الوسيط في المذهبصفحات 27-68
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين

صفحات 27-68

التَّصَرُّف الثَّانِي فِي رقابهم بالاسترقاق

وَهُوَ جَائِز كالإغتنام وَلَكِن النّظر فِي العلائق الْمَانِعَة وَهِي النِّكَاح وَالْوَلَاء وَالدّين أما النِّكَاح فمنكوحة الْحَرْبِيّ تسْتَرق وَيَنْقَطِع نِكَاحه سَوَاء سبيت مَعَه أَو مُفْردَة بل لَو سبي الزَّوْج انْقَطع عندنَا نِكَاحه خلافًا لأبي حنيفَة رَحمَه الله وَكَذَلِكَ الحربية إِذا كَانَت مَنْكُوحَة ذمِّي فَإِن كَانَت مَنْكُوحَة مُسلم فَفِي جَوَاز الإسترقاق وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَن نِكَاح الْمُسلم كالأمان لَهَا فترعى حُرْمَة إِسْلَامه

وَالثَّانِي نعم لِأَن النِّكَاح مؤبد وَلَا عهد لنا بِأَمَان مؤبد وعَلى هَذَا يَنْقَطِع نِكَاح الْمُسلم حَتَّى لَا تبقى أمة كِتَابِيَّة فِي نِكَاح مُسلم فَإِن ذَلِك يمْتَنع ابْتِدَاء لَا كدار حَرْبِيّ اسْتَأْجرهَا مُسلم فَإِنَّهُ تملك بالإغتنام وَلَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة إِذْ لَا عسر فِيهِ وَذكر فِيهِ وَجه غَرِيب أَن النِّكَاح لَا يَنْقَطِع وَأَن ذَلِك يحْتَمل فِي الدَّوَام وَهَذَا إِن أُرِيد بِهِ أَن يتَوَقَّف إِلَى إسْلَامهَا قبل انْقِضَاء الْعدة فَلهُ وَجه مَا وَإِلَّا فَلَا وَجه لَهُ أما إِذا سبينَا زَوْجَيْنِ رقيقين مُسلمين أَو كَافِرين الْأَهْل الْحَرْب فَفِي انْقِطَاع نِكَاحهمَا وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَن هَذَا كالشراء فَإِنَّهُ تبدل ملك لَا ابْتِدَاء رق وَالثَّانِي أَنه يَنْقَطِع لَان ملك السَّبي مُبْتَدأ غير مَبْنِيّ على ملك الْكَافِر أما علقَة الْوَلَاء فَإِن ثبتَتْ لمُسلم بِأَن أعتق عبدا كَافِرًا فالتحق بدار الْحَرْب فَالْمَذْهَب أَنه لَا يسترق لعلقة وَلَاء الْمُسلم فَإِنَّهُ لَا يقبل الْفَسْخ بِخِلَاف نِكَاح الْمُسلم إِذْ فِيهِ وَجْهَان أما زَوْجَة الذِّمِّيّ فتسبى وَفِي مُعْتقه وَجْهَان وَفِي مُعتق الْمُسلم أَيْضا وَجه غَرِيب أَنه يسبى أما علقَة الدّين فالمسبي إِذا كَانَ عَلَيْهِ دين لمُسلم أَو لذِمِّيّ فيسترق وَيبقى الدّين فِي ذمَّته يتبع بِهِ إِذا عتق إِن لم يبْق لَهُ مَال فَإِن كَانَ لَهُ مَال لَكِن اغتنم قبل إرقاقه فَكَأَنَّهُ لَا مَال لَهُ وَإِن اغتنم بعد إرقاقه فَإِنَّهُ يُؤَدِّي الدّين مِنْهُ وَينزل الرّقّ منزلَة الْحجر بالفلس وَيتَعَلَّق بِهِ حق الْغُرَمَاء وَلذَلِك ينقدح الْمصير إِلَى حُلُول الدّين برقه على أحد الْوَجْهَيْنِ كَمَا فِي الْفلس بل الرّقّ بِالْمَوْتِ أشبه من الْفلس

وَإِن سبي مَعَه مَاله فَلَا يقْضِي الدّين من المَال لِأَنَّهُ يتَمَلَّك مَاله بِمُجَرَّد السَّبي وَلَا يرق إِلَّا بِصَرْف الرّقّ بعده أما الْمَرْأَة إِذا كَانَ عَلَيْهَا دين فسبيت مَعَ مَالهَا قدم حق الْغَانِمين لِأَن سَبَب الْملك أقوى من سَبَب تعلق الدّين بِالْمَالِ وَيحْتَمل أَن يقدم الدّين وَيُشبه بِملك الْوَارِث إِذْ يقدم حق الدّين عَلَيْهِ وَإِن كَانَ حُلُول الدّين والوراثة يحصل مَعًا بِالْمَوْتِ هَذَا إِذا اسْترق من عَلَيْهِ الدّين أما إِذا اسْترق من لَهُ الدّين فَلَا تَبرأ ذمَّة من عَلَيْهِ الدّين بل هُوَ كودائع الْحَرْبِيّ المسبي وَسَيَأْتِي أما إِذا مَا اسْتقْرض حَرْبِيّ من حَرْبِيّ شَيْئا أَو الْتزم دينا بمعاملة ثمَّ أسلما أَو قبلا الْجِزْيَة أَو الْأمان فالإستحقاق مُسْتَمر وَكَذَلِكَ يبْقى مهر الزَّوْجَة إِذا أسلما إِن لم يكن الْمهْر خمرًا أَو خنزيرا وَلَو سبق الْمُسْتَقْرض إِلَى الْإِسْلَام أَو الذِّمَّة فالنص أَن اللُّزُوم قَائِم وَنَصّ على أَن الْحَرْبِيّ إِذا مَاتَت زَوجته فَدخل دَارنَا فجَاء ورثتها يطْلبُونَ مهرهَا فَلَيْسَ لَهُم ذَلِك فَقيل قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج وَوجه السُّقُوط بعد طلب الْحَرْبِيّ المَال من مُسلم أَو ذمِّي فِي دَارنَا وَهَذَا ضَعِيف إِذْ قطعُوا بِأَن رق من عَلَيْهِ الدّين لَا يسْقط دين الْحَرْبِيّ وَهُوَ أَمَان وأنهما إِن أسلما على التَّعَاقُب اسْتمرّ الطّلب وَلَو بَرِئت الذِّمَّة بِإِسْلَام من عَلَيْهِ الدّين لما عَاد الطّلب فَلَعَلَّ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَرَادَ مَا إِذا كَانَ الدّين خمرًا أَو خنزيرا أما إِذا كَانَ قد أتلف الْحَرْبِيّ على حَرْبِيّ مَالا أَو قهره وَأخذ مَاله فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ إِذا أسلم أَو قبل الْجِزْيَة وَإِنَّمَا اللُّزُوم بِحكم التَّرَاضِي وَإِتْلَاف مَال الْحَرْبِيّ لَا يزِيد على إِتْلَاف مَال الْمُسلم وَلَا ضَمَان لَهُ بعد الْإِسْلَام وَفِيه وَجه أَنه يبْقى الضَّمَان لِأَن ذَلِك مُلْتَزم فِيمَا بَينهم

بشرعهم كَمَا فِي معاملتهم بِخِلَاف مَال الْمُسلم فرع إِذا سبى الوالدة وَوَلدهَا الصَّغِير فَلَا يفرق بَينهمَا فِي الْقِسْمَة وَالْبيع لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تولة وَالِدَة بِوَلَدِهَا وَالْجدّة عِنْد عدم الْأُم فِي مَعْنَاهَا وَلَو بيع مَعَ الْجدّة عِنْد وجود الْأُم فَهَل يسْقط التَّحْرِيم بِهِ فِيهِ قَولَانِ وَلَا خلاف أَنه يُبَاع مَعَ الْأُم دون الْجدّة وَالْأَب هَل يلْحق بِالْأُمِّ فِي تَحْرِيم التَّفْرِيق فِيهِ قَولَانِ فَإِن ألحقناه فَهَل يعدى إِلَى سَائِر الْمَحَارِم قَولَانِ وَأما حكم صِحَة البيع وتفاريعه فذكرناه فِي كتاب البيع

