فَكَأَنَّهُ أَرَادَ ذَلِك بِالْعُمُومِ وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه إِن شَاءَ قنع بِالْمُسَمّى وَإِلَّا صَار الطَّلَاق رَجْعِيًا وَامْتنع الْعِوَض أصلا إِذْ رد الطَّلَاق لخيرته بعيد وتكليفها مهر الْمثل وَمَا رضيت إِلَّا بِالْمُسَمّى بعيد الطَّرِيقَة الثَّانِيَة نقل الْقَوْلَيْنِ على وَجه آخر أَحدهمَا أَنه لَا خِيَار لَهُ إِلَّا بَين الْمُسَمّى وَمهر الْمثل فَأَما الطَّلَاق فَلَا خِيَار فِيهِ وَالثَّانِي أَنه لَا خِيَار لَهُ أصلا بل فسد الْعِوَض وَالرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل وَهَذِه الطَّرِيقَة أَقيس وَيحصل من هَذِه الاختلافات خَمْسَة أَقْوَال إِذا جمعت أما وكيلها بالاختلاع بِمِائَة إِن وَافق أَو نقص صَحَّ وَإِن زَاد فالنص وُقُوع الْبَيْنُونَة وَاخْتِيَار الْمُزنِيّ أَنه لَا ينفذ وَهُوَ الْقيَاس لِأَنَّهُ خَالف وَلم يَجْعَل اخْتِيَاره تخريجا مَعَ اتجاهه ثمَّ فِيمَا يلْزمهَا على النَّص قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يفْسد الْمُسَمّى وَاللَّازِم مهر الْمثل وَالثَّانِي أَنه يلْزمهَا مَا سمت وَزِيَادَة الْوَكِيل أَيْضا تلزمها إِلَّا مَا جَاوز من زِيَادَة مهر الْمثل فَإِنَّهَا لَا تلْزم هَذَا إِذا أضَاف الْوَكِيل الاختلاع إِلَى مَالهَا فَإِن أضَاف إِلَى نَفسه نفذ وَلزِمَ
الْوَكِيل تَمام مَا سمى وَلَيْسَ عَلَيْهَا شَيْء لِأَن اختلاع الْأَجْنَبِيّ بِنَفسِهِ صَحِيح وَإِن أطلق الْوَكِيل وَلم يضف إِلَيْهَا وَلَا إِلَى نَفسه فالبينونة حَاصِلَة على النَّص وَفِيمَا يلْزمه قَولَانِ أَحدهمَا أَن عَلَيْهَا مَا سمت وَالزِّيَادَة على الْوَكِيل كَأَنَّهُ قد افتداها بِمَا سمت وَزِيَادَة من عِنْد نَفسه وَالثَّانِي أَن الزِّيَادَة عَلَيْهَا أَيْضا مَا لم يُجَاوز مهر الْمثل فَمَا جَاوز مهر الْمثل فَهُوَ على الْوَكِيل وَقِيَاس مَذْهَب الْمُزنِيّ صِحَة الْخلْع من الْأَجْنَبِيّ وانصرافه عَنْهَا كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ بِمِائَة إِذا زَاد فَإِنَّهُ يَقع عَنهُ إِذا لم يُصَرح بالأضافة إِلَى الْمُوكل فَأَما إِذا أضَاف الْوَكِيل المَال إِلَيْهَا وَضمن قَالَ الصيدلاني هُوَ كَمَا لَو أطلق الْوَكِيل وَهَذَا ضَعِيف بل الْإِضَافَة إِذا فَسدتْ فَالضَّمَان الْمُرَتّب عَلَيْهِ لَا يَصح وَلَا يُؤثر فِيهِ هَذَا كُله إِذا عينت مائَة فَإِن أَذِنت مُطلقًا قطع الْأَصْحَاب بِأَن ذَلِك كالمقدر بِمهْر الْمثل والمصرح بِهِ هَذَا كُله فِي الْمُخَالفَة بالمقدار فَلَو خَالف فِي الْجِنْس بِأَن قَالَت اختلعني بِالدَّرَاهِمِ فاختلع بِالدَّنَانِيرِ قَالَ القَاضِي انْصَرف الْخلْع عَنْهَا لِأَنَّهُ مُخَالف بِخِلَاف مَا إِذا زَاد فَإِنَّهُ أَتَى بِمَا أمرت وَزِيَادَة وَهَذَا يُؤَكد اخْتِيَار الْمُزنِيّ لِأَن الْفساد هَاهُنَا أَيْضا فِي الْعِوَض
الرُّكْن الْخَامِس الصِّيغَة
وَفِيه مسَائِل إحدها أَنه لَو قَالَ طَلقتك بِدِينَار على أَن لي الرّجْعَة فَفِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ أَحدهمَا وَهُوَ الَّذِي نَقله الْمُزنِيّ أَن الْعِوَض يسْقط وَينفذ الطَّلَاق رَجْعِيًا إِذْ لَا جمع بَين الْعِوَض وَالرَّجْعَة والعوض هُوَ الْمُحْتَاج إِلَى إثْبَاته دون الرّجْعَة فيندفع بِذكر الرّجْعَة وَالثَّانِي وَهُوَ الْقيَاس وَقد نَقله الرّبيع وَاخْتَارَهُ الْمُزنِيّ أَن الْعِوَض يفْسد لاقتران الشَّرْط بِهِ وتنفذ بينونة على مهر الْمثل لِأَن دفع الرّجْعَة أَهْون من دفع الْبَيْنُونَة الثَّانِيَة الْمَرْأَة تتوكل فِي الاختلاع وَهل تتوكل فِي الْخلْع فِيهِ وَجْهَان وَوجه الْمَنْع أَنَّهَا لَا تقدر على الِاسْتِقْلَال بِالْخلْعِ وَيجْرِي الْخلاف فِي توكلها بالتطليق مَعَ أَنه لَا خلاف أَنه لَو قَالَ لَهَا زَوجهَا طَلِّقِي نَفسك فَقَالَت طلقت ينفذ وَلَكِن هُوَ تمْلِيك أَو تَوْكِيل فِيهِ خلاف الثَّالِثَة الْوَكِيل بِالْخلْعِ هَل يتَوَلَّى طرفِي الْخلْع فِيهِ وَجْهَان وَمن جوز ذَلِك
على خلاف البيع وَالنِّكَاح علل ذَلِك بِأَن الْخلْع يَكْفِي فِيهِ اللَّفْظ من أحد الْجَانِبَيْنِ فَإِنَّهُ لَو قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت طَالِق فأعطت حصلت الْبَيْنُونَة الرَّابِعَة لَو خَالعهَا على أَن ترْضع وَلَده حَوْلَيْنِ صَحَّ الِاسْتِئْجَار وَالْخلْع وَلَو أضَاف إِلَيْهِ الْحَضَانَة جَازَ وَلَو أضَاف إِلَيْهِ نَفَقَة عشر سِنِين مثلا وقدرها ووصفها بِحَيْثُ يجوز فِيهِ السّلم انبنى على تَجْوِيز الْجمع بَين صفقتين مختلفتين فَإِن أفسدنا فالرجوع إِلَى مهر الْمثل أَو إِلَى بدل هَذِه الْأَشْيَاء فعلى قَوْلَيْنِ وَمِنْهُم من قطع هَاهُنَا بِأَن الرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل إِذْ لَو جَوَّزنَا الرُّجُوع إِلَى أبدال مُخْتَلفَة لصححنا العقد على أبدال مُخْتَلفَة وَمِنْهُم من قَالَ وَإِن لم نصحح الْجمع بَين صفقتين مختلفتين جَوَّزنَا هَاهُنَا لِأَن النَّفَقَة هَاهُنَا تَابع للحضانة غير مَقْصُود التَّفْرِيع إِن صححنا وعاش الْوَلَد واستوفاه فَإِن كَانَ زهيدا فَالزِّيَادَة للزَّوْج وَإِن كَانَ رغيبا فَالزِّيَادَة على الزَّوْج وَلَو مَاتَ فِي وسط الْمدَّة فَلَا يخفى حكم تَفْرِيق الصَّفْقَة بِسَبَب الِانْفِسَاخ فِي الْبَعْض وَوجه التَّفْرِيع عَلَيْهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي مُوجب لفظ الزَّوْج فِي إِلْزَام الْعِوَض وتسليمه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه فُصُول
الْفَصْل الأول فِي الْأَلْفَاظ الملزمة وَحكمهَا
وَفِيه مَسْأَلَتَانِ الأولى أَن الملزم الصَّرِيح قَوْله أَنْت طَالِق على ألف أَو طَلقتك على ألف فَلَو قَالَ أَنْت طَالِق ولي عَلَيْك ألف وَقع الطَّلَاق رَجْعِيًا لِأَنَّهُ صِيغَة إِخْبَار لَا صِيغَة إِلْزَام وَقَوله أَنْت طَالِق مُسْتَقل فَينفذ وَيَلْغُو قَوْله ولي عَلَيْك ألف كَمَا لَو قَالَ وَعَلَيْك حجَّة وَلَو قَالَ أردْت مَا يُريدهُ أَنه قصد ذَلِك فَمن الْأَصْحَاب من قَالَ ينزل عَلَيْهِ وَتلْزم الْألف وَمِنْهُم من قَالَ لَا أثر للتوافق إِذْ اللَّفْظ غير صَالح لَهُ أما إِذا قَالَ أَنْت طَالِق على أَن لي عَلَيْك ألفا فَظَاهر هَذَا أَنه شَرط وَالطَّلَاق
