الْفَصْل الثَّالِث فِي الْإِحْدَاد
وَذَلِكَ وَاجِب فِي عدَّة الْوَفَاة وَغير وَاجِب فِي عدَّة الرَّجْعِيَّة وَفِي عدَّة البائنة قَولَانِ وَفِي المفسوخ نِكَاحهَا طَرِيقَانِ مِنْهُم من قطع بِأَنَّهَا لَا تجب كالمعتدة من شُبْهَة وكأم الْوَلَد إِذا مَاتَ عَنْهَا سَيِّدهَا وَوجه حداد الْمُطلقَة البائنة الْقيَاس على عدَّة الْوَفَاة وَوجه الْفرق أَنَّهَا مجفوة بِالطَّلَاق وَإِنَّمَا يَلِيق الْإِحْدَاد بالمتفجعة بِالْمَوْتِ وَالْأَصْل فِي وَجه الْإِحْدَاد قَول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا فَأفَاد هَذَا جَوَاز الْحداد ثَلَاثَة أَيَّام على الْجُمْلَة وتحريمه بعد الثَّلَاث وَبعد الْعدة
وَمَعْنَاهُ ترك الزِّينَة وَالطّيب على قصد الْحداد وَإِلَّا فَلَا منع عَن ترك الزِّينَة فَإِن قيل وَمَا كَيْفيَّة الْحداد قُلْنَا مَعْنَاهُ ترك التزين والتطيب والحداد من الْحَد وَهُوَ الْمَنْع والتزين إِنَّمَا يكون بالتنظيف وَالثيَاب والحلي أما التنظف بالقلم والإستحداد وَالْغسْل وَإِزَالَة الْوَسخ فَلَا يحرم وَأما الثِّيَاب فالنظر فِي جِنْسهَا ولونها أما الْجِنْس فَتحل كلهَا سوى الإبريسم فَيحل الْخَزّ الدبيقي والكتان وَغَيره مِمَّا يحل للرِّجَال وَإِنَّمَا الإبريسم فَإِنَّمَا أحل لَهَا لأجل التزين للرِّجَال وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ الإبريسم فِي حَقّهَا كالقطن فِي حق الرِّجَال وَإِنَّمَا عَلَيْهَا ترك المصبوغات من الثِّيَاب وَالْأول أصح وَأما الْحلِيّ فَيحرم مَا هُوَ من الذَّهَب لِأَنَّهَا خاصية النِّسَاء وَالظَّاهِر أَنه أَيْضا يحرم التحلي باللآلىء الْمُجَرَّدَة لِأَنَّهَا للزِّينَة وَأما التَّخَتُّم بِخَاتم يحل مثله للرِّجَال فَلَا يحرم وَأما الْمَصْبُوغ للتزين كالأحمر والأصفر والاخضر فَهُوَ حرَام من الْقطن والكتان وَغَيره
وَإِنَّمَا الْأسود والأكهب الكدر وَمَا لَا يتزين بِهِ فَهُوَ جَائِز وَلَا فرق بَين أَن يصْبغ بعد النسج أَو قبله وخصص أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي رَحمَه الله التَّحْرِيم بالمصبوغ بعد النسج أما الثَّوْب الخشن إِذا صبغ على خلاف الْعَادة صبغ الزِّينَة حكى صَاحب التَّقْرِيب فِيهِ قَوْلَيْنِ وَوجه الْمَنْع أَنه من الْبعد تظهر بِهِ الزِّينَة وَأما الزِّينَة فِي أثاث الْبَيْت والفرش فَلَا تحرم وَإِنَّمَا الْحداد فِي بدنهَا وَأما الطّيب فَيحرم عَلَيْهَا مَا يحرم على الْمحرم وَيحرم عَلَيْهَا أَن تدهن رَأسهَا ولحيتها إِن كَانَت لَهَا لحية كالمحرم وَلَا يحرم عَلَيْهَا أَن تدهن بدنهَا إِن لم يكن فِيهِ طيب وَإِنَّمَا يمْنَع فِي الشّعْر وَأما تصفيف الشّعْر وتجعيده بِغَيْر دهن فَفِيهِ تردد وَأما الإكتحال فقد قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَا بَأْس بالإثمد فاتفقوا على أَنه أَرَادَ بِهِ العربيات فَإِنَّهُنَّ إِلَى السوَاد أميل فَلَا يزينهن الإثمد أما الْبَيْضَاء فَلَا يجوز ذَلِك لَهَا إِلَّا لعِلَّة الرمد وَعَلَيْهَا أَن تكتحل لَيْلًا وتمسح نَهَارا هَكَذَا أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أم سَلمَة رَضِي الله عَنْهَا إِلَّا أَن تحْتَاج إِلَى ذَلِك نَهَارا أَيْضا فَيجوز وَعَلَيْهَا مُلَازمَة الْمسكن إِلَّا لحَاجَة
وَلَو تركت جَمِيع ذَلِك عَصَتْ رَبهَا وَانْقَضَت عدتهَا
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي السُّكْنَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِيه أَرْبَعَة فُصُول
الْفَصْل الأول فِيمَن تسْتَحقّ السُّكْنَى
وتستحق الْمُطلقَة الْمُعْتَدَّة بَائِنَة كَانَت أَو رَجْعِيَّة لقَوْله تَعَالَى ﴿لَا تخرجوهن من بُيُوتهنَّ﴾ وَلَا تسْتَحقّ الْمُعْتَدَّة عَن وَطْء الشُّبْهَة وَنِكَاح فَاسد وَلَا الْمُسْتَوْلدَة إِذا عتقت لِأَن الْآيَة وَردت فِي النِّكَاح نعم هَل تجب فِي عدَّة الْوَفَاة قَولَانِ وَفِي عدَّة بعد انْفِسَاخ النِّكَاح طَرِيقَانِ مِنْهُم من قَالَ قَولَانِ وَمِنْهُم من قطع بِأَنَّهَا لَا تسْتَحقّ إِن كَانَ الْفَسْخ مِنْهَا بِعَيْبِهِ اَوْ عتقهَا اَوْ كَانَ مِنْهُ وَلَكِن بعيبها أَو مَا يكون بِسَبَب مِنْهَا أما مَا ينْفَرد بِهِ الزَّوْج كردته وإسلامه فَفِيهِ قَولَانِ ومأخذ التَّرَدُّد أَن الْآيَة وَردت فِي فِرَاق الطَّلَاق وَهَذَا تردد فِي أَن فِرَاق الْمَوْت وَالْفَسْخ هَل هُوَ فِي مَعْنَاهُ لِأَن إِيجَاب السُّكْنَى بعد الْبَيْنُونَة كالخارج عَن الْقيَاس وَأما الصَّغِيرَة الَّتِي لَا تحْتَمل الْجِمَاع فَفِي سكناهَا من الْخلاف مَا فِي نَفَقَتهَا فِي صلب النِّكَاح وَكَذَلِكَ الْأمة إِذا طلقت فَإِن قُلْنَا الزَّوْج يسْتَحق تعْيين الْمسكن فِي صلب النِّكَاح فعلَيْهَا مُلَازمَة الْمسكن بعد النِّكَاح وَإِن قُلْنَا إِن السَّيِّد يبوئها
بَيْتا وَطلقت فِي ذَلِك الْبَيْت فَالظَّاهِر أَنَّهَا لَا يلْزمهَا مُلَازمَة الْمسكن لِأَن الْعدة تلْتَفت على النِّكَاح وَقيل إِنَّه يجب ذَلِك ثمَّ إِذا أَوجَبْنَا مُلَازمَة الْمسكن فَفِي وجوب لُزُوم السُّكْنَى على الزَّوْج خلاف يلْتَفت على النَّفَقَة فِي صلب النِّكَاح فَحَيْثُ كَانَ يجب النَّفَقَة تجب السُّكْنَى بعد الطَّلَاق أما النَّاشِزَة إِذا طلقت فِي دوَام النُّشُوز قَالَ القَاضِي لَا سُكْنى لَهَا إِذْ لم يكن لَهَا نَفَقَة وَهَذَا فِيهِ نظر لِأَنَّهَا إِن طَلقهَا فِي مسكن النِّكَاح فَيجب عَلَيْهَا شرعا لُزُوم الْمسكن فَإِن أطاعت فِي ذَلِك فبالحري أَن تسْتَحقّ السُّكْنَى