التَّصَرُّف الثَّالِث فِي أَمْوَالهم بالإهلاك

وكل مَا يُمكن اغتنامه لَا يجوز إهلاكه وَيجوز إحراق أَشْجَارهم إِذا رأى الإِمَام ذَلِك نكاية فيهم فَإِن توقعنا على الْقرب أَن تصير للْمُسلمين لم يجز والمتبع فِيهِ الْمصلحَة وَالْمَقْصُود أَن لَا حُرْمَة للأشجار بِخِلَاف الْبَهَائِم فَإِنَّهُ لَا يجوز قَتلهَا غيظا لَهُم إِلَّا قتل فرس الْمقَاتل وَهُوَ عَلَيْهِ وتتلف كتبهمْ الْمُشْتَملَة على الْكفْر وَمَا لَا يجوز الإنتفاع بِهِ وَفِي جَوَاز استصحابه ليستعان بِهِ على معرفَة تفصايل مذاهبهم تردد وَأما كلب الصَّيْد فِي الْغَنِيمَة فَلَا يدْخل فِي الْقِسْمَة إِذْ لَا ملك فِيهِ لَكِن يخصص الإِمَام بِهِ من أَرَادَ

التَّصَرُّف الرَّابِع فِي أَمْوَالهم بالإغتنام

وَالْغنيمَة كل مَا أَخذه الفئة المجاهدة من أَعدَاء الله تَعَالَى على سَبِيل الْقَهْر وَالْغَلَبَة وأموال دَار الْحَرْب خَمْسَة أَقسَام أَحدهَا مَا ذَكرْنَاهُ وَالثَّانِي مَا ينجلي عَنهُ الْكفَّار بِالرُّعْبِ من غير قتال وَهُوَ فَيْء وَفِي مَعْنَاهُ كل مَال وصل إِلَى الْمُسلمين مِنْهُم بِغَيْر قتال وَالثَّالِث مَا يستبد بِهِ آحَاد الْمُسلمين بِسَرِقَة واختلاس فَهُوَ لَهُم وَلَا يُخَمّس شَيْء مِنْهُ وَالرَّابِع صيد دَار الْحَرْب وحشيشه فَهُوَ كمباح فِي دَار الْإِسْلَام وَالْخَامِس اللّقطَة وَهِي لآخذها إِن لم يتَوَهَّم كَونهَا لمُسلم فَإِن توهم فَلَا بُد من التَّعْرِيف ثمَّ الْغَنِيمَة لَهَا أَحْكَام الأول جَوَاز التبسط فِي الْأَطْعِمَة مَا داموا فِي دَار الْحَرْب وَذَلِكَ رخصَة ثبتَتْ شرعا فِي الْأَطْعِمَة خَاصَّة قَالَ ابْن أبي أوفى كُنَّا نَأْخُذ من طَعَام الْمغنم مَا نشَاء

وَالنَّظَر فِي جنس الْمَأْخُوذ وَقدره وَمحله وَوجه التَّصَرُّف أما الْجِنْس فَهُوَ كل قوت أَو مَا يكمل بِهِ الْقُوت كَاللَّحْمِ وَمِنْه التِّبْن وَالشعِير للدواب أما السكر والفانيذ والعقاقير فَلَا لِأَن الْحَاجة إِلَيْهَا نادرة كالثياب وَأما الْفَوَاكِه الرّطبَة فَفِيهَا وَجْهَان وَكَذَلِكَ الشَّحْم إِذا اخذ لتوقيح الدَّوَابّ فَإِنَّهُ أَخذ لَا لتطعم لَكِن الْحَاجة إِلَى التوقيح تكْثر وَأما الْحَيَوَانَات فَلَا يتبسط فِيهَا إِلَّا الْغنم فتذبح إِن تعذر سوقه وَإِذا ذبح فَهُوَ طَعَام وَقد ألحقهُ الشَّرْع فِي اللّقطَة بِالطَّعَامِ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ يذبح الْغنم وَإِن تيَسّر السُّوق وَلَكِن هَل يغرم من ذَبحهَا وَأكل مِنْهَا فِيهِ وَجْهَان أما جُلُود الأغنام فمردودة إِلَى الْمغنم إِلَّا مَا يُؤْكَل على الرُّءُوس أما الْقدر المأخذ فَهُوَ بِقدر الْحَاجة وَلَا يشْتَرط أَن يَأْخُذهُ من لَا طَعَام مَعَه إِذْ وَردت

الرُّخْصَة من غير تَفْصِيل لَكِن لَهُ سد حَاجته بِطَعَام الْمغنم وَلَو قدمه إِلَى من لَا يشْتَرك فِي الْمغنم كَانَ كتقديم الطَّعَام الْمَغْصُوب إِلَى أَجْنَبِي وَلَو أَخذ مَا ظن أَنه قدر حَاجته فَدخل دَار الْإِسْلَام وَبَقِي مِنْهُ مَاله قيمَة رد على الْمغنم وَإِن كَانَ نزرا فَقَوْلَانِ وَقد أطلق الْأَصْحَاب الْقَوْلَيْنِ من غير تَفْصِيل بَين الْقَلِيل وَالْكثير وَلَو لحق مدد قبل دُخُول دَار الْإِسْلَام وَبعد الإغتنام فَفِي جَوَاز التبسط لَهُم وَجْهَان أما مَحل التبسط فَمَا داموا فِي دَار الْحَرْب إِذْ لَا يظفر فِيهَا بالأسواق غَالِبا فَإِن وجد سوق فِي دَار الْحَرْب أَو دخلُوا أَطْرَاف دَار الْإِسْلَام وَلم يَجدوا سوقا فَوَجْهَانِ ينظر فِي أَحدهمَا إِلَى الْحَاجة وَفِي الثَّانِي إِلَى ضبط مَظَنَّة الْحَاجة بِالدَّار فَإِن ذَلِك لَا يَنْضَبِط وَدَار الْحَرْب عندنَا فِي الْأَحْكَام كدار الْإِسْلَام وَإِنَّمَا هَذَا لأجل الْحَاجة أما جنس التَّصَرُّف فَهُوَ كَالْأَكْلِ وعلف الدَّوَابّ فَقَط فِي حق الْغَانِمين وَإِن أضَاف أَجْنَبِيّا كَانَ كتقديم الْمَغْصُوب إِلَى الضَّيْف فِي وجوب الضَّمَان وقراره فَإِن أتلف الطَّعَام ضمن

إِذْ لَا حَاجَة إِلَيْهِ فليتلفه على وَجه الرُّخْصَة

فرع

لَو أَخذ طَعَاما ثمَّ أقْرضهُ وَاحِدًا من الْغَانِمين فَالصَّحِيح أَنه كمناولة الضيفان بَعضهم بَعْضًا وَكَأن الْمُسْتَقْرض هُوَ الْآخِذ فَلَا يُطَالب برده وَفِيه وَجه أَنه قد اخْتصَّ بِهِ أَولا فَيصح هَذَا الْقَرْض حَتَّى يُطَالِبهُ بِمثلِهِ من طَعَام الْمغنم مَا داموا فِي دَار الْحَرْب فَإِن لم يجد من طَعَام الْمغنم شَيْئا فَلَا طلبة إِذْ مُجَرّد الْيَد لَا تقَابل بِالْملكِ كنحو الْيَد فِي الْكَلْب وَلَو بَاعَ صَاعا بِصَاع من طَعَام الْمغنم فَلَا حكم لَهُ بل هُوَ كالإقراض حَتَّى لَو بَاعَ بصاعين لم يُطَالب إِلَّا بِصَاع وَاحِد إِن صححنا الْقَرْض

الحكم الثَّانِي للغنيمة سُقُوط الْحق بِالْإِعْرَاضِ وَمن أعرض عَن الْغَنِيمَة يعد إعراضه لِأَن مَقْصُود الْجِهَاد إعلاء كلمة الله تَعَالَى فَيقدر المعرض كَأَنَّهُ لم يكن وَنَشَأ من هَذَا الْخلاف فِي الْغَنِيمَة مَتى تملك وَفِيه ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنَّهَا تملك بِالْقِسْمَةِ بِدَلِيل جَوَاز الْإِعْرَاض واثاني أَنَّهَا بالإستيلاء تصير ملكا للغانمين لَكِن على ضعف كالملك فِي مُدَّة الْخِيَار بِدَلِيل أَن من مَاتَ من الْغَانِمين قَامَ وَارثه مقَامه الثَّالِث أَنه مَوْقُوف فَإِنَّهُ أعرض بَان أَنه جرد قَصده نَحْو إعلاء كلمة الله تَعَالَى فَلم يملك وَإِن قسم بَان أَنه ملك أَولا وعَلى هَذَا ترددوا فِي أَن من قَالَ اخْتَرْت الْقِسْمَة ثمَّ أعرض بعده فَهَل ينفذ إعراضه فَمنهمْ من قَالَ الْإِعْرَاض جَائِز بعد ذَلِك مَا لم تقسم وَالصَّحِيح أَنه يَصح الْإِعْرَاض بعد إِفْرَاز الْخمس إِذا لم تقسم بَين الْغَانِمين وَقَالَ ابْن سُرَيج لَا يَصح وَالنَّظَر الْآن فِي المعرض والمعرض عَنهُ أما المعرض فَلَو أعرض جَمِيع الْغَانِمين فَفِيهِ وَجْهَان