لَا يقبل الشَّرْط فَيلْغُو وَلكنه لَو قَالَ أردْت الْإِلْزَام فَهَذَا أدل على الْإِلْزَام من الصِّيغَة الأولى وَلَكِن قَالَ صَاحب التَّقْرِيب لَا يقبل وَفِي كَلَام
غَيره مَا يدل على الْقبُول وَإِن قَالَ عنيت أَنْت طَالِق إِن ضمنت لي ألفا قبل وَذَلِكَ لَو صرح بِهِ لاقتضى ضمانا فِي الْمجْلس كالتعليق بالإعطاء إِلَّا أَن يَقُول أَنْت طَالِق مَتى ضمنت لي ألفا فَإِن ذَلِك لَا يخْتَص بِالْمَجْلِسِ وَلَو قَالَ أَمرك بِيَدِك فطلقي نَفسك إِن ضمنت لي ألفا فَإِن جعلنَا التَّفْوِيض تَمْلِيكًا اخْتصَّ الْجَواب بِالْمَجْلِسِ وَإِن جَعَلْنَاهُ توكيلا لم يخْتَص ثمَّ سَبِيلهَا أَن تَقول ضمنت الْألف وَطلقت أَو طلقت وضمنت الْألف فَيَقَع الطَّلَاق وَالضَّمان مَعًا الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة ذكرنَا أَن الْجَواب يخْتَص بِالْمَجْلِسِ فِيمَا يَسْتَدْعِي الْجَواب وَلَو قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي أَو أدّيت إِلَيّ ألفا أَو أقبضتنى لم يستدع الْجَواب بِاللَّفْظِ واختص بِالْمَجْلِسِ لقَرِينَة الْعِوَض وَفِيه وَجه بعيد أَنه لَا يخْتَص كالتعليقات كلهَا وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِن شِئْت اخْتصَّ الْجَواب بِالْمَجْلِسِ لِأَن
التَّعْلِيق بِالْمَشِيئَةِ يشبه استدعاء جَوَاب وَقبُول وَكَذَلِكَ لَو قَالَ أَنْت طَالِق على ألف إِن شِئْت فَقَالَت شِئْت وَقبلت اخْتصَّ بِالْمَجْلِسِ وَصَحَّ وَيَكْفِي قَوْلهَا شِئْت أَو قبلت إِ ذ أَحدهمَا يُؤَدِّي الْمَعْنيين جَمِيعًا وَفِيه وَجه أَنه لَا بُد مِنْهُمَا جَمِيعًا وَيلْزم عَلَيْهِ تَجْوِيز الرُّجُوع قبل الْقبُول لِأَنَّهُ يغلب فِيهِ مشابه الْمُعَاوضَة وَلَو قَالَت الْمَرْأَة طَلقنِي على ألف فَقَالَ أَنْت طَالِق على ألف شِئْت لم يكن جَوَابا بل كَانَ كلَاما مستأنفا يَسْتَدْعِي مِنْهَا جَوَابا مستأنفا
الْفَصْل الثَّانِي فِي حكم الْإِعْطَاء
فَنَقُول إِذا قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت طَالِق فالإعطاء هُوَ أَن تضع بَين يَدَيْهِ وَلَيْسَ يشْتَرط قَبضه بِالْيَدِ إِلَّا إِذا قَالَ إِن أقبضتني فَلَا بُد من قَبضه عِنْد ذَلِك ثمَّ إِذا وضعت بَين يَدَيْهِ وَقع الطَّلَاق وَدخل فِي ملك الزَّوْج وَلم يجز لَهَا الرُّجُوع وَفِي دُخُوله فِي ملك الرجل من غير لفظ مِنْهَا إِشْكَال يُؤَيّد تَجْوِيز المعاطاة لِأَنَّهَا لم تملك وَلَا سبق مِنْهَا الْتِزَام لقبُول إِذْ لَا يشْتَرط الْقبُول لَكِن الْمَذْهَب مَا ذَكرْنَاهُ وَسَببه أَن التَّعْلِيق يَقْتَضِي وُقُوع الطَّلَاق عِنْد الْإِعْطَاء ثمَّ لَا يُمكن إِيقَاعه مجَّانا مَعَ قصد الْعِوَض فَيدْخل فِي ملكه لضَرُورَة وُقُوع الطَّلَاق وَعَن هَذَا الْإِشْكَال حكى الشَّيْخ أَبُو عَليّ وَجها أَن الطَّلَاق يَقع وَيرد الْمُعْطِي عَلَيْهَا ويلزمها مهر الْمثل وَهَذَا منقاس وَلكنه غَرِيب وَهَذَا الْوَجْه يجْرِي فِي قَوْله إِن ضمنت لي الْفَا فَأَنت طَالِق لِأَنَّهُ إِذا قَالَت ضمنت وَقع الطَّلَاق بِحكم التَّعْلِيق وَلذَلِك يتَصَوَّر تَأَخره عَن الْمجْلس ولزومه بِمُجَرَّد قَوْلهَا ضمنت مُشكل لدُخُوله فِي ملكه بِمُجَرَّد الْإِعْطَاء أما إِذا قَالَ إِن أقبضتني ألفا فَأَنت طَالِق طلقت بالإقباض طَلَاقا رَجْعِيًا وَلم يملكهُ الزَّوْج لِأَن بالإعطاء ينبنيء عَن الْملك دون الْإِقْبَاض وَمِنْهُم من ألحق الْإِقْبَاض فِي اقْتِضَاء الْملك وَمن حكم التَّعْلِيق أَيْضا أَنه لَو قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت طَالِق فأعطت أَلفَيْنِ طلقت وَملك الزَّوْج ألفا لِأَن الْأَلفَيْنِ مُشْتَمل على الْألف فقد وجدت الصّفة بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ خالعتك بِأَلف فَقَالَت قبلت بِأَلفَيْنِ لم يَصح لِأَنَّهُ جَوَاب لم يُوَافق الْخطاب وَالله أعلم
الْفَصْل الثَّالِث فِي التَّعْلِيق بِالنَّقْدِ
وَفِيه مسَائِل الأولى إِن قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي ألف دِرْهَم فَأَنت طَالِق وَفِي الْبَلَد نقود مُخْتَلفَة كلهَا نقرة خَالِصَة لَكِن الْغَالِب فِي الْمُعَامَلَة وَاحِد فَأَتَت بالغالب طلقت وَملك الزَّوْج وَلَو أَتَت بِغَيْر الْغَالِب طلقت وَلم يملك الزَّوْج بل يجب إِبْدَاله بالغالب وَإِنَّمَا طلقت لعُمُوم لفظ التَّعْلِيق وَالْعرْف إِنَّمَا يُؤثر فِي الْمُعَامَلَات أما التَّعْلِيق فَلَا يَقع غَالِبا حتما يُؤثر الْعرف فِي تعْيين الْعُمُوم وَكَذَلِكَ لَا يُؤثر فِي الْإِقْرَار حَتَّى لَو قَالَ عَليّ ألف فَلهُ أَن يسلم كل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم لِأَن الْمُوجب السَّبَب هُوَ الْمخبر عَنهُ وَذَلِكَ مَجْهُول فَكيف يحكم الْعرف فِيهِ نعم لَو قَالَ أَنْت طَالِق على ألف نزل على الْغَالِب لِأَن هَذِه مُعَاملَة فتفارق التَّعْلِيق وَالْإِقْرَار وَبَقِي الْإِشْكَال فِي أَنه وَجب إِبْدَاله فِي الْغَالِب وَسَببه أَن ملك من حكم الْمُعَامَلَة فَينزل على الْغَالِب وَعند هَذَا صَار وَجه الشَّيْخ أبي عَليّ فِي الرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل أوجه لِأَنَّهُ إِن لم يكن الْمُعْطى هُوَ المُرَاد فَلم طلقت وَإِن كَانَ هُوَ المُرَاد فَلم يجب الْإِبْدَال فَإِن جَازَ الْإِبْدَال فالرجوع إِلَى مهر الْمثل أولى وَقد قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَو كَانَ الْألف الْغَالِب معيبا فَإِذا جَاءَت بِهِ طلقت
