَا ثمن للذِّمِّيّ وَالظَّاهِر أَنه يجب رد الْخمر المحترمة على الْمُسلم إِذا غصب أما الذب عَنْهُم فَمَعْنَاه دفع الْكفَّار عَنْهُم مَا داموا فِي دَارنَا وَهُوَ ذب عَن الدَّار وَلَو دخلُوا دَار الْحَرْب فَلَا مطمع للذب وَلَو انفردوا ببلدة غير مُتَّصِلَة بِبِلَاد الْإِسْلَام فَفِي وجوب ذب أهل الْحَرْب عَنْهُم وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا يجب إِذْ لم نلتزم إِلَّا الْكَفّ

وَالثَّانِي أَنه يجب إِذْ بذلوا الْجِزْيَة لنسلك بهم مَسْلَك أهل الْإِسْلَام فعلى هَذَا لَو شرطنا أَن لَا نذب عَنْهُم لم يلْزمنَا وَمِنْهُم من ألغى هَذَا الشَّرْط وعَلى الأول لَو شرطنا الذب لزمنا وَمِنْهُم من ألغى ذَلِك الشَّرْط وَكَذَلِكَ لَو ترافعوا إِلَيْنَا هَل يجب الحكم بَينهم فِيهِ خلاف وَيرجع حَاصله إِلَى دفع أَذَى بَعضهم عَن بعض أما الْوَاجِب عَلَيْهِم فَهُوَ الْوَفَاء بالجزية والإنقياد للْأَحْكَام والكف عَن الْفَوَاحِش وَعَن بِنَاء الْكَنَائِس ومطاولة الْمُسلمين بالبنيان والتجمل بترك الغيار وركوب الْخُيُول وسلوك جادة الطّرق هَذِه مجامعها الأول حكم الْكَنَائِس وتفصيله أَن للبلاد ثَلَاثَة أَحْوَال الأولى بَلْدَة بناها الْمُسلمُونَ فَلَا يكون فِيهَا كَنِيسَة وَإِذا دخلُوا وقبلوا الْجِزْيَة منعُوا من إِحْدَاث الْكَنَائِس قطعا وَفِي مَعْنَاهَا بَلْدَة ملك الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم رقبَتهَا قهرا فَإِنَّهُ ينْقض كنائسهم لَا محَالة وَلَو أَرَادَ الإِمَام أَن ينزل مِنْهُم طَائِفَة بجزية وَيتْرك لَهُم كَنِيسَة قديمَة قطع المراوزة بِالْمَنْعِ وَذكر الْعِرَاقِيُّونَ وَجها فِي جَوَازه أما الإحداث فَلَا خلاف فِي الْمَنْع

الثَّانِيَة بَلْدَة فتحناها صلحا على أَن تكون رَقَبَة الْأَبْنِيَة للْمُسلمين وهم يسكنونها بخراج يبذلونه سوى الْجِزْيَة فَإِن اسْتثْنى فِي الصُّلْح البيع وَالْكَنَائِس لم تنقض وَإِن أطلق فَوَجْهَانِ أَحدهمَا انها تنفض لِأَنَّهَا ملك الْمُسلمين فَلهم التَّصَرُّف فِي ملكهم وَالثَّانِي لَا وَفَاء بِشَرْط التَّقْرِير فَإِنَّهُ يمْنَع عَلَيْهِم الْقَرار من غير متعبد جَامع الثَّالِثَة أَن تفتح على أَن تكون الرّقاب لَهُم وَيضْرب عَلَيْهِم خراج فَهَذِهِ بلدتهم وَلَيْسَ عَلَيْهِم نقض الْكَنَائِس وَلَو أَحْدَثُوا كنائس فَالْمَذْهَب أَنهم لَا يمْنَعُونَ وَقيل يمْنَع لِأَنَّهَا على الْجُمْلَة تَحت حكم الْإِسْلَام وَلَا خلاف أَنهم لَا يمْنَعُونَ من ضرب الناقوس وَإِظْهَار الْخُمُور وَإِن كَانَ الْمُسلمُونَ يدْخلُونَ على الْجُمْلَة لِأَنَّهَا كعقر دَارهم وَلَا نتعرض لما يجْرِي فِي دُورهمْ

فرع

حَيْثُ قضينا بإبقاء كَنِيسَة قديمَة وَالْمَنْع من الإحداث فَلَا نمنعهم من الْعِمَارَة إِذا استرمت وَالأَصَح أَنا لَا نكلفهم إخفاء الْعِمَارَة وَقيل يجب الْإخْفَاء حَتَّى لَو زَالَ الْجِدَار الْخَارِج فَلَا وَجه إِلَّا بِنَاء جِدَار دَاخل الْكَنِيسَة نعم لَو انْهَدَمت الْكَنِيسَة فَفِي إِعَادَتهَا وَجْهَان من حَيْثُ إِن هَذَا كالإحداث من وَجه وَإِن قُلْنَا لَهُم الْإِعَادَة فَفِي جَوَاز زِيَادَة فِي الخطة وَجْهَان أصَحهمَا الْمَنْع لِأَن هَذَا إِحْدَاث