أَحدهمَا أَنه لَا ينفذ إِذْ لَا يبقي مصرف وَالثَّانِي أَنه يَصح وَيرجع إِلَى مصرف الْخمس وَلَو أعرض جَمِيع ذَوي الْقُرْبَى عَن حَقهم فَفِي صِحَّته وَجْهَان وَوجه الْمَنْع أَنهم لم يستحقوا بِالْجِهَادِ حَتَّى يُقَال لم يقْصد الْغَنِيمَة بل بِالْقَرَابَةِ والغانم الْمُفلس إِذا أحاطت بِهِ الدُّيُون نفذ إعراضه وَلَا ينفذ إعارض السَّفِيه وَلَا إِعْرَاض الصَّبِي عَن الرضخ إِلَّا أَن يبلغ قبل الْقِسْمَة وَلَا يَصح إِعْرَاض وليه عَن حَقه وَلَا يَصح إِعْرَاض العَبْد عَن رضخه وَلَكِن يَصح إِعْرَاض سَيّده وَأما المعرض عَنهُ فَهُوَ الْغَنِيمَة والرضخ وَحقّ ذَوي الْقُرْبَى وَالسَّلب وَقد ذكرنَا جَمِيع ذَلِك إِلَّا السَّلب وَفِيه وَجْهَان لِأَن السالب مُتَعَيّن فَأشبه الْوَارِث ومرتب على أَقْوَال الْملك مسَائِل

الأولى أَنه لَو سرق وَاحِد شَيْئا من مَال الْمغنم فَهُوَ كالمشترك فَحَيْثُ وَجب الْقطع فِي الْمُشْتَرك فهاهنا وَجْهَان إِذْ كل وَاحِد يُمكن أَن يسْتَحق بإعراض الآخر الثَّانِيَة لَو وَقع فِي الْمغنم من يعْتق على بعض الْغَانِمين فالنص أَنه لَا تعْتق حِصَّته مَا لم يَقع فِي قسمته وَلَا يمْنَع ذَلِك عَن الْإِعْرَاض إِن أَرَادَ وَنَصّ على أَنه لَو استولد جَارِيَة ثَبت الإستيلاد لشركته لِأَن الإستيلاد اخْتِيَار مِنْهُ للتَّمْلِيك فَثَبت بِهِ ملكه فِي قدر حِصَّته من الْجَارِيَة وَأما الْقَرِيب فَلم يُوجد مِنْهُ اخْتِيَار نعم لَو اخْتَار الْعتْق حِينَئِذٍ نفذ وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج ومأخذ الْقَوْلَيْنِ أصل التَّرَدُّد فِي ثُبُوت الْملك وانتفائه الثَّالِثَة لَو وطىء جَارِيَة من الْمغنم وَلم تحبل فَلَا حد على الصَّحِيح وَالْمهْر يبتنى على أَقْوَال الْملك فَإِن قُلْنَا لم يملك لَكِن ملك إِن تملك فَعَلَيهِ كَمَال الْمهْر وَيُوضَع فِي الْمغنم وَإِن قُلْنَا ملك فيحط عَنهُ قدر حِصَّته وَيجب الْبَاقِي وَإِن قُلْنَا إِنَّه مَوْقُوف فَإِن وَقع فِي حِصَّته فَلَا شَيْء وَإِن وَقع فِي حِصَّة غَيره فَعَلَيهِ جَمِيع الْمهْر فَإِن كثر الْجند وَلم يُمكن ضبط حِصَّته أَخذنَا المستيقن وحططنا المستيقن ويتوقف فِي قدر الْإِشْكَال أما إِذا أحبل فَحكم الْمهْر وَالْحَد مَا سبق ويتجدد النّظر فِي الإستيلاد وحرية الْوَلَد وَقِيمَته

أما الإستيلاد إِن قُلْنَا لَا يملك فَلَا ينفذ فِي الْحَال وَلَكِن لَو وَقعت فِي حِصَّته فَهَل ينفذ قَولَانِ يجريان فِي كل ملك طارىء فَإِن قُلْنَا يملك فَفِي نُفُوذ الإستيلاد فِي حِصَّته وَجْهَان كَمَا فِي زمَان الْخِيَار وَمِنْهُم من عكس وَقَالَ إِن قُلْنَا ملك نفذ فِي حِصَّته وَإِن قُلْنَا لَا فَقَوْلَانِ كاستيلاد الْأَب جَارِيَة الابْن وَأولى بالنفوذ لِأَن لَهُ حَقًا فِي الْجَارِيَة بِخِلَاف الْأَب فَإِن نفذنا فِي نصِيبه سرى إِن كَانَ مُوسِرًا ونجعله مُوسِرًا بِمَا يَخُصُّهُ من الْغَنِيمَة وَلَكِن لَو أعرض نفذ إعراضه ونجعله مُعسرا وَلَا نمنعه من الْإِعْرَاض لتنفيذ عتقه أما الْوَلَد فَينْعَقد حرا نسيبا للشُّبْهَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله هُوَ رَقِيق وَلَا نسب لَهُ وَفِي وجوب قيمَة الْوَلَد قَولَانِ كالقولين فِي الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة مأخذهما أَن الْملك ينْتَقل قبيل الْعلُوق أَو بعده ثمَّ مِقْدَار حِصَّته من قيمَة الْوَلَد تتعرف كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْمهْر وَيسْقط عَنهُ وَإِن بَعْضنَا الْعتْق

فِي صُورَة الْمُعسر فَالْوَلَد هَل يعْتق جَمِيعه لأجل الشُّبْهَة فِيهِ وَجْهَان جاريان فِي استيلاد الشَّرِيك الْمُعسر وَكَذَلِكَ من وطىء امْرَأَة نصفهَا حر وَنِصْفهَا رَقِيق وَالْأَظْهَر أَن يَتَبَعَّض الْوَلَد هَاهُنَا كالأم لَا كالشبهة الَّتِي لَا تخْتَص بِبَعْض الْمَرْأَة وَهل يجوز للْإِمَام أَن يرق بعض شخص ابْتِدَاء فِيهِ وَجْهَان وَالْقِيَاس جَوَازه أما إِذا فرعنا على الإستيلاد لَا يحصل لضعف الْملك وَعَدَمه فَالْوَلَد حر بِسَبَب الشُّبْهَة وَيعتق جَمِيع الْوَلَد لاسترسال الشُّبْهَة وَهَذَا يُشِير إِلَى أَن الشّركَة أولى بِأَن تورث شُهْبَة وَإِنَّمَا يتَّجه بعض رق الْوَلَد فِي امْرَأَة نصفهَا حر وَنِصْفهَا رَقِيق ثمَّ إِذا لم ينفذ الإستيلاد وَعتق الْوَلَد فَهَذِهِ حَامِل بَحر فَالْأَصَحّ منع بيعهَا وَلَا يُمكن إدخالها فِي الْقِسْمَة إِن جعلنَا الْقِسْمَة بيعا فبالحري أَن يُطَالب الواطىء بِالْقيمَةِ للْحَيْلُولَة ثمَّ تقوم على الواطىء حَتَّى تتَعَيَّن لحصته من غير قسْمَة أما إِذا كَانَ الواطىء من غير الْغَانِمين فَهُوَ زَان يحد إِلَّا أَن يكون لَهُ ابْن فِي الْغَانِمين أَو وطىء قبل إِفْرَاز الْخمس وَقُلْنَا إِن الزَّانِي بِجَارِيَة بَيت المَال لَا حد عَلَيْهِ