وَرجع الزَّوْج عَلَيْهَا بالسليم وَهَذَا يزِيد فِي الْإِشْكَال الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة إِذا كَانَ فِي الْبَلَد دَرَاهِم نَاقِصَة فِي الْوَزْن عَلَيْهَا التَّعَامُل بِالْعدَدِ وَهِي نقرة خَالِصَة فلفط الْإِقْرَار وَالتَّعْلِيق لَا ينزل عَلَيْهَا بل على الوازنة الْكَامِلَة لِأَن الْعرف لَا يُؤثر فِيهَا نعم مُطلق البيع هَل ينزل عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لعرف الْمُعَامَلَة وَالثَّانِي لَا لِأَن اللَّفْظ صَرِيح فِي الموازنة التَّامَّة وَالْفرق لَا يُغير الصَّرِيح إِنَّمَا يخصص الْعُمُوم عِنْد شُمُول اللَّفْظ نعم لَو فسر الْإِقْرَار بالناقصة هَل يقبل فِيهَا وَجْهَان وَكَذَا فِي تَفْسِير الْمُعَلق بالمعتاد فِيهِ وَجْهَان وَإِنَّمَا يجْرِي الْخلاف فِي التَّعْلِيق فِي العددية الزَّائِدَة أما النَّاقِصَة فَيقبل التَّفْسِير فِي الْمُعَلق بهَا لِأَنَّهُ توسيع لباب الطَّلَاق الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة إِذا كَانَ الْغَالِب دَرَاهِم مغشوشة فَلَا ينزل عَلَيْهَا إِقْرَار وَتَعْلِيق لَكِن تصح الْمُعَامَلَة عَلَيْهَا إِن كَانَ قدر النقرة مَعْلُوما وَإِن كَانَ مَجْهُولا فَفِي صِحَة الْمُعَامَلَة على أعيانها وَجْهَان وَالصَّحِيح أَنه يقبل تَفْسِير الْمقر بهَا إِذا غلبت فِي الْمُعَامَلَة
الْفَصْل الرَّابِع فِي التَّعْلِيق بِإِعْطَاء ثوب أَو عبد
وَفِيه مسَائِل الأولى إِذا قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي عبدا من صفته كَيْت وَكَيْت وَوَصفه إِلَى حد يجوز السّلم فِيهِ فَإِذا أَتَت بِمثلِهِ طلقت وَدخل فِي ملكه أما إِذا قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي عبدا وَاقْتصر فمهما أَتَت بِعَبْد سليم أَو معيب كَيْفَمَا كَانَ طلقت وَالرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل لِأَنَّهُ مَجْهُول فَلَا يُمكن الرُّجُوع إِلَى قِيمَته وَإِن أَتَت بِعَبْد مَغْصُوب فَفِي وُقُوع الطَّلَاق وَجْهَان أَحدهمَا يَقع لحُصُول الِاسْم وَلِأَن الرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل فَلَا معنى لاشْتِرَاط الْملك وَالثَّانِي لَا يَقع لِأَن لفظ الْإِعْطَاء يُنبئ عَمَّا تقدر الْمَرْأَة على إِعْطَائِهِ التَّفْرِيع إِن شرطنا الْملك فَلَو قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي خمرًا فَهَل تكون الْخمر الْمَغْصُوبَة المحترمة كَالَّتِي لم تغصب فِيهِ تردد من حَيْثُ إِن الْملك غير مُتَصَوّر فِيهَا لَكِن الِاخْتِصَاص الْمُمكن فِيهِ لَا يبعد أَن يعْتَبر الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة إِذا عين عبدا فَقَالَ إِن أَعْطَيْتنِي هَذَا العَبْد وَقع الطَّلَاق بإعطائه وَملكه فَإِن كَانَ معيبا طلقت بِحكم التَّعْلِيق وَلَكِن يرد عَلَيْهَا
وَرجع إِلَى قيمَة السَّلِيم أَو إِلَى مهر الْمثل على اخْتِلَاف قَوْلَيْنِ وَإِن خرج مُسْتَحقّا قَالَ ابْن أبي هُرَيْرَة نتبين أَن الطَّلَاق غير وَاقع لِأَنَّهُ غير قَابل للإعطاء وَقَالَ القَاضِي طلقت وَالرُّجُوع إِلَى الْبَدَل لِأَنَّهَا أَعْطَتْ مَا عينه الزَّوْج فَلَو صرح وَقَالَ إِن أعطتني هَذَا العَبْد الْمَغْصُوب فَوَجْهَانِ مرتبان وَأولى بِوُقُوع الطَّلَاق لتصريحه ثمَّ إِذا صححنا رَجَعَ إِلَى مهر الْمثل وَفِيه وَجه أَنه يَقع الطَّلَاق رَجْعِيًا لِأَنَّهُ قنع بِغَيْر شَيْء وَقيل يطرد هَذَا فِيمَا لَو قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي خمرًا وَهُوَ بعيد فِي الْمَذْهَب أما إِذا قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي هَذَا الْحر فَالظَّاهِر أَن الطَّلَاق يَقع بأعطائه رَجْعِيًا لِأَن الصِّيغَة فَاسِدَة لَا تصلح لطلب الْعِوَض وَقيل إِن ذَلِك كالمغصوب وَالْخمر الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة لَو قَالَ إِن أعطتني هَذَا الثَّوْب وَهُوَ مَرْوِيّ فَسلمت فَإِذا هُوَ هروي لم تطلق لعدم الشَّرْط أما إِذا قَالَ إِن أعطتني هَذَا الثَّوْب الْمَرْوِيّ فَإِذا هُوَ هروي فَفِيهِ تردد لِأَنَّهُ
مُتَرَدّد بَين صِيغَة الشَّرْط والإخبار على وَجه خطأ فَإِن لم نجعله شرطا وَقع الطَّلَاق بِتَسْلِيمِهِ وَلَو قَالَ خالعتك على هَذَا الثَّوْب على أَنه هروي فَإِذا هُوَ مَرْوِيّ وَقعت الْبَيْنُونَة سَوَاء وجد الْوَصْف أَو لم يُوجد وَلَكِن إِن أخلف الْوَصْف ثَبت خِيَار الْخلف فِي الْعِوَض وَفَائِدَته الرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل أَو بدله
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الرَّابِع فِي سُؤال الطَّلَاق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه فُصُول
الْفَصْل الأول فِي ألفاظها فِي الالتماس
وَفِيه مسَائِل الأولى إِذا قَالَت مَتى طلقتني فلك ألف اخْتصَّ الْجَواب بِالْمَجْلِسِ بِخِلَاف قَول الزَّوْج مَتى مَا أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت طَالِق فَإِنَّهَا تطلق وَإِن أَعْطَتْ فِي غير الْمجْلس لِأَن الْغَالِب على جَانِبه التعلقق وعَلى جَانبهَا الْمُعَاوضَة فَلذَلِك افْتَرقَا الثَّانِيَة لَو قَالَت إِن طلقتني فَأَنت بَرِيء من الصَدَاق فَقَالَ طلقت نفذ رَجْعِيًا وَلم يبرأ عَن الصَدَاق لِأَن تَعْلِيق الْإِبْرَاء لَا يَصح وَطَلَاق الزَّوْج طَمَعا فِي الْبَرَاءَة من غير لفظ صَحِيح مِنْهَا فِي الِالْتِزَام لَا يُوجب شَيْئا عَلَيْهَا الثَّالِثَة إِذا قَالَت طَلقنِي وَلَك عَليّ ألف فَطلقهَا لَزِمَهَا الْألف وَهَذِه الصِّيغَة مِنْهَا تصلح للالتزام بِخِلَاف مَا لَو قَالَ طَلقتك ولي عَلَيْك ألف فَإِن ذَلِك لَا يصلح لإلزامها فَيحمل على الْإِخْبَار وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يلْزمهَا يالحال بذلك وَسوى فِيهِ بَين الزَّوْجَيْنِ