الْفَصْل الثَّانِي فِي أَحْوَال الْمُعْتَدَّة وَهل يُبَاح لَهَا مُفَارقَة الْمسكن
فَنَقُول يجب عَلَيْهَا لُزُوم الْمسكن حَقًا لله تَعَالَى فَلَا يسْقط بِرِضا الزَّوْج وَإِنَّمَا يُبَاح الْخُرُوج بِعُذْر ظَاهر والأعذار على ثَلَاث مَرَاتِب الأولى مَا يرجع إِلَى طلب الزِّيَادَة كزيارة وَعمارَة واستنماء مَال وتعجيل حج الْإِسْلَام وَلَا يجوز الْخُرُوج لمثل ذَلِك الثَّانِيَة مَا يَنْتَهِي إِلَى حد الضَّرُورَة كوجوب الْهِجْرَة والتمكين من إِقَامَة الْحَد أَو خَافت على زَوجهَا أَو مَالهَا لِأَن الْموضع غير حُصَيْن أَو كَانَت تتأذى بأحمائها أَو تؤذيهن وكل ذَلِك تسليط على الإنتقال لِأَن هَذِه الْمُهِمَّات أقوى فِي الشَّرْع من لُزُوم الْمسكن فِي الْعدة الثَّالِثَة مَا يَنْتَهِي إِلَى حد الْحَاجة كالخروج للطعام وَالشرَاب أَو تدارك مَال أخْبرت بِأَنَّهُ أشرف على الضّيَاع فَذَلِك أَيْضا رخصَة فِي الْخُرُوج فِي حق من لَا كافل لَهَا وَنَحْو ذَلِك وَإِن كَانَ هَذَا الْعذر نَادرا وَكَذَلِكَ حكم مُلَازمَة الْمنزل فِي السّفر إِذا كَانُوا ينتجعون ويسافرون اعتيادا فلهَا المسافرة مَعَهم وَمهما خرجت لحَاجَة فَيَنْبَغِي أَن تخرج بِالنَّهَارِ لِأَن اللَّيْل مَظَنَّة الْآفَات
الْفَصْل الثَّالِث فِيمَا يجب على الزَّوْج
وَفِيه مسَائِل الأولى إِذا كَانَت الدَّار مَمْلُوكَة للزَّوْج لم يجز لَهُ إزعاجها وَلَا يجوز لَهُ مداخلتها لتَحْرِيم الْخلْوَة إِلَّا فِي موضِعين أَحدهمَا أَن تكون هِيَ فِي حجرَة مُفْردَة بالمرافق وَعَلَيْهَا بَاب فَإِن لم يكن عَلَيْهَا بَاب أَو كَانَ مرافقها وَاحِدًا كالمطبخ والمستراح فِي الدَّار لم تجز المداخلة لِأَن التوارد على الْمرَافِق يُفْضِي إِلَى الْخلْوَة وَكَذَلِكَ تحرم المداخلة وَإِن كَانَت الدَّار فيحاء مهما لم تنفصل الْمرَافِق وَلم يحجب الْبَاب الثَّانِي أَن يكون مَعهَا فِي الدَّار محرم لَهَا فَلَا خلْوَة وَكَذَلِكَ إِن كَانَ مَعَ الرجل زَوْجَة أُخْرَى أَو جَارِيَة أَو محرم لَهُ وَلَو كَانَ مَعهَا أَجْنَبِيَّة أَو مُعْتَدَّة أُخْرَى فَهَل يمْنَع ذَلِك الْخلْوَة فِيهِ تردد مأخذه أَن النسْوَة المنفردات هَل لَهُنَّ السّفر عِنْد الامن بِغَيْر محرم وَلَو استخلى رجلَانِ بِامْرَأَة فَهُوَ محرم وَلَيْسَ ذَلِك كاستخلاء رجل بامرأتين وَالْوَجْه أَن يُقَال إِن كَانَ مِمَّن يحتشم أَو يخَاف من جَانِبه حِكَايَة مَا يجْرِي من فجور إِن كَانَ فَهُوَ مَانع للخلوة وَإِلَّا فَلَا
فرع لَو أَرَادَ الزَّوْج بيع الدَّار وعدتها بِالْحملِ أَو الْأَقْرَاء لم ينْعَقد لِأَن الْمَنْفَعَة مُسْتَحقَّة لَهَا وَآخر الْمدَّة غير مَعْلُوم وَلَو كَانَت من ذَوَات الْأَشْهر فَهُوَ كَبيع الدَّار الْمُسْتَأْجرَة إِلَّا إِذا كَانَ يتَوَقَّع طرآن الْحيض فِي الْأَشْهر فَفِيهِ طَرِيقَانِ مِنْهُم من لم يلْتَفت إِلَى ذَلِك بِنَاء على الْحَال وَمِنْهُم من منع البيع لتوقع ذَلِك فَإِن صححنا وطرأ الْحيض كَانَ كَمَا لَو اخْتلطت الثِّمَار بِالْمَبِيعِ وَقد ذَكرْنَاهُ فِي البيع الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة إِذْ كَانَت الدَّار مستعارة فعلَيْهَا الْمُلَازمَة إِلَى أَن يرجع الْمُعير فَإِن رَجَعَ فعلى الزَّوْج أَن يسلم إِلَيْهَا دَارا يَلِيق بهَا ويبذل الْأُجْرَة إِن لم يجد بعارية وَكَذَلِكَ إِذا انْتَهَت مُدَّة الْإِجَارَة فَإِن مست الْحَاجة إِلَى الْأُجْرَة وأفلس الزَّوْج ضاربت الْغُرَمَاء بِأُجْرَة ثَلَاثَة أشهر إِن كَانَت من ذَوَات الْأَشْهر وَإِن كَانَت من ذَوَات الْأَقْرَاء وعادتها مُخْتَلفَة ضاربت بِالْأَقَلِّ وَإِن كَانَت مُسْتَقِيمَة فمقدار الْعَادة على الْأَصَح وَفِيه وَجه أَنَّهَا بِالْأَقَلِّ وَهُوَ ضَعِيف لِأَن حصَّتهَا لَا تسلم إِلَيْهَا وَمَا يخص الْغُرَمَاء يسلم إِلَيْهِم فالإحتياط لجانبها أولى وَكَذَلِكَ الْحَامِل تضارب لتَمام تِسْعَة أشهر فَإِن الزِّيَادَة على ذَلِك نَادِر لَا يعْتَبر هَذَا إِذا كَانَ الزَّوْج حَاضرا فَإِن كَانَ غَائِبا اسْتقْرض القَاضِي عَلَيْهِ فَإِن اسْتَأْجَرت من مَالهَا بِغَيْر إِذن القَاضِي فَفِي رُجُوعهَا على الزَّوْج خلاف وَلَا خلاف فِي أَنَّهَا لَو كَانَت فِي دَار مَمْلُوكَة فَلَا تبَاع لحق الْغُرَمَاء لِأَنَّهَا كالمرهونة فَلَا تخرج مِنْهَا بِحَال الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة إِذا أسكنها فِي النِّكَاح ضيقا لَا يَلِيق بهَا ورضيت وَطَلقهَا فلهَا أَن لَا ترْضى فِي الْعدة وتطلب مسكنا لائقا بهَا وَكَذَلِكَ لَو أسكنها دَارا فيحاء فَلهُ أَن ينقلها
بعد الطَّلَاق إِلَى مَوضِع لَائِق بهَا لَكِن قَالَ القَاضِي يَنْبَغِي أَن يطْلب لَهَا أقرب مسكن يُمكن إِلَى مسكن النِّكَاح حَتَّى لَا يطول ترددها فِي الْخُرُوج وَمَا ذكره لَا يبعد أَن يسْتَحبّ وَلَا شكّ فِي أَنه لَا يُخرجهَا عَن الْبَلدة الْمَسْأَلَة الرَّابِع إِن ألزمنا السُّكْنَى فِي عدَّة الْوَفَاة فَهِيَ من التَّرِكَة فَإِن لم يكن وتبرع بِهِ الْوَارِث وَأَرَادَ إسكانها كَانَ لَهَا ذَلِك وَإِن قُلْنَا لَا تسْتَحقّ فَلَو رَضِي الْوَارِث بملازمة مسكن النِّكَاح فَالظَّاهِر أَنه يجب عَلَيْهَا ذَلِك مُطلقًا وَقيل إِن كَانَت مَشْغُولَة الرَّحِم أَو متوهمة الشّغل فَلهُ ذَلِك مُطلقًا لأجل صِيَانة المَاء وَإِن لم تكن ممسوسة فَلَا يلْزمهَا ذَلِك بل يجب عَلَيْهَا مُلَازمَة أَي مسكن شَاءَت ثمَّ هَذَا التَّعْيِين للْوَارِث وَلَيْسَ للسُّلْطَان ذَلِك