الحكم الثَّالِث للمغانم أَن الْأَرَاضِي والعقارات تتملك عَلَيْهِم إِذا أمكن حفظهَا مِنْهُم وتقسم بَين الْغَانِمين وَمذهب الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَن أَرَاضِي الْعرَاق قسمهَا عمر رَضِي الله عَنهُ بَين الْغَانِمين ثمَّ خَافَ أَن يتعلقوا بأذناب الْبَقر والحراثة ويتركوا الْجِهَاد فاستمال قُلُوبهم عَنْهَا بعوض وَغير عوض ووقفها على الْمُسلمين ثمَّ آجرها من سكان الْعرَاق بخراج يؤدونه كل سنة وإجارته مُؤَبّدَة وَاحْتمل ذَلِك لمصْلحَة الْعَامَّة فَلَا يجوز بيع تِلْكَ الْأَرَاضِي وَيجوز لأربابها إِجَارَتهَا لَكِن إِجَارَة مُؤَقَّتَة وَفِي إِجَارَتهَا مُؤَبّدَة قَولَانِ الصَّحِيح الْمَنْع لِأَنَّهَا احتملت فِي وَاقعَة كُلية ومصلحة عَامَّة وَلَيْسَ لأحد من الْمُسلمين أَن يَأْخُذ قِطْعَة مِنْهَا مِمَّن وَقع فِي يَده من آبَائِهِ وأجداده وَيَقُول أَنا أعطي عَلَيْهِ لِأَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ آجرها مِنْهُم على التأييد وَلَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة بِمَوْت الْعَاقِدين وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لم يتَمَلَّك عمر رَضِي الله عَنهُ على سكانها بل ضرب عَلَيْهِم خراجها مَعَ تَقْدِير ملكهم وَزعم أَن ذَلِك خراج لَا يسْقط بِالْإِسْلَامِ وَقَالَ ابْن سُرَيج رَحمَه الله يَصح بيع أَرَاضِي الْعرَاق لِأَن عمر رَضِي الله عَنهُ بَاعهَا من سكان الْعرَاق ليؤدوا الثّمن على ممر الْأَيَّام إِلَّا أَن هَذَا ثمن غير مُقَدّر وَلَا آخر لَهُ وعَلى الْجُمْلَة لَا يَخْلُو الْمَذْهَب عَن الْإِشْكَال وَهُوَ أَن يتَقَدَّر الثّمن أَو تتأبد

بِالْإِجَارَة أَو لَا يسْقط الْخراج بِالْإِسْلَامِ وَلَكِن الإعتماد على النَّقْل وَالشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ أعلم الْقَوْم بِالنَّقْلِ والتواريخ وَأما دور مَكَّة وأراضيها فمملوكة عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وَيجوز بيعهَا لأصحابها وَصَحَّ عِنْده أَن مَكَّة فتحت عنْوَة على معنى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مستعدا لِلْقِتَالِ لَو قوتل وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يَصح بيع دور مَكَّة هَذِه أَحْكَام الْغَنِيمَة وَمَا شَذَّ عَنْهَا ذَكرْنَاهُ فِي كتاب قسم الْغَنَائِم فِي ربع البيع

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي ترك الْقَتْل والقتال بالأمان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَاعْلَم أَن الْأمان من مكايد الْقِتَال ومصالحه وَإِن كَانَ تركا للْقَتْل لَكِن قد تمس الْحَاجة إِلَيْهِ وينقسم إِلَى عَام لَا يَتَوَلَّاهُ إِلَّا السُّلْطَان وَإِلَى خَاص فيستقل بِهِ الْآحَاد وَهُوَ الْمَقْصُود بَيَانه وَالنَّظَر فِي أَرْكَانه وشرائطه وَأَحْكَامه فَأَما الْأَركان فَثَلَاثَة الأول الْعَاقِد وَهُوَ كل مُكَلّف مُؤمن لَهُ أَهْلِيَّة الْقَتْل والقتال بِحَال فَيصح أَمَان العَبْد وَالْمَرْأَة وَالشَّيْخ الْهَرم وَالسَّفِيه والمفلس وَلَا يَصح أَمَان الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَقيل أَمَان الصَّبِي كوصيته إِذْ لَا ضَرَر عَلَيْهِ وَهُوَ بعيد وَأما الْأَسير إِن أَمن من أسره فَالْمَذْهَب أَنه لَا يَصح لانه يكون كالمكره فِيهِ وَإِن أَمن غَيره فَوَجْهَانِ أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ مُؤمن مُكَلّف الثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِقْلَال فِي التخويف والأمان ترك التخويف وعَلى هَذَا هَل يلْزمه حكمه فِي نَفسه فعلى وَجْهَيْن الرُّكْن الثَّانِي الْمَعْقُود لَهُ وَهُوَ الْوَاحِد أَو الْعدَد المحصور من ذُكُور الْكفَّار أما أَمَان الْمَرْأَة عَن الإسترقاق فَهَل يصلح فِيهِ وَجْهَان ينبنيان على الْقَوْلَيْنِ فِي أَن الصُّلْح مَعَ أهل قلعة فِيهَا نسْوَة لَا

رجل بَينهُنَّ هَل يعصمهن عَن الإسترقاق ومأخذه أَن الْمَرْأَة تَابِعَة فِي الْأمان فَلَا تستقل أما الْعدَد الَّذِي لَا ينْحَصر كَأَهل نَاحيَة فَلَا يَصح أَمَان الْآحَاد فِيهِ بل ذَلِك إِلَى السُّلْطَان الرُّكْن الثَّالِث نفس العقد وَهُوَ كل لفظ مفهم كِنَايَة أَو صَرِيحًا وَالْإِشَارَة تقوم مقَامه وَلَكِن لَا بُد من تفهيم وللكافر أَن يرد الْأمان فَإِن رد لم ينفذ وَإِن قبل نفذ وَإِن سكت فَفِيهِ تردد وَالظَّاهِر اشْتِرَاط الْقبُول بقول أَو فعل فَلَو أَشَارَ مُسلم إِلَى كَافِر فِي الصَّفّ فانحاز إِلَى الْمُسلمين وفهما الْأمان فَهُوَ آمن وَإِن قَالَ الْكَافِر مَا فهمت الْأمان فلنا أَن نغتاله وَإِن قَالَ فهمت الْأمان وَقَالَ الْمُسلم مَا أردته فَلَا يغتال ويبلغ المأمن وَإِنَّمَا تشْتَرط الصِّيغَة فِيمَن يدْخل بِلَادنَا لَا لسفارة وَلَا لقصد سَماع كَلَام الله وَإِن قصد ذَلِك فَهُوَ آمن من غير عقد وَأما قصد التِّجَارَة فَلَا يُؤمن فَلَو قَالَ كنت أَظن أَنه كقصد السفارة فَلَا نبالي بظنه ونغتاله نعم لَو قَالَ الْوَالِي كل من دخل تَاجِرًا فَهُوَ آمن فَلهُ ذَلِك وَلَو قَالَ ذَلِك وَاحِد من الرّعية لم يَصح إِذْ لَيْسَ للآحاد التَّعْمِيم فَلَو قَالَ الْكَافِر ظَنَنْت صِحَّته فَفِي جَوَاز اغتياله وَجْهَان أما الشَّرْط فَهُوَ اثْنَان أَحدهمَا أَن لَا يكون على الْمُسلمين ضَرَر بِأَن يكون طَلِيعَة أَو جاسوسا فَإِن كَانَ قتل وَلَا نبالي بالأمان وَلَا يشْتَرط وجود مصلحَة مهما انْتَفَى الضَّرَر

الثَّانِي أَن لَا يزِيد الْأمان على سنة وَيجوز إِلَى أَرْبَعَة أشهر وَفِيمَا بَين ذَلِك قَولَانِ كالقولين فِي مهادنة الْكفَّار حَيْثُ لَا ضعف للْمُسلمين وَعند الضعْف تجوز المهادنة إِلَى عشر سِنِين وَأما الْأمان فَلَا يُزَاد على السّنة وَأما حكم الْأمان فَهُوَ أَنه جَائِز من جَانب الْكفَّار وَله أَن ينْبذ الْعَهْد مهما شَاءَ ولازم من جِهَة الْمُسلمين كالذمة إِلَّا أَن الْعَهْد ينْبذ بِمُجَرَّد توقع الشَّرّ والذمة لَا تنبذ إِلَّا بتحقيق الشَّرّ ثمَّ يتبع فِي الامان مُوجب الشَّرْط فَلَو قَالَ أمنت نَفسك خَاصَّة لم يسر إِلَى مَاله وَأَهله إِلَّا أَن يُصَرح وَلَو قَالَ أمنتك فَفِي السَّرَايَة وَجْهَان أَحدهمَا لَا لاخْتِصَاص اللَّفْظ وَالثَّانِي نعم لِأَن أَمَانه بترك مَا يتَأَذَّى بِهِ ثمَّ هَذَا فِيمَا مَعَه من المَال والأهل أما تَركه فِي دَاره فَلَا أَمَان فِيهِ وَمهما قَتله بعد الْأمان هُوَ أَو غَيره لَزِمت الدِّيَة وَالْكَفَّارَة دون الْقصاص فرعان الأول الْأَسير فِيمَا بَينهم إِذا أمنوه بِشَرْط أَن لَا يخرج من دَارهم فَلهُ الْخُرُوج مهما تمكن بل يلْزمه الْخُرُوج فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ مُتَمَكنًا من إِقَامَة وظائف شَرْعِيَّة لكنه لَا يَخْلُو عَن ذل فِيمَا بَينهم فَتلْزمهُ الْهِجْرَة وَيلْزمهُ أَن يَحْنَث إِن كَانَ قد حلف وَلَا ترخص فِي الْمقَام خوفًا من وُقُوع الطَّلَاق وَالْعتاق إِن كَانَ قد حلف بِهِ وَلَو أَطْلقُوهُ إِلَى دَار الْإِسْلَام بِشَرْط الرُّجُوع فَلَا يلْزمه وَلَو شَرط إِنْفَاذ مَال لم يلْزمه أَيْضا