لِأَصْحَابِنَا وَجه مُوَافق مذْهبه وَلَا يطرد ذَلِك الْوَجْه فِي الْجعَالَة بل هَذِه الصِّيغَة ملزمة فِي الْجعَالَة وَلَو قَالَ بِعني وَلَك عَليّ ألف فقد قيل إِن ذَلِك كالخلع والجعالة وَقيل إِن ذَلِك لَا يحْتَمل فِي البيع الرَّابِعَة لَو قَالَت طَلقنِي على ألف فَقَالَ طَلقتك وَلم يذكر المَال فَإِن قَالَ لم أقصد الْجَواب قبل وَفَائِدَته ثُبُوت الرّجْعَة بِخِلَاف مَا إِذا قيل لَهُ أطلقت زَوجتك فَقَالَ نعم ثمَّ قَالَ لم أقصد الْجَواب لم يقبل لِأَن قَوْله نعم لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فَيتَعَيَّن للجواب وَكَذَلِكَ مُجَرّد قَوْله اشْتريت
دون ذكر المَال يتَعَيَّن للجواب مهما قيل لَهُ بِعْت مِنْك الْخَامِسَة إِذا صدر مِنْهَا كِنَايَة كقولها أبني وَقَوله أبنتك فَإِن نويا نفذ وَإِن لم ينويا لَغَا وَإِن نَوَت دونه لم ينفذ لِأَن اعْتِمَاد الْبَيْنُونَة على جَانِبه وَإِن نوى دونهَا نظر فَإِن جرى ذكر المَال من الْجَانِبَيْنِ لم ينفذ لِأَنَّهُ لَا يَصح التزامها من غير نِيَّة الْفِرَاق وَإِن لم يجر من الْجَانِبَيْنِ نفذ الطَّلَاق رَجْعِيًا وَإِن جرى ذكر الْعِوَض فِي جَوَابه لافي التماسها لم يَقع الطَّلَاق وَإِن جرى فِي التماسها لَا فِي جَوَابه بِأَن قَالَت أبني بِأَلف فَقَالَ فَلم يَصح أبنتك لم يَقع الطَّلَاق لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيا بِالْبَيِّنَةِ نته بعوض وَلم يُوجد مِنْهَا نِيَّة الفواق التزامها فَصَارَ كَمَا إِذا ذكر المَال من الْجَانِبَيْنِ وَفِيه وَجه بعيد أَن الطَّلَاق يَقع رَجْعِيًا وَيجْعَل قَوْله أبنتك كالمستقبل دون الالتماس فَأَما إِذا جرى من أَحدهمَا صَرِيح وَمن الآخر كِنَايَة فالكناية مَعَ النِّيَّة كصريح وَدون النِّيَّة كَالْمَعْدُومِ وَلَا خلاففي أَنه لَو قَالَت أبني فَقَالَ أبنتك ونويا الطَّلَاق وَلم يذكر الْعِوَض أَن هَذَا لَا يَقْتَضِي الْعِوَض بِخِلَاف لفظ الْخلْع فَإِن لفظ الْخلْع يُنبئ عَن الْعِوَض بِخِلَاف لفظ الْبَيْنُونَة
الْفَصْل الثَّانِي فِي التماسها طَلَاقا مُقَيّدا بِعَدَد
وَفِيه أَربع مسَائِل إِحْدَاهَا أَن تَقول طَلقنِي ثَلَاثًا بِأَلف فَطلقهَا طَلْقَة وَاحِدَة اسْتحق ثلث الْألف كَمَا ذَكرْنَاهُ على قِيَاس الْجعَالَة بِخِلَاف جَانِبه فَإِن لم يبْق لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا طَلْقَة فَقَالَت طَلقنِي ثَلَاثًا بِأَلف فَطلق طَلْقَة وَاحِدَة قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ اسْتحق جَمِيع الْألف لِأَن مرادها الْبَيْنُونَة الْكُبْرَى وَقد حصلت بكمالها وَقَالَ الْمُزنِيّ رَحمَه الله يسْتَحق ثلث الْألف اتبَاعا لِلْحسابِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي إِن علمت أَنه لم يبْق إِلَّا وَاحِدَة اسْتحق الْجَمِيع وَإِن لم تعلم اسْتحق الثُّلُث وَلَا تَفْرِيع بعد هَذَا على مذْهبه أما إِذا بقيت لَهُ طَلْقَتَانِ فَطلق وَاحِدَة اسْتحق الثُّلُث عِنْد الشَّافِعِي رَضِي
الله عَنهُ والمزني جَمِيعًا لِأَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَيْضا يتبع الْحساب إِلَّا إِذا حصلت الْبَيْنُونَة الْكُبْرَى وَإِن طَلقهَا اثْنَتَيْنِ اسْتحق الْجَمِيع عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ والثلثين عِنْد الْمُزنِيّ فَلَو قَالَت طَلقنِي عشرا بِأَلف اسْتحق بالواحدة الْعشْر وبالثنتين الْخمس بالِاتِّفَاقِ وَأما بِالثلَاثِ اسْتحق الْجَمِيع عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَقِيَاس الْمُزنِيّ إِنَّه يسْتَحق ثَلَاثَة أعشار المَال وَقيل تخريجا على قِيَاسه إِنَّه إِنَّمَا يوزع على الْعدَد الشَّرْعِيّ ويوافق الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي اسْتِحْقَاق الجيمع بِالثلَاثِ فِي هَذِه الصُّورَة الثَّانِيَة إِذْ قَالَت طَلقنِي ثَلَاثًا بِأَلف فَقَالَ أَنْت طَالِق وَاحِدَة بِأَلف وثنتين مجَّانا قَالَ جمَاعَة من أَئِمَّة الْمَذْهَب تقع الْوَاحِدَة بِثلث الأف وَالزِّيَادَة لَا تلزمها والثنتان بعْدهَا لَا تقعان لِأَنَّهَا صَارَت بَائِنَة بِالْأولَى وَهَذَا لَا وَجه لَهُ بل يَنْبَغِي أَن لَا تقع الأولى لِأَنَّهُ مَا رَضِي بوقوعها إِلَّا بِأَلف وَهِي مَا التزمت على وَاحِدَة إِلَّا لثلاث نعم تقع الطلقتان مجَّانا وهما رجعيتان أما إِذا عكس فَقَالَ أَنْت طَالِق وَاحِدَة مجَّانا واثنتين بِثُلثي الاف وَقعت وَاحِدَة رَجْعِيَّة وَتخرج الثنتان على مخالعه الرَّجْعِيَّة إِن جَوَّزنَا نفذنا أَيْضا بِثُلثي الأف وَإِن منعنَا وَقعت طَلْقَتَانِ أَيْضا إِذا قبلت لِأَن الرَّجْعِيَّة يلْحقهَا الطَّلَاق وَبِالْجُمْلَةِ إِذا خَالع الرَّجْعِيَّة على قَوْلنَا لَا تصح مخالعتها كَانَ كمخالعة السفيهة حَتَّى يَقع طَلَاق بِلَا عوض
الثَّالِثَة إِذْ قَالَت طَلقنِي وَاحِدَة بِأَلف فَقَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ طلقت ثَلَاثًا وَاسْتحق الْألف لِأَنَّهُ أجابها وَزَاد وَإِلَيْهِ سَار أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يسْتَحق شَيْئا لِأَنَّهَا لم تلتمس الْبَيْنُونَة الْكُبْرَى وَسلم أَنَّهَا لَو قَالَت طَلقنِي ثَلَاثًا بِأَلف فَطلق وَاحِدَة إِنَّه اسْتحق ثلث الأف وَإِن خَالف أما إِذا عَاد الزَّوْج ذكر المَال فَقَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا بِأَلف فَأكْثر الْأَصْحَاب على أَنه لَا فرق بَين أَن يُعِيد أَو لَا يُعِيد وَحكى الفوراني وَجها عَن الْقفال إِنَّه إِذا أعَاد فقد قَابل كل طَلْقَة بِثلث الْألف فَلَا يلْزمهَا إِلَّا ثلث الْألف وَوَقع الثَّلَاث أما إِذا لم يعد ذكر المَال أمكن أَن يُقَال التمست وَاحِدَة فأجابها إِلَى بينونة أغْلظ مِنْهُ فَيرجع إِلَى زِيَادَة صفة أما هَاهُنَا فَيظْهر التَّوْزِيع وَلَكِن يلْزم على قِيَاس الْقفال أَن لَا يَقع إِلَّا وَاحِدَة لِأَنَّهُ قَابل طَلْقَتَيْنِ بِثُلثي الْألف وَهِي مَا قبلت وَقد قيل بِهَذَا أَيْضا وَيلْزم أَلا تقع الأولى أَيْضا لِأَنَّهَا التمست بِأَلف فَأجَاب بِثلث الْألف