الْفَصْل الرَّابِع فِي بَيَان مسكن النِّكَاح
وَفِيه مسَائِل الأولى إِذا أذن لَهَا فِي الإنتقال إِلَى دَار أُخْرَى ثمَّ طَلقهَا قبل الإنتقال لازمت الْمسكن الأول وَإِن طلق بعد الإنتقال لازمت الْمسكن الثَّانِي وَالْعبْرَة فِي الإنتقال بدنهَا وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله الْعبْرَة بِنَقْل الْأَمْتِعَة وَإِن صادفها الطَّلَاق فِي الطَّرِيق فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا تَرْجِيح الأول استصحابا وَالثَّانِي تَرْجِيح الثَّانِي لِأَنَّهَا انْتَقَلت عَن الأول وَالثَّالِث أَنَّهَا تتخير بَينهمَا للتعارض وَكَذَا الْكَلَام فِيمَا إِذا أذن لَهَا فِي الإنتقال إِلَى بَلْدَة أُخْرَى فَفِي جَوَاز الإنصراف خلاف الثَّانِيَة لَو خرجت إِلَى سفر بِإِذْنِهِ فَطلقهَا بعد مُفَارقَة عمَارَة الْبَلَد فَلَيْسَ عَلَيْهَا الإنصراف لِأَن إبِْطَال أهبة سفرها إِضْرَار فَإِن فَارَقت الْمنزل دون الْبَلَد فَوَجْهَانِ أَحدهمَا يجب الإنصراف لِأَنَّهَا بعد لم تَنْقَطِع عَن الوطن وَالثَّانِي لَا لِأَن ذَلِك إِضْرَار بِإِبْطَال الأهبة
وَلَا خلاف فِي أَن لَهَا الإنصراف ثمَّ إِذا مَضَت لوجهها فلهَا التَّوَقُّف إِلَى إنجاز حَاجَتهَا وَعَلَيْهَا الرُّجُوع لملازمة الْمسكن بَقِيَّة مُدَّة تَنْقَضِي فِي الطَّرِيق فَفِي وجوب الإنصراف خلاف وَالظَّاهِر أَنه لَا يجب وَلَا فَائِدَة فِيهِ وَلَا يكلفها التَّقَدُّم على الرّفْقَة لأجل ذَلِك وَإِن انْقَضتْ حَاجَتهَا قبل ثَلَاثَة أَيَّام جَازَ لَهَا استكمال الثَّلَاث لِأَنَّهَا مُدَّة مكث الْمُسَافِر شرعا الثَّالِثَة مَا ذَكرْنَاهُ فِي سفر تِجَارَة أَو مُهِمّ فَإِن كَانَ سفر نزهة أَو مَا لَا مُهِمّ فِيهِ وَقد أذن لَهَا عشرَة أَيَّام مثلا فَطلقهَا فِي أثْنَاء الْمدَّة فَفِي جَوَاز اسْتِيفَاء الْمدَّة قَولَانِ وَيجْرِي الْقَوْلَانِ فِي وجوب الإنصراف إِن طَلقهَا فِي الطَّرِيق وَهَكَذَا فِي الْمدَّة الزَّائِدَة على حَاجَة التِّجَارَة فِي سفر التِّجَارَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُهِمّ وَلَكِن انْضَمَّ الْإِذْن فِي أهبة السّفر فَاحْتمل أَن يُقَال فِي الْمَنْع إِضْرَار وَلَو أذن لَهَا فِي الإعتكاف عشرَة أَيَّام فَطلقهَا قبل الْمدَّة فَإِن قُلْنَا لَو خرجت بِمثل هُنَا الْعذر جَازَ الْبناء على الإعتكاف الْمَنْذُور فعلَيْهَا الْخُرُوج وَإِن كَانَ الإعتكاف منذورا لِأَنَّهُ لَا ضَرَر وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرّد إِذن فَهُوَ كَمَا لَو أذن لَهَا فِي الْمقَام فِي دَار أُخْرَى عشرَة أَيَّام فطلاقها يبطل ذَلِك الْإِذْن وَإِن قُلْنَا إِن الإعتكاف يبطل فَيكون فِيهِ
ضرار كَمَا فِي أهبة السّفر وَلَا خلاف فِي أَنَّهَا لَو خرجت مَعَ الزَّوْج فَطلقهَا فِي الطَّرِيق لَزِمَهَا الإنصراف لِأَنَّهَا خرجت بأهبة الزَّوْج فَلَا تبطل عَلَيْهَا أهبتها وَالْخُرُوج لغَرَض التِّجَارَة غير جَائِز لِأَنَّهُ طلب زِيَادَة وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك فِي الدَّوَام للضرار فِي فَوَات الأهبة الرَّابِعَة إِذا أذن لَهَا فِي الْإِحْرَام وَطَلقهَا قبل الْإِحْرَام لم تحرم وَإِن كَانَ بعد الْإِحْرَام وَكَانَ بِعُمْرَة يُمكن تَأْخِيرهَا فَفِي وجوب التَّأْخِير وَجْهَان وَلَعَلَّ الْأَصَح جَوَاز الْخُرُوج لِأَن فِي مصابرة الْإِحْرَام ضِرَارًا الْخَامِسَة منزل البدوية كمسكن البلدية لَكِن إِن رحلوا بجملتهم فلهَا الرحيل وَإِن رَحل غير أَهلهَا فعلَيْهَا الْمقَام فَإِن رَحل أَهلهَا وَهِي آمِنَة فِي الْمقَام فَفِيهِ وَجْهَان وَهُوَ رَاجع إِلَى أَن ضَرَر مُفَارقَة الْأَهْل هَل يعْتَبر وَلَو كَانُوا يرجعُونَ على قرب فعلَيْهَا الْمقَام إِذْ لَا ضَرَر وَلَو ارتحلت مَعَهم فَأَرَادَتْ الْمقَام بقرية فِي الطَّرِيق جَازَ فَإِن ذَلِك أحسن من السّفر بِخِلَاف المأذونة فِي السّفر فَإِن رُجُوعهَا إِلَى الوطن أولى من الْإِقَامَة فِي قَرْيَة السَّادِسَة إِذا صادفها الطَّلَاق فِي دَار أُخْرَى أَو بَلْدَة أُخْرَى فَقَالَ ارجعي فَقَالَت طلقت بعد الْإِذْن فِي النقلَة فَأنْكر الزَّوْج الْإِذْن نقل عَن الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ أَن القَوْل قَوْله وَهُوَ الْقيَاس وَلَكِن نقل أَنه إِن كَانَ النزاع مَعَ الْوَرَثَة
فَالْقَوْل قَوْلهَا وَإِلَى الْفرق ذهب أَبُو حنيفَة رَحمَه الله وَابْن سُرَيج وَكَأن كَونهَا فِي غير مسكن النِّكَاح يشْهد لَهَا على الْوَرَثَة لَا على الزَّوْج وَمن أَصْحَابنَا من جعل الْمَسْأَلَتَيْنِ على قَول وَمِنْهُم من جعلهَا على حَالين فَنَقُول إِنَّمَا جعل القَوْل قَوْله إِذا كَانَ النزاع فِي اصل اللَّفْظ وَإِن كَانَ فِي معنى اللَّفْظ بِأَن قَالَت أردْت بِالْإِذْنِ النقلَة وَقَالَ بل النزهة فَالظَّاهِر تصديقها فَيقبل قَوْلهَا
الْقسم الثَّالِث من الْكتاب فِي الإستبراء بِسَبَب ملك الْيَمين
وَفِيه ثَلَاثَة فُصُول
الْفَصْل الأول فِي قدر الإستبراء وَشَرطه وَحكمه
أما قدره فَهُوَ قرء وَاحِد لِأَنَّهُ نَادَى مُنَادِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بعد سبي أَوْطَاس أَلا لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع وَلَا حَائِل حَتَّى تحيض وللمستبرأة ثَلَاثَة أَحْوَال أَحدهَا أَن تكون من ذَوَات الْأَقْرَاء واستبراؤها بقرء وَاحِد وَهُوَ الْحيض لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى تحيض وَلِأَنَّهُ إِذا لم يعْتَبر إِلَّا قرء وَاحِد فليعتبر الْحيض فَإِنَّهُ دَلِيل على الْبَرَاءَة هَذَا هُوَ الْجَدِيد