وَقيل فِيهِ قَول قديم أَنه يجب الْوَفَاء بوعد المَال نعم إِذا كَانَ الْأمان من الْجَانِبَيْنِ فَإِذا خرج لَا يغتالهم وَلَا يَأْخُذ أموالم إِلَّا إِذا خَرجُوا وَرَاءه فَلهُ دفع الخارجين إِلَيْهِ خَاصَّة وَلَو باعوه شَيْئا وَهُوَ مُخْتَار لزمَه بَعثه الثّمن إِلَيْهِم فَإِن كَانَ مكْرها فَعَلَيهِ رد الْعين وَقَالَ فِي الْقَدِيم يُخَيّر بَين رد الْعين أَو الثّمن وَكَأَنَّهُ تَفْرِيع على وقف الْعُقُود وَإِذا أسلم الْكَافِر وَقد لزمَه كَفَّارَة يَمِين لم تسْقط الْكَفَّارَة بِالْإِسْلَامِ ويحكي فِيهِ وَجه أَنه يسْقط فعلى هَذَا يبطل بِالْإِسْلَامِ إيلاؤه الْفَرْع الثَّانِي المبارز بِالْإِذْنِ أَو على الإستقلال إِن جَوَّزنَا ذَلِك يلْزمه الْوَفَاء بِشَرْطِهِ مَعَ قرنه وَيلْزم أهل الصَّفّ ذَلِك فَلَو شَرط أَن لَا يتَعَرَّض لَهُ أهل الصَّفّ إِلَى أَن يعود إِلَى صفهم لزم وَإِن شَرط إِلَى أَن يَنْتَهِي الْقِتَال فَإِذا ولى مُنْهَزِمًا جَازَ قَتله إِذْ قد انْتهى قِتَاله بالهزيمة وَإِن شَرط الْأمان إِلَى الْإِثْخَان جَازَ قتل الْكَافِر إِذا أثخنه الْمُسلم وَإِن أثخن الْمُسلم وَقصد تذفيفه منعناه وقتلناه وَإِن كَانَ الْأمان ممدودا إِلَى الْقَتْل بل مثل هَذَا الْأمان بَاطِل إِذْ فِيهِ مضرَّة على الْمُسلمين وَلَو خرج جمع لإعانة الْكَافِر قتلناهم مَعَ المبارز إِن كَانَ باستنجاده وَإِن لم يكن بِإِذْنِهِ لم نتعرض لَهُ واختتام الْبَاب بِذكر ثَلَاث مسَائِل الْمَسْأَلَة الأولى مَسْأَلَة العلج فَإِذا قَالَ علج من علوج الْكفَّار أدلكم على قلعة بِشَرْط أَن تجْعَلُوا لي مِنْهَا الْجَارِيَة الْفُلَانِيَّة الَّتِي فِيهَا فَهَذِهِ الْجعَالَة صَحِيحَة مَعَ أَن الْجعل غير مَمْلُوك وَلَا معِين مَعْلُوم وَلَا مَقْدُور على تَسْلِيمه وَلَكِن للْحَاجة

وَلَو كَانَ الدَّلِيل مُسلما فَالصَّحِيح أَنه لَا يَصح لفقد الشُّرُوط وَفِيه وَجه أَنه يَصح للْحَاجة وَهُوَ بعيد وَإِنَّمَا ينقدح إِذا جَوَّزنَا للْإِمَام اسْتِئْجَار الْمُسلم وَإِلَّا فالدلالة جِهَاد يَقع عَنهُ ثمَّ لنا مَعَ الْجَارِيَة خَمْسَة أَحْوَال الْحَالة الأولى أَن لَا نُقَاتِل القلعة فَإِن لم يكن مُمكنا فَلَا شَيْء للعلج إِذا دلّ على مَا لَا خير فِيهِ وَإِن كَانَ مُمكنا فتركناه فَيحْتَمل أَن يسْتَحق لِأَنَّهُ أتم عمل الدّلَالَة وَيحْتَمل أَن لَا يسْتَحق وَكَأَنَّهُ مُعَلّق بِالْقِتَالِ وَإِن قاتلنا فَلم نقدر فهاهنا أولى بِأَن لَا يسْتَحق وَإِن جاوزناهم لمهم ثمَّ وقعنا عَلَيْهَا ثَانِيًا لَا بعلامته فَلَا شَيْء لَهُ وَإِن رَجعْنَا بعلامته فَلهُ الْجَارِيَة وَإِن فتحنا طَائِفَة أُخْرَى فَلَا شَيْء عَلَيْهِم لِأَن الشَّرْط لم يجر مَعَهم وَإِن بَلغهُمْ علامته الْحَالة الثَّانِيَة أَن نفتح وَلَا نجد الْجَارِيَة فَإِن أَخطَأ العلج فَلَا شَيْء لَهُ وَكَذَلِكَ إِن كَانَت قد مَاتَت قبل معاقدة العلج وَلَو مَاتَت بعد المعاقدة فَثَلَاثَة طرق أَحدهَا طرد الْقَوْلَيْنِ فِي وجوب الْبَدَل وَالثَّانِي أَنه يجب إِن مَاتَت بعد الظفر وَإِن مَاتَت قبله فَقَوْلَانِ وَالثَّالِث لَا يجب إِن مَاتَت قبل الظفر وَإِن مَاتَت بعده فَقَوْلَانِ وَلَا شكّ فِي أَنه يجب الْبَدَل إِن مَاتَت بعد التَّمْكِين من التَّسْلِيم وَجرى التَّقْصِير منا ثمَّ إِذا وَجب الْبَدَل فَهُوَ قيمتهَا أَو أجر الْمثل فِيهِ قَولَانِ ينبنيان على أَن الْجعل الْمعِين

يضمن بِضَمَان العقد أَو ضَمَان الْيَد كَمَا فِي الصَدَاق ثمَّ إِذا وَجب فَهُوَ من الْمغنم أَو من مَال الْمصَالح فِيهِ وَجْهَان الْحَالة الثَّالِثَة أَن نجدها مسلمة فَلَا يُمكن تَسْلِيمهَا إِلَى كَافِر فَلَا بُد من الضَّمَان وَفِيه وَجه أَن الْإِسْلَام كالموت وَهَذَا بعيد إِن أسلمت بعد الظفر أما قبله فَيمكن أَن يُقَال إِذا تعذر ملكنا لَهَا بِالْإِسْلَامِ فَصَارَ كالموت الْحَالة الرَّابِعَة أَن لَا نجد فِي القلعة إِلَّا تِلْكَ الْجَارِيَة وَلَا غَرَض لنا فِي اسْتِبْقَاء القلعة فَفِي تَسْلِيم الْجَارِيَة وَجْهَان وَوجه الْمَنْع أَنا لَا نحصل على غَرَض فَيكون عَملنَا للعلج خَاصَّة الْحَالة الْخَامِسَة إِذا ظفر بهَا بعد أَن صالحنا زعيم القلعة على الْأمان فِي أَهله وَكَانَت من أَهله فَإِن لم يرض الزعيم بِتَسْلِيم الْجَارِيَة بِبَدَل قُلْنَا لَهُ ارْجع إِلَى الْقِتَال وأغلق الْبَاب فَإِن الشَّرْط مَعَ العلج سَابق وَالشّرط مَعَك مُنَاقض لَهُ فَلم يَصح وَلَا خلاف فِي أَنه لَا يشْتَرط فِي أَمَان أهل الزعيم الْعلم بعددهم بل من ظهر أَنه من أَهله كَانَ فِي أَمَان وَإِلَيْهِ التَّعْيِين إِذا طلب الْأمان لعدد مَعْلُوم صَالح أَبُو مُوسَى رَضِي الله عَنهُ عَن بعض القلاع على أَمَان مائَة فعد صَاحب القلعة مائَة فَلَمَّا أتمهَا ضرب عنق صَاحب القلعة لِأَنَّهُ كَانَ زَائِدا على الْمِائَة الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الْمُسْتَأْمن إِذا ثَبت لَهُ دُيُون فِي ذمتنا أَو أودع عندنَا أَمْوَالًا ثمَّ رَجَعَ إِلَى