فَهُوَ كَقَوْلِه بِعني بِأَلف فَقَالَ بِعْت بِخَمْسِمِائَة فَإِنَّهُ لَا يكون جَوَابا وَقد قيل بِهَذَا أَيْضا وَقد قيل فِي البيع أَيْضا إِنَّه يَصح وَيَقُول أَيْضا إِذا قَالَت طَلقنِي وَاحِدَة بِأَلف فَقَالَ طلقت وَاحِدَة بِخَمْسِمِائَة إِنَّه يسْتَحق تَمام الْألف لِأَن تَقْدِير الْعِوَض إِلَيْهَا لَا إِلَيْهِ وعَلى الْجُمْلَة مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله فِي صُورَة إِعَادَة المَال أوجه الرَّابِعَة إِذْ قَالَت طَلقنِي نصف طَلْقَة بِأَلف أَو طلق نصفي أَو يَدي بِأَلف فأجابها نفذ الطَّلَاق وَفَسَد الْعِوَض لفساد صِيغَة الْمُقَابلَة فَيرجع إِلَى مهر الْمثل وَفِيه وَجه منقاس أَنه يثبت الْمُسَمّى لِأَنَّهُ خصص الْعِوَض بِمَا لَا يخْتَص بِهِ وَلَكِن كمله الشَّرْع فَلَا يبعد أَن ينزل منزلَة الْمُقَابلَة بالكامل
الْفَصْل الثَّالِث فِي استدعائها طَلَاقا مُعَلّقا بِزَمَان
وَفِيه صور الأولى أَن تَقول طَلقنِي غَدا وَلَك ألف فَإِن طلق بعد غَد نفذ رَجْعِيًا وَلَا مَال لَهُ لِأَنَّهُ خَالف وَإِن طلق فِي الْغَد وَقعت الْبَيْنُونَة وَفَسَد الْعِوَض لِأَنَّهُ لَا يحْتَمل التَّعْلِيق فَيرجع إِلَى مهر الْمثل وَلَو طلق فِي الْحَال أَو قبل الْغَد فقد أجَاب وَزَاد إِذْ عجل فَيثبت مهر الْمثل وَفِي كل حَال لَا يسْتَحق المَال قبل الطَّلَاق الثَّانِيَة أَن تَقول خُذ مني ألف وَأَنت مُخَيّر فِي تطليقي من الْيَوْم إِلَى شهر فلك الْألف مَتى لم تُؤخر عَن الشَّهْر فمهما طَلقهَا فِي الشَّهْر على قصد الْإِجَابَة اسْتحق مهر الْمثل كالصورة الأولى وَهَذَا بِخِلَاف قَوْلهَا مَتى مَا طلقتني فلك ألف فَإِن مَتى مَا وَإِن كَانَ ظَاهرا فِي التَّأْخِير فَلَا يسْتَحق الْعِوَض إِلَّا بِطَلَاق فِي الْمجْلس لِأَن قرينَة الْعِوَض قَابل عُمُوم اللَّفْظ فخصصه بِالْمَجْلِسِ أما هَاهُنَا فَرفعت الِاحْتِمَال بالتصريح والتخيير فِي الشَّهْر وَمن الْأَصْحَاب من نقل الْجَواب من كل مَسْأَلَة إِلَى أُخْتهَا وَسوى بَينهمَا الثَّالِثَة إِذْ قَالَ أَنْت طَالِق غَدا على ألف فَقَالَت قبلت فَإِذا جَاءَ الْغَد وَقع الطَّلَاق بَائِنا وَفِيمَا يلْزمهَا وَجْهَان إحدهما مهر الْمثل لِأَن الْمُعَاوضَة لَا تقبل التَّعْلِيق وَهَذَا تَعْلِيق مُعَاوضَة وَالثَّانِي أَنه يَصح وَيجب الْمُسَمّى لِأَن مُقَابلَة الْمُعَلق بِالْمَالِ كمقابلة الْمُنجز والمعاوضة إِنَّمَا صحت بِوُجُود شقي الْإِيجَاب وَالْقَبُول فِي الْحَال من غير تَعْلِيق فَإِذا
صَحَّ قَوْله إِذا أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت طَالِق من غير قبُول مِنْهَا فبأن يَصح هَذَا التَّعْلِيق مَعَ قبُولهَا فِي الْحَال أولى وَفِيه وَجه ضَعِيف أَن الطَّلَاق لَا يَقع أصلا لِأَنَّهُ علق بِالْعِوَضِ وَلَا سَبِيل إِلَى إِثْبَات الْعِوَض بِالتَّعْلِيقِ وَلَا إِلَى إِيقَاع الطَّلَاق وَقد علقه بِالْعِوَضِ ثمَّ إِذا أوقعنا الطَّلَاق عِنْد مَجِيء الْغَد وَجب الْعِوَض بعد نُفُوذ الطَّلَاق وَلَا يجب بِمُجَرَّد قبُولهَا فِي الْحَال وَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوع بعد الْقبُول لِأَنَّهُ قد تمّ شقا العقد بِالْقبُولِ
الْفَصْل الرَّابِع فِي سُؤال الْأَجْنَبِيّ واختلاعه
وَاعْلَم أَن اختلاع الْأَجْنَبِيّ كاختلاع الْمَرْأَة فِي جَمِيع صِيغ الِالْتِزَام وَأَحْكَامه لِأَن الطَّلَاق مِمَّا يسْتَقلّ بِهِ الزَّوْج وَإِنَّمَا يحْتَاج إِلَى قبُولهَا لالتزام المَال وللأجنبي أَن يلْتَزم المَال على سَبِيل الافتداء وَلَكِن الْأَجْنَبِيّ إِن كَانَ وَكيلا من جِهَتهَا فَلهُ أَن يعْقد لَهَا ولنفسه وَينظر إِلَى لَفظه وَنِيَّته ومطلقه يَقع من جِهَة الْوكَالَة وَلَكِن إِن لم يُصَرح بالفسادة تعلّقت بِهِ الْعهْدَة وطولب بِالْعِوَضِ كَالْوَكِيلِ فِي الشِّرَاء وَإِن قَالَ الْأَجْنَبِيّ اخْتلعت بوكالتها ثمَّ بِأَن أَنه لم يكن وَكيلا تبين أَن الطَّلَاق لم يَقع لِأَن الْخطاب كَأَنَّهُ مَعهَا وَلم يجر قبُولهَا وَلَا قبُول نائبها فرع أَبوهَا إِذا كَانَ هُوَ المختلع فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ وَإِن كَانَت طفلة فاختلعها بِمَال نَفسه فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ وَإِن اختلعها بمالها فَلهُ أَحْوَال الأولى أَن يكون اخْتلعت على سَبِيل الْولَايَة بمالها أَو بِهَذَا العَبْد من مَالهَا لم يَقع الطَّلَاق بل هُوَ كَالْوَكِيلِ الْكَاذِب الثَّانِيَة أَن يكون اخْتلعت على سَبِيل الِاسْتِقْلَال لَكِن بِهَذَا العَبْد من مَالهَا فَهُوَ كالاختلاع بِالْمَالِ الْمَغْصُوب وَقد سبق الثَّالِثَة أَن يكون اخْتلعت بِهَذَا العَبْد الَّذِي هُوَ من مَالهَا وَلم يتَعَرَّض لما يزِيد على هَذَا من نِيَابَة أَو اسْتِقْلَال وَقع الطَّلَاق رَجْعِيًا كاختلاع السفيهة وَكَأَنَّهُ أهل للقبول
ومحجور عَلَيْهِ فِي مَالهَا كالسفيهة مَحْجُور عَلَيْهَا فِي مَال نَفسهَا وَهَذَا فِي غموض المختلع بالمغصوب لَو أضَاف المَال إِلَى الْمَالِك وَقع الطَّلَاق بَائِنا وَقيل الْفساد فِي الْعِوَض فَخرج القَاضِي وَجها هَاهُنَا إِنَّه كالمغصوب وَخرج فِي الْمَغْصُوب هَاهُنَا وَجها إِن الطَّلَاق يَقع رَجْعِيًا الرَّابِع أَن يكون اخْتلعت بِهَذَا العَبْد وَلم يذكر إِنَّه من مَالهَا فَإِن الزَّوْج جَاهِلا بِهِ فَهُوَ كَمَا لَو خرج الْعِوَض مُسْتَحقّا وَإِن كَانَ عَالما فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَن يصير الْمَعْلُوم كالمذكور لفظا فَيَقَع الطَّلَاق على الْمَشْهُور رَجْعِيًا وَالثَّانِي أَن يكون كَمَا لَو كَانَ جَاهِلا نظرا إِلَى مُجَرّد اللَّفْظ الْخَامِسَة أَن يختلعها بِالْبَرَاءَةِ عَن الصَدَاق فَإِن جَوَّزنَا لَهُ الْعَفو عَن صدقهَا فِي الاختلاع صَحَّ الْخلْع كَمَا لَو اخْتلعت بِنَفسِهَا وَإِن منعنَا بذلك وَهُوَ الصَّحِيح فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهمَا وَهُوَ ظَاهر النَّص أَن الطَّلَاق يَقع رَجْعِيًا كالسفيهة وَالثَّانِي أَنه كَالْوَكِيلِ الْكَاذِب حَتَّى لَا يَقع الطَّلَاق لِأَن إِضَافَته إِلَى الصَدَاق وَهُوَ أَب يشْعر بِأَنَّهُ كالنائب أما إِضَافَته إِلَى العَبْد فَهُوَ الْمَغْصُوب أشبه