وَفِيه وَجه آخر أَنه الطُّهْر قِيَاسا على الْعدة لِأَن التَّعَبُّد غَالب عَلَيْهِ وَلذَلِك يجب مَعَ يَقِين الْبَرَاءَة إِذا استبرأها من امْرَأَة أَو صبي
التَّفْرِيع
إِذا قضينا بِأَنَّهُ حيض فَلَا بُد من حيض كَامِل فَلَا يَكْفِي بقبة حيض وَإِن قُلْنَا إِنَّه طهر فَهَل يَكْفِي بَقِيَّة الطُّهْر فِيهِ خلاف لِأَن الْعدة تشْتَمل على عدد فَجَاز أَن يعبر عَن شَيْئَيْنِ وَبَعض الثَّالِث بِثَلَاثَة وَلِأَنَّهُ يجْرِي فِيهِ الْحيض مَرَّات وَلَو صَادف الْملك آخر الْحيض فانقضى طهر كَامِل بعده كفى على هَذَا القَوْل وَقيل إِنَّه لَا بُد من حيض كَامِل بعده لتحصل دلَالَة على الْبَرَاءَة فِي ملكه وَهَذَا رُجُوع إِلَى القَوْل الأول وَشَهَادَة تَضْعِيف هَذَا القَوْل الْحَالة الثَّانِيَة أَن تكون من ذَوَات الْأَشْهر وَفِيه قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يَكْفِي شهر وَاحِد وَالثَّانِي أَنه لَا أقل من ثَلَاثَة أشهر لِأَنَّهُ أقل مُدَّة ضربت شرعا للدلالة على الْبَرَاءَة والأمور الطبيعية لَا تخْتَلف بِالرّقِّ وَأَبُو حنيفَة رَحمَه الله يُوجب على الْمُسْتَوْلدَة إِذا عتقت ثَلَاثَة أَقراء أَو ثَلَاثَة أشهر نظرا إِلَى حريتها فِي الْحَال وَنحن نكتفي بقرء وَاحِد نظرا إِلَى جِهَة الْملك
الْحَالة الثَّالِثَة أَن تكون حَامِلا فعدتها بِوَضْع الْحمل وَإِن كَانَ من الزِّنَا لإِطْلَاق رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله حَتَّى تضع وَمِنْهُم من قَالَ لَا تَنْقَضِي بِالزِّنَا كَمَا فِي الْعدة وَقيل هَذَا يلْتَفت على أَن الْمُعْتَبر حيض أم طهر فَإِن اعْتبرنَا الْحيض من حَيْثُ إِنَّه دَلِيل الْبَرَاءَة فَكَذَلِك حمل الزِّنَا دَلِيل الْبَرَاءَة وَإِلَّا فَلَا أما حكمه فَهُوَ تَحْرِيم لوجوه الإستمتاع قبل تَمَامه إِلَّا فِي المسبية وَلِأَنَّهُ لَا يحرم فِيهَا إِلَّا الْوَطْء لِأَن الْمَانِع فِي الشِّرَاء توقع ولد من البَائِع يمْنَع صِحَة الشِّرَاء وَولد الْحَرْبِيّ لَا يمْنَع جَرَيَان الرّقّ وَإِنَّمَا استبراؤها لصيانة مَاء الْمَالِك عَن الإمتزاج بِالْحملِ فَيقْتَصر التَّحْرِيم على الْوَطْء وَمِنْهُم من سوى وَحرم استمتاع المسبية أَيْضا تبعا أما شَرطه فَإِنَّهُ يَقع بعد الْقَبْض وَلُزُوم الْملك فِي مَظَنَّة الإستحلال فَلَو جرت حَيْضَة قبل قبض الْجَارِيَة الْمُشْتَرَاة فَفِيهِ خلاف لضعف الْملك وَالظَّاهِر أَنه يجزىء للُزُوم الْملك نعم لم يعْتد بهَا فِي الْمَوْهُوبَة قبل الْقَبْض وَفِي الْمُوصى بهَا قبل الْقبُول فَلَا أثر للقبض فِي الْوَصِيَّة وَفِي مُدَّة الْخِيَار لَا يجزىء إِذا قُلْنَا الْملك للْبَائِع وَإِن قُلْنَا للْمُشْتَرِي فَهُوَ كَمَا قبل الْقَبْض لضَعْفه وَلَو كَانَت مَجُوسِيَّة أَو مرتدة فَأسْلمت بعد انْقِضَاء الْحيض فقد انْقَضى فِي الْملك وَلَكِن لَا فِي مَظَنَّة الإستحلال فَفِيهِ وَجْهَان
وَمن خاصية الإستبراء أَنه لَيْسَ من شَرطه الإمتناع عَن الْوَطْء بل لَو وَطئهَا انْقَضى الإستبراء وَعصى بِالْوَطْءِ فَإِن أحبلها وَهِي حَائِض حلت فِي الْحَال إِذْ مَا مضى كَانَ حيضا كَامِلا وَانْقطع بِالْحيضِ فَإِن كَانَت طَاهِرا لم ينْقض الإستبراء إِلَى وضع الْحمل
الْفَصْل الثَّانِي فِي سَبَب الإستبراء
وَهُوَ جلب ملك أَو زَوَاله الأول الجلب فَمن تجدّد لَهُ ملك على الْجَارِيَة هِيَ مَحل استحلاله توقف حلهَا على الإستبراء بعد لُزُوم ملكه بقرء سَوَاء كَانَ الْملك عَن هبة أَو بيع وَصِيَّة أَو إِرْث أَو فسخ أَو إِقَالَة وَسَوَاء كَانَت صَغِيرَة أَو كَبِيرَة أَو حَامِلا أَو حَائِلا وَسَوَاء كَانَ الْمَالِك مِمَّن يتَصَوَّر مِنْهُ شغل أَو لَا يتَصَوَّر كامرأة أَو مجبوب أَو صبي وَسَوَاء كَانَت قد استبرأت قبل البيع أَو لم تكن وَقَالَ دَاوُد لَا يجب اسْتِبْرَاء الْبكر وَقَالَ مَالك رَحمَه الله الصَّغِيرَة الَّتِي لَا تُوطأ لَا تستبرأ وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله لَا يجب إِذا عَادَتْ بِخِيَار رُؤْيَة أَو رد بِعَيْب أَو رُجُوع فِي هبة أَو إِقَالَة قبل الْقَبْض وَأوجب فِي الْإِقَالَة بعد الْقَبْض وَألْحق أَصْحَابنَا بِزَوَال الْملك الْمُكَاتبَة إِذا عجزت وعادت إِلَى الْحل لِأَنَّهَا صائرة إِلَى حَالَة تسْتَحقّ الْمهْر على السَّيِّد وَلذَلِك تحل أُخْت الْمُكَاتبَة وَلَا خلاف فِي أَن التَّحْرِيم بِالصَّوْمِ وَالرَّهْن لَا يُؤثر أما زَوَال إحرامها
وإسلامها بعد الرِّدَّة وَطَلَاق زَوجهَا إِيَّاهَا فَفِيهِ خلاف لتأكيد هَذِه الْأَسْبَاب وَإِيجَاب ذَلِك فِي المزدوجة اولى لِأَن الزَّوْج قد اسْتحق مَنَافِعهَا ثمَّ يرجع الإستحقاق إِلَيْهِ أما إِذا اشْترى منكوحته الرقيقة فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا يجب لِأَن الْحل دَائِم من شخص وَاحِد وَالثَّانِي يجب لتبدل جِهَة الْحل وَلَو بَاعَ جَارِيَته بِشَرْط الْخِيَار ثمَّ رجعت إِلَيْهِ فِي مُدَّة الْخِيَار فَإِن قُلْنَا لم يزل ملكه فَلَا اسْتِبْرَاء وَإِن قُلْنَا زَالَ الْملك وَحرم الْوَطْء لزم الإستبراء وَإِن قُلْنَا زَالَ الْملك وَلَكِن الْوَطْء جَائِز لِأَنَّهُ فسخ فها هُنَا يحْتَمل أَن يُقَال الْحل مطرد والجهة متحدة بِخِلَاف شِرَاء الزَّوْجَة فَلَا اسْتِبْرَاء وَيحْتَمل أَن ينظر إِلَى تجدّد الْملك وَبِه يُعلل اسْتِبْرَاء الْمَنْكُوحَة الْمُشْتَرَاة فرع لَو اشْترى مُحرمَة أَو مُعْتَدَّة أَو مُزَوّجَة فَفِي وجوب استبرائها بعد انْقِضَاء الْعدة أَو بعد طَلَاق الزَّوْج من غير دُخُول نُصُوص مضطربة للشَّافِعِيّ رَضِي الله عَنهُ فَقيل فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يجب وَهُوَ الْقيَاس وَلَا يبعد أَن يتَأَخَّر الإستبراء عَن الْملك إِلَى وَقت الطَّلَاق ونزوال الْعدة