بِلَاده ليعود فأمانه مطرد وَلَو نقض الْعَهْد والتحق بدار الْحَرْب فَفِيمَا خَلفه ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه فَيْء وانتقض أَمَانه لِأَنَّهُ الأَصْل وَقد بَطل أَمَانه فِي نَفسه وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لم يُفَارق إِلَّا بِنَفسِهِ فأمانه بَاقٍ فِي مَاله وَالثَّالِث أَن المَال إِن عصم تبعا لَهُ انْتقض وَإِن جرى بِشَرْط مَقْصُود فَلَا التَّفْرِيع إِن قُلْنَا بَطل أَمَانه فَهُوَ فَيْء وَإِن قُلْنَا بَقِي أَمَانه فَلَا يتَعَرَّض لَهُ مَا دَامَ حَيا وَله أَن يعود لطلبه وَعذر الطّلب يُغْنِيه عَن الْأمان كعذر السفارة إِلَّا أَن يتَّخذ ذَلِك ذَرِيعَة فِي كَثْرَة الرُّجُوع وَإِن مَاتَ فِي دَار الْحَرْب فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لوَرثَته إتماما للأمان وَالثَّانِي أَنه فَيْء إِذْ ضعف الْأمان بانضمام الْمَوْت إِلَى نقض الْعَهْد وَلَو كَانَ قد خرج لشغل فَمَاتَ فَالظَّاهِر أَنه لوَرثَته وَفِيه وَجه بعيد أَنه يَنْقَطِع الْأمان بِمَوْتِهِ فَإِن قُلْنَا لوَرثَته فَلهم الدُّخُول بِعُذْر الطّلب من غير أَمَان أما إِذا اسْترق بعد الإلتحاق بدار الْحَرْب فَفِي انْقِطَاع الْأمان بِالرّقِّ قَولَانِ مرتبان على الْمَوْت وَأولى بِأَن لَا يَنْقَطِع فَإِن لم يقطعهُ فَعتق رد إِلَيْهِ وَإِن مَاتَ حرا رَجَعَ الْقَوْلَانِ وَإِن مَاتَ رَقِيقا فَهُوَ فَيْء إِذْ الرَّقِيق لَا يُورث وَالسَّيِّد أَيْضا لَا يَرِثهُ هَذَا هُوَ النَّص وَفِيه أَيْضا قَول مخرج أَنه يصرف إِلَى ورثته لِأَن إِسْقَاط الْإِرْث بِالرّقِّ وَنقض الْأمان بِهِ حكم شَرْعِي وَلَا يُؤَاخذ الْكفَّار بِهِ وَخرج هَذَا القَوْل من مَسْأَلَة فِي الْجراح وَهُوَ أَنه لَو قطع يَد ذمِّي فالتحق

بدار الْحَرْب واسترق وَمَات رَقِيقا من تِلْكَ الْجِنَايَة فَفِي قدر الْوَاجِب على الْقَاطِع كَلَام طَوِيل وَقد نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على صرف شَيْء إِلَى الْوَرَثَة فَقيل فِي الْمَسْأَلَة قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة إِذا حاصر الإِمَام أهل قلعة وَرَضي أَهلهَا بِحكم رجل عينوه فللإمام أَن يستنزلهم على حكمه استنزل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني قُرَيْظَة على حكم سعد رَضِي الله عَنهُ وَليكن الْمُحكم عدلا امينا عَالما بمصالح الْقِتَال وَلَا يشْتَرط كَونه مُجْتَهدا ثمَّ حكم الْمُحكم نَافِذ بِالْقَتْلِ والإرقاق وَالْعَفو وَلَيْسَ للْإِمَام أَن يقْض بِمَا فَوْقه وَله أَن يقْضِي بِمَا دونه مسامحا فَإِذا حكم بِالْقَتْلِ فللإمام الاسترقاق أم لَا فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ دونه وَالثَّانِي لَا لِأَن الْإِنْسَان قد يُؤثر الْمَوْت على الذل المؤبد وَإِذا حكم بِالْقَتْلِ فَأسلم امْتنع قَتله وَإِن حكم بِالرّقِّ فَأسلم قبل الإرقاق فَإِن رَأينَا أَن الرّقّ

فَوق الْقَتْل لم يملكهُ وَإِن قُلْنَا إِنَّه دونه فقد كَانَ يملكهُ قبل الْإِسْلَام فَيملكهُ الْآن إِلَّا أَن يسلم قبل الظفر وَلَو حكم بِضَرْب الْجِزْيَة عَلَيْهِم فَهَل عَلَيْهِم الْقبُول فِيهِ وَجْهَان وَوجه الْمَنْع أَنه معاقدة بِالتَّرَاضِي فَلَا يجبرون عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَن يجْرِي الْخلاف فِي المفاداة أَيْضا فَإِن قُلْنَا لَا تلزمهم فَلَا يتَعَرَّض لَهُم بقتل وَغَيره إِن منعُوا بذل الْجِزْيَة لَكِن نلحقهم بالمأمن ونستأنف الْقِتَال وَإِن قُلْنَا يلْزمهُم فحكمهم حكم أهل الذِّمَّة إِذا منعُوا الْجِزْيَة وَسَيَأْتِي وَلَو شَرط الْأمان لمِائَة نفر من أهل القلعة فالإختيار إِلَيْهِ فَلهُ أَن يعين من شَاءَ فَإِن عين مائَة تَامَّة فلنا أَن نقلته لانه زَائِد على الْمِائَة كَمَا فعله أَبُو مُوسَى رَضِي الله عَنهُ

العقد الأول عقد الذِّمَّة

وَهُوَ الْتِزَام تقريرهم فِي دِيَارنَا وحمايتهم والذب عَنْهُم ببذل الْجِزْيَة والإستسلام من جهتهم وَذَلِكَ جَائِز لقَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ وَلقَوْل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِمعَاذ حِين بَعثه إِلَى الْيمن إِنَّك سترد على قوم معظمهم أهل الْكتاب فاعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام فَإِن امْتَنعُوا فَأَعْرض عَلَيْهِم الْجِزْيَة وَخذ من كل حالم دِينَارا فَإِن امْتَنعُوا فاقتلهم

وَالنَّظَر فِي أَرْكَان هَذَا العقد وَأَحْكَامه أما الْأَركان فخمسة الرُّكْن الأول صِيغَة العقد وَهُوَ أَن يَقُول نَائِب الإِمَام أقررتكم بِشَرْط الْجِزْيَة والإستسلام وَالصَّحِيح أَنه يشْتَرط ذكر مِقْدَار الْجِزْيَة وَقيل لَا يشْتَرط وَلَكِن ننزل الْمُطلق على الْأَقَل وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا يشْتَرط ذكر الإستسلام لِأَنَّهُ حكم للْعقد كالملك فِي البيع لَكِن هَل يجب التَّعَرُّض لكف اللِّسَان عَن الله وَرَسُوله فِيهِ وَجْهَان وَالصَّحِيح أَن الإستسلام من جانبهم مَعَ الْجِزْيَة كالعوض عَن التَّقْرِير فَيجب ذكره ثمَّ ينْدَرج تَحْتَهُ كف اللِّسَان والتأقيت هَل يبطل هَذَا العقد فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يبطل كالأمان

وَالثَّانِي أَنه يبطل لِأَن هَذَا بدل عَن الْإِسْلَام فليتأبد وَلَو قَالَ الإِمَام أقركم بِالذِّمةِ مَا شِئْت أَنا فَقَوْلَانِ مرتبان وَأولى بِالْجَوَازِ إِذْ نقل أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهُم أقركم على ذَلِك مَا أقركم الله إِلَّا أَن ذَلِك كَانَ فِي انْتِظَار الْوَحْي وَلَا يتَصَوَّر الْآن

وَلَو قَالَ أقركم مَا شِئْتُم جَازَ لانه حكم الْمُطلق إِذْ لَا يلْزم هَذَا العقد من جانبهم لَكِن يلْزم من جانبنا إِن صَحَّ وَإِذا فسد لم يلْزم وَلَكِن لَا نغتالهم بل نلحقهم بالمأمن