وَأما النواقيس فَإنَّا نمنعهم فِي كنائسهم أَن يظْهر صَوته فَهُوَ كإظهار الْخمر وَقيل لَا يمْنَع فَإِنَّهُ تَابع للكنيسة الْوَاجِب الثَّانِي ترك مطاولة الْبُنيان فَلَو بنى دَارا أرفع من دَار جَاره منع وَلَو كَانَ مثله فَوَجْهَانِ وَلَو لم يكن بجنبه إِلَّا حجرَة ضَعِيفَة منخفضة فَعَلَيهِ أَن لَا يعلوها بُنْيَانه وَلَو كَانَ فِي طرف بلد حَيْثُ لَا جَار أَو كَانَت لَهُم محلّة فَلَا معنى للمطاولة فَلَا حجر وَقيل إِنَّهُم على الْجُمْلَة يمْنَعُونَ من رفع فِيهِ تجمل وَهَذَا كُله فِي الْبناء فَلَو اشْترى دَارا مُرْتَفعَة لم ينْقض بناؤها وَهَذَا الْمَنْع مُسْتَحبّ أَو حتم فِيهِ وَجْهَان الْوَاجِب الثَّالِث يمْنَعُونَ من التجمل بركوب الْخَيل وَلَا يمْنَعُونَ من الْحمار النفيس وَليكن رِكَابهمْ من الْخشب وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد لَا يمْنَع من الْفرس الخسيس كالقتبيات وَيمْنَع من البغال الغر

الْوَاجِب الرَّابِع لَا بُد من الغيار ولون الصُّفْرَة باليهود أليق والكهبة بالنصارى والسواد بالمجوس وَالْمَقْصُود أَن يتميزوا حَتَّى لَا نسلم عَلَيْهِم ويضطرون إِلَى أضيق الطّرق وَيمْنَعُونَ من سرارة الجادة إِذا كَانَت مَشْغُولَة بِالْمُسْلِمين وَإِن كَانَت خَالِيَة فَلَا منع وَيخرج الْكَافِر من الْحمام إِذا لم يكن عَلَيْهِم غيار لِأَنَّهُ رُبمَا ينجس المَاء من حَيْثُ لَا نَعْرِف وَالْمَرْأَة هَل يلْزمهَا الغيار فِي الْحمام وخارجه فِيهِ وَجْهَان ثمَّ أصل الغيار وَترك ركُوب الْخَيل حتم أَو مُسْتَحبّ فِيهِ وَجْهَان

الْوَاجِب الْخَامِس الإنقياد للْأَحْكَام بِأَن يذعن للحد وَالضَّمان إِذا تعلّقت الْخُصُومَة بِمُسلم أَو زنا بِمسلمَة أَو سرق مَال مُسلم أما مَا لَا يتَعَلَّق بِمُسلم وَلم يعْتَقد تَحْرِيمه فَلَا يحد على الصَّحِيح فِيهِ كالشرب وَمَا اعْتقد تَحْرِيمه وترافعوا إِلَيْنَا وَجب عَلَيْهِم الإنقياد فَإِن قيل فَلَو خالفوا فِي شَيْء من هَذِه الْجُمْلَة فَهَل ينْتَقض عَهدهم قُلْنَا هَذِه الْأُمُور على ثَلَاث مَرَاتِب الأولى وَهِي أخفها إِظْهَار الْخمر وَضرب الناقوس وَترك الغيار وَإِظْهَار معتقدهم فِي الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام وَفِي الله تَعَالَى بانه ثَالِث ثَلَاثَة وَمَا يضاهيه مِمَّا لَا ضَرَر على الْمُسلمين فِيهِ فَلَا ينْتَقض بِهِ الْعَهْد بل نعزرهم وَلَو شَرط الإِمَام انْتِقَاض الْعَهْد بذلك قَالَ الْأَصْحَاب يحمل على التخويف شَرطه وَلَا ينْتَقض بِهِ الرُّتْبَة الثَّالِثَة وَهِي أغلظها الْقِتَال وَمنع الْجِزْيَة وَالْأَحْكَام وَالْمَشْهُور أَن الْعَهْد

ينْتَقض بِهَذِهِ الثَّلَاث وَهُوَ ظَاهر فِي الْقِتَال أما منع الْجِزْيَة فَلَا يبعد أَن يَجْعَل كمنع الدُّيُون فتستوفى قهرا وَلَا يبعد من حَيْثُ إِنَّه ركن الْأمان فَكَأَن مَنعه إِسْقَاط أَمَانه بِخِلَاف سَائِر الدُّيُون وَيحْتَمل أَن يكون مُرَاد الْأَصْحَاب مِنْهُ أَن يكون الْمَنْع بالتغلب فَيُؤَدِّي إِلَى الْقِتَال وَأما منع الحكم فَلَا يَنْبَغِي أَن ينْقض إِن كَانَ بالهرب فَإِن كَانَ بتمرد حملناه عَلَيْهِ وَإِن أدّى إِلَى الْقِتَال انْتقض عَهده وعَلى الْجُمْلَة لَا يظْهر انْتِقَاض الْعَهْد إِلَّا بِالْقِتَالِ الرُّتْبَة الثَّالِثَة مَا هُوَ مَحْظُور وَفِيه على الْمُسلمين ضَرَر كَالزِّنَا بالمسلمة والتطلع على عورات الْمُسلمين أَو افتتان الْمُسلم عَن دينه فَفِي هَذِه الثَّلَاثَة ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه ينْقض الْعَهْد كالقتال وَالثَّانِي لَا ينْقض بل يعاقبون عَلَيْهَا كإظهار الْخمر