وَالثَّانِي أَنه لَا يجب لِأَن الْمُوجب جلب الْملك وَلم تكن إِذْ ذَاك فِي مَظَنَّة الإستحلال فَهُوَ كَشِرَاء الْأُخْت من الرَّضَاع لَا يُوجب الإستبراء وَلما حصل الْحل لم يَتَجَدَّد ملك حَتَّى يجب بِهِ السَّبَب الثَّانِي زَوَال الْملك فَنَقُول الْجَارِيَة الْمَوْطُوءَة مُسْتَوْلدَة كَانَت أَو لم تكن فَهِيَ فِي حكم مستفرشة فَإِذا اعتقت بعد موت السَّيِّد أَو بِالْإِعْتَاقِ فعلَيْهَا التَّرَبُّص بقرء وَاحِد وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله أما الْمُسْتَوْلدَة فتتربص عِنْد الْعتْق وَلَكِن بِثَلَاثَة أَقراء نظرا إِلَى كمالها فِي الْحَال وَأما الْأمة فَلَا تربص عَلَيْهَا وَزَاد فَقَالَ لَو وَطئهَا السَّيِّد وَأَرَادَ فِي الْحَال تَزْوِيجهَا جَازَ من غير اسْتِبْرَاء وَهَذَا هجوم عَظِيم على خلط الْمِيَاه وَعِنْدنَا أَن كل جَارِيَة مَوْطُوءَة لَا يحل تَزْوِيجهَا إِلَّا بعد الِاسْتِبْرَاء وَكَأن هَذَا الإستبراء من نتيجة حُصُول ملك الزَّوْج فَإِن ملك السَّيِّد لم يزل إِلَّا أَنه يجب تَقْدِيمه على الْملك لِأَن النِّكَاح يقْصد لحل الْوَطْء فَلَا يُمكن عقده إِلَّا بِحَيْثُ يستعقب الْحل وَأما المُشْتَرِي فيستبرىء بعد الْملك لِأَن الشِّرَاء بِقصد الْأَغْرَاض الْمَالِيَّة فَلَا يقبل الْحجر بِسَبَب الْوَطْء نعم إِن عزم على الشِّرَاء قدم الإستبراء عَلَيْهِ
فروع
الأول لَو اشْترى المستفرشة المستبرأة تسلط على التَّزْوِيج وَأعْتق قبل التَّزْوِيج أَو بَاعَ وَأَرَادَ المُشْتَرِي التَّزْوِيج أَو أعتق المُشْتَرِي قبل الْوَطْء فَأَرَادَ التَّزْوِيج فَفِي جَوَاز ذَلِك ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا وَهُوَ الظَّاهِر أَنه يجوز إِذْ كَانَ يجوز قبل زَوَال الْملك فطرآن الْعتْق أَو الشِّرَاء لم يحرم تزويجا كَانَ ذَلِك جَائِزا وَالثَّانِي أَنه لَا يجوز لِأَن زَوَال ملك الْفراش سَبَب يُوجب عدَّة الإستبراء وَقد طَرَأَ فَامْتنعَ بِهَذَا الطارىء حَتَّى يَزُول وَالثَّالِث أَن ذَلِك يمْنَع فِي الْمُسْتَوْلدَة دون الرقيقة لِأَنَّهَا بالمستفرشة أشبه وَالثَّانِي الْمُسْتَوْلدَة الْمُزَوجَة إِذا طَلقهَا زَوجهَا واعتدت فَأعْتقهَا السَّيِّد وَأَرَادَ تَزْوِيجهَا قبل الْوَطْء فَهَل لَهُ ذَلِك فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا نعم إِذْ كَانَ يجوز قبل الْعتْق وَالثَّانِي لَا لِأَن عتقهَا هُوَ زَوَال ملك الْفراش وَقد صَارَت مستفرشة لَهُ بِانْقِضَاء عدتهَا وَإِن لم يَطَأهَا إِذْ عَادَتْ إِلَى فرَاشه أما إِذا قَالَ أَنْت حرَّة مَعَ آخر الْعدة فها هُنَا لم ترجع إِلَى فرَاشه فَمنهمْ من قطع بِجَوَاز التَّزْوِيج وَمِنْهُم من طرد الْقَوْلَيْنِ وَجعل مُجَرّد زَوَال الْملك عَن الْمُسْتَوْلدَة سَببا للعدة الثَّالِث إِذا أعتق الْمُسْتَوْلدَة الْمُزَوجَة وَهِي فِي صلب النِّكَاح أَو عدته فَالظَّاهِر
أَن الإستبراء لَا يجب لِأَنَّهُ لَيْسَ الزائل فراشا لَهُ بل هِيَ فرَاش للزَّوْج وَفِيه قَول آخر أَنه يجب لزوَال ملك السَّيِّد وَقد كَانَت مستفرشة من قبل فَإِن أَوجَبْنَا فِي الْعدة فَلَا يخفى أَنَّهُمَا لَا يتداخلان وَيبقى النّظر فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير كَمَا سبق الرَّابِع إِذا أعتق مستولدته وَأَرَادَ أَن ينْكِحهَا فِي مُدَّة الإستبراء فَفِي جَوَازه خلاف وَالْأَظْهَر جَوَازه كَمَا لَو وَطئهَا بِالشُّبْهَةِ وَأَرَادَ أَن ينْكِحهَا وَالثَّانِي الْمَنْع لِأَن زَوَال الْملك أوجب تعبدا بالإستبراء وَلذَلِك منع من التَّزْوِيج من الْغَيْر على وَجه مَعَ أَنه كَانَ جَائِزا قبل الْعتْق الْخَامِس الْمُسْتَوْلدَة الْمُزَوجَة إِذا مَاتَ زَوجهَا وسيدها جَمِيعًا فَإِن مَاتَ السَّيِّد أَولا فعلَيْهَا عدَّة الْوَفَاة أَرْبَعَة أشهر وَعشر فَإِن مَاتَ الزَّوْج أَولا فعلَيْهَا نصف ذَلِك وَإِن استبهم فعلَيْهَا الْأَخْذ بالأحوط وَذَلِكَ ظَاهر إِذا فرعنا على الصَّحِيح فِي أَنه لَيْسَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاء للسَّيِّد وَإِن أَوجَبْنَا فَبعد مُضِيّ عدَّة الْوَفَاة لَا بُد من شهر آخر إِلَّا إِذا كَانَت من ذَوَات الْأَقْرَاء فتكفيها حَيْضَة وَإِن جرت فِي مُدَّة الْعدة لِأَن الْمَقْصُود وجود صُورَة الْحيض بعد موت السَّيِّد وَقد حصل وَإِن لم تجر فَلَا بُد مِنْهَا بعد الْعدة وَإِن مَاتَا مَعًا فَلَا اسْتِبْرَاء لِأَنَّهَا مَا عَادَتْ إِلَى فرَاشه وَالظَّاهِر أَن عدتهَا شَهْرَان وَشَيْء بِخِلَاف مَا لَو تقدم موت السَّيِّد بلحظة على موت الزَّوْج وَفِيه وَجه أَنَّهَا لَو عتقت فِي أثْنَاء الْعدة استكملت عدَّة الْحَرَائِر فَإِذا أعتقت مَعَ مَوته فَهُوَ أولى بذلك
قَاعِدَة