فرع

لَو اتّفقت الْإِقَامَة على حكم الْفساد سنة أَو سنتَيْن نَأْخُذ لكل سنة دِينَار وَلَا نسامح بالتقرير مجَّانا وَلَو وَقع كَافِر فِي دِيَارنَا مُدَّة وَلم نشعر بِهِ حَتَّى انْقَضتْ سنة فَلَا نَأْخُذ مِنْهُ الدِّينَار لِأَنَّهُ لم نقبله أصلا نعم ونغتاله ونسترقه فَإِن قبل الْجِزْيَة فَفِي منع استرقاقه وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يسترق كالأسير إِذا أَرَادَ منع الرّقّ ببذل الْجِزْيَة لم يمْتَنع وَالثَّانِي أَنه يلْزم قبُول الْجِزْيَة لِأَن هَذَا لم نقصد الإستيلاء عَلَيْهِ بِخِلَاف الْأَسير وَلَو قَالَ دخلت لسَمَاع كَلَام الله تَعَالَى تَرَكْنَاهُ وَإِن قَالَ دخلت لسفارة صدقناه إِن كَانَ مَعَه كتاب وَإِن لم يكن فَوَجْهَانِ وَالظَّاهِر نصدقه وَلَو قَالَ دخلت بِأَمَان مُسلم فَفِي تَصْدِيقه بِغَيْر حجَّة وَجْهَان من حَيْثُ إِن إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِ مُمكن ثمَّ الَّذِي يدْخل للسماع لَا نمكنه من الْمقَام وَرَاء أَرْبَعَة أشهر وَفِيمَا دون ذَلِك إِلَى مُدَّة الْبَيَان وَجْهَان

الرُّكْن الثَّانِي فِي الْعَاقِد وَلَا يعقده إِلَّا الإِمَام فَلَو تعاطاه وَاحِد بِغَيْر إِذْنه لم يَصح وَلَكِن يمْنَع الإغتيال وَلَو أَقَامَ سنة فَفِي أَخذ الْجِزْيَة وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يُؤْخَذ كعقد الإِمَام إِذا فسد وَالثَّانِي لَا لِأَن قبُوله لَا يُؤثر إِذْ لم يكن الْقبُول مِمَّن هُوَ من أهل الْإِيجَاب وَيجب على الإِمَام قبُول الْجِزْيَة إِذا بذلوها إِلَّا أَن يخَاف غائلتهم فَإِن كثر جمعهم فليفرقهم فِي الْبِلَاد وَلَا يجب قبُولهَا من الجاسوس لما فِيهِ من الْمضرَّة الرُّكْن الثَّالِث فِيمَن يعْقد لَهُ وَهُوَ كل كتابي عَاقل بَالغ حر ذكر متأهب لِلْقِتَالِ قَادر على أَدَاء الْجِزْيَة فَهَذِهِ سَبْعَة قيود الأول الْكِتَابِيّ فَلَا يُؤْخَذ من عَبدة الْأَوْثَان وَالشَّمْس وَإِنَّمَا تُؤْخَذ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس أَيْضا يسن بهم سنة أهل الْكتاب فِي الْجِزْيَة دون أكل الذَّبِيحَة والمناكحة

وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يُقرر وَثني الْعَجم دون وَثني الْعَرَب وَلَو ظهر قوم زَعَمُوا أَنهم أهل الْكتاب كالزبور وَغَيره فَهَل يقرونَ بالجزية فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لِأَن الزبُور كتاب مُحْتَرم وَكَذَا سَائِر كتب الله تَعَالَى وَلَا يُمكن أَن نعلم دينهم إِلَّا بقَوْلهمْ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ لَا ثِقَة بقَوْلهمْ والأولون لم يعولوا إِلَّا على أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ثمَّ لَا شكّ فِي أَنه لَا تحل مناحكتهم لظُهُور هَذِه الشُّبْهَة كَمَا أَن من شكّ فِي

أَن أول آبَائِهِ دَان بدينهم قبل المبعث أَو بعده يُقرر وَلَا يناكح فَإِن علم أَنه دَان قبل المبعث يُقرر ويناكح وَإِن علم أَنه دَان بعد المبعث لم يُقرر وَإِن دَان بعد التبديل قرر وَلَا يناكح وَفِيه وَجه أَنه لَا يُقرر

فروع

الأول اخْتلفت نُصُوص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ فِي الصابئين وهم فرقة من النَّصَارَى وَفِي السامرة وهم فرقة من الْيَهُود فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه تردد لتردده فِي أَنهم مبتدعة عِنْدهم أَو كفرة فَإِن صَحَّ كفرهم بِأَن قَالُوا مُدبر الْعَالم النُّجُوم السَّبْعَة أَو قَالُوا بقدم النُّور والظلمة فَلَا يُقرر لِأَنَّهُ يُنَاقض مُوجب الْكتب الْمنزلَة وَمِنْهُم من قَالَ وَإِن كَانُوا مبتدعة فالقولان جائزان إِذْ تضعف بالبدعة حرمتهم وَهَذَا الْخلاف إِنَّمَا ينقدح فِي نكاحهم لِأَن مبتدعة الْإِسْلَام يناكحون لأخبار منعت من التَّكْفِير فَلَا يعد فِي التَّغْلِيظ على مبتدعة أهل الْكتاب الثَّانِي قلو قبلنَا جزيته فَأسلم مِنْهُم رجلَانِ عَدْلَانِ شَهدا أَنه كَافِر بدينهم تبين انتقضا الْعَهْد ونغتاله لتلبيسه علينا وَإِنَّمَا تثبت علقَة الْأمان عِنْد جهلهم الثَّالِث الْمُتَوَلد بَين وَثني وكتابية وبعكسه فِي مناكحته قَولَانِ الصَّحِيح

أَنه يُقرر وَمِنْهُم من طرد الْقَوْلَيْنِ الرَّابِع إِذا توثن نَصْرَانِيّ وَله أَوْلَاد صغَار فَإِن كَانَت الْأُم نَصْرَانِيَّة اسْتمرّ حكم تنصرهم بعد الْبلُوغ وَإِن كَانَت وثنية فَقَوْلَانِ أَحدهمَا أَنه تبقى علقَة التنصير لَهُم فيقررون بعد الْبلُوغ وَالثَّانِي أَنهم يتبعُون فِي التوثن أَيْضا لَكِن لَا يغتالون وَفِي اغتيال أَبِيهِم خلاف الْخَامِس الْوَلَد الْحَاصِل من الْمُرْتَدين فِي إسْلَامهمْ لأجل علقَة الْإِسْلَام فِي الْمُرْتَد خلاف فَإِن قضينا بِهِ فَإِن لم يصرحوا بعد الْبلُوغ فهم مرتدون وَإِن لم نقض بِهِ فَلَا يقرونَ إِذْ لم يثبت دين آبَائِهِ قبل المبعث وَفِيه وَجه بعيد لَا اتجاه لَهُ إِذْ تخرم الْقَاعِدَة فِي مُرَاعَاة تَقْدِيم الدّين على المبعث ولعى هَذَا يتَّجه التَّرَدُّد فِي نكاحهم وَالصَّحِيح الْمَنْع وَالصَّحِيح أَنه لَا يحل وَطْء سَبَايَا غوراء إِذْ صَحَّ أَنهم ارْتَدُّوا بعد الْإِسْلَام نعم ينقدح التَّرَدُّد فِي استرقاقهم بِنَاء على أَنهم كفار أصليون فَإِن عَبدة الْأَوْثَان لَا يمْتَنع إرقاقهم على ظَاهر الْمَذْهَب وَفِيه وَجه أَنه يمْتَنع لِأَن فِيهِ أَمَانًا مُؤَبَّدًا لوثني الْقَيْد الثَّانِي الْعقل فَلَا يُؤْخَذ من الْمَجْنُون جِزْيَة بل هُوَ تَابع كَالصَّبِيِّ وَلَو وَقع فِي الْأسر رق بِنَفس الْأسر كَالصَّبِيِّ وَإِن كَانَ يجن يَوْمًا ويفيق يَوْمًا فَفِي وَجه يعْتَبر آخر الْحول وَفِي وَجه تلفق أَيَّام الْإِفَاقَة سنة وَيُؤْخَذ لَهَا دِينَار وَهُوَ الأقيس وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة رَحمَه الله وَفِي وَجه ينظر إِلَى الْأَغْلَب وَفِي