وَالثَّالِث أَنه إِذا جرى شَرط الإنتقاض انْتقض وَإِلَّا فَلَا وَأما قطع الطَّرِيق وَالْقَتْل الْمُوجب للْقصَاص فَمنهمْ من قَالَ هُوَ من هَذَا الْقسم وَمِنْهُم من قطع بإلحاقه بِالْقِتَالِ وَكَذَلِكَ فِي تعرضهم لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالسوء طَرِيقَانِ وَمِنْهُم من قَالَ كالقتال وَمِنْهُم من قَالَ على الْأَوْجه الثَّلَاثَة أما إِذا كَانَ الطعْن على وفْق اعْتِقَادهم كَقَوْلِهِم إِنَّه لي رَسُول الله وَالْقُرْآن لَيْسَ بمنزل فَهَذَا كَقَوْلِهِم إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَإِنَّمَا الْخلاف فِي السب والطعن فِي النّسَب وَمَا لَا يُوَافق عقيدتهم فَإِن قيل وَمَا حكم انْتِقَاض الْعَهْد قُلْنَا أما فِي الْقِتَال فَحكمه الإغتيال وَأما فِي الرُّتْبَة الثَّالِثَة فَقَوْلَانِ أَحدهمَا الإغتيال وَصَارَ الْعَهْد كَالْمَعْدُومِ وَالثَّانِي أَنا نلحقهم بالمأمن وَلَا اغتيال وَلَو نبذ الذِّمِّيّ عَهده إِلَيْنَا من غير جِنَايَة فَالصَّحِيح أَنه يلْحق بالمأمن وَقيل يخرج على الْقَوْلَيْنِ إِذا كَانَ يقدر على الْخُرُوج من غير

مجاهرة بنبذ الْعَهْد فَإِن قيل فالمسلم إِن طول لِسَانه فِي الرَّسُول فَمَا حكمه قُلْنَا إِن كذب عَلَيْهِ عذر وَإِن كذبه فَهُوَ مُرْتَد فَيقْتل إِلَّا أَن يَتُوب وَكَذَلِكَ كل تعرض فِيهِ استهزاء فَهُوَ ردة وَلَو نسبه إِلَى الزِّنَا فَهَذَا الْقَذْف كفر بالإتفاق فَلَو تَابَ فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهمَا وَهُوَ اخْتِيَار الْفَارِسِي أَنه يقتل إِذْ حد قذف الرَّسُول قتل فَلَا يسْقط الْحَد بِالتَّوْبَةِ وَفِي الْخَبَر من سبّ نَبيا فَاقْتُلُوهُ وَمن سبّ أَصْحَابه فاجلدوه وَالثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَار الْقفال والأستاذ أبي إِسْحَاق أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَن الْقَتْل صَار مغمورا فِي الْكفْر فَيسْقط أَثَره بِالْإِسْلَامِ وَالثَّالِث وَهُوَ الَّذِي ذكره الصيدلاني رَحمَه الله أَنه يسْقط الْقَتْل وَتبقى ثَمَانُون جلدَة للحد وَهَذَا يلْزمه أَن يجلد قبل الْقَتْل إِذا لم يتب كالمرتد إِذا قذف والإلتفات إِلَى هَذَا الْقيَاس الجروي فِي مثل هَذَا الْمقَام بعيد

ثمَّ إِن قُلْنَا ثَبت حد الْقَذْف فَلَو عَفا وَاحِد من بني أَعْمَامه يَنْبَغِي أَن يسْقط أَو نقُول هم لَا ينحصرون فَهُوَ كقذف ميت لَا وَارِث لَهُ وَكَذَلِكَ فِي قتل مثله قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لَا قصاص إِذْ فِي الْمُسلمين صبيان وَلِأَنَّهُ إِن وَجب على الإِمَام الإستيفاء ضاهى الْحَد وَبَطل خاصية الْقصاص وَإِن جَازَ لَهُ الْعَفو فَهُوَ بعيد وَالثَّانِي أَنه يجب إِذْ يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال عصمَة من لَا وَارِث لَهُ فينقدح أَيْضا الْقَوْلَانِ فِي قذف من لَا وَارِث لَهُ

العقد الثَّانِي مَعَ الْكفَّار المهادنة

وَالنَّظَر فِي شُرُوطه وَأَحْكَامه أما الشُّرُوط فَأَرْبَعَة الأول أَن هَذَا العقد لَا يَتَوَلَّاهُ إِلَّا الإِمَام لِأَنَّهُ يرجع حَاصله إِلَى صلح جمع من الْكفَّار على ترك قِتَالهمْ والكف عَنْهُم من غير مَال نعم لآحاد الْوُلَاة عقد ذَلِك مَعَ أهل الْقرى والأطراف الْمُتَعَلّقَة بهم فَأَما مهادنة إقليم كالهند وَالروم فَلَيْسَ إِلَّا للْإِمَام الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون للْمُسلمين إِلَى ذَلِك حَاجَة فَإِن لم تكن حَاجَة وَلَا مضرَّة وطلبوا ذَلِك لم يجب على الإِمَام الْإِجَابَة على الصَّحِيح بل يتبع الْأَصْلَح وَفِيه وَجه مخرج أَنه تجب الْإِجَابَة وَفِي الْجِزْيَة وَجه مخرج من المهادنة أَنه لَا تجب الْإِجَابَة والوجهان ضعيفان وَالصَّحِيح الْفرق فَإِن عقد الذِّمَّة كف بِمَال وَهَذِه مُسَامَحَة الشَّرْط الثَّالِث أَن يَخْلُو العقد عَن شَرط يأباه الْمُسلم كَمَا لَو شَرط أَن يتْرك فِي أَيْديهم مَال مُسلم أَو شَرط أَن يرد عَلَيْهِم أَسِيرًا مُسلما أفلت مِنْهُم أَو شَرط لَهُم على الْمُسلمين مَالا فَكل ذَلِك فَاسد مُفسد نعم لَو كَانَ على الْمُسلمين خوف جَازَ الْتِزَام مَال لدفع الشَّرّ كَمَا يجوز فدَاء الْأَسير الْمُسلم إِذا عجزنا عَن انْتِزَاعه مجَّانا الشَّرْط الرَّابِع الْمدَّة وَهُوَ يتَقَدَّر بأَرْبعَة أشهر إِن لم يكن بِالْمُسْلِمين ضعف وَهُوَ مُدَّة السياحة قَالَ الله تَعَالَى ﴿فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر﴾