وَالثَّالِث أَن يَقع الطَّلَاق بَائِنا وَيجب مهر الْمثل كَالْعَبْدِ الْمَغْصُوب السَّادِسَة أَن يَقُول خلعها وَإِن ضَامِن براءتك فَالْقِيَاس أَنه يَقع الطَّلَاق رَجْعِيًا وَلَا يلْزمه شَيْء لِأَن ضَمَان عين الْبَرَاءَة محَال فيلفوا الْحَال وَيصِح الْقبُول وَإِن قَالَ طَلقهَا وَإِن طولبت بِالصَّدَاقِ فَأَنا ضَامِن براءتك فَتحصل الْبَيْنُونَة وَيجب مهر الْمثل لفساد صِيغَة الِالْتِزَام وَضَابِط النّظر فِي هَذِه الْمسَائِل أَن الْخلْع إِنَّمَا يخْتل إِمَّا بِسَبَب فِي نفس الْقبُول فَيُوجب نفي أقبل الطَّلَاق أَو لخلل فِي نفس الِالْتِزَام فَيُوجب نفي الْبَيْنُونَة لَا نفي الطَّلَاق أَو لخلل فِي الْمُلْتَزم إِلَّا فِي الِالْتِزَام كَالْخمرِ الْمَقْصُود فَيُوجب نفي الْمُسَمّى لَا نفي الْبَيْنُونَة وَيكون التَّرَدُّد فِي أصل الطَّلَاق للتردد فِي صِحَة الْقبُول والتردد فِي الْبَيْنُونَة للتردد فِي صِحَة أصل الِالْتِزَام والتردد فِي الْمُسَمّى للتردد فِي صِحَة الْمُلْتَزم وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي النزاع فِي الْخلْع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ أَنْوَاع الأول أَن يَقع فِي أصل عوض أَو جنسه أَو قدره فَإِن وَقع فِي الأَصْل فَالْقَوْل قَوْلهَا إِن أنْكرت الْعِوَض وَإِن خلفت وَقعت الْبَيْنُونَة مُؤَاخذَة للرجل بقوله إِنِّي خالعت على عوض وَإِن تنَازعا فِي الْجِنْس فَقَالَ خالعتك بِدَرَاهِم وَقَالَت بل بفلوس تحَالفا وَالرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل كَمَا فِي الصَدَاق وَكَذَلِكَ فِي الْمِقْدَار وَإِن توافقا على جَرَيَان الْخلْع بِأَلف دِرْهَم وَلَكِن قَالَ الزَّوْج أردنَا بِهِ الدَّرَاهِم وَقَالَت بل أردنَا الْفُلُوس فَهَذَا يَسْتَدْعِي مُقَدّمَة وَهِي أَنه لَو كَانَت النُّقُود مُخْتَلفَة وَلَا غَالب فِيهَا فَقَالَ بِعْت بِأَلف دِرْهَم وَقَالَ اشْتريت بِأَلف دِرْهَم وَلم يتعرضا للْجِنْس وَلَكِن توافقا على إِرَادَة نوع وَاحِد لم يَصح البيع وَلم يحْتَمل هَذِه الْجَهَالَة فِيهِ وَالْمَشْهُور الظَّاهِر فِي الْخلْع أَنه يحْتَمل ذَلِك ويكفل فِيهِ النِّيَّة أَو الْعلم بِالْعِوَضِ وَإِن كَانَ شرطا لثُبُوت الْمُسَمّى وَلَكِن يحْتَمل فِيهِ مَا لم يحْتَمل فِي البيع وَلذَلِك حصل الْملك بِمُجَرَّد الْإِعْطَاء من غير لفظ وَهَذَا لَيْسَ يَخْلُو عَن أشكال ثمَّ لَا خلاف إِنَّه لَو قَالَ خالعتك على ألف وَقبلت وتوافقا على إِرَادَة نوع وَاحِد لم يحْتَمل هَذَا لِأَن اللَّفْظ صَرِيح فِي الِاحْتِمَال والترديد بَين الْأَنْوَاع وَإِنَّمَا الْمَذْكُور مُجَرّد الْعدَد وَهُوَ عرضي لَا يُنبئ عَن مَاهِيَّة جنسية وَلَا نوعية بِخِلَاف مَا إِذا ذكر الدَّرَاهِم فَإِنَّهُ لم يبْق إِلَّا التَّفْصِيل بِالصِّفَاتِ فَلَا يبعد تَخْصِيص عُمُومه
بِالنِّيَّةِ وَفِي كَلَام القَاضِي دلَالَة على أَن عُمُوم الْألف كعموم الدَّرَاهِم مَعَ أَنه قطع بِأَنَّهُ لَو قَالَ ألف شَيْء لم تُؤثر النِّيَّة لِأَن لفظ الشَّيْء آكِد فِي حَقِيقَة الِاحْتِمَال وَالنِّيَّة لَا تغيره وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد النِّيَّة فِي الدَّرَاهِم أَيْضا إِنَّمَا تُؤثر إِذا توافقا قبل العقد على مَا يقْصد أَن بِهِ فَإِن لم يسْبق التواطؤ فَلَا يُؤثر توَافق النِّيَّة وَكَأَنَّهُ يلْتَفت على معنى مَسْأَلَة السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَلَا يخفى أَن يعْتَبر هَذَا بِالنِّيَّةِ أقرب من إِرَادَة الْألف بالألفين فَإِن ذَلِك تَغْيِير صَرِيح فنعود إِلَى النزاع وَله صور الأولى أَن يَقُول الزَّوْج أردنَا الدَّرَاهِم جَمِيعًا وَقَالَت بل أردنَا الْفُلُوس جَمِيعًا فَهَذَا نزاع فِي الْجِنْس فيتحالفان وَفِيه وَجه بعيد أَن التَّحَالُف لَا يجْرِي لِأَنَّهُ نزاع فِي النِّيَّة وَإِنَّمَا اخْتِلَاف فِي الْجِنْس يتَوَلَّد منع تبعا وَهُوَ ضَعِيف الثَّانِي أَن يتوافقا على جَانب جَانب الزَّوْج وإرادته الدَّرَاهِم قَالَت الْمَرْأَة أردْت الْفُلُوس فَالْقَوْل قَوْلهَا وَإِذا حَلَفت انْتَفَى عَنْهَا الْعِوَض وَوَقعت الْبَيْنُونَة مُؤَاخذَة لَهُ بقوله الثَّالِثَة أَن يتوافقا على جَانبهَا وإرادتها الْفُلُوس وإرادته وَلَكِن قَالَ الزَّوْج أردْت الدَّرَاهِم فَلَا فرق لاخْتِلَاف الْجَواب فَحكم هَذَا إِن الْبَيْنُونَة وَاقعَة لأننا نَنْتَظِر إِلَى الملفوظ وَقد قَالَ خالعتك على ألف فَقَالَت قبلت فَلَا مطلع على النِّيَّة وَيلْزم من هَذَا أَنَّهُمَا لَو توافقا أَيْضا على اخْتِلَاف الْقَصْد وَقعت الْبَيْنُونَة لظَاهِر اللَّفْظ وَلَو تصور إطلاع كل وَاحِد مِنْهُمَا على بَاطِن صَاحبه حَتَّى تتَحَقَّق الْمُخَالفَة فِي
النِّيَّة فَيَنْبَغِي أَن لَا يَقع الطَّلَاق بَاطِنا ثمَّ قَالَ القَاضِي للزَّوْج مهر الْمثل لِأَن الْبَيْنُونَة وَقعت ظَاهرا ولغا أثر النِّيَّة فَبَقيَ اللَّفْظ مَجْهُولا وَكَأن النِّيَّة عِنْده إِنَّمَا تُؤثر إِذا توافقا فِي واتفقا عَلَيْهِ فَإذْ لم يتَّفقَا لغت النِّيَّة وَنظر إِلَى مُجَرّد اللَّفْظ وَهُوَ بعيد لِأَن مُوجب قَول الزَّوْج لِأَن لَا بينونة وَلَا عوض فَالْحكم عَلَيْهِ بالبنيونة لَهُ وَجه أما الحكم لَهُ بِالْعِوَضِ وَهُوَ لَا يَدعِيهِ فبعيد الرَّابِعَة توفقا على أَنه أَرَادَ الدَّرَاهِم فَقَالَت أردْت الدَّرَاهِم أَيْضا وحصلت الْفرْقَة وَقَالَ بل أردْت الْفُلُوس وَقَالَ وَلَا فرقة فَالْقَوْل قَوْلهَا فِي نِيَّتهَا فَإِذا حَلَفت حصلت الْفرْقَة وَعند القَاضِي لَهُ مهر الْمثل وَإِن كَانَ هُوَ مُنْكرا للفرقة وَهُوَ بعيد الْخَامِسَة أَن يَقُول أردْت الدَّرَاهِم وَمَا ادّعى عَلَيْهَا شَيْء وَقَالَت أردْت الْفُلُوس وَمَا ادَّعَت عَلَيْهِ شَيْء فالفرقة أَيْضا حَاصِلَة وَقَالَ القَاضِي يَتَحَالَفَانِ وَهَذَا لَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَدعِي عَلَيْهَا مَالا معينا فَكيف يحلف