وَجه لَا نظر إِلَى جُنُون مُنْقَطع بل هُوَ كالغشية بل تجب جِزْيَة كَامِلَة وَفِي وَجه أَنه لَا ينظر إِلَى عقل مُنْقَطع فَلَا جِزْيَة عَلَيْهِ أصلا والوجهان الأخيران ضعيفان وَإِن وَقع مثل هَذَا فِي الْأسر فَالصَّحِيح أَنه ينظر إِلَى وَقت الْأسر الْقَيْد الثَّالِث الصَّغِير فَلَا يؤخد مِنْهُ جِزْيَة بل هُوَ تَابع أَبِيه ثمَّ إِذا بلغ عَاقِلا فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا حَاجَة إِلَى الإستئناف بل يلْزمه مثل مَا الْتزم أَبوهُ وَكَأَنَّهُ عقد لنَفسِهِ ولولده بعد الْبلُوغ وَالثَّانِي أَنه يسْتَأْنف لنَفسِهِ فَلَو بلغ سَفِيها وَالْتزم زِيَادَة نفذ لِأَنَّهُ يحقن بِهِ دَمه كَمَا لَو كَانَ عَلَيْهِ قصاص فَصَالح على أَكثر من الدِّيَة فَلَيْسَ للْوَلِيّ الْمَنْع لِأَن حقن الدَّم أهم من المَال وَلَو عقد لَهُ الْوَلِيّ بِزِيَادَة لم يكن للسفيه الْمَنْع كَمَا يَشْتَرِي لَهُ الطَّعَام فِي

المخمصة قهرا لصيانة روحه وَإِن قُلْنَا لَا يسْتَأْنف فَإِن كَانَ الْأَب قد الْتزم زِيَادَة لزمَه بعد الْبلُوغ وَكَانَ امْتِنَاعه كامتناع أَبِيه من الزِّيَادَة الْقَيْد الرَّابِع الْحُرِّيَّة فَالْعَبْد تَابع فَلَا جِزْيَة عَلَيْهِ وَكَذَا من نصفه حر وَنصفه رَقِيق الْقَيْد الْخَامِس الذُّكُورَة فَلَا جِزْيَة على الْمَرْأَة إِذْ لَا تتعرض للْقَتْل بل هِيَ تَابِعَة وللرجل أَن يستتبع بِدِينَار وَاحِد جمعا من النِّسَاء الْأَقَارِب والزوجات وَلَا يشْتَرط الْمَحْرَمِيَّة أما الأصهار والأحماء فَمنهمْ من ألحقهن بالأجانب وَمِنْهُم من ألحقهن بالأقارب وَالصبيان والمجانين الْأَقَارِب أَيْضا يجوز استتباعهم هَذَا فِيهِ إِذا شَرط فِي العقد فَإِن أطلق لم يتبع الْأَقَارِب والأصهار أما أَوْلَاده الصغار فَوَجْهَانِ وَفِي زَوْجَاته طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَنَّهُنَّ كالأولاد وَالثَّانِي أَنَّهُنَّ كالأقارب

وَالأَصَح أَن الزَّوْجَة وَالْولد مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاق فَلَا حَاجَة إِلَى الشَّرْط ثمَّ إِذا دخل صبي أَو امْرَأَة دَارنَا من غير أَمَان وتبعية أوقفناهما وَكَذَلِكَ الْمَجْنُون وَالْحَرْبِيّ يتَخَيَّر فِيهِ بَين الْقَتْل والإرقاق فرع إِذا حاصرنا قلعة وَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا النسوان فَإِن فتحناها جرى الرّقّ عَلَيْهِنَّ بِمُجَرَّد الظفر وَإِن بذلن الْجِزْيَة لدفع الرّقّ فَالصَّحِيح أَنه لَا يجب الْقبُول إِذْ لَو جَازَ لَهَا دفع الرّقّ بالجزية كَمَا يجوز للرجل دفع الْقَتْل لما كَانَت تَابِعَة فِي الْجِزْيَة بل صَار أصلا كَالرّجلِ ولكان إِذا دخلت دَارنَا لم يجز إرقاقها إِن بذلت الْجِزْيَة وَهُوَ بعيد وَالثَّانِي أَنه يجب الْقبُول وَإِنَّمَا التّبعِيَّة إِذا كَانَ مَعهَا رجل قريب أَو زوج وَإِنَّمَا لَا تستقل إِذا وَقعت فِي الْأسر لِأَنَّهَا رقت بِمُجَرَّد الْأسر أما إِذا كَانَ فِيهِنَّ رجل وَاحِد وبذل الْجِزْيَة كَانَ عصمَة لجَمِيع النسوان إِن كن من أَهله وَإِن كن أجانب فَلَا وَقد أطلق الْأَصْحَاب عصمَة الْجَمِيع وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادهم الْقَيْد السَّادِس المتأهب لِلْقِتَالِ واحترزنا بِهِ عَن الزمني وأرباب الصوامع وَمن ذكرنَا خلافًا فِي قَتلهمْ فَمنهمْ من قَالَ إِذا منعنَا قَتلهمْ فهم كالنسوان فَلَا جِزْيَة عَلَيْهِم وَمِنْهُم من قطع بِأخذ الْجِزْيَة للجنسية وَهُوَ الْأَصَح الْقَيْد السَّابِع الْقُدْرَة واحترزنا بِهِ عَن الْكَافِر الْفَقِير الَّذِي لَيْسَ بكسوب فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهمَا أَنه يخرج من الدَّار وَلَا يُقرر مجَّانا وَالثَّانِي أَنه يُقرر مجَّانا لِأَنَّهُ مَعْذُور وَالثَّالِث أَنه يُقرر بجزية تَسْتَقِر فِي ذمَّته إِلَى أَن يقدر

الرُّكْن الرَّابِع فِي الْبِقَاع الَّتِي يُقرر بهَا الْكَافِر وَيجوز تقريرهم بِكُل بقْعَة إِلَّا الْحجاز فقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو عِشْت لأخرجت الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب ثمَّ لم يَعش صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يتفرغ لَهُ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ فأجلاهم عمر رَضِي الله عَنهُ وهم زهاء أَرْبَعِينَ ألفا ونعني بِجَزِيرَة الْعَرَب مَكَّة وَالْمَدينَة واليمامة ومخاليفها والطائف وَوَج وَمَا ينْسب إِلَيْهَا مَنْسُوب إِلَى مَكَّة وَفِي بعض الْكتب التهامة وَلَعَلَّه تَصْحِيف الْيَمَامَة وخيبر من مخاليف الْمَدِينَة

وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ جَزِيرَة الْعَرَب تمتد إِلَى أَطْرَاف الْعرَاق من جَانب وَإِلَى أَطْرَاف الشَّام من جَانب وعَلى هَذَا تلتحق الْيمن بالجزيرة فتحصلنا فِيهِ على خلاف هَذَا فِي المخاليف والبلاد أما الطّرق المعترضة بَينهمَا فَهَل يمْنَعُونَ من الْإِقَامَة بهَا وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا لَا لِأَن المُرَاد الْمَنْع من الإختلاط بالعرب حُرْمَة لَهُم وَالثَّانِي أَنهم يمْنَعُونَ لِأَن الْحُرْمَة للبقعة ثمَّ لَا خلاف أَنهم لَا يمْنَعُونَ من الإجتياز لسفارة أَو تِجَارَة وَلَكِن بِشَرْط أَن لَا يُقِيمُونَ فِي مَوضِع أَكثر من ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يحْسب يَوْم الدُّخُول وَالْخُرُوج إِلَّا فِي مَكَّة

فَإِنَّهُ يمْنَع وَلَا يُمكن الْكَافِر من دُخُولهَا مجتازا وَلَا برسالة بل يخرج إِلَيْهِ من يستمع الرسَالَة لقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا﴾ وَلَا يجْرِي هَذَا التَّغْلِيظ فِي الْمَدِينَة

فرع

لَو دخل مَكَّة وَمرض وَخيف من نَقله الْمَوْت فَلَا يُبَالِي وينقل وَلَو دفن نبش قَبره وَأخرج عِظَامه تَطْهِيرا للحرم وَإِن مَاتَ على طرف الْحجاز وَأمكن نَقله نقل قبل الدّفن وَإِن دفن فَفِي نبش قَبره وَجْهَان وَلَو مرض فِي الْحجاز لم ينْقل إِن خيف مَوته فَإِن كَانَ يشق النَّقْل وَلَا يخَاف الْمَوْت فَفِي وجوب نَقله وَجْهَان فَإِن مَاتَ فِي غير مَكَّة وَدفن وعظمت الْمَشَقَّة فِي نَقله تَرَكْنَاهُ وَلم نرفع نعش قَبره

فصول الكتاب · 3 فصل · 713 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الوسيط في المذهب · 713 صفحة
المقدمة
الْبَاب الثَّانِي فِي كَيْفيَّة الصّرْف إِلَى الْمُسْتَحقّين
الْبَاب الرَّابِع فِي الْقِسْمَة
جارٍ التحميل