يجوز اعْتِمَاد قَوْلهَا إِنِّي حِضْت فَلَا سَبِيل إِلَى تحليفها إِذْ لَا يرتبط بنكولها حكم فَإِن السَّيِّد لَا يُقرر على الْحلف وَلَا اطلَاع لَهُ على حَيْضهَا وَلَو امْتنعت عَن غشيانه وَرفعت إِلَى القَاضِي فَقَالَ قد أَخْبَرتنِي بِالْحيضِ فَالْأَوْجه تَصْدِيق السَّيِّد وتسليطه إِذْ لَوْلَا ذَلِك لَوَجَبَتْ الْحَيْلُولَة بَينهمَا كَمَا فِي وَطْء الشُّبْهَة فالإستبراء بَاب من التَّقْوَى فيفوض إِلَى السَّيِّد وَذكر القَاضِي أَنه لَا يبعد أَن يكون لَهَا الْمُخَاصمَة وَالدَّعْوَى حَتَّى إِن الْجَارِيَة الموروثة لَو ادَّعَت أَن الْمُورث وَطئهَا وطئا محرما على الْوَارِث فللوارث أَن لَا يصدقها وَهل لَهَا تَحْلِيفه فِيهِ خلاف فَكَذَلِك هَذَا ويتأيد بِوَجْه ذكر أَن لَهَا الإمتناع عَن وقاع السَّيِّد الأبرص فيشعر بِأَنَّهَا صَاحِبَة حق على الْجُمْلَة
الْفَصْل الثَّالِث فِيمَا تصير بِهِ الْأمة فراشا
فَنَقُول قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْوَلَد للْفراش فَإِذا اسْتَبْرَأَ جَارِيَة فَأَتَت بِولد قبل أَن يَطَأهَا فَلَا يلْحق بِهِ إِذْ لَا فرَاش وَتصير فراشا بِالْوَطْءِ وَإِنَّمَا يلْحقهُ الْوَلَد إِذا اسْتَلْحقهُ أَو أَتَت بِهِ لزمان يحْتَمل أَن يكون مِنْهُ بعد الْوَطْء وَيثبت الْفراش بِأَن يقر بِوَطْء عري عَن دَعْوَى الإستبراء والعزل وَالصَّحِيح أَن دَعْوَى الْعَزْل لَا تَنْفِي الْوَلَد لِأَن المَاء سباق لَا يدْخل تَحت الإختيار وَالصَّحِيح أَن اعترافه بِالْوَطْءِ فِي غير المأتى لَا يلْحق الْوَلَد بِهِ أما إِذا قَالَ وطِئت واستبرأتها بعده بحيض فَالْمَذْهَب أَنه يَنْتَفِي عَنهُ الْوَلَد بِغَيْر لعان لِأَن فرَاش الْأمة
ضَعِيف وَمِنْهُم من قَالَ لَا يَنْتَفِي إِلَّا بِاللّعانِ فَإِن
فرع
نا على الْمَذْهَب فأنكرت فَالْقَوْل قَوْله فكأنا نقُول لم يقر إِقْرَارا مُلْحقًا وَإِن كَانَت هِيَ المؤتمنة فِي رَحمهَا وَلَو ادَّعَت أُميَّة الْوَلَد فلهَا تَحْلِيفه ثمَّ فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا يحلف أَنَّهَا حَاضَت بعد الْوَطْء وَمَا وَطئهَا بعد الْحيض وَالثَّانِي أَنه يضيف إِلَى ذَلِك أَن الْوَلَد لَيْسَ مني حَتَّى يَنْتَفِي وَلَو أَتَت بعد الْوَطْء لأكْثر من أَربع سِنِين فَمُقْتَضى قَوْلنَا إِنَّهَا صَارَت فراشا أَنه يلْحقهُ فَإِن قُلْنَا إِنَّه يَنْتَفِي بِدَعْوَى الإستبراء فَهَذَا أظهر وَإِن قُلْنَا لَا يَنْتَفِي فَهَذَا فِيهِ تردد وعَلى الْجُمْلَة هَذَا بِالنَّفْيِ أولى من الإستبراء وَيقرب من هَذَا أَنَّهَا لَو أَتَت بِولد ثمَّ أَتَت بِولد آخر لأكْثر من سِتَّة أشهر من الْوَلَد الأول فَإِنَّهُ ولد بعد الإستبراء بِالْوَلَدِ الأول فَمنهمْ من قَالَ يلْحق إِذْ صَارَت فراشا وَمِنْهُم من قَالَ لَا إِذْ لَيْسَ يثبت لَهَا عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ حكم المستفرشة وعَلى هَذَا يلْتَفت أَن المستفرشة إِذا طَلقهَا زَوجهَا هَل تعود فراشا بِمُجَرَّد الطَّلَاق حَتَّى يجب الإستبراء بِعتْقِهَا قبل الْوَطْء فَإِن قُلْنَا تعود فراشا لحقه الْوَلَد من غير إِقْرَار جَدِيد بِالْوَطْءِ لَكِن الْأَصَح أَنَّهَا لَا تعود فراشا
فرع إِذا اشْترى زَوجته وَأَتَتْ بِولد لزمان يحْتَمل أَن يكون فِي النِّكَاح وَفِي ملك
الْيَمين فيلحقه الْوَلَد إِذْ الْأمة لَا تنحط عَن البائنة وَلَكِن لَا تصير أم ولد لَهُ إِذا لم يعْتَرف بِوَطْء فِي الْملك وَفِيه وَجه أَنَّهَا تصير أم ولد لَهُ لِأَنَّهَا ولدت مِنْهُ فِي ملكه وَهُوَ بعيد نعم لَو أقرّ بِالْوَطْءِ وَاحْتمل أَن يكون من النِّكَاح وَملك الْيَمين فَيحْتَمل ترددا فِي أُميَّة الْوَلَد وَوجه إثْبَاته أَن يُقَال ملك الْيَمين مَعَ الْإِقْرَار بِالْوَطْءِ يثبت فراشا نَاسِخا لفراش النِّكَاح فيحال الْوَلَد على النَّاسِخ وَيُمكن أَن يُقَال ملك الْيَمين لَا يقوى على نسخ فرَاش النِّكَاح ويبتني عَلَيْهِ تردد فِي أَن زوج الْأمة إِذا طَلقهَا قبل الْمَسِيس وَأقر السَّيِّد بِوَطْئِهَا وَأَتَتْ بِولد لزمان يحْتَمل أَن يكون مِنْهُمَا فَيحْتَمل أَن يلْحق بالسيد لِأَن فرَاشه نَاسخ وَيحْتَمل أَن يعرض على الْقَائِف
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي أَرْكَان الرَّضَاع وشرائطه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أما الْأَركان فَثَلَاثَة الْمُرْضع وَاللَّبن والمرتضع أما الْمُرْضع فَهُوَ كل امْرَأَة حَيَّة تحْتَمل الْولادَة فاحترزنا بِالْمَرْأَةِ عَن الْبَهِيمَة وَالرجل فَلَو ارتضع صغيران من بَهِيمَة فَلَا أخوة بَينهمَا لِأَن الْأُخوة تتبع الأمومة وَقَالَ عَطاء تثبت الْأُخوة وَلَو در لبن من ثدي الرجل فَلَا أثر لَهُ وَفِيه وَجه أَنه كلبن الْمَرْأَة والصبية بنت ثَمَان إِن در لَبنهَا فَلَا حكم لَهُ بل هُوَ كلبن الرجل وَفِي لبن الْبكر وَجْهَان أَحدهمَا يحرم لِأَنَّهَا فِي مَحل الْولادَة وَإِن لم تَلد قطعا وَالثَّانِي أَنَّهَا كَالرّجلِ إِذْ اللَّبن فرع للْوَلَد وَلَا ولد أما لَو أجهضت جَنِينا فلبنها مُؤثر وَإِذا در لبن لصبية بنت سِنِين وَقُلْنَا يعْتَبر لبن الْبكر اعْتبر ذَلِك لاحْتِمَال الْبلُوغ ثمَّ لَا يحكم ببلوغها بِمُجَرَّد اللَّبن وَلَكِن كَمَا يلْحق الْوَلَد بِابْن تسع سِنِين وَلَا يحكم بِبُلُوغِهِ
وَأما الْمَرْأَة الْميتَة إِذا بَقِي فِي ضرْعهَا لبن فَلَا يُؤثر لَبنهَا لِأَنَّهَا جثة منفكة عَن الْحل وَالْحُرْمَة كالبهيمة نعم لَو حلب فِي حَيَاتهَا وارتضع بعد الْمَوْت كَانَ محرما على الْمذَاهب وَفِيه وَجه أَنه لَا يحرم لِأَن الْمَيِّت لَا يحْتَمل ابْتِدَاء الأمومة الرُّكْن الثَّانِي اللَّبن وَالْمُعْتَبر عندنَا وُصُول عينه إِلَى الْجوف وَإِن لم يبْق اسْمه حَتَّى لَو اتخذ مِنْهُ جبن أَو أقط أَو مخض مِنْهُ زبد فَأَكله الصَّبِي حرم فَلم يتبع الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ اسْم اللَّبن وَإِن اتبع اسْم الْإِرْضَاع وعول على الْخَبَر فِيهِ وَلَو اخْتَلَط بمائع وَهُوَ غَالب حرم وَإِن كَانَ مَغْلُوبًا بِحَيْثُ لَا يظْهر لَهُ لون وَطعم فَإِن