وَلَا يجوزو أَن تبلغ سنة وَهَذِه الْمدَّة للجزية لِأَن الْكَفّ سنة إِنَّمَا جَازَ بعوض أما فِيمَا دون السّنة وَفَوق أَرْبَعَة أشهر فَقَوْلَانِ أَحدهمَا الْجَوَاز للقصور عَن مُدَّة الْجِزْيَة وَهَذَا يستمد من قَوْلنَا إِن طلب قسط من الْجِزْيَة فِي بعض السّنة لَا يجوز وَالثَّانِي الْمَنْع للزِّيَادَة على مُدَّة التسييح أما إِذا كَانَ بِالْمُسْلِمين ضعف وَخَوف جَازَت المهادنة عشر سِنِين هادن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل مَكَّة عشر سِنِين وَلَا مزِيد عَلَيْهِ وَفِيه وَجه أَنه تجوز الزِّيَادَة بِالْمَصْلَحَةِ

فرع

لَو أطلق الإِمَام المهادنة وَلم يذكر الْمدَّة فَالصَّحِيح أَنَّهَا فَاسِدَة وَقَالَ الفوراني فِي حَال الْقُوَّة وَجْهَان أَحدهمَا أَنه ينزل على الْأَقَل وَالثَّانِي على الْأَكْثَر وَهُوَ مَا يُقَارب السّنة وَإِن كَانَ فِي حَالَة الضعْف فَينزل على عشر سِنِين إِذْ لَا يتَقَدَّر أَقَله وَسَببه أَن مُقْتَضى الْمُطلق التَّأْبِيد فنحذف مَا يزِيد على الْمدَّة الشَّرْعِيَّة وَلَو صرح بِالزِّيَادَةِ على الْمدَّة فَالزِّيَادَة مَرْدُودَة وَفِي صِحَّتهَا فِي الْمدَّة قولا تَفْرِيق الصَّفْقَة وأصحهما الصِّحَّة إِذْ لَيْسَ فِيهَا عوض تحدد جهالته ثمَّ حكم الْفَاسِد أَن ننذرهم وَلَا نغتالهم وَحكم الصَّحِيح وجوب الْكَفّ عَنْهُم إِلَى انْقِضَاء الْمدَّة أَو إِلَى جِنَايَة تصدر مِنْهُم تنَاقض الْعَهْد فنغتالهم إِن علمُوا أَنَّهَا جِنَايَة وَإِن لم يعلمُوا فَفِي اغتيالهم من غير إنذار وَجْهَان وَلَو بنينَا تَطْوِيل الْمدَّة على خوف لم ترْتَفع بِزَوَال الْخَوْف بل لَا بُد من الْوَفَاء وَلَو استشعر الإِمَام جِنَايَة فَلهُ أَن ينْبذ إِلَيْهِم عَهدهم بالتهمة وَذَلِكَ لَا يجوز فِي الْجِزْيَة نعم لَا يبتدىء عقد الْجِزْيَة مَعَ التُّهْمَة

النّظر الثَّانِي فِي أَحْكَام العقد

وَحكمه الْوَفَاء بِالشّرطِ والمعتاد فِي الشَّرْط أَن يَقُول صالحناكم على أَن من جَاءَكُم من الْمُسلمين رددتموه وَمن جَاءَنَا مِنْكُم رددناه وَلَا يجوز شَرط رد الْمَرْأَة إِذا جَاءَت مسلمة وَيجوز رد الرجل الْمُسلم وَالْمَرْأَة الْكَافِرَة وَلما هادن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سُهَيْل بن عَمْرو وعيينة بن حصن قَالَ من جَاءَكُم منا فسحقا سحقا وَمن جَاءَنَا مِنْكُم رددناه ثمَّ جَاءَ أَبُو جندل بن سُهَيْل مُسلما فَرده رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أَبِيه فولى باكيا فَقَالَ إِن الله تَعَالَى يَجْعَل لَك مخلصا فَقَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ إِن دم الْكَافِر عِنْد الله كَدم الْكَلْب كالتعريض لَهُ بقتل أَبِيه ثمَّ جَاءَ أَبُو بَصِير مُسلما وَجَاء فِي طلبه