النَّوْع الثَّانِي الِاخْتِلَاف فِي الْعِوَض
فَإِذا قَالَت سَأَلتك ثَلَاث طلقات بِأَلف فأجبتني فَقَالَ بل طَلْقَة بِأَلف فأجبتك فقد اتفقَا على الْألف وتنازعا فِي مُقَدرا المعوض فيتحالفان وَالرُّجُوع إِلَى مهر الْمثل فَأَما عدد الطَّلَاق فَلَا يعْتَبر فِيهِ إِلَّا قَوْله فَلَا نزيد على وَاحِدَة فَإِن قيل فَإِذا كَانَ القَوْل قَوْله فِي عدد الطَّلَاق وَالْألف مُتَّفق عَلَيْهِ فَأَي معنى للتحالف وَلَا فَائِدَة لَهُ إِلَّا إِبْدَال الْألف الْمُتَّفق عَلَيْهِ بِمهْر الْمثل قُلْنَا مُقْتَضى التَّحَالُف إبِْطَال الْعِوَضَيْنِ لَكِن الطَّلَاق لَا يقبل الْإِبْطَال فجرينا على قِيَاس التَّحَالُف فِي تطرق الْفَسْخ إِلَى مَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ خَاصَّة
النَّوْع الثَّالِث النزاع فِي الْمُسْتَحق عَلَيْهِ
فَإِذا ادّعى عَلَيْهَا الاختلاع فَقَالَت إِنَّمَا اختلعني أَجْنَبِي فَالْقَوْل قَوْلهَا فِي انكار الاختلاع وَلَا رُجُوع لَهُ على الْأَجْنَبِيّ لاعْتِرَافه بِأَنَّهُ لم يختلع أما إِذا قَالَت أضفت الاختلاع إِلَى أَجْنَبِي وَكنت سفيرة لَهُ فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ لاتِّفَاقهمَا على أصل الِالْتِزَام واختلافهما فِي صفة الْإِضَافَة وَالثَّانِي أَن القَوْل قَوْلهَا لِأَنَّهَا أنْكرت أصل الِالْتِزَام
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي معنى السّنة والبدعة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول فِي مواقع السّنة والبدعة
وَقد اتّفق الْعلمَاء على انقسام الطَّلَاق إِلَى سني وبدعي فالبدعي هُوَ الطَّلَاق الْمحرم إِيقَاعه وَإِن كَانَ نَافِذا والسني مَا لَا تَحْرِيم فِيهِ والبدعي هُوَ الطَّلَاق الْوَاقِع بعد الْمَسِيس فِي الْحيض دون سؤالها وَالْوَاقِع فِي طهر جَامعهَا فِيهِ وَلم يتَبَيَّن حملهَا فهذان أصلان أما الأول وَهُوَ الْحيض فَيحرم فِي الطَّلَاق بعد الْمَسِيس وَلَا بِدعَة فِي طَلَاق غير الممسوسة أصلا وَأما الممسوسة فَيحرم طَلاقهَا فِي الْحيض بِغَيْر سؤالها لما رُوِيَ أَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا طلق امْرَأَة فِي الْحيض فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لعمر رَضِي الله عَنهُ مره فَلْيُرَاجِعهَا حَتَّى تطهر ثمَّ تحيض ثمَّ تطهر ثمَّ إِن شَاءَ طَلقهَا وَإِن شَاءَ أمْسكهَا فَتلك الْعدة
الَّتِي أَمر الله تَعَالَى أَن تطلق لَهَا النِّسَاء وَأَرَادَ بِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أَي لقبل عدتهن حَتَّى يشرعن عقيب الطَّلَاق فِي الْعدة المحسوبة فَإِن بقيت الْحيض لَا تحسب فتطول الْعدة ثمَّ أَمر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم زَوْجَة ثَابت بالافتداء وَلم يستفصل أَهِي حَائِض أم لَا فَدلَّ على أَن الْخلْع مُسْتَثْنى وَلَا تَحْرِيم فِيهِ فَمنهمْ من فهم ذَلِك لكَونهَا راضية فَكَأَنَّهُ جوز تَطْوِيل الْعدة بِرِضَاهَا وَقَالَ لَا حُرْمَة فِي الطَّلَاق بسؤالها وَإِن لم يكن بِمَال وَيحرم اختلاع الْأَجْنَبِيّ لعدم رِضَاهَا وَمِنْهُم من جعل ذَلِك من خاصبة الِابْتِدَاء لِأَنَّهُ لَا يبْذل إِلَّا لضَرُورَة فجوز اختلاع الْأَجْنَبِيّ وَحرم الطَّلَاق وَإِن كَانَ بسؤالها وَيشْهد بذلك جَوَاز الطَّلَاق للمؤلي إِذا طُولِبَ بِهِ لِأَن ذَلِك
وَاجِب بِنَوْع ضَرُورَة فاتفقوا على جَوَاز الْخلْع وَطَلَاق المؤلي وترددوا فِي اختلاع الْأَجْنَبِيّ وَالطَّلَاق بِرِضَاهَا وَأما قَوْله إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق فَلَا بِدعَة فِيهِ وَإِن جرى فِي الْحيض لَكِن ينظر إِن اتّفق الدُّخُول فِي الْحيض نفذ الطَّلَاق بدعيا وَفَائِدَته أَنه يُؤمر بالرجعة على سَبِيل الِاسْتِحْبَاب وَإِذا رَجَعَ فَهَل يجوز أَن يطلقهَا فِي الطُّهْر الأول بعده فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم إِذْ لَا معنى للْمَنْع فِي الطُّهْر وَقد ورد فِي بعض الرِّوَايَات مرّة فَلْيُرَاجِعهَا حَتَّى تطهر وَالثَّانِي أَنه يصبر على الطُّهْر الثَّانِي لِأَن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى أَن تكون الرّجْعَة لأجل الطَّلَاق وَذَلِكَ لَا يَلِيق بمحاسن الشَّرْع وَيشْهد لذالك حَدِيث ابْن عمر وعَلى هَذَا ترددوا فِي أَنه هَل يسْتَحبّ أَن يُجَامِعهَا حَتَّى يظْهر مَقْصُود الرّجْعَة أما إِذا طَلقهَا طَلَاقا غير بدعي ثمَّ رَاجعهَا فَلهُ أَن يطلقهَا فِي الْحَال إِذْ لَا بِدعَة حَتَّى تستدرك وَأما الْجمع بَين الثَّلَاث فَلَا بِدعَة فِيهِ خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله نعم الأولى أَن
يفرق كَيْلا يلْحقهُ نَدم فرع إِذْ قَالَ أَنْت طَالِق مَعَ آخر جُزْء من الْحيض فَهَذَا طَلَاق يُصَادف الْحيض وَلَكِن يستعقب الْعدة فَمنهمْ من نظر إِلَى الْمَعْنى وَقَالَ هُوَ سني وَمِنْهُم من نظر إِلَى المظنة وَهُوَ الْحيض فَقَالَ هُوَ بدعي وَكَذَا الْخلاف فِيمَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق مَعَ آخر جُزْء من الطُّهْر وَلَعَلَّ النّظر إِلَى المظنة أولى الأَصْل الثَّانِي فِي بِدعَة الطَّلَاق فِي طهر جَامعهَا فِيهِ وَهُوَ بِدعَة إِلَّا إِن يكون عَالما بِكَوْنِهَا حَامِلا فَيحل الطَّلَاق لِأَن الْمَحْذُور لُحُوق النَّدَم بِسَبَب الْجَهْل بِالْوَلَدِ واستدخالها مَاء الزَّوْج فِي معنى الْوَطْء لِأَنَّهُ يتَوَقَّع مِنْهُ الْوَلَد والإتيان فِي غير المأتى فِيهِ تردد فَإِنَّهُ وَإِن لم يتَوَقَّع مِنْهُ الْوَلَد فالعدة تجب بِهِ وترددوا فِيمَا لَو وَطئهَا فِي الْحيض ثمَّ طهرت أَنه هَل يحرم طَلاقهَا لِأَن بَقِيَّة الْحيض قد تدل على عدم الْوَلَد دلَالَة دون دلَالَة ابْتِدَاء الْحيض وَالظَّاهِر أَنه لَا بِدعَة فِي خلاعها أَيْضا كَمَا فِي حَالَة الْحيض وَمِنْهُم من قَالَ السَّبَب