اخْتَلَط بِمَا دون الْقلَّتَيْنِ وَشرب الصَّبِي جَمِيعه فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه لَا يحرم لِأَنَّهُ قد انمحق وَالثَّانِي نعم لِأَن الْعين بَاقٍ فِيهِ وَقد وصل إِلَى الْجوف فعلى هَذَا لَو شرب بعضه فَوَجْهَانِ أَحدهمَا يحرم لانه مُثبت فِي الْجَمِيع وَالثَّانِي لَا فَلَعَلَّهُ فِي الْبَاقِي وَالْوَجْه الْقطع بِأَنَّهُ يعْتَبر يَقِين الْإِثْبَات فَإِن شكّ فَالْأَصْل عدم التَّحْرِيم أما إِذا اخْتَلَط بقلتين فالترتيب على الْعَكْس وَهُوَ أَنه إِن شرب بعضه لم يحرم وَإِن شرب كُله فَقَوْلَانِ مرتبان على مَا دون الْقلَّتَيْنِ وَأولى بِأَن لَا يُؤثر ثمَّ لم نعتبر الْقلَّتَيْنِ فِي سَائِر الْمَائِعَات بل فِي المَاء خَاصَّة واعتباره بعيد وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد المغلوب يَعْنِي بِهِ الَّذِي لَا يُؤثر فِي التغذية لَا الَّذِي لَا يُؤثر فِي اللَّوْن الرُّكْن الثَّالِث الْمحل وَهُوَ جَوف الصَّبِي الْحَيّ فَلَا يُؤثر الإيصال إِلَى جَوف الْمَيِّت وَلَا إِلَى جَوف الْكَبِير ونعني بالجوف الْمعدة وَمحل التغذية لِأَن الرَّضَاع مَا انبت اللَّحْم وأنشر الْعظم فَلَو وصل إِلَى جَوف لَا يغذي كالمثانة والإحليل فَحَيْثُ لَا يفْطر لَا يُؤثر وَحَيْثُ
يحصل الْإِفْطَار فَفِي تَحْرِيم الرَّضَاع قَولَانِ وَفِي السعوط طَرِيقَانِ مِنْهُم من طرد الْقَوْلَيْنِ وَمِنْهُم من قطع بالحصول لِأَن الدِّمَاغ لَهُ مجْرى إِلَى الْمعدة فينتهي إِلَيْهَا بِخِلَاف الحقنة أما الشَّرْط فَهُوَ اثْنَان الأول الْوَقْت فَلَا أثر للرضاع بعد الْحَوْلَيْنِ عِنْد الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا رضَاع إِلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلين لمن أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة﴾ وَلَا حكم لما بعد التَّمام وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله ثَلَاثُونَ شهرا وَقَالَ ابْن أبي ليلى
ثَلَاث سِنِين وَقَالا دَاوُد أبدا وَبِه قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا واستدلت بِأَن سهلة بنت سُهَيْل قَالَت كُنَّا نرى سالما ولدا وَكَانَ يدْخل علينا فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرضعيه خمس رَضعَات فَفعلت وَكَانَ كَبِيرا وأبى سَائِر الصَّحَابَة ذَلِك وَقَالُوا كَانَ ذَلِك رخصَة لسالم
فرع
لَو شككنا فِي وُقُوع الرَّضَاع فِي الْحَوْلَيْنِ فَيقرب من تقَابل الْأَصْلَيْنِ إِذْ الأَصْل بَقَاء الْحَوْلَيْنِ وَالْأَصْل عدم التَّحْرِيم وَالْأَظْهَر أَنه لَا يحرم فَإِنَّهُ الأَصْل كالماسح إِذا شكّ فِي انْقِضَاء مُدَّة الْمسْح قُلْنَا الأَصْل وجوب الْغسْل لَا بَقَاء الْمدَّة الشَّرْط الثَّانِي الْعدَد فَلَا يحرم إِلَّا خمس رَضعَات لقَوْل عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أنزلت عشر رَضعَات مُحرمَات فنسخن بِخمْس رَضعَات وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله يحرم برضعة وَقَالَ أَبُو ثَوْر وَابْن أبي ليلى يحصل بِثَلَاث رَضعَات
ثمَّ النّظر فِي أَمريْن أَحدهمَا فِي التَّعَدُّد وَإِنَّمَا يَتَعَدَّد بتخلل فصل بَين الرضعتين وَيتبع فِيهِ الْعرف كموجب الْيَمين وَلَا يَنْقَطِع التواصل بِأَن يلفظ الصَّبِي الثدي ويلهو لَحْظَة وَلَا بِأَن يتَحَوَّل من ثدي إِلَى ثدي لِأَن ذَلِك إتْمَام رضعة وَاحِدَة وَإِنَّمَا يَنْقَطِع بالإضراب سَاعَة وَالْعرْف هُوَ الْمُحكم وَعند الشَّك الأَصْل نفي التَّحْرِيم أما إِذا حلبت اللَّبن دفْعَة وَاحِدَة وشربه الصَّبِي فِي خمس رَضعَات فَقَوْلَانِ الْأَصَح حُصُول الْعدَد نظرا إِلَى تقطع الْوُصُول وَالثَّانِي أَنه ينظر إِلَى اتِّحَاد الْحُصُول والإنفصال وَإِن حلب خمس دفعات وتناوله الصَّبِي من إِنَاء وَاحِد دفْعَة وَاحِدَة فَهُوَ رضعة فَإِن تنَاوله بدفعات فطريقان مِنْهُم من قطع بِالْعدَدِ لتَعَدد الطَّرفَيْنِ وَمِنْهُم من قَالَ اللَّبن فِي حكم المتحد لما اخْتَلَط الْأَمر الثَّانِي أَن يَتَعَدَّد الْمُرْضع ويتحد الْفَحْل كَالرّجلِ لَهُ خَمْسَة مستولدات أَو أَربع نسْوَة ومستولدة أرضعن بلبانه صَغِيرَة كل وَاحِدَة مرّة لَا تحصل الأمومة وَهل تحصل الْأُبُوَّة للفحل فِيهِ وَجْهَان مشهوران
أَحدهمَا أَنه لَا تحصل لِأَن الأمومة أصل والأبوة تبع وَالثَّانِي تحصل لِأَن الْأُبُوَّة أَيْضا أصل وَقد حصل الْعدَد فِي حَقه وَلَو كَانَ بدلهن خمس بَنَات فَوَجْهَانِ مرتبان وَأولى بِأَن لَا تحصل لِأَن اللَّبن لَيْسَ مِنْهُ حَتَّى نقُول كَأَنَّهُ الْمُرْضع وَهن كالظروف للبنه لِأَن الْبَنَات كَبِنْت وَاحِدَة من وَجه وَالْأَخَوَات كالبنات وَإِذا ثبتَتْ الْحُرْمَة مَعَ ابْنَتَيْهِ انجرت إِلَيْهِ وَلَو كن مختلفات كَأُمّ وَأُخْت وَبنت وَجدّة وَزَوْجَة فَالظَّاهِر أَنه لَا يحرم لِأَن هَذَا الْمَجْمُوع لَا يحصل مِنْهُ قرَابَة وَاحِدَة يعبر عَنْهَا بِعِبَارَة وَقيل يحرم إِذْ لَو استتمت كل وَاحِدَة خمْسا لحرمت فرع يعْتَبر تخَلّل فصل بَين رَضعَات الزَّوْجَات فَلَو أرضعن دفْعَة وَاحِدَة على التواصل فَوَجْهَانِ أَحدهمَا أَنه يَتَعَدَّد لتَعَدد الْمُرْضع وَالثَّانِي أَنه يتحد كتعدد الثدي من وَاحِدَة لِأَن الصَّبِي ارتضع دفْعَة وَاحِدَة فعلى هَذَا لَو عَادَتْ وَاحِدَة وأرضعت أَرْبعا حرم عَلَيْهَا لِأَنَّهَا كملت الْخمس وَفِيه وَجه أَنه لَا يحرم لِأَن الرضعة الأولى لم تحسب رضعة تَامَّة وَلَو حسبت لحصل التَّحْرِيم بالمجموع وَهَذَا ضَعِيف