رجلَانِ فَرده عَلَيْهِمَا فَقتل أَحدهمَا وأفلت الآخر قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام مسعر حَرْب لَو وجد أعوانا كالتعريض لَهُ بالإمتناع وَهَذَا يدل على أَن الرُّجُوع غير وَاجِب عَلَيْهِ إِذْ لم يجر الشَّرْط مَعَه وَإِنَّمَا الرَّد يجب علينا فَجَاز تَعْرِيفه بالتعريض دون التَّصْرِيح وَلِأَن أَبَا بَصِير رَجَعَ مَعَ أحد الرجلَيْن وَقتل الآخر فَلم يُنكر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَيحْتَمل أَن يُقَال للَّذي أسلم بَينهم أَن يقتلهُمْ إِن قدر إِذْ لم يجر الشَّرْط مَعَه وَيدل عَلَيْهِ تَعْرِيض عمر رَضِي الله عَنهُ وَيحْتَمل أَن يُقَال لَا يجوز إِذْ شَرط الْإِسْلَام يتَنَاوَلهُ وَكَذَلِكَ إِذا اسْتَقر فِي دَارنَا لزمَه الْكَفّ عَنْهُم وعَلى هَذَا هَل يحمل

تَعْرِيض عمر رَضِي الله عَنهُ على تصلب وَلَكِن ترك الْإِنْكَار من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يبْقى لَهُ وَجه إِلَّا أَن يُقَال إِن الرُّجُوع غير وَاجِب فَيجوز الْقَتْل فِي دفع من يكلفه الرُّجُوع ثمَّ نزل قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات فَلَا ترجعوهن إِلَى الْكفَّار﴾ فَاخْتلف فِي أَن النسْوَة هَل كن مندرجات تَحت قَوْله من جَاءَنَا مِنْكُم رددناه فوردت الْآيَة ناسخة أَو وَردت الْآيَة مخصصة للْعُمُوم الظَّاهِر وعَلى هَذَا ترددوا فِي أَنه عَلَيْهِ السَّلَام عرف الْخُصُوص فأوهم الْعُمُوم أَو ظَنّه عَاما حَتَّى تبين لَهُ وَقد أفادت الْآيَة منع ردهَا وَوُجُوب صَدَاقهَا وَاخْتلف قَول الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي عِلّة وجوب الصَدَاق عَلَيْهِ فَقَالَ فِي قَول لَا يجب لِأَنَّهُ الْتزم ردهن ثمَّ نسخ فَخَالف فغرم وعَلى هَذَا يقْتَصر الْغرم عَلَيْهِ وَلَا يلْزمنَا فَإنَّا لَا نلتزم رد الْمسلمَة وَلَو التزمنا فسد الشَّرْط وَهل تفْسد المهادنة بِالشّرطِ الْفَاسِد أم تلغى فِيهِ تردد كترددنا فِي الْوَقْف أَنه هَل يفْسد بِالشّرطِ الْفَاسِد وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه وَجب لِأَنَّهُ أوهم بِالْعُمُومِ ردهَا فعلى هَذَا إِن عممنا وأوهمنا لم نردها وغرمنا وَإِن اطلقنا العقد أَو صرحنا بِأَنَّهَا لَا ترد فَلَا غرم

وَمِنْهُم من أوجب الْغرم فِي المهادنة الْمُطلقَة وَقَالَ إِطْلَاقهَا أَيْضا موهوم ويتشعب عَن التَّفْرِيع على إِيجَاب الْغرم النّظر فِي سَبَب الْغرم ومصرفه وَقدره أما السَّبَب فَهُوَ الْمَنْع عَن الزَّوْج بعلة الْإِسْلَام واحترزنا بِالْمَنْعِ عَمَّا إِذا جَاءَت وَلم تطلب إِذْ لَا يجب الرَّد فَلَا غرم وَكَذَلِكَ كل كَافِر وكافرة لَا طَالب لَهُ وَمن لَهُ طَالب فَلَيْسَ علينا الرَّد لَكنا لَا نمْنَع من يسترجعه وَقَوْلنَا من الزَّوْج احترزنا بِهِ عَمَّا لَو طلبَهَا أَبوهَا أَو أقاربها فَلَا نرد وَلَا نغرم لِأَن الزَّوْج هُوَ الْمُسْتَحق وَقَوْلنَا بعلة الْإِسْلَام أردنَا بِهِ أَنَّهَا لَو مَاتَت أَو قتلت قبل الطّلب فَلَا غرم إِذْ لَا منع أما إِذا قتلت بعد الطّلب وَجب الْقصاص على الْقَاتِل مَعَ الصَدَاق وَيحْتَمل عِنْدِي أَن يُقَال الْغرم على بَيت المَال لِأَن الْمَنْع حَال الطّلب وَاجِب شرعا وَالْقَتْل وَاقع بِهِ اسْتِحْقَاق الْمَنْع فَلم نفوت ردا مُمكنا بل ردا مُمْتَنعا شرعا وَلَو غرمنا فَأسلم الزَّوْج قبل انْقِضَاء الْعدة استرددنا إِذْ النِّكَاح يبْقى وَإِن أسلم بعد انْقِضَاء الْعدة لم نسترد وَلَو طَلقهَا ثمَّ أسلمت وَهِي مَنْكُوحَة رَجْعِيَّة قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَا نغرم إِن لم يُرَاجع لِأَن الْفِرَاق بِالطَّلَاق وَفِيه قَول مخرج وَهُوَ