هَاهُنَا حذار الْوَلَد ورضاها لَا يُؤثر والمحذور ثمَّ طول الْعدة فَلَا يبعد أَن يُؤثر رِضَاهَا فِي حَقّهَا وَقد خرج من هَذَا أَن خمْسا من النسْوَة لَا بِدعَة فِي طلاقهن وَلَا سنة غير الممسوسة وَالْحَامِل بِيَقِين والآيسة وَالصَّغِيرَة إِذْ لاحيض لَهما وَلَا ولد والمختلعة
الْفَصْل الثَّانِي فِي إِضَافَة الطَّلَاق إِلَى السّنة والبدعة تنجيزا وتعليقا
وَفِيه مسَائِل الأولى إِذا قَالَ للحائض أَنْت طَالِق للبدعة وَقع فِي الْحَال وَإِذا قَالَ للسّنة من يَقع حَتَّى تطهر وَكَذَا إِن قَالَ للَّتِي طهرت قبل الْجِمَاع أَنْت طَالِق للسّنة وَقع الطَّلَاق فِي الْحَال وَإِن قَالَ للبدعة لم تطلق حَتَّى تجامع أَو تحيض وَالْمَقْصُود أَن اللَّام للتأقيت فِيمَا يشبه الْأَوْقَات كالسنة والبدعة فَهُوَ كَقَوْلِه أَنْت طَالِق لرمضان فَإِن تأقيت برمضان وَأما لَا يشبه الْأَوْقَات فَاللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل كَقَوْلِه أَنْت طَالِق لرضي فلَان فَإِنَّهُ يَقع فِي الْحَال رَضِي فلَان أَو سخط وَقَوله أَنْت طَالِق لدُخُول الدَّار فَهُوَ تَعْلِيق يَقع فِي الْحَال بِخِلَاف قَوْله لقدوم زيد فَإِنَّهُ تأقيت بالقدوم لِأَن الْقدوم مِمَّا ينْتَظر كالحيض وَالطُّهْر وَإِنَّمَا صَرِيح لفظ التَّعْلِيق إِن وَإِذا وَأما اللَّام فَهُوَ للتَّعْلِيل ظَاهرا إِلَّا فِيمَا يشبه الْأَوْقَات وَحَيْثُ حملنَا على التَّعْلِيل فَلَو قَالَ أردْت التَّأْقِيت فيدين فِي الْبَاطِن وَهل يقبل ظَاهرا فِي وَجْهَان وَهَذَا فِيمَا إِذا خَاطب متعرضة للسّنة والبدعة فَإِن خَاطب صَغِيرَة أَو آيسة أَو غير مَدْخُول بهَا فَهُوَ للتَّعْلِيل حَتَّى يَقع الطَّلَاق فِي الْحَال سَوَاء قَالَ أَنْت طَالِق للسّنة أَو للبدعة وَفِيه وَجه إِنَّه لَو قَالَ للسّنة وَقع فِي الْحَال فَإِن مَعْنَاهُ طَلَاق لَا تَحْرِيم فِيهِ وَلَو قَالَ للبدعة لم يَقع حَتَّى تحيض الصَّغِيرَة وَحَتَّى يدْخل بِغَيْر الْمَدْخُول بهَا
أما إِذا قَالَ لمتعرضة للحالتين إِذا قدم زيد فَأَنت طَالِق للسّنة فَإِن قدم وَهِي حَائِض لم يَقع حَتَّى تطهر وَإِن قَالَ للبدعة وَقدم وَهِي فِي طهر لم يُجَامع فِيهِ لم تطلق حَتَّى تحيض أَو يُجَامع وَإِن علق بِمُجَرَّد الْقدوم فَقدم وَهِي حَائِض نفذ طَلَاقا بدعيا وَإِن لم تكن فِي حَالَة التَّعْلِيق من أهل السّنة والبدعة نظر إِلَى حَالَة الْوُقُوع لَا إِلَى التَّعْلِيق فرع لَو قَالَ فِي طهر لم يُجَامِعهَا فِيهِ أَنْت طَالِق للبدعة فَإِذا جَامع وَقع الطَّلَاق كَمَا غَابَتْ الْحَشَفَة وَهل يلْزمه بدوام الْوَطْء إِن لم ينْزع فِي الْحَال مهر آخر من حَيْثُ يجب الْمهْر بابتداء وَطْء الرَّجْعِيَّة فِيهِ قَولَانِ مأخذهما أَن دوَام الْوَطْء هَل هُوَ كابتدائه وَالْأَظْهَر أَنه لَا يجب لِأَن مهر النِّكَاح تنَاول أول هَذَا الْوَطْء فَلَا يبعض حكمه وَإِن تغير الْحل فِي أَثْنَائِهِ الثَّانِيَة إِن قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا بَعضهنَّ للسّنة وبعضهن للبدعة فَإِن قَالَ أردْت إِيقَاع طَلْقَة وَنصف فِي الْحَال قبل وكملت طَلْقَتَانِ وَإِن قَالَ أردْت وُقُوع ثِنْتَيْنِ فِي الْحَال قبل وَلَو قَالَ أردْت إِيقَاع ثَلَاثَة أَنْصَاف فِي الْحَال وَقع الثَّلَاث فِي الْحَال وَإِن قَالَ لم يكن لي نِيَّة حمل على التشطير وَوَقع فِي الْحَال طَلْقَة وَنصف وَلَكِن تكمل طَلْقَتَانِ وَهُوَ كَمَا لَو قَالَ هَذِه الدَّار بَعْضهَا لزيد وَبَعضهَا لعَمْرو حمل مطلقه على التشطير لِأَن الْأَكْثَر لَا يُسمى بَعْضًا فِي الظَّاهِر فَلَو قَالَ أردْت وَاحِدَة فِي الْحَال وثنتين فِي الْمُسْتَقْبل فَالظَّاهِر أَنه يقبل وَفِيه وَجه أَنه لَا يقبل لِأَن تَسْمِيَة الثِّنْتَيْنِ من الثَّلَاث بَعْضًا بعيد وَقَالَ الْمُزنِيّ قِيَاس قَول الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَن لَا يَقع فِي الْحَال لَا طَلْقَة إِذا لم ينْو
شَيْئا لِأَن الْبَعْض مُجمل فَيَنْبَغِي أَن ينزل على الْأَقَل إِذْ يحْتَمل الْوَاحِد وَيحْتَمل وَاحِدًا وَنصفا وليجعل هَذَا تخريجا مِنْهُ على مَذْهَب الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ الثَّالِثَة إِذا قَالَ أَنْت طَالِق أحسن الطَّلَاق أَو أفضله أَو أجمله أَو غير ذَلِك من صِفَات الْمَدْح فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق للسّنة فَلَو كَانَت فِي حَال الْبِدْعَة لم يَقع فِي الْحَال وَإِن كَانَت فِي حَال سنة وَقع فِي الْحَال وَلَو كَانَت فِي حَال بِدعَة فَقَالَ أردْت بِأَحْسَن الطَّلَاق أعجله وَقع فِي الْحَال لِأَنَّهُ إِظْهَار احْتِمَال فِي جَانب الْوُقُوع وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق أقبح الطَّلَاق وأسمجه فَهُوَ كَقَوْلِه أَنْت طَالِق للبدعة وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق طَلْقَة حَسَنَة قبيحة أَو بدعية سنية وَقع فِيهِ الْحَال سَوَاء كَانَت متعرضة للحالتين أَو لم تكن لِأَنَّهُ وصف متناقض فَيلْغُو وَيبقى قَوْله أَنْت طَالِق وَهُوَ كَقَوْلِه أَنْت طَالِق طَلَاقا لَا يَقع إِنَّه يَقع فِي الْحَال وَلَا نبالي بهذيانه الرَّابِعَة إِذا قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا فِي كل قرء طَلْقَة فلهَا أَحْوَال خمس إِحْدَاهَا أَن لَا تكون مَدْخُولا بهَا فَإِن كَانَت فِي الْحيض لم يَقع شَيْء لِأَن الْقُرْء عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ طهر محتوش بحيضتين فَإِذا طهرت أَو كَانَت فِي الطُّهْر وَقعت وَاحِدَة وَبَانَتْ وَلَا تلحقها الْأُخْرَى فَإِن طهرت طهرين ثمَّ جدد نِكَاحهَا فقد انحل الْيَمين فَلَا يعود وُقُوع الطَّلَاق وَإِن رَأينَا عود الْحِنْث لِأَنَّهُ مُعَلّق على الإقراء وَقد انْقَضتْ وَإِن جدد نِكَاحهَا قبل الِانْقِضَاء ابتنى على عود العنث