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِيمَن يحرم بِالرّضَاعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَيحرم بِالرّضَاعِ أصُول وفروع وَالْأُصُول ثَلَاثَة الْمُرضعَة وَهِي الْأُم وَزوجهَا وَهُوَ الْأَب والمرتضع وَهُوَ الْوَلَد وَمِنْهُم تَنْتَشِر الْحُرْمَة إِلَى الْأَطْرَاف حَتَّى يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب بَيَانه أَنه إِذا حرم على المرتضع الْمُرضعَة حرم عَلَيْهَا أمهاتها نسبا ورضاعا فَإِنَّهُنَّ جدات وَحرم عَلَيْهِ أخواتها نسبا ورضاعا فَإِنَّهُنَّ خالات وَلم تحرم عَلَيْهِ بَنَات أخواتها وإخوتها فَإِنَّهُنَّ بَنَات الخالات والأخوال وَحرمت بناتها عَلَيْهِ نسبا ورضاعا فَإِنَّهُنَّ أَخَوَات المرتضع وَحرمت أَوْلَاد بَنَات الْمُرضعَة قربن أَو بعدن من النّسَب وَالرّضَاع فَإِنَّهُ خالهن وكما حرمت الْمُرضعَة على المرتضع حرمت على أَوْلَاده من النّسَب وَالرّضَاع فَإِنَّهُم حوافدها وَلم تحرم على أَب المرتضع فَلَو تزوج بهَا أَبوهُ فَكَأَنَّهُ تزوج بِأم الابْن وَلَا منع مِنْهُ وَلَو تزوج أَخُوهُ بهَا فَلَا منع وَكَأَنَّهُ تزوج بِأم الْأَخ وَهُوَ جَائِز وَإِنَّمَا لَا يجوز فِي النّسَب لِأَنَّهَا زَوْجَة الْأَب وَذَلِكَ حرَام بِحكم الْمُصَاهَرَة وَهَذَا الْقيَاس بِعَيْنِه جَار بَين المرتضع والفحل فَإِذا كَانَ هُوَ للمرتضع أَبَا فأبوه جد وَأَخُوهُ عَم وَابْنه أَخ وعَلى هَذَا الْقيَاس
وَالْأَصْل فِي الْفَحْل أَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا احْتَجَبت من أَفْلح فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ليلج عَلَيْك فَإِنَّهُ عمك وَكَانَت قد ارتضعت من زَوْجَة أَخِيه وَلَا يُخَالف الرَّضَاع النّسَب إِلَّا فِي أم الْأَخ من الرَّضَاع وَأم الإبن من الرَّضَاع فَإِنَّهُمَا لَا يحرمان من الرَّضَاع وَإِنَّمَا يحرمان من النّسَب للمصاهرة والزوجية
فصل فِي مسَائِل تتَعَلَّق بالفحل خَاصَّة
فَنَقُول إِنَّمَا تثبت الْحُرْمَة من الْفَحْل إِذا أرضعت بلبانه وَنسب اللَّبن ينْسب الْوَلَد إِلَيْهِ وكل ولد منفي عَنهُ فاللبن الْحَاصِل بِسَبَبِهِ منفي عَنهُ كَوَلَد الزِّنَا وَالْولد الْمَنْفِيّ بِاللّعانِ وَأما لبن الْمَوْلُود من وَطْء الشُّبْهَة فَالصَّحِيح أَنه مَنْسُوب إِلَيْهِ كَالْوَلَدِ وَقد نقل فِيهِ قَول وَوَجهه أَن النّسَب يثبت للضَّرُورَة وَلَا ضَرُورَة فِي الرَّضَاع وَكَذَا طردوا هَذَا القَوْل فِي الصهر
فرعان
أَحدهمَا أَنه لَو وطِئت الْمَنْكُوحَة بِالشُّبْهَةِ وَأَتَتْ بِولد بِحَيْثُ يعرض على الْقَائِف وفرعنا على الصَّحِيح فِي ثُبُوت الرَّضَاع بِوَطْء الشُّبْهَة فالرضاع تبع للنسب فَإِذا أرضعت صَغِيرا فَهُوَ ولد من ألحق الْقَائِف بِهِ الْمَوْلُود فَإِن لم يكن قائف وَبلغ الْمَوْلُود وانتسب إِلَى أَحدهمَا تبعه المرتضع فِي الرَّضَاع فَإِن مَاتَ قبل الإنتساب فَفِي الرَّضِيع ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه ينتسب بِنَفسِهِ كَالْوَلَدِ لِأَنَّهُ تَابع والآن مَاتَ الْمَتْبُوع فَقَامَ مقَامه وَلَكِن هُوَ ينتسب عِنْد عدم الْوَلَد
وَالثَّانِي أَنه لَا ينتسب لِأَن الْوَلَد يَبْنِي على ميل فِي الطَّبْع تَقْتَضِيه الْخلقَة وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق فِي الرَّضَاع فعلى هَذَا نسبه فِي الرَّضَاع مُبْهَم بَينهمَا فَيحرم عَلَيْهِ مواصلتهما جَمِيعًا وَهَذَا هُوَ الْأَصَح وَالثَّالِث أَن الْأَمر مَوْقُوف وَالْحُرْمَة قَائِمَة وَعَلِيهِ أَن لَا يواصلهما جَمِيعًا وَلَكِن لَهُ مُوَاصلَة أَحدهمَا وَإِذا فعل تعين وَلم يجز لَهُ بعد ذَلِك مُوَاصلَة الثَّانِي وَإِن طلثق الأول وَفِيه وَجه أَن لَهُ مُوَاصلَة الثَّانِي مهما طلق الأول وَإِنَّمَا يحرم عَلَيْهِ الْجمع لِأَن يتَيَقَّن التَّحْرِيم عِنْد الْجمع لَا عِنْد الْإِفْرَاد وَفِي الْمَسْأَلَة قَول آخر أَنه يثبت نسبه فِي الرَّضَاع مِنْهُمَا لِأَنَّهُ يحمل أَبَوَانِ من الرَّضَاع وَلَا يحمل من النّسَب وَهَذَا ضَعِيف إِلَّا أَن يُرَاد بِهِ شُمُول التَّحْرِيم وَذَلِكَ صَحِيح الْفَرْع الثَّانِي إِذا طلق زَوجته ولبنها دَار فَهُوَ مَنْسُوب إِلَيْهِ أبدا وَكَذَلِكَ لَو انْقَطع وَعَاد مَا لم تضع حملا من واطىء آخر وَقيل إِنَّه يتَقَدَّر بِأَرْبَع سِنِين وَهُوَ أقْصَى مُدَّة الْحمل وَهُوَ فَاسد لِأَن اللَّبن لَا تتقدر مدَّته وَمهما وضعت حملا من واطىء لخر شُبْهَة أَو نِكَاح انْقَطع نِسْبَة اللَّبن عَنهُ اما فِي مُدَّة الْحمل فِي النِّكَاح الثَّانِي فَهُوَ مَنْسُوب إِلَى الأول إِن قَالَ أهل الْبَصَر لم يدْخل وَقت درور اللَّبن من الثَّانِي فَإِن قَالُوا دخل فَفِيهِ نظر فَإِن كَانَ اللَّبن لَا يَنْقَطِع فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهمَا أَنه للْأولِ استصجابا وَالثَّانِي أَنه لَهما وَالثَّالِث أَنه إِن زَاد اللَّبن فَلَهُمَا وَإِلَّا فَهُوَ للْأولِ
وَأما إِذا كَانَ قد انْقَطع وَعَاد بِالْحملِ فَثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهمَا أَنه للْأولِ إِذْ لم يطْرَأ قَاطع مَعْلُوم فَلَا نبالي بقول أهل الْبَصَر إِن ذَلِك جَائِز وَلَا بِانْقِطَاع اللَّبن وَالثَّانِي أَنه للثَّانِي لِأَن الْحمل نَاسخ وَالثَّالِث أَنه لَهما جَمِيعًا وَالله أعلم