الأقيس أَنه يسْتَحق الْغرم لِأَن الرَّجْعِيَّة مَنْكُوحَة وَإِن لم يُرَاجِعهَا فَلَا معنى لرجعته مَعَ إسْلَامهَا أما المَال فَهُوَ الْقدر الَّذِي بذله الزَّوْج قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفقُوا﴾ فَإِن كَانَ قد سلم بعض الصَدَاق لم يسْتَحق إِلَّا ذَاك وَإِن لم يسلم شَيْئا أَو سلم خمرًا أَو خنزيرا لم يسْتَحق شَيْئا وَإِن أخذت ووهبت مِنْهُ فَقَوْلَانِ كَمَا فِي التشطير بِالطَّلَاق وَلَو أسلمت قبل قبض الصَدَاق وَبعد الْمَسِيس ثمَّ أسلم الزَّوْج بعد الْعدة أَو قبل الْجِزْيَة فلهَا مُطَالبَته بِالْمهْرِ لأجل الْمَسِيس إِذْ الظَّاهِر صِحَة أنكحتهم فَإِذا غرم لَهَا فَهَل نغرم لَهُ مَا غرم فِيهِ تردد من حَيْثُ إِنَّه حَيْثُ كَانَ أَهلا للطلب لم يكن قد بذل شَيْئا ثمَّ لَا نقبل مُجَرّد قَوْله سلمت الصَدَاق فَإِن أقرَّت فَلَا بُد من التَّصْدِيق إِذْ تعسر إِقَامَة الْحجَّة وَأما المغروم فِيهِ فَهُوَ الْبضْع والمالية فِي الرقيقة وَلَو دخلت كَافِرَة ثمَّ أسلمت فَالْأَصَحّ وجوب الْغرم كَمَا لَو أسلمت ثمَّ دخلت وَلَو دخلت مسلمة ثمَّ ارْتَدَّت فَلَا نردها لعلقة الْإِسْلَام وَفِي وجوب الْغرم وَجْهَان إِذْ لَا قيمَة لبضعها وَالأَصَح الْوُجُوب فَإِن دخلت مَجْنُونَة لم نرد لاحْتِمَال أَنَّهَا أسلمت قبل الْجُنُون وَلَا نغرم لاحْتِمَال أَنَّهَا لم تسلم فنأخذ بِالْيَقِينِ فِي الطَّرفَيْنِ والصبية إِذا أسلمة وَقُلْنَا يَصح إسْلَامهَا فكالبالغة وَإِن لم نصحح فَلَا نرد لحُرْمَة الْإِسْلَام لأَنا نحول بَين الصَّبِي الْمُسلم وَبَين أَبَوَيْهِ وَإِن منعناها فَالصَّحِيح الْغرم وَقيل إِنَّهَا كالمجنونة وَقيل إِنَّهَا ترد وَهُوَ ضَعِيف

والرقيقة يمْتَنع ردهَا وَتجب قيمتهَا لسَيِّدهَا لَا مَا بذل من الثّمن لِأَن المَال تقويمه سهل وَإِنَّمَا الْعُدُول إِلَى مَا أنْفق فِي الصَدَاق بِنَصّ الْقُرْآن فِيمَا يعسر تقويمه وَلَو جَاءَ غير سَيِّدهَا طَالبا لم يلْتَفت إِلَيْهِ إِلَّا إِذا كَانَت مُزَوّجَة فَإِن جَاءَ السَّيِّد وَالزَّوْج مَعًا غرمنا للسَّيِّد الْقيمَة وَللزَّوْج مَا بذل وَإِن جَاءَ احدهما فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه لَا يلْزم شَيْء إِذْ لَيْسَ لأَحَدهمَا حق الإنفراد وَالثَّانِي يجب أَدَاء حَقه وَحده وَالثَّالِث أَن السَّيِّد مُسْتَحقّ الرَّد فنغرم لَهُ وَالزَّوْج وَحده لَا يتسحق الرَّد وَالْغُرْم تبع الرَّد وَإِن جاءتنا زَوْجَة عبد فَحق الْبضْع للْعَبد وَالسَّيِّد هُوَ باذل الْمهْر فَلَا يلْزمنَا شَيْء إِلَّا إِذا حضرا فَإِن حضر أَحدهمَا لم نغرم شَيْئا وَأما العَبْد فَفِي وجوب رده وَجْهَان وَوجه الْمَنْع أَنه يستضعف ويهان إِذْ لَا نَاصِر لَهُ وَفِي الْحر الَّذِي لَا عشيرة لَهُ وَجْهَان مرتبان وَأولى بِأَن يرد لظُهُور الْعُمُوم فِي حَقه فَإِن قُلْنَا يرد فليشترط فِي أصل المهادنة أَن من رد مُسلما لَا يستهان بِهِ إِن احتملوا ذَلِك وَإِن قُلْنَا لَا نرد العَبْد فنغرم قِيمَته فرع إِن قُلْنَا فِي المهادنة من جَاءَكُم منا فسحقا سحقا فالتحق بهم مُرْتَد فسحقا

وَإِن كَانَت مرتدة استرددناها فَإِن تعذر غرمنا لزَوجهَا الْمُسلم مَا أنْفق لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم مثل مَا أَنْفقُوا﴾ وكأنا بالمهادنة أحلنا بَينه وَبَين زَوجته الْمُرْتَدَّة إِذْ لأجل المهادنة والأمن رغبت فِي الإلتحاق بهم ثمَّ جَمِيع الْكفَّار كشخص وَاحِد فَلَو جاءتنا مسلمة سلمنَا مهرهَا إِلَى زوج الْمُرْتَدَّة إِن تَسَاويا وَإِن زَاد مهر الْمسلمَة سلمنَا الزِّيَادَة إِلَى زَوجهَا الْكَافِر وَقُلْنَا وَاحِدَة بِوَاحِدَة وَكَأن جُمْلَتهمْ كشخص وَاحِد فيؤاخذ الْوَاحِد بِحكم الْجُمْلَة وَالله أعلم صلوَات الله عَلَيْهِم كرم الله وَجهه الله تبَارك وَتَعَالَى الرب عز وَجل

النّظر الأول فِي سَبَب حل الذَّبِيح

وأركان الذّبْح أَرْبَعَة الذَّابِح والذبيح والآلة الذابحة وَنَفس الذّبْح الأول الذَّابِح فَكل مُسلم أَو كتابي عَاقل بَالغ يصير أَهلا للذبح بِيَدِهِ وبجوارح الصَّيْد فَتحل ذبيحه الْيَهُود وَالنَّصَارَى دون الْمَجُوس وَعَبدَة الْأَوْثَان أما الْمُتَوَلد من كتابي ومجوسي أَو وَثني فَقَوْلَانِ

أَحدهمَا تَغْلِيب التَّحْرِيم وَالثَّانِي النّظر إِلَى جَانب الْأَب وَحل الذَّبِيح يُقَارب حل النِّكَاح إِلَّا فِي الْأمة الْكِتَابِيَّة إِذْ تحل ذبيحتها دون مناكحتها فرع لَو اشْترك مَجُوسِيّ وَمُسلم فِي ذبيح فَهُوَ حرَام وَكَذَا لَو أرسلا إِلَى الصَّيْد سَهْمَيْنِ أَو كلبين فَحصل الْهَلَاك بهما وَلَو سبق أَحدهمَا وصيره إِلَى حَرَكَة الْمَذْبُوح فَالْحكم لَهُ وَلَو هرب الصَّيْد من كلب الْمُسلم فَرده عَلَيْهِ كلب الْمَجُوسِيّ وَقَتله كلب الْمُسلم فَهُوَ حَلَال وَلَا تَأْثِير لإعانته فِي الرَّد وَحَيْثُ يحل الصَّيْد فالملك للْمُسلمِ وَلَو أثخنه كلب الْمُسلم فأدركه كلب الْمَجُوسِيّ وَبِه حَيَاة مُسْتَقِرَّة فَقتله فَهُوَ ميتَة وَضمن الْمَجُوسِيّ للْمُسلمِ إِذْ أفسد ملكه أما قَوْلنَا عَاقل بَالغ احترزنا بِهِ عَن الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ الَّذِي لَا يُمَيّز فَفِي ذبيحتهما قَولَانِ وَوجه التَّحْرِيم أَن الْقَصْد قد انْعَدم وَأما الصَّبِي الْمُمَيز فَتحل ذَبِيحَته وَفِيه وَجه من حَيْثُ إِنَّه إِن اعْتبر الْقَصْد فقد نقُول عمد الصَّبِي لَيْسَ بعمد وَأما الْأَعْمَى فَيصح ذبحه وَفِي اصطياده وَجْهَان من حَيْثُ إِن قَصده لَا يتَعَلَّق بِعَين الصَّيْد وَهُوَ لَا يرَاهُ

الرُّكْن الثَّانِي الذَّبِيح وَالْحَيَوَان يَنْقَسِم إِلَى مَا يحرم فَلَا أثر لذبحه وَإِلَى مَا يحل كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَة وَهَذَا يَنْقَسِم إِلَى مَا تحل ميتَته كالجراد والسمك وَإِلَى مَا لَا يحل أما الَّذِي يحل فَلَا حَاجَة إِلَى ذبحه بل لَو اقتطع قِطْعَة من سَمَكَة فَهِيَ حَلَال لِأَن مَا أبين من حَيّ فَهُوَ ميت وَلَو ابتلع سَمَكَة حَيَّة فمكروه للتعذيب وَلَكِن الظَّاهِر أَنه حَلَال وَمِنْهُم من حرم وَجعل الْمَوْت بَدَلا عَن الذّبْح وَأما حَيَوَان الْبَحْر فَتحل جَمِيعهَا إِلَّا المستخبثات وَمَا يعِيش فِي الْبر كالضفدع والسرطان وَأما مَا لَهُ نَظِير محرم فِي الْبر ككلب المَاء وخنزيره قفيه قَولَانِ

أَحدهمَا الْحل لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام الْحل ميتَته وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَا يتَنَاوَلهُ اسْم السّمك وَللشَّافِعِيّ قَول غَرِيب أَنه لَا يحل إِلَّا السّمك وَهُوَ مرجوع عَنهُ لِأَن أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وجدوا حَيَوَانا عَظِيما يُسمى العنبر فأكلوه وَلم يُنكر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِم أما مَا لَا تحل ميتَته فَيتَعَيَّن ذبحه فِي الْحلق والمريء كَمَا سَيَأْتِي إِن لم يكن من الصَّيْد وَإِن

كَانَ صيدا فَجَمِيع أَجْزَائِهِ مذبح مَا دَامَ متوحشا فَإِن أنس أَو ظفر بِهِ وَفِيه حَيَاة مُسْتَقِرَّة تعين الذّبْح وَلَو توحشت إنسية وَلم يُمكن ردهَا فَهُوَ كالصيد يذبح فِي كل مَوضِع وَكَذَا لَو تنكس بعير فِي بِئْر وَخيف هَلَاكه فقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو طعنت فِي خاصرته لحلت لَك فَقَالَ المراوزة خصص الخاصرة ليَكُون الْجرْح مذففا فَلَا يجوز جرح آخر وَإِن كَانَ يُفْضِي إِلَى الْمَوْت

وَمِنْهُم من قَالَ تَكْفِي كل جِرَاحَة تُفْضِي إِلَى الْمَوْت أما إِذا شَردت شَاة أَو بعير فَمثل هَذَا مصيره إِلَى الزَّوَال فَإِن أمكن رده بالإستعانة وَجب وَإِن أفلت وعسر ذَلِك فِي الْحَال فَالظَّاهِر أَنه يصبر إِلَى الْقُدْرَة عَلَيْهِ وَمِنْهُم من قَالَ رُبمَا يُرِيد ذبحه فِي الْحَال فَلهُ أَن يَرْمِي كَمَا يَرْمِي الصَّيْد ثمَّ لَا خلاف فِي أَنه لَو كَانَ اتِّبَاعه يُفْضِي بِهِ إِلَى مسبعَة أَو مهلكة فَهُوَ كالصيد يَرْمِي بِسَهْم وَإِن كَانَ يُفْضِي إِلَى مَوضِع لصوص وغصاب فَوَجْهَانِ

فروع

الأول إِذا جرح الصَّيْد بِسَهْم ثمَّ أدْركهُ وَفِيه حَيَاة مُسْتَقِرَّة وَجب ذبحه فِي المذبح فَإِن صَبر حَتَّى مَاتَ فَهُوَ حرَام وَعَلِيهِ أَن يعدو فِي طلبه كعادة الصياد وَفِيه وَجه أَنه يَكْتَفِي بمشي كمشي السَّاعِي إِلَى الْجُمُعَة أما الْوُقُوف فَلَا رخصَة فِيهِ فَلَو أدْرك وَلَيْسَ مَعَه مدية أَو تشبث بالغمد أَو سقط مِنْهُ أَو ضَاعَ أَو سرق فَلَيْسَ مَعْذُورًا فِي شَيْء من ذَلِك وَلَو غصبه إِنْسَان فَوَجْهَانِ وَالظَّاهِر أَنه حرَام فَكَأَن الشَّرْط أَن يَمُوت بجراحته قبل أَن يُدْرِكهُ وَهُوَ غير مقصر وَلَو ابتدر وَقطع بعض الْحُلْقُوم فَمَاتَ فَهُوَ حَلَال لعدم التَّقْصِير وَذبح الثَّعْلَب فِي أُذُنه لأجل الْجلد حرَام وَلَا يُفِيد الْحل الثَّانِي لَو قد صيدا نِصْفَيْنِ فالنصفان حَلَال وَلَو أبان عضوا والجراحة مذففة حل الْعُضْو أَيْضا فَإِن لم تكن مذففة وَذبح الْحَيَوَان فِي المذبح أَو حرج جرحا مذففا فالعضو حرَام لَان مَا أبين من حَيّ فَهُوَ ميت وَإِن مَاتَ من تِلْكَ الْجراحَة فَفِي ذَلِك الْعُضْو وَجْهَان

وَإِن جرحه بعد الأولى جِرَاحَة أُخْرَى غير مذففة فَوَجْهَانِ مرتبان وَأولى بِالتَّحْرِيمِ الرُّكْن الثَّالِث آلَة الصَّيْد وَالذّبْح وَهِي ثَلَاثَة أَقسَام جوارح الْحَيَوَان وجوارح الأسلحة والمثقلات أما جوارح الْحَيَوَان فَتحل فريسة الْكَلْب الْمعلم بِنَصّ الْكتاب أَعنِي مَا مَاتَ بعضه وجراحته وَإِنَّمَا يصير معلما بِثَلَاثَة أُمُور أَن يسترسل بإرساله وينزجر بزجره وَيمْتَنع من الْأكل خوفًا من صَاحبه وَلَا بُد أَن تَتَكَرَّر هَذِه الْأُمُور حَتَّى يتَبَيَّن أَنه تأدب بِهِ وَلَيْسَ بوفاق فالرجوع فِيهِ إِلَى الْعَادة وَإِنَّمَا يشْتَرط الإنزجار بزجره فِي ابْتِدَاء انطلاقه أما إِذا احتد فِي آخر الْأَمر فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا يشْتَرط لِأَن ذَلِك مَا لَا يطاوع الْكَلْب عَلَيْهِ وَالثَّانِي أَنه يشْتَرط لِأَن ذَلِك أَيْضا يعسر فِي الإبتداء مَعَ جوع الْكَلْب وَلَكِن بِهِ يصير مؤدبا أما إِذا ترك الْأكل ثمَّ أكل مرّة نَادرا فَفِي تِلْكَ الفريسة قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يحرم وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعدي بن حَاتِم

رَضِي الله عَنهُ إِذا أرْسلت كلبك الْمعلم فَكل وَإِن أكل فَلَا تَأْكُل وَلِأَنَّهُ أَخذ لنَفسِهِ لما أكل لَا لصَاحبه وَالثَّانِي أَنه يحل لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لأبي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي رَضِي الله عَنهُ

فصول الكتاب · 3 فصل · 713 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الوسيط في المذهب · 713 صفحة
المقدمة
الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين
الْبَاب الرَّابِع فِي الْقِسْمَة
جارٍ التحميل